الإشراف على نكت مسائل الخلافصفحات 521-560
أهل الأثرالأرشيف العلمي

البيع على الصفة

[842] مسألة: بيع الأعيان الغائبة بالصفة جائز، وكذلك الحاضرة التي تشق رؤيتها كالأعدال تباع على البرنامج، وشبهه.
خلافاً للشافعي في أظهر قوليه: إن الأعيان لا يجوز بيعها إلا على الرؤية.
لقوله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾.
ولأنه بيع معلوم للمتبايعين مقدور على تسليمه غالباً، فصح بيعه كالمرئي؛ ولأنه أحد حالات العين فجاز بيعها معها كحال المشاهدة، ولأن الصفة تقوم مقام الرؤية عند تعذرها كالسّلَم، ولأنها أحد نوعي المبيعات، فجاز أن تباع على الصفقة كالذي يباع على الذمة.
ولأن الرؤية لو كانت شرطاً في بيوع الأعيان لم يجز ألا يوجد في المقصود من المبيع وأن يشترط فيما ليس بمقصود منه كالصفة في السلم.
وقد ثبت أن بيع الجوز واللوز في قشرهما جائز وإن اشترى المقصود بالبيع على الرؤية، فدل على أنها ليست

شرطاً فيه؛ ولأن ما كان شرطاً في صحة عقد وجب مقارنته له، ولا يكتفي برؤيته له إذا لم يوجد في ذلك معنى العقد على التسليم، فلما اتفقنا على جواز بيع العين الغائبة إذا تقدمتها الرؤية دلّ على أنها ليست بشرط فيه، ولأنه عقد معاوضة فلم يبطله عدم رؤية المعقود عليه كالنكاح.

[843] مسألة: ولا يجوز بيع شيء بغير صفة ولا رؤية، خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه ذلك وإثباته للمبتاع خيار الرؤية، لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر وهذا منه؛ لأن المشتري يعقد على مجهول لم يعرفه برؤية ولا صفة، ولأن الجهل بصفة المبيع حال العقد يوجب بطلانه، أصله السلم بغير صفة.

[844] مسألة: إذا وُجِدَ المبيع بالصفة المشترطة لزم، ولم يكن للمبتاع خيار الرؤية إلا أن يكون اشترطه.
خلافاً لبعض الشافعية.
لأنه عقد صحيح على مبيع موصوف لم يشترط فيه خيار وجد على صفته، فلم يكن فيه خيار الرؤية، أصله السلم.
ولأنه مبيع سليم لم يشترط فيه خيار، ولا هناك عرف يوجبه فأشبه سائر المبيعات.
ولأن الصفة في بيوع الأعيان قد أقيمت مقام الرؤية، فيجب إذا وجد المبيع عليها ألا يثبت فيها خيار كما لو بيع على رؤيته.

الخيار

[845] مسألة: خيار المجلس غير ثابت.
خلافاً للشافعي.
لأنه عقد معاوضة فلم يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح والكتابة؛ ولأن كل خيار كان من مقتضى العقد جاز أن يبقى بعد الافتراق كخيار العيب وكل خيار لا يثبت بعد الافتراق فليس من مقتضى العقد كالخيار في غلاء الثمن وإرخاصه، ولأن خياره مجهول المدة كقدوم زيد.
فإن اعترضوا بأنه يثبت

بالشرط فلا أحفظ فيه نصاً، وفيه نظر.
ولأنه لو كان من مقتضى العقد لأمتنع بحيث يتعذر ولا يتصور، وذلك في شراء الأب لابنه من نفسه، والمخالف بين أمرين: إما أن يقول: إنه لا يثبت فيه خيار المجلس فتقيس عليه غيره من العقود، أو يقول: لو كان من مقتضاه لم يثبت العقد بحيث يتعذر كالسلم، وإما أن يقول: إنه يثبت فيه وذلك إحالة.

[846] مسألة: إذا اشترطا الخيار، أو أحدهما، فالمبيع على ملك البائع، ولا يزول إلا باختيار من له الاختيار، وبأن يحكم بانقطاعه، إن كان الخيار للمشتري وحده فقد خرج المبيع عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري.
وقال الشافعي ينتقل بنفس العقد، وله قول آخر: إنه يراعى.
ودليلنا أن الملك إنما ينتقل بحصول التبايع المحقق، وذلك بالإيجاب المحقق والقبول المحقق، فإذا شرط فيه الخيار، فالإيجاب غير محقق؛ لأنه مشروط بشرط يقع في المستقبل وهو الرضا به أو فسخه.
ولأنه إيجاب لا يلزم البائع الثبوت عليه، فلم ينتقل الملك به على التحديد، أصله إذا أوجبه ولم يقل المشتري قبلت.

[847] مسألة: خيار الشرط موروث خلافاً لأبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من ترك مالاً أو حقاً فلورثته).
فعم؛ ولأنه خيار ثابت في عقد بيع فجاز أن يقوم الوارث فيه مقام الموروث، أصله خيار الرد بعيب وإن شئت قلت في عقد معاوضة محضة.
ولأن كل من ورث شيئاً ورثه بحقوقه كالدين والرهن وغيره،

كذلك هاهنا، وقيل: لأن الموت معنى يزيل التكليف فلم ينقطع به الخيار كالجنون.

[848] مسألة: يجوز اشتراط الخيار زيادة على الثلاثة الأيام إذا احتيج إلى ذلك في اختبار المبيع.
وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يجوز، ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لكل مسلم شرطه).
ولأنها مدة يحتاج إليها في اختبار المبيع كالثلاثة.
ولأنها مدة ملحقة بالعقد فجاز أن يزيد على ثلاثة أيام كالآجال، ولأنه خيار يستحق به الرد فلم يقف على ثلاثة أيام كالرد بالعيب، ولأن الخيار وضع لتأمل المبيع واختباره، ويجب أن تختلف مدته باختلاف أحوال المبيعات واختبارها، وأن لا تقف على مدة محصورة.
بل تعلق بما يمكن هذا فيه؛ لأنه لا يجوز أن يكون موضوعاً لمعنى ومستثنى من الغرر لأجله، ثم يكون مدة لا يستفاد بها ما أريدت لأجله.

[849] مسألة: إذا أراد من شرط الخيار لنفسه من المتبايعين أن يختار أو يفسح بغير محضر من صاحبه فله ذلك.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: ليس له الفسخ إلا بمحضر منه.
لقوله - صلى الله عليه وسلم - في تصرية الإبل والغنم (إن ابتاعها فهو بخيار النظرين إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر).
ولم يشترط حضور البائع.
ولأنه اختار الفسخ مع بقاء وقت الاختيار فجاز ذلك، أصله إذا كان بمحضر من صاحبه.
ولأنه معنى ينقطع به خياره كالإمضاء، ولأنه أحد موجبي الخيار كالإمضاء.
ولأن العقد إذا لم يفتقر في

حله إلى رضى صاحبه لم يفتقر إلى حضوره كالطلاق.

[850] مسألة: إذا تبايعا بما لا يتغابن الناس بمثله في العادة، وكان أحدهما مما لا يخبر سعر ذلك المبيع، فاختلف أصحابنا، فمنهم من يقول: لا خيار له.
ومنهم من يقول: له الخيار إذا زاد الغبن على الثلث، أو خرج عن العادة والتعارف.
وعند أبي حنيفة، والشافعي لا خيار له.
ودليلنا على أن له الخيار، قوله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾.
وهذا منه، ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال.
ومن اشترى باذنجة أو بصلة بدينار فقد أضاع ماله، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) وفي إلزامنا المشتري فيما يساوي درهماً بمائة الثبوت على المشتري إضرار به، ولنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن تلقي الركبان للمبيع،.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من تلقى سلعة فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق).
وذلك يفيد أن الغبن يؤثر في الخيار؛ لأنه لا معنى له سواه، ولأنه

نوع من الغبن في الأثمان، فكان مؤثراً في ثبوت الخيار، أصله تلقي الركبان.
ولأنه نقص بتغيير الثمن فكان جديراً بالخيار أصله العيب.

[851] مسألة: إذا قال المشتري بعني هذه السلعة بكذا، فقال البائع: بعتك، انعقد البيع، وأغنى عن الاستدعاء عن أن يقول المبتاع بعده: قبلت.
وقال أبو حنيفة لا ينعقد البيع حتى يقول المبتاع: قد قبلت بعد قول البائع بعت، ووافقنا في النكاح.
فدليلنا أن استدعاء الإيجاب في عقد المعاوضة يغني عن ذكر القبول بعده، أصله النكاح.

[852] مسألة: يجوز أن يشترط رضا أجنبي أو خياره.
خلافاً لأحد قولي الشافعي.
لقوله: (ويشترط الخيار ثلاثاً) ولم يفرق.
ولأن الخيار وضع لتأمل المبيع واختباره، وقد لا يعرف هو ذلك فيشترط خيار غيره له.

[853] مسألة: إذا اشترط الخيار وسكتا عن ضرب مدة، لم يبطل البيع وضرب للسلعة من المدة قدر ما يختبر في مثله في العادة، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، في قولهما: إن العقد فاسد؛ لأن قدر ما يحتاج إليه يتقدر في العرف فإذا سكتا عنه فقد دخلا على العرف فيه.

[854] مسألة: إذا مضت مدة الخيار ولم يكن ممن اشترطه، رد ولا إجازة، لم يحكم عليه بنفس مضي المدة.
خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي.
لأن مدة الخيار إنما ضربت لحقه لا لحق غيره فلم يلزمه الحكم بنفس مرورها، كمضي الأجل في الإيلاء أنها لا تطلق به على المولي بنفس مضيه.

الربا

[855] مسألة: المصوغ من الذهب والفضة لا يجوز بيعه بشيء من جنسه إلا مثلاً بمثل، وزناً بوزن.
خلافاً لمن أجاز المفاضلة بينهما قدر قيمة الصنعة.
وبعض شيوخ المخالفين يحكي هذا عنا، فإذا وافقنا أصحابهم عليه وقد دفنوه في كتبهم ومسائلهم في الخلاف.
قالوا: أنتم تجحدون مذهبكم وإلى الله عز وجل الشكوى من غلبة الجهل.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تبيعوا الذهب الذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض).
وحديث ابن عمر لما قال له: إني أصوغ الذهب وأبيعه بأكثر من وزنه فأستفضل قدر عمل يدي فيها، وقال: (الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم).
ولأنه ذهب بذهب كالمسبوك بالمسبوك، والمصوغ بالمصوغ.
ولأن زيادة قيمة الصنعة إنما يراعى في الإتلاف لا في المعاوضات كجودة الجنس.

[856] مسألة: تحريم الربا في المسميات الستة يتعلق بمعانيها دون أسمائها.
خلافاً لنفاة القياس في قولهم: إنه يتعلق بأعيانها، وهذا مبني على ثبوت القياس، ولكنا نتكلم هاهنا من طريق الظاهر.
فدليلنا قوله عز وجل ﴿وحرم الربا﴾ والربا الزيادة وقال - صلى الله عليه وسلم -: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل، وإذا اختلف الجنسان فيعوا كيف شئتم)، فدل على أن اتفاق الجنس مؤثر في منع التفاضل.

[857] مسألة: العلة في تحريم التفاضل في الأعيان الأربعة أنها جنس مأكول على وجه تمس إليه الحاجة من القوت وما يصلحه من المدخرات.
وقال أبو حنيفة: العلة أنه جنس مكيل أو موزون، وقال الشافعي جنس مطعوم.
فدليلنا على صحة علتنا أن الغرض بالنص على الأربعة المسميات أن يستفاد به معنى لا يعلم مع عدمه ولا مع نصه على غيره، فلو أراد مجرد الطعم على ما يقول الشافعي لاقتصر على واحد منها لتساوي الأكل في جميعها إذ لا اعتبار عنده باختلاف صفاته، وكذلك لو أراد مجرد الكيل والوزن لاقتصر على واحد منهما، ولا يصح أن يعكس علينا في القوت؛ لأنا نستفيد بنصه - صلى الله عليه وسلم - على كل واحد من الأعيان الأربعة ما لا نستفيده بنصه على أحدها، وهو أنه نبه بالبر على كل مقتات تعم الحاجة إليه وتقوم الأبدان بتناوله، ونص على الشعير منبهاً به على مساواته للبر، وكل ما في معناه مما يقتات حال الضرورة كالذرة والدخن وغيرهما، وإن انفراد كونه علفاً للبهائم لا يخرجه عن حكم القوت، وأن الربا لا يتعلق بما يقتات حال الرفاهة والسعة دون حال الضرورة والشدة، وذكر التمر منبهاً به على العسل والزبيب والسكر وكل حلاوة مدخرة غالباً للاقتيات، وأن الربا يتعلق بنوع الحلاوات وذكر الملح تنبيهاً على الأبازير وما يتبع الاقتيات ويصلح المقتات، وأن الربا ليس بمقصور على نفس القوت دون ما يصلحه ويتبعه.
فقد بان بما ذكرناه أن نصه على كل واحد منها أفاد ما لا يفيده اقتصاره على واحدها.
وليس هذا مستفاداً مع التعليل بمجرد الأكل والكيل لأن ذلك يختلف

باختلاف أنواع المكيلات والمأكولات؛ ولأنه قال في بعض الأخبار (حتى الملح) فجعله غاية لما حرم التفاضل فيه منبهاً به على أن بينه وبين ما نص عليه في حكمه اشتراكاً ولا يصلح أن يكون غاية لأدنى المقتات؛ لأن هاهنا ما ليس من جنسه مما يكال، والشيء لا يكون غاية لغير جنسه ولا أدنى المأكولات؛ لأنه ليس بما دون الحشائش وغيرها مما يؤكل على وجه التداوي، فلا يجوز أن يقال: إنها دونه ولا أنه دونها؛ لأن كل واحد منها نوع مختص بالمنفعة التي يراد لها، فلم يبق إلا أنه غاية للمقتات، وما في معناه مما تبعه، وهذا الدليل يخص مذهبنا، ويعم مخالفينا.
فأما ما يخص كل فريق، فدليلنا على أهل العراق أن الطعام لابد أن يكون معتبراً في العلة، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل)، والحكم المعلق على اسم مشتق تعلق به.
واستفيد منه وجوب لأجله، كقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما﴾، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وما أشبه ذلك؛ ولأن من قولنا أن التفاضل يحرم في قليل البر والتمر الذي لا يتأتى كيله بانفراد، وعندهم لا يحرم إلا فيما يتأتى كيله، ولا يحرم في الكف بالكفين والتمر بالتمرتين.
فدليلنا قوله عز وجل: ﴿وحرم الربا﴾ والربا الفضل في أحد المبيعين، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلاً بمثل، كيلاً بكيل، سواء بسواء)، والكيل مشروط للتخلص من

الربا؛ لأن التحريم يفتقر إليه، وقيل لأن كل جنس حرم التفاضل في كثيره حرم في قليله كالذهب والفضة، وفي هذه الطريقة نظر على الأصول.
ولأن العلة فرع الأصل المنتزعة منه فإذا عادت بمخالفته دل على بطلانها؛ لأنا إنما نستخرجها لنرد بها ما سكت عنه إلى ما نطق به لا لنخرج بها بعض المنطوق وهذه صفة علة؛ لأن الخبر عام في كل طعام وعلتهم تخصه، فيقصر تحريم التفاضل على بعضه، وهو قدر ما يتأتى كيله، وإذا عادت العلة بمخالفة أصلها بطلت.
ولأن الكيل قد ثبت كونه علماً على التحليل بقوله: "إلا كيلاً بكيل" فلا يجوز أن يكون جالباً لضده الذي هو التحريم؛ لأن الشيء إذا كان علماً على حكم لم يكن علماً على ضده، ألا ترى أن الحيض لما كان علماً على سقوط فرض الصلاة لم يكن علماً على وجوبها، وكذلك الجنون.
ولأن الجنس إذا كان فيه الربا بعلة، لم ينتقل عنها بتنقل أحواله وتغيرها، كالذهب والفضة لما كانت علتها عند المخالف الوزن لم ينتقل حكم الربا عن النقار والتبر بالسكة والصياغة، بل كان ثابتاً فيها بتلك العلة، فإذا ثبت ذلك فلا تخلو الحنطة إذا طحنت أو خبزت أن يكون الربا ثابتاً؛ فيها أو غير ثابت فإن كان زائلاً عنها حصل في ذلك أن اختلاف الصفات على ما فيه الربا يغير الحكم.
وذلك خلاف الأصول، وإن كان ثابتاً فيها كان بعلة أخرى وهو الوزن، وقد بينا أن

اختلاف الصفات على الجنس الذي يحرم التفاضل فيه لا ينقله عن الحكم.
ودليلنا من طريق الترجيح أن علتنا يتعلق تأثيرها بكل واحد من المنصوص عليه، لأنه لولم يذكر لم يستفد تعلق الربا بنوعه، ولا يوجد ذلك في علل مخالفنا؛ لأنه يستوي فيه نفصه علة واجد منها وعلى جميعها؛ لأن الأكل والكيل واحد فيها ولا عبرة عندهم في اختلافها، فكانت علتنا أولى به؛ لأن علتنا تستوفي أصلها ولا تنفرد بتخصيصه، فكانت أولى من علة أبي حنيفة العائدة بمخالفة أصلها ورفع بعضه؛ لأن علتنا وهي الاقتيات والادخار معنى ثابت لازم في الأشياء المعللة به، وليس كذلك الكيل والوزن.
ولأن نظير علتهم في الأصول لا تؤثر في الربا وهو الذرع والعدد فإنهما يرادان ليعرف بهما مقدار الأشياء كما يراد الكيل والوزن لذلك، ثم ثبت أنهما لا يجوز أن يكونا علة في الربا فالأشبه أن يكون كذلك الكيل والوزن، وعلتنا سليمة من كل هذه الاعتراضات فكانت أولى؛ ولأن الربا شرع تحريمه حراسة للأموال وحفظاً لها، ولا نتفاء الضرر عن الناس فيها، وقد ثبت أنه ليس بعام عندنا وعندهم في كل المثمونات، فوجب أن يكون فيما تمس الحاجة إليه وتشتد الضرورة إلى حفظه، وهو في المأكولات، الأقوات وما في معناها، وفي الموزونات، الأثمان وما في بابها، وقد دخل الكلام على الشافعي في هذه الجملة والله أعلم.

[858] فصل: وعلة الربا في الذهب والفضة كونهما أثماناً وقيماً للمتلفات، فهي مقصورة عليهما غير متعدية.
وعند أبي حنيفة أن العلة فيهما كونهما جنسين موزونين فيتعدى ذلك إلى الحديد والرصاص وإلى كل جنس موزون، والكلام معهم في موضعين: أحدهما: أن تدل على صحة علتنا.
والأخرى: أن العلة المقصورة تصح عندنا، وهذا موضعه في كتب الأصول إلا أنا نذكر ههنا جملة منه.

ودليلنا أولا على نفس المسألة أنه قد ثبت جواز إسلام الذهب والفضة في الحديد والرصاص وغيرهما من الموزونات، وتحرير العلة أن نقول: كل شيئين جاز إسلام أحدهما في الآخر لم يجمعهما علة واجدة في الربا، أصله الذهب والحنطة، وكل شيئين امتنع إسلام أحدهما في الآخر مما فيه الربا فإنهما يجتمعان في علة واحدة، أصله الذهب والفضة؛ ولأن كل جنس جاز التفاضل بين معموله ومهمله فلا ربا فيه، أصله التراب والقصب.
وذلك أن أبا حنيفة يجيز التفاضل بين قطع الرصاص وبين الأواني المصوغة منه، وكذلك الصفر وغيره، ولو كان فيه الربا لم يفترق الحكم بين معموله ومهمله كالذهب والفضة.

[859] فصل: ودليلنا على صحة العلة المقصورة أن عدم التعدي ليس فيه أكثر من تعذر القياس وذلك غير مانع من صحة العلة مع التعبد بالقياس؛ لأنه لو نص صاحب الشرع على أنها علة فيه ومنع القياس على المنطوق به لاستفدنا بذلك كونها علة وإن لم نستفد جواز القياس عليها، فكذلك تعذر القياس مع التعبد به ليس بأبلغ من تحريمه؛ ولأن تعديها إلى الفرع درجة تتأخر عن كونها علة؛ لأنا إذا علمناها عنه بطريقها الذي يعلم منه عديناها، وما يجب تقديمه على الشرط لا يصح اشتراطه فيه لأن ذلك إحالة.

[860] مسألة: ولا يجوز في بيع مطعوم بمطعوم تأخير على وجه كان، مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه جنساً أو جنسين، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن القبض ليس من شرطه إلا أن يكون جزءاً من صبرة.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما الربا في النسيئة.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تبيعوا الذهب بالذهب

والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير إلا عيناً بعين يداً بيد.
وقوله: الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وها والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير إلا هاء وهاء.
ولأن كل شيئين لا يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر مع كونه مما يجوز السلم فيه لا يجوز بيع أحدهما بالآخر إلا يداً بيد، أصله الذهب بالحلي، والذهب بالفضة.
ولأنه بيع طعام بطعام كالجزء من الصبرة.

[861] مسألة: كل ما لا يحرم التفاضل في نقده كالثياب والحيوان وسائر العروض، يجوز بيع الجنس بعضه ببعض متماثلاً ومتفاضلاً نقداً، ولا يجوز متفاضلاً نساء بوجه، والاعتبار عندنا في الجنسية اتفاق الأغراض والمنافع واختلافها، وقال أبو حنيفة: الجنس بانفراده علة في منع بيع بعضه ببعض نساء متفاضلاً ومتماثلاً، وقال الشافعي: كل ما لا ربا في نقده فجائز بيع بعضه ببعض نساء متماثلاً ومتفاضلاً.
والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في جواز بيع الواحد بالواحد من جنسه إلى أجل فجوزناه ومنعوه.
ودليلنا قوله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، وفي حديث عبدالله بن عمر أنه ابتاع البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولأنه

إجماع الصحابة لأن علياً رضي الله عنه باع بعيراً له يد على عصيفير بعشرة أبعرة إلى أجل.
وابن عمر باع بعيراً له بأربعة أبعرة إلى أجل، ولا مخالف لهما؛ ولأن الجنس بانفراده لا يكون علة في تحريم النساء، وإنما يكون ذلك متى تعلق به التفاضل إما في البيع وإما في الجنس المبيع، فأما جعله بانفراده علة فذلك مخالف للأصول.

[862] فصل: والخلاف بيننا وبين الشافعي في العبد بالعبدين من جنسه والبعير بالبعيرين من جنسه فمنعناه وجوزه، ودليلنا قوله: إنما الربا في النسيئة.
ولأن في ذلك ذريعة إلى القرض الذي يجر نفعاً؛ لأنه كأنه أقرضه، بعيراً ببعيرين إلى أجل؛ لأنه ليس هناك اختلاف أغراض وتباين منافع يحمل التفاضل عليه، فلم يبق إلا ما قلناه.
وإذا قويت التهمة فيه منعناه، لكون فيه ذريعة إلى الأمر الممنوع.

[863] مسألة: اختلف أصحابنا في تخريج قول مالك في بيع الحنطة بالدقيق فمنهم من يقول: المسألة على روايتين إحداهما: الجواز، والأخرى: المنع.
ومنهم من يقول: إنها على اختلاف حالين: إن كان كيلاً بكيل فلا يجوز، وإن كان وزناً بوزن جاز.
وعند أبي حنيفة والشافعي، لا يجوز بوجه.
ودليلنا على جوازه كيلاً بكيل أنه ليس في كونه دقيقاً أكثر من تفريق أجزاء الحنطة، وذلك لا يمنع الكيل، ولا ينافي المماثلة؛ لأن الجنس إذا أتى عليه في المكيال أخذ من الدقيق كما يأخذ من الحنطة.

[864] مسألة: ويجوز بيع الدقيق بالدقيق كيلاً خلافاً للشافعي.
للظاهر، ولأن التساوي موجود فيهما في الحال كالحنطة بالحنطة.
ولأنه نوع فيه الربا فإذا افترقت أجزاؤه جاز بيع بعضها ببعض إذا تماثلا فيما يتماثل فيه أصله، كالعصير بالعصير والشيرج بالشيرج.

[865] مسألة: بيع السويق بالحنطة وبالدقيق جائز مع التفاضل والتماثل، خلافاً للشافعي.
لأن الصنعة قد غيرت حكم السويق وجعلته جنساً منفرداً عن الحنطة، وللتغيير بالصنعة تأثير في اختلاف الجنسية، ألا ترى أن لحم الضان والمعز لا يجوز متفاضلاً ثم بيع الشيء بالمطبوخ متفاضلاً جائز لاختلاف الأغراض فيها، كذلك السويق والدقيق.

[866] مسألة: يجوز بيع اللحم باللحم والخبز بالخبز والبيض بالبيض على التحري، ومن أصحابنا من أجازه على الإطلاق.
ومنهم من شرط فيه تعذر الموازين كالبوادي والأسفار.
وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يجوز بوجه.
فدليلنا أن النقل مستفيض عن الصحابة أنهم كانوا يقتسمون اللحوم على التحري.
والقسمة إما بيع أو في حكم البيع، كل واحد من المقتسمين،، حظه بخظ أخيه.
ولأن الحزر في الشرع قد جعل طريقاً إلى جواز البيع فيما شرط فيه الكيل والوزن عند تعذرهما، كالزكاة والعرايا فكذلك في مسألتنا للضرورة، وهي أن الموازين تتعذر وتشق، فلو قلنا إنهم لا يقسمون اللحم في الأسفار إلا بميزان كشف ذلك وأدى إلى ضياعه، وإلى فوات الانتفاع به، فجاز لهذه الضرورة اقتسامه على التحري، فإذا جاز في القسمة جاز في البيع لأنه لا أحد يندم.

[867] مسألة: اللحوم ثلاثة أصناف: لحم الأنعام، والوحش صنف، ولحوم الطير صنف، ولحوم ذوات الماء صنف، يجوز بيع كل جنس منه بخلافه متفاضلاً، ولا يجوز بصنفه إلا متماثلاً.
وقال أبو حنيفة: كلها أصناف لاختلاف أصولها.
وقال الشافعي كلها صنف واحد.
والخلاف بيننا

وبين أبي حنيفة في بيع لحم الغنم بغيره من ذوات الأربع متفاضلاً، فجوزوه ومنعناه.
فدليلنا قوله عز وجل: ﴿وحرم الربا﴾.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: الطعام بالطعام مثلاً بمثل.
ولأنه من بهيمة الأنعام فلم يجز بيعه بما شاركه في هذا الوصف متفاضلاً، أصله إذا بيع بنوعه، ولأن جنس ذوات الأربع لا يجوز التفاضل في لحمه بعضه ببعض كما لو كان من نوعه.
ودليلنا على بطلان القول بأنه صنف، قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم.
والجنسية هاهنا المراد بها تباين المنافع والأغراض، وقد ثبت أن لحم السمك ليس من جنس لحم الإبل، لأنهما لا يتفقان في غرض ولا منفعة، ولا يؤكل أحدهما على الوجه الذي يؤكل عليه الآخر، فيجب أن يكونا جنسين؛ ولأن لحوم السمك طعام لا يحتاج إلى ذكاته، فوجب أن يكون جنساً يفارق ما يحتاج إلى ذكاته كالعسل والخل.

[868] مسألة: لا يجوز بيع الرطب بالتمر.
خلافاً لأبي حنيفة لما روى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا نعم فنهى عنه، وروي فلا إذا وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تبيعوا التمر بالرطب وهذا نص.
وروى سهل بن أبي حثمه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع التمر بالتمر وأرخص في العرية أن تباع بخرصها فيأكلها أهلها

رطباً، ففيه دليلان: أحدها: العموم.
والآخر: استثناء العرية تثبت أن ما عداها باق على أصل المنع.
وروى ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع التمر بالتمر، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، ونقل هذا التفسير، عن جابر، وأبي سعيد، وسهل بن أبي خثمة وليس يخلو أن تكون رواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان كذلك فهو غاية المراد، وإن كان من عند الصحابي، فهو أولى من تفسير غيره.
ولأنه جنس فيه الربا بيع منه مجهول بمعلوم فلم يجز أصله بيع الشيرج بالسمم والزيتون بالزيت، ولأنه جنس فيه الربا بيع بعضه ببعض على صفة تنقص إحداهما عن الأخرى في المستقبل، فوجب أن لا يجوز، أصله بيع العجين بالدقيق، ولأن المماثلة معتبرة باختلاف حاليهما في رطوبة أحدهما وجفاف الآخر فمنع التماثل فلم يجز البيع.

[869] مسألة: يجوز بيع الرطب بالرطب متماثلاً.
خلافاً للشافعي.
لقوله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾.
وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تبايعو الثمر بالتمر حتى يبدو صلاحها)، وما بعد

الغاية بخلاف ما قبلها، ولأنها ثمرة بيعت بجنسها وهما على حال متساويين فيها فجاز ذلك كالتمر بالتمر، ولأن كل جنس جاز بيعه بجنسه حال جفافهما جاز حال رطوبتهما كاللبن باللبن.
ولأنها إحدى حالاته فكان مماثلاً لما ساواه فيها من جنسه كحال الجفاف، ولأن كل حال كانت طريقاً للمماثلة بين اليابسين فكذلك بين الرطبين كحال الجفاف.

[870] مسألة: لبن الآدميات طاهر يجوز بيعه وشربه، وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعه.
فدليلنا قوله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾.
ولأنه لبن طاهر فأشبه لبن الشاة، ولأن كل ما جاز شربه جاز بيعه أصله الماء.

[871] فصل: وهو طاهر، خلافاً لبعض الشافعية؛ لأنه مائع يجوز شربه كالماء، ولأنه لبن حيوان طاهر اللحم كالشاة.

[872] مسألة: كل جنس فيه الربا إذا بيع بمثله فلا يجوز أن يكون مع أحد الجنسين شيء غيره، ولا معهما وسواء كان ذلك الغير مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع صاع تمر وثوب بصاعي تمر، فجعل أحد الصاعين في مقابلة صاع وجعل الثوب في مقابلة الصاع الآخر، وكذلك دينار ودرهم بدينارين.
ودليلنا حديث فضالة بن عبيد قال: (أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير، فقال: لا حتى يميز بينهما، فقال: ما أردت الحجارة، فقال: لا حتى يميز بينهما).
ولأن المماثلة إذا كانت معتبرة في بيع الذهب بالذهب

والتمر بالتمر وجب أن لا يكون مع أحدهما غيره؛ لأن ذلك يمنع المماثلة، لأنا نعلم أن الذهب المنفرد ليس في مقابلته ذهب مثله، وإنما في مقابلته ذهب وشيء آخر ولأن الصفقة إذا تناولت أشياء فإن جملة الثمن في مقابلة جملة المبيع ويقسط على المبيع بالقيمة، وإذا تبايعا صاعين تمراً بصاع وثوب، فقد حصل أن الصاعين في مقابلة جملة الصاع والثوب، ولا يؤمن أن يكون قيمة الثوب صاعين أو أكثر من صاع فيؤدي ذلك إلى أن يكون صاعاً في مقابلة أقل من صاع، وذلك رباً؛ لأن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، ولأنه جنس فيه الربا فإذا بيع شيء منه مع غير جنسه بشيء من جنسهلم يصح، أصله إذا كان المفرد مثل الذي معه غيره كصاع تمر وثوب بصاع تمر منفرد.

[873] مسألة: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه الذي لا يجوز بيع لحم بعضه ببعض متفاضلاً إذا كان الحي كبيرا ليس يصلح إلا للذبح، ويجوز بغير نوعه، فالأول مثل لحم غنم بجمل حي والثاني لحم شاة بطير حي، وقال أبو حنيفة: يجوز على كل وجه، وقال الشافعي: لا يجوز على كل وجه.
فدليلنا على أبي حنيفة نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع اللحم بالحيوان، وروي أنه نهى عن بيع الحي بالميت؛ ولأن اللحم نوع يدخله الربا، ولا يجوز بيعه بأصله من غير صناعة مؤثرة كالشيرج بالسمسم، ولأن ذلك على أصلنا مزابنة وهو بيع معلوم بمجهول من جنسه.

[874] فصل: ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾.
ولأنه لحم بيع بجنس مخالف له كالعبيد والحمير، ولأن

الأغراض مختلفة فيه فأشبه ما ذكرناه.

[875] مسألة: لا يجوز بيع الحنطة بالشعير متفاضلاً.
خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لما روي أن معمر بن عبدالله أرسل غلامه بصاع من قمح فقال بعه واشتر شعيراً فأخذ صاعاً وزيادة، فقال: رده ولا تأخذن إلا مثلاً بمثل، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: الطعام بالطعام مثلاً بمثل، وكان طعامنا يؤمئذ الشعير، ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر، وسعد، ومعمر بن عبدالله، وعبدالرحمن بن عوف، ولا مخالف لهم.
ولأنهما يتقاربان في المنافع ويتفقان في المنبت والحصاد، وأحدهما لا يخلو من الآخر، فكانا كالجنس الواحد، واعتباراً بالعلس مع الحنطة والمشمس مع الزبيب.

[876] مسألة: التفاضل جائز في الماء، وروى ابن نافع منع بيعه إلى أجل بالطعام.
قال القاضي فعلى هذا يجب أن يحرم التفاضل فيه، وهو قول الشافعي.
فوجه الأول: أن الربا إنما حرم حراسة للأموال.
وحفظاً لها ومصلحة للناس، ولذلك خص ما تمس الحاجة إليه، والماء أصله مباح غير متشاح فيه، فكان منافياً لموضوع المقصود بالربا.
ووجه الثاني: أنه مما يقوم الأبدان بتناوله كالقوت، ولأنه أولى بذلك من جميع الأقوات؛ لأنه ليس فيه ما يقوم مقامه والأول أظهر.

[877] مسألة: الربا ثابت بين المسلمين في دار الحرب كثبوته في دار الإسلام، وقال أبو حنيفة إذا أسلم فيها رجلان أو دخلها رجلان مسلمان فتبايعا بالربا جاز.
ودليلنا قوله عز وجل: ﴿وحرم الربا﴾.
وسائر الظواهر، ولأن كل مبيع لم يصح في دار الإسلام لم يصح في دار الحرب كسائر البيوع الفاسدة.
ولأن كل ما كان محظوراً على المسلمين في دار الإسلام كان محظوراً عليهم في دار الحرب كالزنا، وشرب الخمر، ولأن المسلم متى حصل في دار الحرب بأمان فأموالهم عليه محظورة، فلم يجز مبايعتهم بالربا كالحربي إذا دخل إلينا بأمان فماله علينا محظور، ولا يجوز لنا مبايعته بالربا، ولأنه مال مأخوذ بعقد، فلم يجز أخذه بعقد فاسد كالنكاح الفاسد إذا أمهر فيه.

بيع الأصول وثمرها

[878] مسألة: إذا بيع أصل حائط وفي نخله ثمر فلا يخلو أن يكون أبر أو لم يؤبر فإن كان لم يؤبر فهو للمبتاع وإن كان قد أبر فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وقال أبو حنيفة الثمرة في الحالتين للبائع، وقال ابن أبي ليلى: الثمرة في الحالتين للمبتاع.
فدليلنا على أبي حنيفة قوله - صلى الله عليه وسلم -: من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، فشرط في

كونها للبائع أن تؤبر، فدل على أنها قبل التأبير ليست له، ولأنه كامن في أصل خلقته فوجب أن يتبعه في المبيع بمقتضى العقد، كالحمل في البطن واللبن في الضرع، ودليلنا على ابن أبي ليلى الخبر، ولأنه بعد الأبار له حكم نفسه فلم يتبع أصله كالجنين إذا ظهر.

[879] مسألة: إذا كانت الثمرة قد أبرت فليس للمشتري إجبار البائع على نقل ثمرته من النخل قبل أوان الجذاذ.
خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن من ابتاع شيئاً مشغولاً بحق للبائع فإن البائع يكلف نقله على ما جرت العادة به.
ألا ترى أنه لو ابتاع داراً وفيها أكرار طعام لم يكلف نقله في جوف الليل ولا في جملة واحدة، بل على مهل بحسب العادة؛ كذلك في مسألتنا العادة أن الناس لا ينقلون ثمارهم إلا بعد أن تبلغ ويستحكم صلاحها، فكلف المبتاع تبقيتها على النخل ليأخذها البائع على العادة، ولأن من باع شيئاً وكانت منفعة المبيع مستثناة للبائع أو غيره بالعقد، فإن له استيفاء تلك المنفعة المستثناة له بالعقد على كمالها كمن ابتاع أمة ولها زوج فإن منفعة البضع مستثناة للزوج بنفس العقد، وله استيفاؤها على كمالها كذلك في مسألتنا.

بيع الثمرة قبل بدو صلاحها

[880] مسألة: لا يجوز بيع ثمرة قبل بدو صلاحها على الإطلاق من غير شرط القطع.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله يجوز ذلك ويؤخذ المبتاع بقطعها في الحال.
والكلام في فصلين: أحدها: أن البيع فاسد.
والآخر: أن الإطلاق عندنا يقتضي التبقية، وعنده القطع،

فدليلنا على فساد البيع ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وروي حتى تزهى أو قال حتى تحمر أو تصفر.
والنهي يقتضي الفساد، ولأنه عقد على ثمرة منفردة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع، فلم يصح، أصله إذا باعاها بشرط التبقية.
ودليلنا على أن الإطلاق يقتضي التبقية قوله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحكم مال أخيه، ومنع الثمرة إنما يكون بجائحة، وذلك إنما يخاف منه على ثمرة مبقاة، ولأن الإطلاع محمول على العادة، والعادة التبقية على ما بيناه، فوجب حمل الإطلاق عليها.

[881] مسألة: يجوز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها على شرط التبقية، خلافاً لأبي حنيفة، لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها.
فدل على أن الصلاح إذا بدا جاز بيعها على الإطلاق.
ولأنا قد بينا أن الإطلاق يقتضي التبقية، فإذا شرط التبقية فقد شرط موجب العقد فلم يمنع.

[882] مسألة: بدو الصلاح في النخل أن تحمر أو تصفر، وفي العنب

أن يطعم، وحكي عن قوم قالوا: هو طلوع الثريا.
فدليلنا نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل يا رسول الله: وما تزهى قال حتى تحمر وتصفر.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع العنب حتى يسود والتمر حتى يزهى.

[883] مسألة: إذا بدا الصلاح في نخلة واحدة جاز بيع ذلك القراح وما جاوره، إذا كان ذلك الصلاح المعهود، لا المبكر في غير وقته، وقال الشافعي: لا يجوز إلا بيع القراح التي فيه تلك النخلة ولا يباع حائط يبدو صلاح غيره.
فدليلنا أن المعتبر في ذلك هو الأمن من الآفة على الثمرة دون الحيازة، ألا ترى أنها لو كانت حائطاً واحداً لجاز بيع باقيه.
ولأن مجاورة الأقرحة لهذه القراح كمجاورة نخل القراح لهذه النخلة، فيجب تساويهما، ولأن كون الحدين بين القراحين لا يؤثر في منع المبيع إذا بدا الصلاح كما أن وجودهما لا يؤثر في جوازه قبل مجيء الوقت.

[884] مسألة: لا يباع صنف من الثمر بطيب غيره كالعنب والتين والرطب.
خلافاً لما يحكى عن الليث إن صح ذلك؛ لأن بدو الصلاح في صنف لا يمنع لحوق الآفة لغيره مما لم يبد صلاحه، ولأنها ثمرة لم يبد صلاحها فلم يجز بيعها، كما لو لم يبد الصلاح في غيرها.

[885] مسألة: يجوز بيع المقاثي والمباطخ إذا بدا أولها، وإن لم يظهر ما بعده، وكذلك الأصول المغيبة في الأرض كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك.
وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يجوز إلا بيع ما ظهر دون ما لم يظهر.

ودليلنا قوله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾.
ولأن الضرورة تدعو إلى ذلك مع كونه الغرر فيه، لأنا لو منعناه لأدى إلى أحد أمرين: إما أن ينفرد الموجود بالبيع وهو إنما يوجد أولاً فأولاً، وذلك يؤدي إلى اختلاط ما ظهر بما لم يظهر؛ لأن خروجه متتابع فليس يؤخذ الأول إلا وقد خرج الثاني ويشق التمييز بين الثمرتين، أو أن لا يباع إلا بعد ظهور جميعه، وفي ذلك إضاعته وإفساده، فدعت الحاجة إليه مع قلة الغرر فيه، ولأنه قد ثبت جواز بيع ما لم يبد صلاحه من التمر تبعاً لما قد بدا صلاحه، وكذلك يجوز بيع ما لم يخلق تبعاً لما خلق، ولنا فيه استدلال واعتلال، فالاستدلال أن نقول، لأن ظهور الثمرة مع عدم الصلاح جار في منع البيع مجرى عدم ظهور المقاثي والمباطخ في مسألتنا، ثم كان بدو الصلاح في بعض الثمرة كبدوه في جميعها، فيجب أن يكون كذلك ظهور بعضها في مسألتنا بمنزلة ظهور جميعها.
والاعتلال، أن تقول: لأنه شرط في جواز بيعها فوجب إذا وجد في بعضها أن يكون كوجوده في جميعها مع التتابع في قوته، أصله بدو الصلاح في الثمر.

بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره

[886] مسألة: يجوز بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره الأعلى، خلافاً للشافعي، لقوله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾.
ولأنه كامن مأكول في أكمام من أصل الخلقة، فجاز بيعه كالرمان والموز؛ لأن الناس يأكلونه رطباً وبهم حاجة إلى بيعه كذلك؛ لأنه ليس كل أحد يمكنه أن يجفف ثمرته، فلو قلنا إن الباقلاء لا يباع وعليه القشرة الخضراء لأدى

إلى أن يقال: إنه تنزع قشرته، وفي ذلك فساده، أو إلى أن لا يباع رطبا، ً وفي ذلك مشقة.

بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء

[887] مسألة: يجوز بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء، وقال الشافعي لا يجوز.
ودليلنا الظاهر، وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السنبل حتى يبيض.
وروي أنه نهى عن بيع الطعام حتى يفرك،.
ولأنه مأكول دون حائل من أصل الخلقة، فجاز بيعه معه، أصله الباقلاء في قشرته السفلى، والجوز واللوز؛ ولأن بيع الأرز جائز في قشرته الحمراء كذلك السنبل.

[بيع الثمرة جزافاً مع الاستثناء]

[888] مسألة: يجوز أن يبيع ثمره جزافاً، ويستثني كيلاً معلوماً، وقدره ما بينه وبين الثلث، وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يجوز.
لأن ذلك إجماع أهل المدينة عملاً متواتراً بينهم.
ولأنه استثنى قدراً معلوماً، فجاز كاستثناء الجزء.

وضع الجائحة

[889] مسألة: توضع الجائحة إذا أتت على ثلث الثمرة فأكثر.
وقال أبو حنيفة لا يوضع منها شيء، وهو الأظهر من قول الشافعي.
ودليلنا ما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع الجوائح.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لم

يأخذ أحدهم مال أخيه من ابتاع مال أخيه بغير حق.
ولأن بيع الثمار على رؤوس النخل يجري مجرى الإجارة؛ لأن الثمار تؤخذ حالاً فحالاً، كالمنافع إنما تستوفى أولاً فأولاً، ثم إن المنافع إذا تلفت قبل مضي المدة كانت ضمان المكري، فكذلك الثمار يجب أن تكون من ضمان البائع، ودليلنا على أن مجرد التخلية في بيع الثمار لا يكون قبضاً بمجرد التخلية اتفاقنا على أنها لو تلفت بعطش لكانت من البائع، فلو كانت مقبوضة بنفس التخلية لم يكن ضمانها من البائع بوجه كالعبد والثوب، وتحريره أن يقال: لأنها ثمرة مبيعة محتاجة إلى تبقيتها في النخل تلفت بآفة سماوية، فوجب أن تكون من البائع، أصله إذا تلفت بعطش.
لأنه لما لم يكن للبائع مطالبة المبتاع بقطعها دل على أنها غير مقبوضة، ولم ينفع وجود التخلية كمن ابتاع طعاماً من رجل فكاله ليلاً، وخلى بينه وبينه، لم يلزمه نقله حتى يصبح، ولم يكن ملك التخلية قبضاً له.

بيع المشتري السلعة قبل قبضها

[890] مسألة: كل مبيع متعين لا يتعلق به حق توفية فبيعه قبل قبضه جائز، من أي الأصناف كان من العروض والحيوان والرقيق والمكيل والموزون، سوى الطعام والشراب.
وقال أبو حنيفة ما ينقل ويحول لا يجوز بيعه قبل قبضه، وما لا ينقل ولا يحول كالعقار وشبهه يجوز.
وقال الشافعي لا يجوز بيع مبيع بيع قبل قبضه على وجه.
فدليلنا قوله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه فدل أن غيره بخلافه.
ولأنه أحد العوضين في عقد البيع، فجاز

التصرف فيه قبل قبضه بالبيع وغيره كالثمن.
ولأنه إزاله ملك عن عبد أو حيوان كالعتق.
ولأن البيع أحد أسباب التمليك فجاز بيعه قبل قبضه كالميراث والوصية.
وعلى أصحاب أبي حنيفة؛ لأنه مبيع غير مأكول فأشبه ما لا ينقل ولا يحول.

[891] مسألة: إذا ابتاع صبرة طعام جزافاً، وخلى البائع بينه وبينها جاز له بيعها قبل نقلها.
خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي.
للظاهر، وروى القاسم بن محمد عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه فدل أن الجزاف بخلافه.
ولأن الجزاف إذا رفع البائع يده عنه فقد استقر ملك المشتري عليه، ولم يبق حق التوفية بدليل أنّ تلفه يكون من المشتري، وإذا سقط حق التوفية منه واستقر ملك المبتاع عليه، جاز بيعه كالمقبوض.

التصرية

[892] مسألة: التصرية عيب يثبت به الخيار للمبتاع.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله ليست بعيب، ولا يثبت بها حق الرد ولا أثر لها في البيع، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر ففيه أدلة: أحدها: نهيه عنها، وذلك يفيد كونه عيباً وتدليساً.
والثاني: إثباته الخيار لمبتاعها.
الثالث: إيجابه صاعاً من تمر بردها بعد الحلب، وعندهم لا يجب؛ ولأن الشاة التي تحلب عشرة أرطال تأخذ من الثمن أكثر مما تأخذ التي تحلب رطلين أو ثلاثة، والاختلاف في قيمتها،

وفي الرغبة فيها متفاوت، وإذا حصلت التصرية فقد دلس البائع على المبتاع ليأخذ ماله بغير حق، كما يسود شعر الأمة التي قد شابت فكان ذلك عيباً موجباً للرد.

أخذ الأرش مقابل العيب

[893] مسألة: إذا وجد المشتري بالسلعة عيباً، فأراد إمساكها وأخذ الأرش وأجابه البائع إلى ذلك، جاز.
خلافاً لمن منعه من أصحاب الشافعي؛ لأن الرد حق للمشتري فله أن يستوفيه، وله أن يعاوض على تركه.

اطلاع المشتري على عيب في المبيع بعد التصرف فيه

[894] مسألة: إذا تصرف المشتري في المبيع أو حدث عنده عيب ثم ظهر على عيب كان عند البائع، فهو بالخيار، إن شاء دفع أرش العيب الحادث، وإن شاء أمسك ورجع بأرش العيب الذي كان عند البائع.
وقال أبو حنيفة له الأرش وليس له الرد.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم - في المصراة: إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر ولم يفرق بين أن يحدث بها عيب أو لا يحدث.
ولأن في منع المبتاع الرد بحدوث العيب عنده إلزامه قبول سلعة معيبة من غير رضا منه بالعيب ولا تعد منه فلم يلزمه ذلك، أصله لو لم يحدث بها عيب.
ولأن الحقين إذا تعارضا كان تقديم حق المشتري أولى؛ لأن البائع لا يخلو أن يكون علم بالعيب فقد دلس، ودخل على أن المبيع مردود عليه، أو أن يكون لم يعلم به فذلك تفريط منه وتقصير، فلم يلزم المشتري منه شيء وكان البائع أولى بالحمل عليه.

[895] مسألة: إذا نما المبيع في يد المبتاع بولادة الأمة، أو نتاج الماشية، أوإثمار النخل والشجر، ثم وجد بالأصل عيبا فله الرد.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن كان ذلك يبطل حقه من الرد؛ لأنه نماء حدث في

يد المشتري بعد العقد، فلم يمنع الرد بالعيب كالغلة والكسب.
ولأن الرد لا يسقط إلا بالفوات، والفوات هاهنا هو تلف المبيع، أو تلف منافعه.
وإن كان العين قائمة، أو شيء يؤثر في الملك، فما عدا هذا فليس بفوات؛ ولأنهم قد وافقونا على أن العبد إذا أفاد عند المشتري مالاً بوصية أو هبة أو وجد ركازاً، أو التقط لقطة، ثم وجد به عيباً أنه يرده به، ولا يمنعه ذلك من رده، فنقول في مسألتنا بأنه نماء لو كان منفعة لم يمنع الرد، وكذلك إذا كان عيباً، أصله نماء العبد.
ولأن أكثر ما في الولادة والنتاج أن يكون عيباً، وقد ثبت أن حدوث عيب عند المشتري لا يمنع الرد.

[896] مسألة: إذا ردّ المبيع بعد الولادة والنتاج وإثمار النخل فإنه يرده بالولادة، ولا ترد الثمرة.
خلافاً للشافعي في قوله يرد الأصل ولا يرد شيئاً من النماء الذي هو عين.
لأن حق الرد لزم في الأمهات قبل الولادة وليس بمعاوضة على منافع، فكان الولد الحادث تبعاً لها فيه كالزكاة؛ ولأنه حكم ثبت في رقبة الأم لسبب عقد، فوجب أن يكون ما حدث لها من ولد في حكمها، أصله ولد المكاتبة، والفرق بينه وبين الثمر خراج فهي للمشتري بالضمان، والولد في حكم الأم فليس بخراج.

هل يفتقر الفسخ إلى حكم الحاكم

[897] مسألة: الفسخ بالعيب غير مفتقر إلى حكم الحاكم ولا رضى البائع، قبل القبض وبعده.
ووافقنا أبو حنيفة فيه قبل القبض، وخالفنا فيه بعد القبض، فقال لا يثبت الفسخ إلا بأحد أمرين: إما بحضورهما، أو حكم الحاكم.
فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم - في المصراة إن سخطها ردها فأطلق؛ ولأنه فسخ عقد بعيب اعتباراً به قبل القبض؛ ولأنه معنى يقطع استدامة العقد، فإذا لم يكن رضى المتعاقدين شرطا فيه لم يكن حضورهما شرطاً فيه، أصل الطلاق.

رد الأمة بالعيب

[898] مسالة: إذا وطئ الأمة المبتاعة ثم وجد بها عيباً، فله أن يردها بكراً كانت أو ثيباً، ويرد مع البكر ما نقص الافتضاض، ولا يرد في الثيب شيئاً.
وقال أبو حنيفة: لا يردهما بعد الوطء،.
وقال ابن أبي ليلى: يردهما ويرد معهما العقر وهو مهر المثل.
وعند الشافعي، لا يرد البكر، فإن ذلك عيب، وحدوث العيب عند المبتاع يمنع الرد عنه.
فدليلنا أنه نوع من الاستخدام، فلم يمنع الرد كالخدمة.
ولأنه ضرب من الاستمتاع كالقبلة واللمس للذة؛ ولأن الأمة لو كان لها زوج لم يكن وطِئَها قبل الشراء ثم وطئها بعده لم يمنع ذلك الرد، وكذلك وطء المشتري نفسه، وكذلك لو زنت أو غصبت.
ودليلنا على أنه لا يرد معها مهراً أنه وطئ ملكه على وجه لم يتلف شيئاً منه، فلم يلزمه عوض كما لو استخدمها.
ودليلنا على أن وطء الثيب ليس بنقص أن كل ما لو وجد من الزوج لم يكن نقصاً فكذلك إذا وجد من المبتاع لم يكن نقصاً، أصله الخدمة.

[899] مسألة: إذا ابتاع رجلان سلعة صفقة واحدة، فوجدا بها عيباً وأراد أحدهما الرد والآخر الإمساك ففيها روايتان: إحداهما: أن لمن أراد الرد أن يرد.
وهو قول الشافعي، والأخرى: أن ليس له ذلك، ويأخذ الأرش، وهو قول أبي حنيفة فوجه الأولى أنه بيع اجتمع في أحد طرفيه عاقدان جاز أن ينفرد أحدهما بالرد على الآخر، أصله إذا ابتاع واحد عبداً من اثنين؛ ولأن المشتري يرد جميع ما لزمه منه بالعقد، فأشبه إذا اشتراه بصفقة منفردة؛ ولأن هذا العقد في حكم العقدين، اعتباراً به إذا كان المبتاع واحداً والبائع اثنين.
ولأن العقد إذا تناول شيئاً بثمن معلوم فالثمن مقابل الجملة وأجزاؤه تقسط على أجزاء المبيع، فيصير كأن كل واحد مشتر بقدر حصته منفرد بها.

ووجه الثانية أن في ذلك تبعيض الصفقة على البائع، فلم يلزمه كما لو كان المشتري واحداً فأراد رد بعض المبيع.

حق العبد في الملك

[900] مسألة: والعبد يملك خلافاً لأبي حنيفة والشافعي.
لقوله عز وجل: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾.
والفقر والغنى في الآدميين من صفات الملك.
وقوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون﴾.
وقد ثبت أن هذا التنبيه عام في الأحرار والعبيد، وكذلك الوصف بالملك.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فأثبت أنه للعبد مالاً.
ومثل قوله: من أعتق عبداً وله مال فماله له إلا أن يستثنيه سيده.
وقياساً على الحر بِعِلَلِ، إما أن نقول: لأنه آدمي حي، فجاز أن يملك كالحر، أو لأنه من جنس يصح تكليفه فيجوز تمليكه كالحر.
ولأن الرق حال من حال الآدمي الحي، فجاز أن يملك معها كحال الحرية؛ لأن تغيير الأحوال على الشخص لا يؤثر فيما تعلق بالملك من صحة واستحالة، أصله الحر والبهائم؛ لأن كل حال صح أن يملك بعد زوالها صح أن يملك مع وجودها كالصحة والمرض وسائر الأحوال.
ولأن ملك الأمة أحد طرفي استباحة البضع

فصح في العبد كالنكاح.
ولأن الوصية للعبد جائزة، فلو كان لا يصح أن يملك لم تصح الوصية له كالبهيمة، أو نقول: لأنه يفيد سبب الملك فصح أن يملك كالحر.
ولأن حكم سبب الملك في الأصول حكم الملك في الصحة والامتناع، ألا ترى أنه لا يصح أن يرث ولا يهب ولا يتصدق إلا على من يصح أن يملك، فلما صح في العبد سبب الملك علم أنه يصح ملكه.
ولأن كل من ملك شيئاً ملك بدله، فلما ثبت أن العبد يملك استباحة البضع وجب أن يملك ما يخالع به عليه؛ ولأن الدين يصح في العبد ويلحق ذمته، وهو من فروع الملك بدليل استحالته في البهائم استحالة الملك عليها، فدل على أن العبد يملك.

ضمان المشتري، متى؟

[901] مسألة: سائر المبيعات التي ليس القبض من شروط صحة بيعها، كالعبيد والعروض وغيرهما مما يكال أو يوزن، إذا كانت متعينة ومتميزة ليس فيها حق توفية فضمانها من المشتري قبل القبض.
وقال أبو حنيفة، والشافعي ضمانها من البائع حتى يقبضها فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: الخراج بالضمان فجعل الخراج لمن يكون منه، وقد ثبت أن خراج هذا المبيع قبل القبض يكون للمشتري فيجب أن يكون ضمانه منه؛ ولأنه مبيع متعين لا يتعين به حق توفية خراجه للمشتري فكان تلفه منه، أصله إذا قبض؛ لأن الملك لا يخلو أن يكون استقر بنفس البيع الذي هو الإيجاب والقبول المطلق فذلك قولنا، أو بمعنى زائد عليه وهو القبض.
والقبض فرع على الملك وتابع له.
ألا ترى أنه يجبر البائع على إقباضه للمشتري، وذلك يدل على أن الملك مستقر قبل القبض، ولولا ذلك لم يكن يجبر على الإقباض.

ولأنه قد ثبت أن المشتري لو طلب البائع بالإقباض فلم يقبضه فإنه يأثم ويجبر على إقباضه ويصير في حكم الغاصب، وإذا ثبت ذلك وكان الغاصب متى تلف الشيء المغصوب في يده يلزمه قيمته دون ثمنه، فكذلك في مسألتنا، ولأن الثمن في البيع كالمهر في النكاح؛ لأن كل واحدٍ منهما عوضٌ مستحقٌ بقدر معاوضته، فإذا كان متعيناً وتلف قبل القبض لم يتلف من بائعه كالمهر.
قال أصحابنا: ولأن المشتري إذا تلف المبيع وهو في يد البائع قبل قبضه لكان تلفه منه، فدل ذلك على أن ضمانه منه قبل القبض، وكذلك إذا أتلفه غيره، أو أتلف بأمر من الله عز وجل.

تعيين الدنانير والدراهم في العقد

[902] مسألة: الظاهر من مذهب أصحابنا في الدنانير والدراهم أنهما لا يتعينان في العقد، وهو قول أبي حنيفة.
ولأبن القاسم قول أنها تتعين، وهو قول الشافعي، فوجه نفي التعيين، أنها لو كانت مما يتعين لم يجز إطلاق العقد عليها كالثياب والطعام وسائر ما يتعين؛ ولأنه بدل مستحقٌ على وجه الثمن، فوجب أن يثبت في الذمة؛ أصله إذا أطلقاه ولم يعيّناه؛ ولأن الدارهم والدنانير لا يرادان لأعيانهما وإنما تراد للانتفاع بهما، إذ الأغراض فيهما واحدةٌ، ولا مزية لعين منها على عينٍ؛ لأنه لا شيء تراد له إحدى العينين إلا وهو موجودٌ في الأخرى، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون تعينهما وعدم تعنيهما بمنزلةٍ واحدةٍ.
ووجه إثباته أن ما تعين بالقبض جاز أن يتعين بالعقد كغير النقود؛ ولأنه لا خلاف أن القبض طريق للتعيين في كل المقبوض بنفس العقد عليه، بعلة أن كل معنى تعين به غير الأثمان جاز أن يتعين به الأثمان كالقبض، عكسه العقد على شيء في الذمة لما لم يتعين به غير الأثمان لم يتعين به الأثمان؛ ولأن كل جنسٍ يتعين مصوغه بالعقد جاز أن يتعين غير

مصوغه كالحديد.
ولأنها متعينةٌ في الودائع والغصوب، وكذلك في الأثمان.

البيع بشرط البراءة

[903] مسألة: البيع بشرط البراءة جائزٌ في الرقيق دون غيره، ويبرأ البائع مما لا يعلم، ولا يبرأ مما علمه وكتمه، هذا هو المعمول عليه في المذهب.
وفيه روايةٌ أخرى، أنه يبرأ من الرقيق وغيره، وروايةٌ ثالثةٌ، أن بيع البراءة لا ينفع ولا يقع به البراءة.
وللشافعي فيه اختلاف أقوال كثيرةٍ.
فدليلنا على جوازه وبراءة البائع مما لا يعلمه، حديث ابن عمر لما باع عبداً له بالبراءة، فلم ينكر عثمان ولا غيره.
ولأنه شرط البراءة من عيبٍ لم يدلس به ولا كتمه في جنسٍ يقدرون على كتمان عيوبهم، فأشبه إذا أراه إياه ووقف عليه.

[904] مسألة: إذا علم عيباً فكتمه وتبرأ منه لم يبرأ منه، خلافاً لأبي حنيفة: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا بعت فقل لا خلابة.
وقوله: من غشنا فليس منا.
وروى واثلة" إذا كان بسلعة أحدكم عيبٌ فليره مشتريها

هذا معناه ولحديث ابن عمر لما باع عبده بشرط البراءة فرد عليه بعيبٍ فقال له عثمان تحلف أنك بعته وما به عيبٌ تعلمه، قال: أحلف لقد بعته بالبراءة، فقال عثمان: لا، بل تحلف ما كان به داءٌ.
فأبى واسترجع عبده؛ ولأن المشتري دخل على أن البائع مثله في أنه لا يعلم بالمبيع عيباً، والبراءة وقعت على هذا الوجه وإن لم يلفظ فيها.
فوجب متى بان له خلافه أن يستحق الرد؛ لأنه قد غره ولبس عليه؛ ولأنه عيبٌ وجد بالمبيع لم يوجد رضى به، ولا أبرأه منه بشرطٍ علم البائع به فلم يلزم المشتري، أصله إذا لم يشترط البراءة منه.
[بيع العبد وعليه دين]

[905] مسألة: الدين على العبد عيبٌ يوجب الخيار خلافاً للشافعي؛ لأن صاحب الدين يأخذ ما يكون للعبد من فائدةٍ وهبةٍ وصدقةٍ، فيقطع بذلك حق السيد في انتزاعه.

تصرف الأعمى بالبيع والشراء

[906] مسألة: بيع الأعمى وشراؤه جائزٌ إذا كان يعرف ما يوصف له، سواءٌ ولد أعمى أو كان بصيراً.
خلافاً للشافعي في قوله: لا.
يجوز إلا أن يكون بصيراً فعمي، فشاهد شيئاً ثم عمي، فيجوز له بيع ذلك الشيء الذي قد شاهده.
لقوله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾.
وقياساً على البصير بعللٍ، إما لأن كل من جاز نكاحه جاز بيعه وابتياعه كالبصير، ولأن كل من صح سَلَمُه صح بيعه للأعيان كالبصير؛ ولأن كل عقدٍ صح من البصير صح من الأعمى كالسلم؛ ولأنه عقد معاوضةٍ فصح من الأعمى

كالنكاح.
وقياساً على ما شاهده قبل ذهاب بصره.

استبراء الأمة من البائع والمشتري

[907] مسألة: إذا وطئ أمةً فأراد بيعها فعليه أن يستبرئ قبل البيع، وكذلك المشتري يلزمه الاستبراء، فإن اتفقا على استبراءٍ واحدٍ جاز.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يجب الاستبراء على المشتري دون البائع.
وحكي عن قومٍ أنه يجب على البائع دون المشتري.
فدليلنا على وجوبه على البائع، أنه إذا وطئها جاز أن تكون حاملاً من ذلك الوطء.
فيكون بائعاً لولده ومدخلاً للشبهة في النسب، وقياساً على المشتري بعلة أنه أحد المتابيعين؛ ولأن المشتري إنما لزمه الاستبراء لحفظ مائه، لئلا يدخل ماؤه على ماء غيره، والبائع يلزمه حفظ مائه كما يلزم المشتري فيلزمه الاستبراء؛ ولأنه عقد يبيح وطأها فوجب على مالكها استبراؤها، أصله إذا أراد أن يزوجها، ودليلنا على وجوبه على المشتري، قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا توطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلً حتى تحيض.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقينَّ ماءه زرع غيره، ولأنه لا يؤمن أن تكون حاملاً فيكون بوطئه مدخلاً للشبهة في النسب فلزمه الاستبراء.

[908] مسألة: إذا ابتاع حائضاً في أول حيضتها أجزأ من الاستبراء،

خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: لابد من حيضة مستأنفة؛ لأن الحيض أمارةٌ دالةٌ على براءة الرحم، وذلك يحصل بتوالي الدم في أيامها ولا يؤثر فيه فوات ساعةٍ أو يومٍ، ولا يزيل المعنى المقصود منه.

العلم بالعيب بعد بيع السلعة

[909] مسألة: إذا لم يعلم بالعيب حتى باع السلعة فالصحيح من المذهب أن له الرجوع بالأرش على البائع، خلافاً للشافعي؛ لأن البيع قد ثبت والبائع لم يوفه ما أوجبه له العقد، فكان له الرجوع عليه بالأرش كالعتق والكتابة.

استبراء الأمة في الإقالة وهي في يد البائع

[910] مسألة: إذا تقايلا وهي في يد البائع، أو كانت وديعةً عنده فورثها وكانت قد حاضت عنده لم يحتج إلى استبراء.
خلافاً للشافعي في قوله: لا بد لتجدد الملك من الاستبراء؛ لأن العلم ببراءة رحمها حاصلٌ فجاز وطؤها كما لو استبرأها؛ ولأن الاستبراء إنما جعل ليفصل بين الماءين مع إمكان أن يكون هناك ماءٌ، فأما مع تحقق عدمه فلا معنى له.

بيع الأمة ولها زوج

[911] مسألة: الزوج للأمة، والزوجة للعبد، عيب يوجب الرد، خلافاً للشافعي؛ لأن منافع البضع مستحقةٌ على السيد كما لو كان فيها شركٌ؛ ولأن عيب الفرج يوجب الرد مع أنه لا يعوق كثيراً من الاستمتاع فالزوج الذي يعوق جميعه أولى؛ ولأن العبد يلزمه النفقة والصداق ويتشاغل عن خدمة سيده.

رد المبيع بالعيب الباطن

[912] مسألة: ما يكون عيبه باطناً لا يوقف عليه إلا بعد إفساده

كالقثاء والبطيخ والجوز والخشب وغيره، على روايتين.
والصحيح أنه لا يوجب الرد؛ لأنه يعلم أن البائع لم يكن عالماً به فكان بمنزلة بيع البراءة.

البيع بشرط البراءة من الحمل

[913] مسألة: البيع بشرط البراءة من الحمل غير جائزٌ في المرتفعات كالسراري وشبهها، وجائزٌ في الوخش والتي تراد للخدمة، خلافاً للشافعي في إجازته ذلك في الموضعين؛ لأنه غرر في الرفيعة؛ لأن الأمة المتخذة للوطء والمرادة للتسري يرغب فيها للحسن والجمال، والحمل ينقصها، ويؤثر في نقصان ثمنها تأثيراً بيناً، ويقل الراغب فيها، فإذا تيقن فقد دخل كل واحدٍ على بصيرةٍ وزال الغرر، وصار عيباً ظاهراً رضي به والوخش بخلاف ذلك، بل ربما زاد في ثمنها ويرغب لأجله فيها.

بيع المرابحة

[914] مسألة: بيع المرابحة جائزٌ، خلافاً لمن منعه أو كرهه؛ لأن الثمن معلومٌ للمتبايعين كما لو فصله.

[915] مسألة: إذا اشترى سلعةً بثمنٍ، ثم باعه بربحٍ، ثم عاد فاشتراها شراءً صحيحاً بالثمن الأول كان له أن يبيعها مرابحةً، ولا يلزمه إسقاط الربح وقال أبو حنيفة: لا يجوز له بيعها مرابحةً إلا بعد إسقاط الربح، فدليلنا أن السلعة ملكت في العقد الثاني بالثمن الذي عقد به، فتعلق الحكم به ولم يعتبر الربح قبله، بدليل لو خسر فيها ثم اشتراها لم يضم الخسران إلى رأس المال.

تحريم بيوع الآجال

  1. مسألة: إذا اشترى سلعةً بمائةٍ إلى أجلٍ لم يجز له أن

يبيعها من بائعها نقداً بثمانين، وكذلك لو ابتاعها إلى أجلٍ لم يجز له أن يبيعها من بائعها إلى أجل بزيادة على المائة وأجاز الشافعي كل ذلك، ودليلنا أن هذه المسألة مبنيةٌ على الذرائع وهو الأمر الذي ظاهره الجواز إذا قويت التهمة في التطرق به إلى الممنوع، ووجه ذلك أن البائع دفع مائةً نقداً ليأخذ مائةً وخمسين إلى أجلٍ، فذكر السلعة والبيع لغوٌ، وهذا ذريعة إلى العينة.
والقرض الجار نفعاً، فلم يجز، ويدل عليه حديث عائشة لما ذكرت لها أم ولد زيد بن أرقم أنها باعته جاريةً بثمانمائة درهمٍ إلى العطاء وأنها اشترتها بعد ذلك بستمائةٍ نقداً، فقالت بئس ما شريت واشتريت، أبلغي زيد بن أرقمٍ أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إن لم يتب فقالت: ماذا أصنع؟ فقالت: قال الله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ ففيه، أدلة أحدها: أن القياس لا يدل على المنع فلم يبق إلا أن تكون صارت إليه توقيفاً أو للذريعة على ما قلناه.
والثانية: أنها عدته رباً، وقد علم أنه ليس بربا، فلم يبق إلا أن يكون شرعاً.
والثالث: إنها غلظت الأمر فيه تغليظاً لا يبلغ إلى مثله في مسائل الاجتهاد فكان الأغلب أن يكون للتوقيف عندها فيه.

فصول الكتاب · 57 فصل · 1030 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإشراف على نكت مسائل الخلاف · 1030 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك في الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والمرافقكتاب الحوالةكتاب الضمان والكفالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريّةكتاب الوديعةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة وكراء الأرضكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الحبس والوقف والهباتكتاب اللقطةكتاب اللقيط
كتاب النكاح
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب القسامةكتاب الحدود [الزنا]كتاب القذفكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب الضحاياكتاب الذكاةكتاب الصيدكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الجهادكتاب القطع [في السرقة]كتاب الأقضية والشهاداتكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الوصاياكتاب المواريث والفرائض
جارٍ التحميل