كتاب النفقات
[1527] مسألة: الإعتبار في نفقات الزوجات بحال الزوجين معاً، يفرض لها كفايتها على ما يرى من قدرها وقدره في العسر واليسر، وليست بقدر محدود، وقال الشافعي هي مقدّرة لا اجتهاد فيها، معتبرة بحال الزوج وحده، فعلى الموسر مدّان، وعلى المتوسط مذ ونصف، وعلى المعسر مدّ؛ فدليلنا قوله تعالى: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف "، وذلك ينفي التقدير، وقوله صلى الله عليه وسلم لهند، وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فردها إلى ما تعلمه كافياً لها من غير تحديد، ولأنّ النفقة في مقابلة الإستمتاع وما تبذله من ذلك غير محدود فكذلك العوض عنه.
[1528] مسألة: إذا لم يكفها خادم واحدة وكانت حاله تحتمل، أخدمها خدمة مثلها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " وعاشروهن بالمعروف " ولأنّه لما وجب إخدامها بالواحدة لحاجتها إليها، كذلك إذا احتاجت إلى الزيادة عليها، ولأنه نوعٌ من المؤنة يلزمه لها
فكان الواجب منه قدر كفايتها إذا احتملت حاله كالكسوة.
[1529] مسألة: إذا تزوج الكبير بصغيرة لا يوطأ مثلها فلا نفقة لها، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأن الإستمتاع يتعذر منها لقصورها عن بلوغه، فلم تستحق العوض عليه، ولأنه لو وجبت النفقة لها لكان يجب لها بنفس العقد وذلك باطل اعتبارًا بالناشز، ولأنّ البدل إذا كان في مقابلته مبدل فإن تعذر تسليم البدل يمنع وجوب تسليم المبدل، سواء كان بتفريط أو بعذر كالبيع.
[1530] مسألة: الصغير إذا تزوج الكبيرة فلا نفقة عليه إن كان مثله لا يطأ، وقال الشافعي في أحد قوليه يلزمه؛ لأنّ النفقة عوض من الإستمتاع فإذا كان الزوج ممّن لا يتأتى منه الإستمتاع لقصوره فلا نفقة عليه، ولأنها لما عقدت على نفسها لمن لا يتأتى منه الإستمتاع لا لعارض فقد رضيت بترك النفقة، لأنها قد علمت أنّ الزوج لا يحصل له عوضها.
[1531] مسألة: النفقة بالزوجية تسقط بالنشوز، وحكي عن ابن عبد الحكم أنّها لا تسقط؛ فدليلنا أن النفقة في مقابلة التمكين من الإستمتاع فإذا منعته لم تستحق بدله، كالأجرة في مقابلة المنفعة، والثمن والمثمن.
[1532] مسألة: إذا أعسر بالنفقة ثبت لها المطالبة بالفراق، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " وعاشروهن بالمعروف "، وقوله تعالى: " فإمسأك بمعروف أو تسريح بإحسان "، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تقول امرأتك أنفق علي أو طلقني» وهذا إخبار عما لها أن تفعله، ولأن النفقة في مقابلة
الإستمتاع، فلمّا كان إذا نشزت لا نفقة لها بمنع الإستمتاع، فكذلك إذا لم يجد النفقة من جهته فلها مفارقته، ولأنه لما كان لها مفارقته في الإيلاء والعنة وضررهما أيسر من ضرورة عدم النفقة، فكان في عدم النفقة أولى.
[1533] مسألة: الإعسار بالصداق قبل الدخول يوجب لها الفرقة إذا طالبت بذلك، خلافًا لأبي حنيفة؛ لاتفاقنا على أنها لها أن تمنع نفسها حتى تقبض الصداق، كما للبائع أن يمنع إقباض السلعة حتى يقبض الثمن، ولأن في منع المفارقة إضرارًا بها، لأنها إما أن تلزم الرضا بذمته أو انتظاره إلى أن يتبين [اليسر] وكل ذلك ضرر، ولأن سبب تعذر الإستمتاع إذا كان من جهته وآل إلى الضرر ثبت لها الخيار كالعنة والإيلاء.
[1534] مسألة: لا يلزم الأم إنفاق على الولد، وقال الشافعي يلزمها عند عدم الأب والجد؛ فدليلنا أن كل من لا يلزمها إرضاعه في بعض الأوقات إلا بعوض، لم يلزمها الإنفاق عليه كالأجنبية، ولأن الإنفاق على شخص إذا وجب على إنسان، لم ينتقل إلى غيره من الأقارب اعتبارًا بالعم والخال أنه لا يلزمه نفقة الولد بعد موت الأب.
[1535] مسألة: لا يلزم الجد النفقة على ولد الولد، خلافاً للشافعي؛ لأنّه قد حال بينه وبين من تلزمه له النفقة فلم تنتقل إليه بعد موته كالأخ، وكذلك الخلاف في وجوب نفقة الجد على ولد ولده، ولأن النفقة على الأقارب لا تجب انتقالاً، وإنما تجب ابتداء اعتبارًا بغير الوالدين وا لمولودين.
[1536] مسألة: لا تجب النفقة لغير الوالدين دنية والأولاد دنية، وقال الشافعي تجب عليه لكل ذي رحم محرم منه كالأخوة والأخوات وغيرهم؛
ودليلنا أنها قرابة بعدت عن الولادة من الطرفين فلم تجب بها نفقة كابن العم.
[1537] مسألة: على الأم إرضاع ولدها إذا كانت زوجة أبيهم، إلا أن يكون مثلها لا يرضع لشرف وعز وعلوِّ قدر، أو لسقم وقلة لبن، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجب ذلك عليها في الحالين، وقال أبو ثور يجب ذلك عليها في الحالين.
ودليلنا على أبي حنيفة والشافعي قوله تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين "، ولا يجوز أن يكون المراد به الخبر، لأنّه لا فائدة فيه، فثبت أن المراد به الأمر، ولأن العرف جار بذلك في غالب أمور الناس أن المرأة تلي رضاع ولدها بنفسها من غير أن يكلّف زوجها أجرة، وما يجري العرف به فهو كالشروط، ولأنه لو كان لا يقبل من الرضاع غيرها للزمها إرضاعه، وما يستحق على الإنسان الجبر عليه لا يستحق عليه أجرة عكسه الأجنبية.
ودليلنا على أبي ثور أن العرف جار بأن مثلها لا يرضع، ففي تكليفها خلاف العرف من حدّ ما دخلا عليه إضرار بها فلم يلزم.
[1538] مسألة: لا يسقط عن الأب نفقة الإبنة ببلوغها حتى تتزوج ويدخل بها زوجها، وقال أبو حنيفة والشافعي تسقط نفقتها ببلوغها؛ فدليلنا أن كل حال ثبت له فيها إجبارها على النكاح وجب نفقتها عليه كالصغيرة.
[1539] مسألة: يلزم الإبن النفقة على أبيه إذا كان معسراً وإن كان صحيحاً، خلافاً للشافعي في أحد قوليه إنه لا تلزمه النفقة له إلا إذا كان فقيراً زمناً؛ لقوله تعالى: " وبالوالدين إحساناً " واعتبارًا بكونه زمناً مع تأكده مع الأولاد.
[1540] مسألة: إذا أسلمت المرأة نفسها وأمكنت من الإستمتاع والزوج قادر على ذلك استقرت لها النفقة من غير حاجة إلى فرض الحاكم، وقال أبو حنيفة لا تستقر لها إلا بفرض الحاكم؛ ودليلنا أنه حق مالي يجب في مقابلة الإستمتاع، فإذا أسلمت نفسها وأمكنت من بدلها لم ينتظر فرض الحاكم كالمهر، لأنه عوض على منفعة كالأجرة على الإجارة.
مبيت المبتوتة في بيتها
[1541] مسألة: لا يجوز لمبتوتة أن تبيت في غير بيتها حتى تنقضي عدّتها؛ خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأنها بائن كالمتوفى عنها.
الحضانة
[1542] مسألة: إذا تزوجت الأم ودخل الزوج بها سقطت حضانتها، خلافاً لما يحكى عن الحسن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنت أحق به ما لم تنكحي» ولأنه يلحق الضرر بالصبي بكونه مع زوج أمه ويلحق أباه أيضاً فكان [له] إزالته عنه.
[1543] مسألة: الحضانة ثابتة للأم على البنت إلى أن يدخل زوج البنت بها، وقال الشافعي تنقطع حضانتها أيام بلوغ البنت؛ فدليلنا أن بلوغها لم يؤثر في سقوط إجبار الأب إياها عن النكاح، فلم يؤثر في سقوط الحضانة كحال الصغير، ولأنّ الإبنة محتاجة من الحفظ والمراعاة إلى
أكثر ممّا يحتاج إليه الإبن، وحاجتها إلى ذلك بعد البلوغ أكثر وأشدّ.
[1544] مسألة: إذا أراد الأب النقلة إلى بلد آخر فهو أحق بالولد، وكذلك لو أرادت الأم النقلة كان الأب أحق بالولد، وقال أبو حنيفة إذا أراد الأب النقلة فالأم أحق بهم، وإن أرادت الأم النقلة فإن انتقلت من قرية إلى بلد فهي أحق، وإن انتقلت من بلد إلى قرية فالأب أحق؛ فدليلنا أن كونه مع أبيه مصلحة متأبدة [وكونه مع أمه مصلحة] مؤقتة تزول عن قريب، ومراعاة المصلحة المتأبدة أولى، واعتبارًا به إذا أرادت الأم النقلة عن بلد إلى قرية.
بسم الله الرحمن الرحيم