له أكل اللحم لحق الله تعالى، وإذا لم تبحه له لم تبحه لغيره؛ لأن الذكاة إذا أباحت أكل المذكي لم تتخصص.
ولأن كل صيد كان محظوراً على صائده لحق الله تعالى فتذكيته إياه لا تصح كالخنزير.
[813] مسألة: إذا قتل المحرم الصيد وأكله لم تلزمه بأكله كفارة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يضمنه بالقيمة؛ لأنا قد قلنا: إن تذكيته لا تعمل في الصيد، فإذا ثبت ذلك فكأنه أكل ميتة، فلم يضمنه كما لو مات حتف أنفه فأكل منه.
ولأنه إتلاف لجزء فلم يضمن بالجزاء، أصله لو أحرقه.
[814] مسألة: فإذا دل المحرم على صيد أساء ولا جزاء عليه.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: عليه الجزاء.
لقوله عز وجل: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء﴾، دليله إن لم يقتل فليس عليه جزاء.
ولأنه سبب لا يضمن به الآدمي بحال، فوجب ألا يكون مضموناً به الصيد، أصله الدلالة التي يستغني عنها.
ولأنه ضمان نفس فلم يتعلق بالدلالة كضمان الآدمي.
[815] مسألة: وصيد الحرم مضمون بالجزاء على الحلال والحرام.
خلافاً لداود.
لقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾.
وهذا يتناول الحرام بالإحرام والحرم.
ولأنه يسمى محرماً لكونه في الحرم، فإذا ثبت ذلك فكل معنى يسمى به محرماً فمتى قتل الصيد فيه كان مضموناً بالجزاء كالإحرام.
[816] مسألة: وللصوم مدخل في ضمان صيد الحرم.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا مدخل له فيه.
لأنه صيد مضمون لحق الله عز وجل، أصله ما ذكرناه.
[817] مسألة: الحلال إذا صاد في الحل، ثم أدخله الحرم فله التصرف فيه كيف شاء بالذبح وغيره، فإن ذبحه فلا جزاء عليه.
خلافاً لأبي حنيفة
في قوله: ليس له ذبحه، وإنه إن ذبحه لزمه الجزاء.
لأنه لما جاز له إمساكه والتصرف فيه وهو حلال في الحرم، جاز له ذبحه كالنعم.
ولأن كل من جاز له تملك صيد بالشراء والأمر لغيره باصطياده جاز له ذبحه، أصله الحلال في الحل.
ولأنه لو منع من ذلك فسد لحم الصيد، وأدى أن لا يأكل أهل الحرم إلا متغيراً، والفرق بين حرمة الإحرام وحرمة الحرم: أن الإحرام لا يدوم فلا تلحق مشقة في المنع حال حصوله، وحرمة المكان باقية فتلحقهم المشقة بالمنع من الذبح فيه.
[818] مسألة: إذا قتل المحرم صيداً مملوكاً فعليه القيمة مع الجزاء.
خلافاً لمن قال لا جزاء عليه.
وعَكَسَ أصحابُ الشافعي عَنّا على ضرب من التحريف وقلة التحصيل.
فدليلنا قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل﴾، ولم يفرق.
ولأنه ممنوع من قتله بحرمة الإحرام كالذي ليس بمملوك، ولأن الحقين المختلفين لا يتداخلان كالدية والكفارة في حق الآدمي.
[819] مسألة: والواجب في جزاء الصيد هدي، ولا بد أن يساق من الحل إلى
الحرم.
خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، في قولهما إن اشتراه من الحرم ونحره أجزأه.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ساق هديه من الحل إلى الحرم، فكان فعله بياناً للمناسك.
ولأنه لو اشتراه في الحل ونحره هناك لم يجزه؛ لأنه لم يجمع له بين الحل والحرم، كذلك إذا أفرده بالحرم فلا يجزيه، وكذلك حكم هدي التمتع والقِرَان وغير ذلك.
لأن اسم الهدي مأخوذ من الهدية والإهداء، فيجب أن يهدى من غير الحرم إلى الحرم.
ولأنه لما كان المحرم يجمع في إحرامه بين الحل والحرم فكذلك في هديه لأن الهدي له محل كما أن الإحرام له محل.
[820] مسألة: إذا قطع من شجر الحرم شيئاً أساء ولا جزاء عليه.
وقال أبو حنيفة ما ينبته الآدميون لا يضمن، سواء كان بإنبات الله تعالى أو بإنبات الآدمي، وما أنبته الله عز وجل في العادة فإنه يضمن.
ودليلنا أنه أتلف شيئاً من الجمادات دون الحيوان.
فلم يجب الجزاء فيه بإتلافه، أصله غير الشجر، واعتباراً بالاذخر وما يقطع في المنفعة.
ولأن ما لزم الحلال جزاؤه في الحرم لزم المحرم مثله في الحل كالصيد.
فلو كان الشجر مضموناً بالجزاء للزم ذلك المحرم في كل الحل.
[821] مسألة: إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فعلى كل واحد جزاء كامل.
خلافاً للشافعي في قوله: إن عليهم جزاءً واحداً.
لقوله عز وجل: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فأوجب على من حصل قاتلاً الصيد جزاءً مثله ولم يفرق بين أن ينفرد بقتله أو يشارك مثله.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الضبع صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم).
ولأنه محرم أتلف صيداً مضموناً بالجزاء فلزمه جزاء كامل، أصله إذا انفرد به.
ولأنه اشتراك في قتل نفس تجب الكفارة بقتلهما، فوجب أن يلزم كل واحد كفارة كاملة.
ولأنها نفس مقتولة تجب فيها الكفارة، فوجب أن تكون الكفارة بعدد القاتلين، أصله نفس الآدمي.
ولأنه معنى تتصف به الجماعة والآحاد لو انفرد كل واحد به لزمته كفارة كاملة، فكذلك إذا شارك فيها غيره، أصله الجماعة إذا اشتركت في الحلف على شيء واحد.
ولأن الجزاء عندنا كفارة وليس بدية.
يدل عليه قوله عز وجل: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فسماه كفارة، ولأنه حق لله عز وجل بإتلاف نفس للصيام فيه مدخل فوجب أن تكون كفارة، أصله حلق الرأس والتطيب.
[822] مسألة: لا يجوز للمحرم أن يأكل صيداً صِيدَ لمحرمين، ولا
ما دلَّ عليه.
وقال أبو حنيفة إن كان له فيه أثر لا يستغني عنه مثل أن يدل عليه وهو خفي لا يوصل إليه إلا بدلالته أو أعطاه سلاحاً، ولا سلاح معه فإنه يحرم أكله، فإن دل على صيد ظاهر وأعطاه سلاحاً ومعه سلاح، أو صيد لأجله فلا يحرم عليه أكله.
فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لحم الصيد لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم).
ولأنه صَيْدٌ للمحرم فيه أثر معاونة فأشبه ما لم يستغن عنه.
ولأنه صِيدَ للمحرم، فلم يجز له أكله، كما لو صاده بنفسه.
وذهب قوم إلى أن ليس للمحرم أكل لحم الصيد جملة.
ودليلنا الخبر.
ولأن جماعة من الصحابة أكلوا الصيد وهم محرمون.
[823] مسألة: ومن صيد لأجله صيد فأكل منه فعليه جزاؤه.
وإن أكل منه محرم غيره فلا شيء عليه.
وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا جزاء عليه.
ودليلنا: أنه إذا أكل منه كان كأنه أمر بقتله ورضي به، فلزمه الجزاء تغليظاً، وإلا كان فيه ذريعة إلى ركوب مثله.
[824] مسألة: إذا أحرم وعنده صيد وليس في يده، لم يزل ملكه عنه ولا يلزمه إرساله.
خلافاً لأحد قولي الشافعي، أنه يزول ملكه عنه وإن كان في يده.
لأنه معنى منع ابتداء ملكه في الإحرام فجاز أن لا يمنع الإحرام استدامته بالملك المتقدم كالدجاج.
[825] مسألة: الجراد مضمون بالجزاء.
خلافاً لمن قال لا جزاء فيه؛ لأنه من صيد البر كالطير.
[826] مسألة: إذا صال الصيد على المحرم فقتله دفعاً عن نفسه فلا جزاء عليه.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن كان مأكولاً فعليه جزاؤه؛ لأنه قتله بدفع مباح كما لو صال عليه رجل فقتله.
[827] مسألة: في بيض النعامة عشر ثمن البدنة،.
وقال الشافعي يضمن قيمته، وقال المزني وداود لا شيء عليه.
ودليلنا: أنه متولد من حيوان مضمون، فوجب رده إليه اعتباراً به كالجنين.
[828] مسألة: في حمام الحل حكومة.
خلافاً للشافعي في قوله: إن فيه شاة؛ لأنه حمام في غير الحرم كالمملوك.
[829] مسألة: صيد المدينة محرم.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مابين لابتيها حرام لا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها).
[830] مسألة: إذا ثبت أنه محرم فقال مالك لا جزاء عليه، وقال ابن أبي ذئب، فيه الجزاء.
فوجه قول مالك أن كل بقعة جاز دخولها بغير إحرام لم يضمن صيدها بالجزاء، أصله سائر البلاد.
ووجه قول إيجاب الجزاء؛ لأنه حرم يحرم صيده فضمن بالجزاء كمكة.
تفضيل المدينة على مكة
[831] مسألة: المدينة أفضل من مكة.
خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي.
لما روت عمرة عن رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (المدينة خير من مكة).
وقوله: (إني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به إبراهيم لمكة ومثله معه).
وقوله: (لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) ولم يقل ذلك في غيرها.
وقوله: (لا يخرج منها () أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه).
قاله في الأعرابي الذي استقاله بيعته.
وقوله: (اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكنني في أحب البقاع إليك).
وهذا نص لا نعدوه.
وقوله: (أمرت بقرية تأكل القرى، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد)، فلا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلا فضلها على غيرها.
وقوله: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها).
وقوله: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد).
ولا يجوز أن يسأل ربه عز وجل أن يحبب إليه الأدون زيادة على الأعلى.
وفيه أخبار كثيرة.
ولأن عمر أنكر على عبدالله بن عياش قوله: إن مكة خير من المدينة وقال: أنت القائل لمكة خير من المدينة.
ولم يحفظ عن أحد إنكاره عليه ما أنكره على عبدالله ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مخلوق منها، وهو خير البشر، وتربته خير الترب - صلى الله عليه وسلم -. ولأن فرض الهجرة إليها يوجب كون المقام بها قربة وطاعة، ويدل على فضيلتها على سائر البقاع.
الإحصار
[832] مسألة: إذا حل المحصر بعذر فلا هدي عليه خلافاً لأبي
حنيفة، والشافعي.
لأنه تحلل مأذون له فيه غير منسوب فيه إلى تفريط، ولا إدخال نقص، فلم يلزمه هدي اعتباراً به إذا أكمل حجه، ولأنه لما خفف عنه بجواز التحلل من إحرام قد عقده كان بأن يخفف عنه من إيجاب هدي أولى.
ولأن هذا الحج لم يجب عليه المضي فيه، ولا بد له من تحليل في غيره لم يلزمه هدي التحلل منه، كإحرام المرأة بغير إذن زوجها أو العبد بغير إذن سيده.
[833] مسألة: ولا قضاء عليه لما يحلل منه إذا لم يكن صَرورة عليه.
خلافاً لأبي
حنيفة.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صُدّ تحلل عنه وأصحابه، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء ولا نقل عن أحد منهم أنهم قضوا.
ولأنه ممنوع من الوصول إلى فعل المناسك بيد غالبة، فلم يلزمه قضاء، ما أصله إحرام العبد بغير إذن سيده.
[834] مسألة: إذا أحصر بمرض أو بأي شيء كان، سوى العدو فإنه لا يجوز له التحلل إلا بعمل العمرة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه يجوز.
لقوله عز وجل: ﴿أوفوا بالعقود﴾.
وقوله عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.
ولأنه متلبس بالحج لم يصده عنه يد غالبة، فكان كمخطئ الوقت، ولأنه معنى لا يمنع وجوب الحج في الابتداء، فلم يمنع التحلل منه كالضلال عن الطريق؛ لأن كل من لا يستفيد بالتحلل تخليصه من الأذى، فلا يجوز له التحلل كالضلال عن الطريق عكسه المحصور بعدو.
[835] مسألة: محل هدي الإحصار كله مكة، وقال الشافعي ينحره
حيث أحصر.
فدليلنا قوله عز وجل: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾.
ولأن موضوع تحللها يجب أن يكون محل هديه كالمحصور بعدو.
[836] مسألة: إذا شرط أن له التحلل بالمرض لم يؤثر ذلك الشرط، خلافاً للشافعي.
لأن كل معنى لم يجز التحلل منه إذا لم يشترط، لم يجز وإن شرط، أصله ضلال الطريق عكسه العدو.
الهدي
[837] مسألة: إذا أهدى بدنة أو بقرة أشعرها مع التقليد.
وقال أبو حنيفة لا
يشعرها.
ودليلنا ما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشعر بدنته وسلت الدم عنها.
[838] مسألة: لا تقلد الغنم ولا تشعر.
وقال الشافعي تقلد ولا تشعر.
فدليلنا ما روت عائشة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أهدى غنماً غير مقلدة).
ولأنه نوع من الحيوان يجوز في الهدي، فاستوى حكمه في التقليد والإشعار كالإبل والبقر؛ ولانه لو كان من سنتها التقليد لكان من سنتها الإشعار.
[839] مسألة: لا يصير بتقليد الهدي وإشعاره محرماً.
خلافاً لما يحكى عن ابن عباس.
لما روي عن عائشة أنها قالت: (كنت أَظْفُر قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يبعث بها، وهو مقيم ولم يكن يحرّم على نفسه شيئاً كان يحل له قبل ذلك).
ولأن الإحرام هو الاعتقاد والدخول في الحج، وذلك لا يوجب مع التقليد والإشعار.
[840] مسألة: لا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب.
خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إن البقرة والبدنة يجزيان عن سبعة، إلا أن أبا حنيفة يقول: إن قصد بعضهم القربة وبعضهم إباحة الأكل فلا يجوز الاشتراك.
ودليلنا ما روى ابن عباس قال: (ما كنت أرى دماً يقضي عن أكثر من واحد).
وعن ابن عمر أنه قال: (لا يشترك في شيء من النسك).
ولا مخالف لهما.
ولأن الاشتراك في الثمن يوجب أن يكون لكل واحد قسط من اللحم، وذلك يوجب القسمة وهي بيع.
ولأنه اشتراك في دم، فلم يجز في الهدي، أصله إذا قصد بعضهم الإباحة.
ولأنه حيوان يجزئ فيه الهدي كالشاة.
ولأنه حصل مخرجاً لِلَحْمِ بعض بدنه كما لو اشترى لحماً،
ولأنه إزالة ملك عن حيوان على وجه الحتم والوجوب فلم يصح الاشتراك فيه، أصله كفّارة العتق في القتل والظّهار.
ولأنه حيوان وجب عن جناية لحق عبادة، فلم يجز الواحد فيه عن سبعة، أصله الوطء في رمضان.
ولأنه اشتراك في دم واجب كالعشرة في بدنة.
841. مسألة: يؤكل من الهدايا كلها إلا من جزاء الصيد، ونسك الأذى، وما نذر للمساكين.
وقال الشافعي: لا يؤكل من شيء من ذلك.
وقال أبو حنيفة يؤكل من هدي التمتع والقران.
فدليلنا قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾، وقوله عز وجل: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا﴾، ولأنه هدي لم يسم للمساكين، ولا مدخل فيه لإطعام التطوع وهدي القران والتمتع، واعتباراً بالضحايا والعقائق.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما