كتاب اللعان
[1450] مسألة: إذا قذف زوجته فادعى الرؤية وكانت ممّن يحدّ قاذفها لزمه الحدّ، وله التخلّص من ذلك باللّعان أو البينة.
واللّعان حجة له يسقط بها عن نفسه ما لزمه من الحد، فإن امتنع منه لم يجبر عليه، وحد، فإن لاعن سقط الحدّ عنه ولزم المرأة؛ ولها أن تخلّص نفسها باللّعان، وقال أبو حنيفة الواجب بقذف الزوجة اللعان دون الحد، وإن لاعن الزوج وإلا حبس حتى يلتعن، فإذا التعن وجب عليها اللّعان، فإن التعنت وإلا حبست حتى تلتعن، والكلام في موضعين: أحدهما أن الزوج يحدّ للقذف بامتناعه من اللعان إذا طالبته المرأة بذلك، وعندهم يحبس ولا يحد، والاخر أن المرأة يلزمها الحدّ بالتعان الزوج إلا أن تسقطه عن نفسها باللعان، وعندهم لا حدّ عليها.
فدليلنا على الفصل الأول قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم " فعم، ولأنها حرة مسلمة عفيفة قذفها من لم يحقق قذفها، فوجب أن يحدّ لهأ، أصله الأجنبية.
ودليلنا على الثاني قوله تعالى: " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله " فذكر لعان الزوج، ثم عقبه بالإخبار عمّا يسقط عنها العذاب المتوجه عليها بلعانه بأن تلتعن، ولأنه معنى يخرج به القاذف عن
قذفه، فجاز أن يجب به حدّ كالبينة.
[1451] مسألة: وللزوج أن يلاعن وإن قدر على إقامة البينة، خلافًا لقوم؛ لأن اللّعان يستفاد به ما لا يستفاد بالبينة من نفي الولد وزوال الفراش، والحاجة، داعية إليه مع وجود البينة، كما تدعو إليه مع عدمها فجاز في الحالين.
[1452] المسألة: اللّعان بين كل زوجين مكلفين، حرين كانا أو عبدين، متكافئين، أو أحدهما، عدلين أو فاسقين، وقال أبو حنيفة لا يصحّ إلا بين زوجين يكونان من أهل الشهادة، وذلك أن يكونا حرين مسلمين، وأما العبدان المحدودان في القذف فلا يجوز عنده لعانهما، وكذلك إن كان أحدهما من أهل الشهادة والآخر ليس من أهلها، والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما هذا والآخر هل اللعان يمين أو شهادة، فعندنا أنه يمين، وعنده أنها شهادة.
فدليلنا على الفصل الأول: قوله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم " فعم، ولأن كل زوج صحّ قذفه صحّ لعانه، أصله الحر، ولأن كل معنى صحّ أن يخرج به من القذف من كان من أهل الشهادة، صحّ أن يخرج به منه من ليس من أهلها، أصله البينة.
ودليلنا على الفصل الثاني قوله صلى الله عليه وسلم لما جاءت به على النعت المكروه: «لولا الأيمان لكان لي ولك شأن»، ولأنه بخلاف الشهادات في كثيرٍ من شروطها، منها دخول النساء فيه، ولا مدخل لهن في الشهادة على الزنا، وتكرار ألفاظه، ولعن الملتعن نفسه إن كان ما شهد به على خلاف شهادته، وجوازه من الفاسقين وإن لم يكونا من أهل الشهادة، وكذلك الأعمى، فدل على أنه يمين وليس بشهادة.
[1453] مسألة: إذا قذف زوجته ولم يضف القذف إلى مشاهدة ففيها روايتان: إحداهما أنّه يلاعن، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والأخرى ليس له أن يلاعن.
فوجه الأول عموم الظاهر، ولأن كل معنى صحّ الخروج به عن القذف المضاف إلى مشاهدة صح الخروج به من القذف المطلق كالبينة، ولأنه قذف مضاف إلى الزوجة، فجاز تحقيقه باللّعان، أصله المضاف إلى الرؤية.
ووجه الثانية أنّه معنى يتخلّص به من القذف فوجب أن يفتقر إلى مشاهدة كالشهادة.
[1454] مسألة: لعان الأخرس جائز إذا فهمت إشارته، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا يصحّ لعانه ولا قذفه؛ لعموم الظاهر، ولأنّ كل من صحّ نكاحه وطلاقه صحّ قذفه كالناطق، ولأنه حكم يفهم بالإشارة من جهته فجاز أن تقوم الإشارة فيه عند العجز مقام النطق كاليمين والإقرار.
[1455] مسألة: إذا قذف زوجته ولاعنها، فقذفها أجنبي بذلك الزنا لزمه الحدّ إلا أن يقيم البينة، وقال أبو حنيفة إن كان النسب لم يثبت أو ثبت ولكن مات الولد فلا حدّ عليه، وإن كان بقي النسب والولد باق فعليه الحدّ؛ فدليلنا قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " وهذه محصنة، ولأن رمي الزوج لا يسقط حصانتها، ولأنّها محصنة يحد قاذفها كما لو نفي الولد.
[1456] مسألة: إذا قال لزوجته: زنيت قبل أن أتزوجك حدّ ولم يلاعن، وقال أبو حنيفة يلاعن عنها؛ ودليلنا قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات " فعم ولأنه قاذفها بزنا لو حملت منه لم يلحق به نسب، فلم يكن له أن يلاعن كما لو قذف أجنبية ثم تزوجها.
[1457] مسألة: إذا أبان زوجته ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية، فإن لم يكن هناك نسب ينفيه حد ولم يلاعن، وإن كان هناك نسب وادعى أنه من ذلك الزنا فله أن يلاعن وينفيه، وحكي عن عثمان البتي أنّه يلاعن وإن لم يكن نسب، وقال أبو حنيفة ليس له أن يلاعن على الموضعين.
فدليلنا على البتي أنه لا ضرورة به إلى هذا القذف لأنها ليست بفراش له، ولا هناك نسب ينفيه فيكون اللعان لأجله، فوجب أن يحد ولا يلاعن كقذفه لأجنبية.
ودليلنا على أبي حنيفة أنه نسب يحتاج إلى نفيه، فجاز له نفيه باللّعان كقذفها بعد الطلاق.
[1458] مسألة: إذا نفى حمل زوجته على الشروط المعتبرة فيه فله أن يلاعنها قبل الوضع، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا يلاعن إلا بعد أن تضع؛ لعموم الظواهر، ولأن كل نسب جاز إسقاطه باللّعان بعد انفصال الولد جاز إسقاطه قبله كالفراش.
[1459] مسألة: إذا قذف امرأته بأنها وطئت في الدبر لزمه الحدّ، وله إسقاطه باللعان، وقال أبو حنيفة لا لعان عليه في ذلك، وبناه على أصله وأن الحدّ لا يجب باللواط ولا بإتيان المرأة في الدبر؛ فدليلنا على وجوب الحدّ بذلك أنّه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل، فجاز أن يجب به الحدّ كالفرج، فإذا ثبت أن الحد يلزم بالوطء فيه قلنا لأنّه فرج يجب بالإيلاج فيه الحدّ، إذا رماها بالفحش فيه كان له تحقيق ذلك باللعان، أصله القبل.
[1460] مسألة: يلتعن في النكاح الفاسد، كان هناك نسب ينفيه أم لا، وقال أبو حنيفة لا لعان فيه على كلِّ وجه، وقال الشافعي إن كان هناك نسب ينفيه لاعن وإلا لم يلاعن، فدليلنا على أبي حنيفة أنَّه نكاح يثبت به الفراش فجاز اللّعان فيه كالصحيح، ودليلنا على الشافعي أنّه أحد موجبي اللعان يوجب في النكاح الصحيح، فوجب أن يوجبه في النكاح الفاسد كنفي النسب.
[1461] مسألة: إذا قذف امرأته وأمها بالزنا حدّ لهما جميعًا، وله أن يلاعن الزوجة ويسقط عنه حدّها، وليس له الخروج عن حدّ الأم إلا بالبينة، ولا يتعلّق أحد الحدّين بالآخر، وأيهما حدَّ لها لم يسقط حدّ الأخرى إذا كان بألفاظ متفرِّقة؛ وقال أبو حنيفة إذا حدّ للأم سقط حدّ البنت، وإن لاعن البنت لم يسقط حدّ الأم؛ فدليلنا: أنهما حقان واجبان بالقذف فلم يسقط أحدهما باستيفاء الآخر، كما لو لاعن الابنة فإنه لا يسقط حق الأم، لأنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يسقط حق أحدهما باستيفاء الآخر كالديون.
[1462] مسألة: إذا لاعنت المرأة قبل الزوج لم يعتدّ بذلك، خلافًا لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله " وهذا يقتضي أن يكون العذاب قد وجب عليها بلعان الزوج حتى تدرأه باللعان.
[1463] مسألة: من أحكام اللعان ما يتعلق بلعان الزوج وحده، من ذلك هو وجوب الحدّ عليها وانتفاء النسب، ومنها ما يفتقر إلى لعانهما وهو الفرقة والتحريم المؤبد، وقال الشافعي كل ذلك يتعلق بلعان الزوج وحده؛ فدليلنا على أن الفرقة لا تقع بلعانه وحده، أنّ هلال بن أمية لما
التعن دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فلمّا التعنت فرق بينهما، فذكر الحكم وسببه، ولأنَّ اللّعان لم يكمل [فلا] فرقة، أصله إذا لم يكمل من الزوج، ولأنه لعان من أحد الزوجين، فكان له تأثير في الفرقة كلعان الزوج.
[1464] مسألة: تقع الفرقة بنفس الفراغ من التعانهما من غير حاجة إلى حكم حاكم به، وقال أبو حنيفة لا تقع إلا بحكم الحاكم؛ فدليلنا أنّه صلى الله عليه وسلم نفى اجتماعهما عند حصول التسمية لهما، وذلك حاصل وإن لم يحكم به حاكم، ولأن النسب لا يتعلّق بلعانها لأنها هي تثبته باللعان وهو ينفيه، فلا معنى لحكم الحاكم.
[1465] مسألة: فرقة اللّعان فسخ، وقال أبو حنيفة طلاق؛ وفائدة ذلك عنده أنّها غير مؤبدة فلذلك كان طلاقاً؛ فدليلنا على أنّه فسخ أنه معنى غالب يوجب الفرقة فكان فسخاً كالرضاع.
[1466] مسأله: إذا وقعت الفرقة باللعان ثم أكذب نفسه حدّ ولحق به النسب، ولم يزل التحريم، وحكي عن بعض التابعين أنّها تعود زوجة، وقال أبو حنيفة يجوز له العقد عليها؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبيل لك عليها»
ولأنّه تحريم لا يرتفع بزوج وإصابة، فوجب أن يكون مؤبدًا كالرضاع، ولأن اللعان قد وجد منهما جميعاً، فأشبه أن يستمر عليه ولا يكذب نفسه.
[1467] فصل: وحكى أهل الخلاف عن عثمان الليثي أنه لا تقع الفرقة باللّعان وأنهما على الزوجية؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها» وروي أنه فرق بين المتلاعنين، ولأنه لما قطع به النسب الذي هو أقوى من الفراش كان بأن يقطع الفراش أولى.
[1468] مسألة: إذا حكم الحاكم بنفي النسب أو بغير ذلك من أحكام اللعان قبل تمام الالتعان لم ينفذ حكمه، وقال أبو حنيفة ينفذ إذا كان الزوج قد أتى بأكثر ألفاظ اللعان؛ فدليلنا قوله تعالى: " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله " إلى قوله: "والخامسة" فنص على أن الحدَّ لا يسقط عنها إلا أن تأتي بالعدد المذكور، فمن قال إنه يسقط بدونه فقد خالف الظاهر، ولأنه معنى ذو عدد يتخلَّص به من القذف فوجب ألا يتخلّص ببعض عدده كالبينة.
[1469] مسألة: إذا قذف امرأته برجل بعينه يحدّ قاذفه، لاعن امرأته وحد للرجل، وقال الشافعي إذا التعن سقط عنه حدّ الرجل؛ فدليلنا أنه قذف شخصين يحد قاذفهما، فتخلّصه من قذف واحد لا يسقط حد الآخر، أصله إذا قذفه بأجنبية.
[1470] مسألة: إذا قذفها برجل ولم يسمّه لاعنها ولم يحد عن الرجل، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يسقط حدّ الرجل؛ فدليلنا أن حدّ القذف لا يجب استيفاؤه إلا بالمطالبة، فإذا لم يسم المقذوف لم تصحّ
المطالبة، فلم يجب الحدّ إذا عين المزني بها ولم يعينه، ولأنّه قد يكون قاذفًا من لا حدّ في قذفه، ولأنه لو قال رأيت رجلاً يزني لم يحدّ قاذفه.
[1471] مسألة: إذا قذفها بالزنا فصدّقته حدّت، ولم يلزمه حدّ القذف، فإن كان هناك نسب ينفيه لاعن، وإن لم يكن نسب لم يلاعن، وقال أبو حنيفة لا حدّ عليها لأنَّ عنده الاعتراف بالزنا مرة لا يوجب الحدّ، قال ولا يلاعن الزوج، لأنه يقول إن اللّعان إذا تعذر من جهة المرأة سقط عن الزوج؛ فدليلنا على أنّه يلاعن أنه محتاج إلى اللّعان لدفع النسب بعد تصديقها، كحاجته إليه قبله فكان له اللّعان في الحالين.
[1472] مسألة: تلاعن من نفي الحمل وإن عري عن القذف، خلافاً للشافعي؛ لأنه رماها بوطء لو كان له ولد لحق به، فكان له تحقيق ذلك باللّعان كما لو ضامه القذف، ولأن به ضرورة إلى نفي النسب موجودة وهو أصل ما وضع له الحد، ولا ضرورة به إلى القذف، لأن الدعوى تتم مع عدمها [و] كل ما صحت الدعوى مع فقده لم يكن وجوبه شرطاً، كسائر ما تستغنى الدعوى عنه.
[1473] مسألة: إذا أتت بولدين توأمين فنفاهما ثم مات أحدهما قبل الالتعان كان له أن يلتعن وينفي نسبهما، وقال أبو حنيفة لا يصحّ نفي نسب الميت ويلحق به، وإذا لحق به نسب الميت لحق به نسب الحي، فدليلنا أن به حاجة إلى نفي نسب الميت كحاجته إلى نفي نسب الحي، لأن النسب لا يبطل بالموت، يبين ذلك أنه قد يموت الميت عن ولد
فيلحق بالزوج وإن لم ينف الميت عنه، وإذا كان كذلك ثبت حاجته إلى نفي نسبه فكان له أن يلاعن.
[1474] مسألة: إذا نفى الولد باللّعان ثم مات الولد، فاعترف به بعد موته، فإن كان الميت ترك ولدًا أو ولد ولدٍ لحق به، فإن لم يترك ولدًا ولا ولد ولدٍ حدّ ولم يلحق به، وقال الشافعي يلحق به ويستحق ميراثه كما لو كان حياً، فدليلنا أن إقراره يتضمّن شيئين: أحدهما كذبه، وهو معنى لا يتهم فيه فضرب الحد، والآخر استحقاق ميراثه منه مع انتفاء الحاجة إلى الإقرار، فلم يقبل للتهمة وانتفاء الحاجة، ويفارق ذلك إذا كان هناك ولد للميت.
لأن به حاجة إلى الإقرار بنسبه.
[1475] مسألة: إذا شهد أربعة بالزنا على امرأة لم تقبل شهادة الزوج عليها ويلاعن ويحد الثلاثة، وقال أبو حنيفة يقبل إذا لم يكن قد تقدم منه قذف لها ويحد للمرأة؛ فدليلنا قوله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم "، الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم لهلال: «ألك بينة وإلا حد في ظهرك»، ولو كان يجزيه ثلاثة مع شهادته لم يكلفه أربعة، ولأنها بينة في الزنا لم تتم إلا بالزوج، فوجب أن لا يحكم بها كما لو قذفها ثم شهد عليها بعد القذف.
[1476] مسألة: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي: يا زانية بلفظ التأنيث، أو قاله أجنبي لأجنبي، فلا نعرف فيها نصاً، وقال من أدركناه من
شيوخنا يجب أن يكون قذفاً، خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف؛ فدليلنا أن اللّفظ إذا فهم معناه لم يضر دخول اللّحن والغلط في اللّفظ من موجبه، أصله لو لحن فيه فقال: أنت زانياً، وقد ذكر عنهم أنّهم يسلّمون أن قول الرجل للمرأة يا زان، قذف، فنقيس عليه قول المرأة للرجل يا زانية، ولأن أشد ما في ذلك أن يكون تعريضاً، وذلك يوجب الحدّ عندنا، ولأن له وجهاً صحيحاً يعبر عنه بهذه العبارة وهو أن يريد يا نسمة زانية.
[1477] مسألة: إذا بانت منه زوجته بالطلاق الثلاث أو بالخلع، ثم قال: رأيتها تزني في عدتها، فله أن يلاعن، كان هناك حمل أو لم يكن، وقال الشافعي: له أن يلاعن إن كان هناك نسب ينفيه، فإن لم يكن نسب فليس له أن يلاعن، وقال أبو حنيفة ليس له أن يلاعن على كل وجه.
فدليلنا على الشافعي أنه قد يأتي من أهل الزنا ولد يخاف أن يلحق به إن لم ينفه، ولأنه قذفها بشرط حصل وحكم الفراش ثابت في الماء والنسب، فجاز له تحقيقه باللعان، أصله إذا كان هناك نسب.
ودليلنا على أبي حنيفة أنه قذف هو محتاج إليه فجاز له تحقيقه باللّعان كما لو قذفها قبل الطلاق، ولأنه قذفها بزنا في حال لو أتت بولد للحق به فكان له تحقيقه باللّعان، أصله الزوجة.
[1478] مسألة: إذا ظهر بالمرأة حمل والزوج حاضر فلم ينفه حتى وضعت، أو قبل أن تضع وقد سكت عن نفيه بعد علمه به، لم يكن له أن يلاعنها ويلحق به إلا أن يكون له عذر في سكوته، وقال أبو حنيفة له أن ينفيه بعد الوضع بيوم أو يومين؛ فدليلنا على أنّه لا يلاعن، أن العرف يكدذبه لأنه ليس لسكوته وجه يحمل عليه إلا الرضا، لأنه لو أراد نفيه لم يسكت عنه، فلمّا سكت عنه وهو قادر على نفيه ولا عذر له في سكوته كان كاعترافه به.
[1479] مسألة: إذا قال لها: يا زانية، فقالت بك زنيت، فذلك صريح في القذف، فإن كانت أجنبية حدت للزنا وحدّت للقذف ولا حدّ عليه، وإن كانت زوجة فكذلك أيضاً، ولا لعان على الزوج، وقال الشافعي
ليس ذلك بصريح في القذف، فإن أرادت به القذف كان قذفاً، وللزوج أن يلاعن؛ فدليلنا أن قولها: بك زنيت تصديق منها له بأنّها زنت وادعاء عليه أنّه زنى كما لو قالت: زنيت وزنيت أنت.
[1480] مسألة: الأمة تصير فراشاً بوطئه وبإقراره بالوطء، فإذا أتت بولد لستة أشهر من يوم وطئها أو أقر بوطئها ثبت نسبه منه، إلا أن ينفيه فيدّعي الاستبراء، وقال أبو حنيفة لا تصير فراشاً بحال ولا يلحق به ولدها إلا أن يقر بنسبه؛ فدليلنا حديث سعد وعبد بن زمعة لما اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابن وليدة زمعة، فقال سعد: أخي عهد إلي فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد بن زمعة، وقال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، ولأن الوطء بالملك سبب يثبت به تحريم المصاهرة، فجاز أن تصير به المرأة فراشاً كعقد النكاح، ولأنّه وطء لا يجب به الحدّ على الواطىء بحال، صادف من ليست بفراش فجاز أن يثبت به الفراش كالوطء في النكاح الفاسد.
[1481] مسألة: إذا عقد على امرأته فأتت بولد لا يمكن أن يكون منه لم يلحق به، وقال أبو حنيفة إمكان الوطء غير معتبر في لحوق النسب، والمعتبر حصول العقد وكون الزوج ممن يمكنه الوطء؛ فدليلنا أنها أتت بولد لا يمكن أن يكون منه، فوجب أن لا يلحق به كالصغير.
بسم الله الرحمن الرحيم