كتاب الرضاع
[1518] مسألة: لبن الفحل يحرم، خلافاً لقوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الزضاع ما يحرم من الولادة»، وعن عائشة قالت: جاء عمّي من الرضاعة فاستأذن علي، فأبيت أن آذن له، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: «إنّه عمك فأذني له» فقلت: إنّما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال: «إنّه عمك فليلج عليك» وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب، ولأنه تحريم يثبت بالنسب فوجب أن يثبت مثله بالرضاع كالأمومة.
[1519] مسألة: تحرمم المصة الواحدة، وقال الشافعي لا يحرم إلا خمس رضعات، وقال قوم ثلاث رضعات؛ فدليلنا قوله تعالى: " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ". وقوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة»، ولأن كل معنى أوجب حرمة يقتضي تحريماً مؤبداً، فإنّه يعتبر وجود تحريمه من غير عدد، أصله العقد والوطء، واعتباراً بالخمس، بعلّة أنّه ارتضاع من لبن له تأثير في التحريم من مدّة الحولين.
[1520] مسألة: لا يحرم رضاع الكبير، خلافاً لما روي عن عائشة رضي الله عنها، فدليلنا قوله تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة "، وقوله تعالى: " وفصاله في عامين "، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الرضاعة من المجاعة» و «لا رضاع إلا ما أنبت اللّحم وأنشر العظم».
[1521] مسألة: وفيما زاد على الحولين خلاف، لما روى ابن عبد الحكم أن الأيام اليسيرة في حكم الحولين، وروى ابن القاسم شهرين، وروى عبد الملك شهرًا ونحوه، وقال محمد بن عبد الحكم لا يحرم ما زاد على الحولين بوجه، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ستة أشهر؛ فدليلنا [على] أن الزيادة اليسيرة معتبرة قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّما الرضاعة من المجاعة» ومعلوم أن الطفل لا يستغني بالطعام بعد يوم أو يومين من فطامه، فكان ذلك كرضاعه في الحولين، ولأنه إرضاع مع المجاعة إليه كالحولين؛ ودليلنا على أبي حنيفة أنها مدّة زائدة على الحولين فيستغنى فيها بالطعام فلم يؤثر إرضاعه فيها كالسنة.
[1522] مسألة: الإرتضاع من الميتة يوجب التحريم، خلافاً للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الرضاعة من المجاعة»، وقوله: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء»، ولأنه لبن آدمية وصل إلى جوف المرضع في مدّة الحولين
كاللبن المأخوذ بحال الحياة، ولأنّها إحدى حالتي المرأة كالحياة.
[1523] مسألة: إذا استهلك اللّبن في ماء أو مائع أو دواء، وغلب، فشربه صبي لم يثبت به حكم الرضاع، خلافاً للشافعي؛ لأنّ استهلاكه في الماء يبطل حكمه، ويجعل الحكم للماء، ولأنه لا يقع عليه اسم اللّبن، ولهذا لا يجب به [الحنث إذا حلف لا يشرب لبنا وشربه] فأشبه الماء الخالص، ولأن تعلّق تحريم المناكحة باللبن كتعلق وجوب الحدّ بشرب الخمر، ثم قد ثبت أن النقطة من الخمر إذا استهلكت في الماء فإنّه لا يتعلّق بشربه حدّ، وكذلك اللّبن.
[1524] مسألة: إذا فصل قبل الحولين واستغنى بالطعام، ثم أرضع في الحولين لم يحرم، وقال الشافعي يحرم ما دام في الحولين؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الرضاعة من المجاعة» وقوله: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم»، وكل هذا تعلّق الرضاع بالحاجة إليه، ولأنه رضاع لمستغن عنه بالطعام كما لو كان بعد انقضاء المدّة.
[1525] مسألة: الوجور يحرم، خلافاً لداود؛ لأنه صفة لوصول اللبن إلى الجوف كالإرضاع.
[1526] مسألة: الحقنة باللبن لا تحرم، خلافاً لبعض أصحابنا وأحد قولي الشافعي؛ لأنه وصول اللّبن إلى الجوف بحيث لا يحصل به تغذ بحال كرضاع الكبير.