كتاب الأيمان
[1738] مسألة: تجب الكفارة بالحنث في اليمين على أي وجه كان، من كونه طاعة أو معصية أو مباحاً، خلافاً لمن قال إنه إذا كان الحنث طاعة فلا كفارة فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر»، وهذا خاصٌ في مسألتنا، ولأنّ المخالفة قد وجدت منه، فأشبه كون الحنث معصية أو مباحاً.
[1739] مسألة: إذا قال إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني، لم يكن ذلك يميناً، ولا كفارة عليه إن فعل، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنّها يمين تعرت عن اسم الله تعالى وصفاته، فلم يلزم بالحنث فيها كفارة، أصله قوله والنبي والكعبة، ولأنه حلف بالبراءة من متبرأ منه فأشبه حلفه بالبراءة من النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من المحدثين، ولاأنه حلف بمعنى يوجب القتل فأشبه قوله هو زان محصن، أو جاحد للصلاة، أو ساب للنبي، أو برىء منه، ولأنه إخبار عن أنه بالحنث يحصل على صفة اعتقاد يوجب الفسق فلم
يلزم به كفارة، كقوله: هو قدري أو مبتدع.
[1740] مسألة: لا كفارة في اليمين الغموس، خلافً للشافعي؛ لقوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان"، فأخبر أن المؤاخذة بالكفارة لا تكون إلا في يمين منعقدة والغموس وقعت محلولة غير منعقدة، بدليل أنّ المنعقدة ما أمكن حلّه لأنه في مقابلة المحلول، والغموس واقعة على وجه واحد فلا يتصور ذلك فيها، وقوله: "واحفظوا أيمانكم"، يريد مراعاتها ليؤدي الكفارة بالحنث فيها، وذلك يقتضى أن تكون اليمين ممّا يمكن حفظها ومراعاتها بأن تعلّق بما يتأتى به البرُّ والحنث، وهو لا يتأتى في الغموس، ولأنها يمين لا يتأتى فيها برٌّ ولا حنث، فلم تجب بها كفارة كاللّغو، ولأنّ الكفارة معنى ترفع حكم اليمين، فلم تتعلق بالحلف على المعاصي، كالاستثناء، ولأن معنى الحنث وقوع المحلوف عليه مخالفاً لما حلف به عليه، وذلك يقتضي بعد اليمين على وقوعه ليصحّ وصفه إذا وقع، بالحنث أو بالبرِّ، ومتى تأخرت اليمين عنه فقد وقع عارياً من الحكم له بأحدهما من بعد، ولأن كل ما يبطل العقد بطروه عليه، فإنه يمنع انعقاده إذا قارنه، أصله الردة والرضاع.
[1741] مسألة: إذا قال أقسم، أو أقسمت، فإن قال: بالله، لفظاً،
أو لله، كان يميناً، وإن لم يلفظ به ولا نواه؛ فليست بيمين، والظاهر من مذهب الشافعي أنّه ليس بيمين على كلِّ وجهٍ، وعند أبي حنيفة أن هذه الألفاظ مجردها لا يتعلّق محلوف بمخصوص، فلم تكن أيماناً؛ لأنه لفظ يمين عري عن أسماء الله وصفاته لفظاً ونية كقوله: والنبي والكعبة، ولأن الكفارات تجب في لفظٍ له حرمة، والحرمة للمقسم به، وأما لفظ القسم من غير ذكر مُقسمٍ به فلا حرمة له، ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم"، فسمَّى القسم يميناً، ولأنه قسم علق على اسم الله تعالى فأشبه إذا علّقه به نطقاً، ولأن القسم كناية عن اليمين، وما كان كناية عن الشيء كان مقارنة النية كالصريح، أصله كناية الطلاق.
[1742] مسألة: العهد والميثاق يمين مع الإطلاق، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد تؤكيده"، فسمى العهد يميناً ونهى عن نقضه بعد توكيده، وأن العهد يمين في عرف الشرع واللغة، بدليل أنه يعقل من إطلاق قول القائل: علي عهد الله، ما يفهم من قوله: والله، أنه بمثابة قوله: حلفت بالله، ولأنّه قسم بعهد الله كما لو نواه.
[1743] مسألة: إذا قال عليه عهد الله وميثاقه وكفالته، ثم حنث، فأراد الاستئناف، أو أطلق، فعليه لكل واحد كفارة، وإن أراد التأكيد فكفارة واحدة، وقال الشافعي: إن نوى اليمين فعليه لكل واحد كفارة واحدة؛ فدليلنا أن كل واحد من هذه الصفات إذا انفرد كان يميناً، فإذا جمعها وفصل بينها بواو القسم كانت أيماناً، كقوله: والله الرحمن الرحيم، إلا أن يريد التأكيد.
[1744] مسألة: إذا حلف بحق الله فإنها يمين تكفر، خلافاً لأبي
حنيفة؛ لأنّها يمين في عرف اللغة والشرع، لأن كل أحد يعقل عن قصد الحالف بها ما يعقل من قوله: وعزة الله وقدرة الله، فوجب أن يكون يميناً، ولأن حق الله صفة لذاته، لأنّ معناه استحقاقه على عباده [طاعته]، وذلك قديم غير محدث، لأنه تعالى لم يزل موصوفاً بأنه مستحق على من يخلقه طاعته وعبادته.
[1745] مسألة: أمانة الله يمين، خلافاً للشافعي؛ لأنّها من صفة الذات يوصف بها الأمين المؤتمن، لم يزل تعالى موصوفاً به، فصار كقوله: وعظمة الله وقدرته.
[1746] مسألة: إذا حلف بالمصحف ثم حنث فعليه الكفارة، خلافاً لأصحاب أبي حنيفة والشافعي، أما أصحاب أبي حنيفة فبنوه على أصله، في القول على أصلهم، بخلق القرآن من قال ذلك منهم، وأما أصحاب الشافعي فقالوا: إن المصحف هو الورق والحبر والجلد وكل ذلك مخلوق؛ فدليلنا أن المفهوم من إطلاق ذلك الحلف بالقرآن المكتوب في المصحف، والقرآن غير مخلوق، فوجب أن يكون يميناً.
[1747] مسألة: إذا حلف بعلم الله فذلك يمين، وقال أصحاب أبي حنيفة: ليس بيمين؛ فدليلنا أن علم الله عز وجل صفة من صفات ذاته، فأشبه قدرته وعظمته.
[1748] مسألة: إذا قال أسألك بالله لتفعلن كذا، قال ابن القاسم: ليس بيمين، أراد اليمين أو لم يردها، وقال أصحاب الشافعي: إن أراد اليمين كانت يميناً؛ فدليلنا أن هذه اللفظة لم يتقرر لها عرف شرعاً ولا لغة، موضوعها استدعاء الفعل على وجه المسألة، وذلك ليس من اليمين في شيء، ولأنّ ذلك بمثابة قوله: أطلب منك وألتمس ذلك فليس بيمين.
[1749] مسألة: لغو اليمين أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف
عليه، ثم يتبين له أنه بخلافه، سواء قصده أو لم يقصده، وقال الشافعي: إن قصد فليس بلغو؛ فدليلنا أن من حلف على علمه أو غلبة ظنه فلم يوجد منه استخفاف لحرمة اليمين ولا جرأة وإقدام على التغرير بها، لأنه علّقها على وصف مراعى مطابق لها وهو علمه أو غلبة ظنه، ومطابقة اليمين له انعقادها على ذلك الوجه، فإن كان على ما حلف عليه فقد بر وإن كان بخلافه فلا شيء عليه، لأنّ اليمين لم تنعقد على شيء، لأنها وقعت محلولة مفارقة للحنث.
[1750] مسألة: في تقديم الكفارة على الحنث روايتان؛ إحداهما: الجواز، وهو قول الشافعي، والأخرى: المنع، وهو قول أبي حنيفة.
فوجه الجواز قوله صلى الله عليه وسلم: «فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير»، وروي: «فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه»، وروى عبد الرحمن بن سمرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا حلفت فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير»، وهذا نص، ولأنه كفر عن يمينه بعد عقدها فأشبه أن يكفر بعد الحنث، ولأنه معنى يرفع حكم اليمين، فلم يقف ثبوت حكمه على وجوب الحنث، أصله الاستثناء، ولأنّ الكفارة أقوى من الاستثناء بدليل أنه يرفع اليمين منفصلة ومتصلة.
ووجه المنع أنه حق في مال يتعلق بسبب لحق الله فلم يجز تقديمه عل وقت وجوبه كالزكاة، واعتباراً بسائر الكفارات، ولأنه لم يحنث فلم يكن للكفارة حكم كما لو أخرجها قبل اليمين، ولأن الحنث هو الموجب
للكفارة فلا يجوز أن يؤخذ من غير وجوبها.
[1751] فصل: إذا قلنا إنه جائز فلا فصل بين الصيام وغيره، وقال الشافعي: لا يجوز تقديم التكفير بالصيام؛ فدليلنا أنه أحد أنواع كفارات اليمين للإعتاق والإطعام، ولأن كل حال جاز أن يكفر يمينه فيها بالعتق جاز أن يكفر بالصيام، أصله بعد الحنث.
[1752] مسألة: الاستثناء في اليمين غير واجب، خلافاً لقوم؛ لأنّه يحل اليمين كالكفارة، ولأنه لو كان واجباً لم يجز لأحد أن يعقد يميناً، وذلك خلاف الإجماع.
[1753] مسألة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلاً باليمين غير متراخ، وحكي عن ابن عباس جواز تراخيه، فقيل عنه: إلى سنة، وقيل: إلى غير غاية، وحكي عن قوم أنه يجوز ما دام في مجلسه؛ ودليلنا على منع ذلك من طريق اللّغة: أن العرب لا تستعمله إلا متصلاً بدليل أنهم إذا سمعوا مورده متراخياً عن أصله استقبحوا ذلك منه، هذا هو المألوف من خطابهم وعُرْفِهِمْ أن القائل إذا قال: ادع لي عبيدي، ثم قال بعد زمان إلا فلاناً، عدوه هاذيًا غير محصل، فدل على ما قلناه، ولأن الاستثناء لما كان غير مستقل بنفسه ولا مفيدًا بانفراده بل متعلّقاً بما تقدّمه، لم يحسن إفراده عنه وقطعه منه كما لم يحسن الابتداء به، ولأنه جار عندهم مجرى الشرط والتقييد وخبر المبتدأ، ولأن ذلك يؤدي إلى أن لا يوثق من أحد بوعد ولا أمر ولا خبر، وهذا على طريقة من يمنع تأخير البيان، ودليلنا على المسألة أن الكلام إذا اتصل آخره بأوله حصلت به الفائدة، وبني
بعضه على بعض، وإذا انفرد عنه بعض منه لا يفيد بنفسه لم يكن حكم، يُبيِّن ذلك أن القائل: لزيد علي عشرة دراهم إلا دانقًا يحكم بأن له تسعة وخمسة دوانق، ولو كان سكت ثم قال بعد مهلة طويلة، أو من الغد: إلا دانقاً لكان ذلك غير مؤثر، وكان الإقرار بالعشرة المسكوت عنها ثابتاً مستقرًا، فبطل ما قالوه.
[1754] مسألة: إذا حلف لا يلبس حلياً فلبس خاتماً حنث، وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ فدليلنا أن الخاتم من حلي الرجال لغة وشرعاً، فوجب وقوع الحنث به.
[1755] مسألة: إذا حلف ليتزوجن على امرأته لم يبر إلا بشرطين؛ أحدهما: أن يتزوج من يشبه أن يكون نظيرًا لها، والآخر: أن يدخل بها، وقال أبو حنيفة والشافعي: يبر بالتزويج الصحيح فقط؛ فدليلنا أن مطلق اليمين إذا كان لها مقصد صحيح في العرف منصرف إلى ذلك المقصد، وفي العادة أن الحالف بذلك يقصد الغيرة والغيظ، وذلك لا يقع إلا بما ذكرناه، لأنه إن تزوج بمن لا يجري مجراها وضع من نفسه وشتمها به وعاد بضد ما قصده باليمين من مغايرتها ومغايضتها، لأن مجرد العقد لا يحصل معه هذا المعنى فدل على ما قلناه.
[1756] مسألة: إذا حلف بقصد قطع المن عنه فقال: والله لا شربت لك الماء، فإنه متى انتفع بشيء من ماله بأكل أو شرب أو عارية أو ركوب أو غير ذلك حنث، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يحنث إلا بما تضمنه لفظ يمينه وهو الماء؛ ودليلنا أن المفهوم من هذا القول قطع المن عنه من طريق التنبيه دون الاقتصار على ما نص عليه، فوجب تعلّق اليمين بجميع ذلك، كقوله تعالى: "فلا تقل لهما أف"، لما كان المقصود منه التنبيه على منع الأذى تعلّق النهي بجميعه دون ما نص عليه من القول: «أف»، وإذا
ثبت أن ما ذكرناه هو معقول الكلام والمقصود به، قلنا: لأنه لفظ يفهم منه الامتناع من الانتفاع بشيء من ماله، فأشبه إذا لفظ به، ولأن التنبيه مدلول اللّفظ ومفهومه، فوجب أن يتعلّق حكم الحلف به، أصله المنطوق، ولأنّ الزيادة على اللفظ أحد الوجهين الذين يصحّ أن يراد به، فجاز أن ينتقل اللفظ إليه في حكم اليمين بالعرف أو غيره من القرائن كالنقصان.
[1757] مسألة: إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف حنث بأكل بعضه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه لفظ مقصود به المنع من فعل، فوجب أن يتعلّق المنع بالجملة والأبعاض، أصله النهي، لأن الحالف يقصد منع نفسه كما أن الناهي يقصد منع غيره، ولأنها عين تعلقت بجملة تعلّقاً مطلقاً فوجب أن يتعلق بكل جزء منها وأن تكون المخالفة في الجزء كالمخالفة في الكل، أصله إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف.
[1758] مسألة: إذا حلف لا يأكل من طعام اشتراه فلان، أو لا لبس ثوباً اشتراه فلان، فاشترى فلان وغيره طعاماً أو ثوباً فأكل منه أو لبس حنث، وقال الشافعي: لا يحنث إلا بما انفرد فلان بشرائه، وقال أبو حنيفة: يحنث في الطعام ولا يحنث في الثوب؛ فدليلنا أنه قد أكل من طعام اشتراه فلان، فأشبه ما ينفرد بشرائه، ولأن لشراء فلان حالين: حال ينفرد بها، وحال يشارك فيها، فإذا أطلق ولم يقيد كان محمولاً على الأمرين، ولأنّه قد تعلّق باليمين شيئان مشترٍ ومشترى ثم قد ثبت أنه لو اشترى الطعام وغيره فأكل منه حنث، فكذلك إذا اشتراه هو وغيره، ولأنّه أضافه إلى مشتر له كما إذا قال: لا أشرب لبناً حلب من هذه الشاة، فقد أضاف اللبن إلى حلبها ثم قد ثبت أنه لو شرب منه وقد خلط بلبن غير ما به يحنث، فكذلك الطعام إذا اشتراه هو وغيره.
[1759] مسأله: إذا حلف لا يسكن داراً هو فيها فخرج لوقته لم
يحنث، وحكي عن زفر: أنه يحنث؛ ودليلنا أن يمينه على سكنى مستأنفة ومستدامة، وذلك معدوم مع خروجه فلم يحنث.
[1760] مسألة: الاعتبار في ذلك بأن ينتقل بنفسه وبأهله وبولده ومن كان معه في الدار ساكناً لسكناه، وما لا بدّ له، من رحل ومتاع يصحبه حيث [يقيم] إلا ما لا خطر له كالمسمار والوتد وما أشبه ذلك، وقالى الشافعي: الاعتبار أن ينتقل ببدنه فقط؛ فدليلنا أن السكنى في عرف التخاطب اسم لكون الإنسان في الموضع بما جرت العادة بأن يصحبه، بحيث يقيم ممّا لا بد له منه، فيجب متى حلف أن لايسكن في موضع أن لا يبقى له شيء له خطب في الوصف له بأنّه ساكن، لأن يمينه أن لا يسكن يقتضي الانتقال الذي يحصل به ساكناً فمتى بقي شيء من ذلك حنث، لأن اسم السكنى لم ينتف عنه، لأنّ الأغراض والمقاصد معتبرة في الأيمان، بدليل من حلف لا يسبح في نهر وغيره، أن لا ينزل في ماء كثير يخاف على نفسه منه، فإنّه يحنث متى سبح في دجلة، أو البحر، وإن كان لا يسمّى نهراً، وإذا ثبت ذلك فالحالف لا يسكن هذه الدار، لا بدّ أن يكون غرضه كراهة الإقامة في المواضع أو قطع العلائق مع صاحبها، إن كانت بأجرة وأية ذلك كان فيقتضي أن يتعلق يمينه بالانصراف لم يبر.
[1761] مسألة: إذا حلف لا يسكن دار فلان هذه، فإن اليمين متوجهة إلى عين الدار، فعلى أي وجه سكنها حنث، بقيت في ملك فلان أو خرجت عنه، وإن أطلق لم يحنث بخروجها عن ملكه، وقالى أبو حنيفة: لا يحنث في الموضعين؛ ودليلنا أنه إذا قال: دار فلان هذه، فالتعيين ليس بشرط لليمين، وإنّما هو مبالغة في التعريف وإبانة عن المقصود [في] عين
الدّار، وكأنه أراد بالتعيين إعلام من حضر وغاب بأن هذه العين هي المحلوف عليها، لئلا يظن أن النسبة إلى ملك فلان هي صفة لليمين، وإذا كان كذلك فالعين باقية وإن زال الملك فيجب أن يحنث، ولأنه علّق يمينه بغير عينها وأضافها إلى شخص، فوجب أن لا تنحل بزوال إضافتها عمّن أضيفت إليه، أصله زوجة فلان وصديقه إذا حلف ألا يكلّمه، وأن التعيين والإضافة إذا اجتمعتا ولم يكن بدّ من تقديم أحدهما كان التعيين أولى لأنّه نص لا يحتمل، لأنّ العين تبقى مع اختلاف الأحوال عليها، وتنقل الأملاك عنها، والإضافة محتملة للملك والإجارة والتعريف وغيره فكانت مراعاة التعيين أولى.
[1762] مسألة: إذا حلف أن لا يسكن، أو أن لا دخل دار فلان، فابتاع فلان داراً بعد يمينه فدخلها أو سكنها حنث، وقال أبو يوسف: لا يحنث؛ فدليلنا أن اليمين مطلقة لم تقيد بدار يملكها في الوقت أو بعده، فيجب تناولها للجميع، ولأنه دخل داراً يملكها المحلوف عليه، فأشبه ما كان يملكه وقت اليمين، ولأن اليمين منعقدة على مضاف إلى ملك فلان فاستوى في ذلك ما يملكه حال اليمين وبعده كالطعام، ووافقنا أنّه إذا حلف لا أكل طعاماً لفلان أنّه يحنث بأكل ما يشتريه فلان بعد اليمين.
[1763] مسألة: إذا حلف لا يدخل داراً فرقى على سطحها أو وقف على سورها أو دخل بيتاً فيها شارعاً إلى الطريق حنث في جميع ذلك، وقال الشافعي: لا يحنث إلا بأن يدخل شيئاً من عرصتها، ولهم في السطح المحجَّر وجهان؛ ودليلنا أن سطح الدّار من الدار، لأن الدار اسم للعرصة بعلوها، لأنّ اسم الدار ما أحاط بعلوها وهو سورها وأغلق عليه بابها، وهذا موجود في العلو والسفل، ولأن من على سطح الدار يسمّى بأنه في الدّار، ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل لم أبرح اليوم من داري، وهو في
سطحها، وأن يقول لمن رآه في سطحه لم دخلت داري، ولأن من حلف لا يصلّي في الدّار أو في المسجد فصلى في سطحهما فإنّه يحنث، وكذلك من سرق من السّطح فإنّه هتك الحرز ولزمه القطع كمن سرق من العرصة، ولأنّ من باع داراً أو أطلق دخل العلو في البيع كدخول السفل، فإذا ثبت بما ذكرناه كون السطح من الدار وجب أن يحنث بدخوله إليه كالسّفل، ولأنّ العلو حدّ جهتي الدار كالسفل.
[1764] مسألة: إذا حلف ألا أدخل دار فلان فدخل داراً يسكنها بكراء حنث، وقال الشافعي: لا يحنث إلا بأن يدخل ملكه؛ فدليلنا أنّه دخل داراً تضاف إلى المحلوف عليه عرفاً، فوجب أن يحنث، أصله إذا كانت ملكاً له، يبين ذلك أنّه إذا قيل هذه دار فلان، وفلان في داره، لم يفهم من ذلك إلا الدار التي يسكنها سواء كانت ملكاً أو مستأجرة.
[1765] مسألة: إذا حلف لا أدخل داراً مبنية، فخربت وصارت طريقاً لم يحنث بدخولها، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الدار في عرف التخاطب اسم للعرصة والبناء وما أحاط به السور المحوط عليها، فإذا زال البناء عنها زال الاسم بزواله فسقطت اليمين، ولأنها صارت على صفة ينتفي عنها الاسم مع الإطلاق فانتفى عنها مع التعيين، أصله لو بنيت مسجداً أو حمامًا، ولأنها دار حلف على الامتناع من دخولها، إذا خربت وزال رسمها لم يحنث، أصله إذا حلف على دار مطلقة، ولأنه حلف على الامتناع من دخول عرصة مبنية مسماة باسم، فإذا زال بناؤها وخربت لم يحنث بدخولها، أصله لو قال: لا دخلت هذا البيت فدخله بعد أن خرب.
[1766] مسألة: إذا حلف ليقضينه حقه في غد فقضاه اليوم لم يحنث، وقال الشافعي.
يحنث؛ فدليلنا أن المفهوم من ذلك في عرف التخاطب إنّما هو الحلف على تعجيل أداء الحق والإسراع به، فكل ما كان أعجل كان أدخل في البر، ولأنه لم يؤخر قضاءه عن الوقت الذي حلف عليه، كما لو قضاه فيه، ولأنّهم يوافقون أنّه لو حلف أن يصلّي غدًا وصلى اليوم أنه لا يحنث، لأن مفهوم ذلك المبادرة إلى الطاعة وفعل الخير،
كذلك في مسألتنا المفهوم قضاء تعجيل الحق.
[1767] مسألة: إذا حلف ليقضينه حقه في غد فمات صاحب الحق قبل غد، فيقضي الورثة أو الوصي أو السلطان ولا يحنث، فإن لم يفعل ذلك حتى انقضى الأجل حنث، وقال أبو حنيفة: يحنث بموت الطالب قبل دفع الحق إليه، سواء قضى ورثته أم لا؛ فدليلنا أن قصد الحالف أن يبرىء ذمته من الحق الذي عليه بفعل من جهته، وتسمية صاحب الحق على وجه الشرط لكن لأنه يستحقه في الحال فإذا استحقه الورثة برىء بدفعه إليهم، لأنهم يقومون مقام الميت في براءة من له ذمة من له عليه الحق بدفعه إليهم، ولأن اليمين إذا علقت على فعل لا يمكن إلا بشرط قد علقت به على الشرط، لأنها لا تنعقد على محال، وإذا ثبت ذلك وكان قضاؤه مشروطاً ببقائه لم يحنث بموته قبل القضاء فكان كقوله: والله لآكلنَّ هذا الطعام في غد، فيحترق قبل الغد أنه لا يحنث، لأنّ الحلف على أكله مشروط ببقائه، ولأن الدفع قد وجد من الحالف إلى من يقوم مقام المحلوف عليه في استحقاق المقبوض، فوجب أن يبرأ بالدفع إليه، كما لو دفعه إلى وكيله في حياته.
[1768] مسألة: إذا حلف ليقضينه حقه فباعه سلعة تساوي دون قيمة الحق لم يبر، وقال أبو حنيفة: يبر؛ فدليلنا أنه لم يوفه حقه ولا ما يقوم مقامه، فأشبه ما لو دفع إليه بعض حقه بعينه.
[1769] مسألة: ولو قضاه زيوفاً أو ستوقاً لم يبر، قبل صاحب الحق أو رد، وقال أبو حنيفة: يبر بالزيوف ولا يبر بالسّتوق؛ فدليلنا ما قدمناه أن الوفاء لم يحصل له لا من حهة المثل ولا القيمة، فأشبه أن يكون له عشرة فيعطيه تسعة، ولأنه قضاه مغشوشة بدلاً من فضة بوزنها فلم يبر أصله الستوق.
[1770] مسألة: إذا علق يمينه بفعل شيء بعد حين أو دهر أو زمان، فذلك سنة، وعند أبي حنيفة: أن الحين ستة أشهر، وقال الشافعي: ليس له حدّ فبأي شيء فسَّره قُبِلَ منه، وإن لم يفسّره كان كمن حلف مطلقاً؛ فدليلنا عليه عرف التخاطب ينفي ما قاله، أنّ القائل إذا قال: ما رأيت زيداً منذ حين، أو منذ دهر، أنّه يقصد بذلك ببعيد الزمان ولم يرد به منذ يوم أو يومين، وكذلك إذا قال: لي حين ما فعلت كذا، فالذي يسبق إلى الوهم عند سماعه أنّه قد بعد عهده به فصحّ ما قلناه، ودليلنا على أبي حنيفة أن الحين قد ثبت في الشرع أنه سنة لقوله تعالى: "تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها"، وإطعام الثمرة يكون كل سنة فوجب تعليق الاسم به، ودليلنا على أن الدهر سنة أنّه لفظ موضوع للتبعيد فأشبه الحين.
[1771] مسألة: إذا حلف لا أشرب من دجلة أو الفرات فإنه كحلفه لا أشرب من مائها فيحنث متى شرب منه كرعاً أو بآلة، وقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا بالكرع؛ ودليلنا أنه يطلق عليه أنه شارب منها، كما لو كرع، يُبيِّن ما قلناه قولهم: أهل بلد فلان يشربون من دجلة، وأراضي بلد كذا تشرب من دجلة، وإن علم أن ذلك بآلة أو غير آلة، ولأنه حصل شارباً من مائها فوجب أن يحنث كما لو صرح به، ولأن الأيمان محمولة على العرف، وذلك هو الشرب على ما جرت العادة به، ولأن دجلة لما لم يصحّ شرب أرضها كان الماء مضمرًا في اليمين كما لو صرح به، ولأنّه أضاف الماء المحلوف عليه إلى قرار مخصوص، فوجب أن يحنث متى شرب منه بآلة، أصله إذا حلف: لا أشرب من هذه البئر.
[1772] مسألة: إذا حلف على زوجته لا خرجت إلا بإذنه، فأذن لها من حيث لم تعلم فخرجت بعد إذنه وقبل علمها حنث، وقال الشافعي: لا
يحنث؛ فدليلنا أن الإذن حكم من أفعال أحكام المكلّفين يتعلّق بقائل ومقول له، فوجب إذا فعل عارياً من علم فأعله بثبوت ذلك الحكم له أن لا يحكم لفاعله بأنه فعله على ذلك الوجه، أصله الأمر والنهي، ولأن من حلف على امرأته ألا تخرج إلا بإذنه فمفهوم ذلك منعها من الافتيات عليه وزجرها من اعتقادها أنّها لا تلزم مراعاة إذنه وقصرها على التصرف بين أمره ونهيه فقط، وإذا كان هذا هو الغرض وكان ذلك لا يوجد إلا مع علمها بالإذن كان مضموماً إليه ومشروطاً معه، فإذا وقع عارياً منه وجب أن يحنث به، ولأن الخروج وجد منها على الصفة التي كان عليها قبل الإذن من اعتقاد الافتيات عليه فأشبه أن تخرج قبل إذنه.
[1773] مسألة: إذا قال مماليكي أو رقيقي أحرار، دخل في ذلك عبيده ومدبروه ومكاتبوه وأم ولده الكامل والمتبعض، وللشافعي في المكاتب قولان أصحهما عند أصحابه أنّه لا يعتق؛ فدليلنا أن المكاتب سمّي عبدًا بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم»، فإذا دخل [في] ذلك، دخل في قوله: عبيدي، ولأن العتق مبني على التغليب والسراية، والمكاتب حكمه حكم العبيد، إلا في قدر ما توجبه الكتابة من وجوب عتقه بالأداء، ولأنه يملك مباشرة مكاتبته بالعتق، بأن يقول ابتداء أنت حر، فوجب أن يدخل في عموم اسم المماليك كالمدبر وأم الولد ولأنه عقد حرية فلم يمنع حصوله للعبد من دخوله على هذا القول، أصله التدبير، ولأن الاستيلاد آكد من الكتابة، لأنه ثابت فعلاً ولا يتطرق الفسخ إليه، ثم هو مع تأكده يدخل في الاسم فالمكاتب أولى.
[1774] مسألة: إذا حلف لا فعل شيئاً، يميناً مطلقة غير مقيدة ففعله
ناسياً حنث، خلافاً للشافعي؛ لأن إطلاق اليمين تعم جميع الوجوه التي يقع الفعل عليها، كما لو أخبر عن انتفاء وقوع الفعل منه لانضم العمد والسهو، ولأنّ كل زيادة في اليمين صحّ اشتراطها وأمكن انفكاك اليمين منها، فإن اليمين لا تتعلق بها إلا بالشرط، كقوله: لا دخلت الدّار راكباً، كذلك قوله عامداً، ولأنه حصل منه الفعل باختياره من غير إكراه كالقاصد، ولأن الفعل وقع منه على وجه منفرد بإضافته إليه فأشبه العمد، ولأن البر في مقابلة الحنث، وقد ثبت أنه لو حلف أن يفعل شيئاً ففعله ساهياً فإنه يبر وإن كان من غير قصد، فكذلك يجب إذا حلف ألا يفعله ففعله سهوًا أن يحنث.
[1775] مسألة: ولا يحنث بالإكراه، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الفعل لا ينفرد بالإضافة إليه، فلم يتناوله يمينه كما لو سحب.
[1776] مسألة: إذا حلف لا أفعل شيئاً فأمر غيره ففعله، حنث إن لم ينو توليته بنفسه، أي فعل كان ممّا تصحّ فيه النيابة، وفصل أبو حنيفة بين بعض الأفعال وبعض، والظاهر من مذهب الشافعي أنّه لا يحنث إلا أن يليه بنفسه؛ فدليلنا أن الفعل إذا كان ممّا يصحّ فيه النيابة فالإطلاق مشترك بين توليته بنفسه وبين وقوعه بالنيابة، ولأنّ الإنسان يطلق القول بأنه قد اشترى طعاماً أو ثوباً وإن كان قد استناب غيره فيه، كما يطلق ذلك إذا تولاه بنفسه على حدّ واحد، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يحنث به، وتحريره أن يقال: لأن الفعل المحلوف عليه قد وقع على وجه يضاف إليه على الإطلاق فأشبه أن يليه بنفسه.
[1777] مسألة: إذا حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً أو حرامًا حنث، خلافاً للشافعي؛ لأن الاسم يطلق عليه في اللغة فأشبه ما يقتضيه الشرع،
ولأنّ الاسم إذا كان له مقتضى في اللغة والشرع ولم يتبين الحالف قصده تعلّق الحكم على اللغة، لأن الشرع طارىء عليها، أو تكون اليمين معلّقة على الجميع، إذ لا وجه لتخصيص بعض ما يصلح أن يراد به مع إطلاق اليمين دون بعض.
[1778] مسألة: إذا حلف لا آكل رؤوساً أو لحماً أو ما أشبه ذلك، فإن كانت له نية وإلا حنث بأكل ما يتناوله الاسم، ولا يعتبر عرف الفعل إذا لم يقارنه عرف التخاطب، والاعتبار بالسبب مع النية إذا لم يكن له نية اعتبر السبب ليستدل به على النية لا له في نفسه، وعند أبي حنيفة والشافعي: أنّه يراعى عرف الفعل، وقال أبو حنيفة في الرؤوس: يحنث بأكل رؤوس الغنم والبقر دون الإبل وغيرها، وقال الشافعي: وبالإبل أيضاً، وهو قول أشهب، والكلام في موضعين: أحدهما: أنه إذا لم يكن له نية وكان هناك سبب جرى اليمين عليه، فيعتبر عندنا بالسبب ليستدل به على النية، ولا يرجع فيه إلى النفوس، فمن كانت له حالة كحال الحالف، وعند المخالف لا يراعى ذلك، والموضع الآخر: إذا عريت النية والسبب أجري الاسم على موضعه في اللغة أو عرفها، وعندهم يقصر على عرف الاستعمال.
فدليلنا على الفصل الأول، أن النية إذا كانت معتبرة في الأيمان، وكانت أملك باليمين من لفظها ثم عدمت، وهناك طريق الوصول إليها وجب اعتباره وإلا كان ذلك إسقاط مراعاتها.
ودليلنا على الفصل الثاني، أن مراعاة عرف الاستعمال في الفعل
دعوى لا فصل بين مدعيها وبين مدّعي غيرها إذا لم يرجع إلى عرف التخاطب، ولأنّه يختلف باختلاف المواضع واختلاف عرف أهلها.
[1779 - مسألة]: إذا حلف لا آكل لحماً حنث بأكل الكبد والفؤاد والطحال والكرش، وقال الشافعي: لا يحنث؛ فدليلنا أن اللحم اسم عام يتناول جميع ما في بطن الحيوان مما يعبر عنه بغير اسمه الخاص، فلا يخرجه أن يكون من جملته ولأنه جار مجراه على وجه البيع وفي تحريم التفاضل، فكذلك في البيع، ولأنّه يتخذ لكثرة ما يتخذ له اللحم من الطبخ والقلي مع اشتمال الحيوان عليه فكان كاللّحم.
[1780] مسألة: إذا حلف لا آكل لحماً حنث بأكل الشحم، أي شحم كان، إلا أن يكون له نية، ولو حلف لا آكل شحماً لم يحنث بأكل اللحم، وقال أبو حنيفة: إذا حلف لا آكل لحماً فأكل من شحم يكون على اللحم حنث، فإن أكل من شحم البطن لم يحنث؛ فدليلنا أنّه من شحم الحيوان [فوجب] أن يدخل في اليمين، أصله شحم البطن.
[1781] مسألة: إذا حلف لا يأكل فاكهة أو تمراً، أصلاً، حنث بأكل الرطب والعنب والرمان، وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ فدليلنا أنّ عرف التخاطب جار بتسمية هذه الأشياء فواكه، فيجب أن يحنث بأكلها كالتين والعنب.
[1782] مسألة: إذا حلف لا يكفل عن فلان بمال فتكفل بوجهه، حنث إن لم يشترط البراءة من المال، وقال أبو حنيفة.
لا يحنث؛ فدليلنا
أن الكفالة بالنفس تتضمّن غرم الملك، بدليل أنّه لو لم يأت به لغرم، وإذا كان كذلك فقد حصل الشرط الذي علّق الحنث به فوجب أن يحنث، ولأنه مال يلزم غرمه بحق كفله، فوجب أن يحنث متى تكفَّل بما يتضمّنه في يمينه إذا حرم على نفسه إن جاء يتكفل بالماء، أصله إذا نص على المال.
[1783] مسألة: إذا حرَّم على نفسه طعاماً أو شراباً أو لباساً أو أمة أو شيئاً من المباحات سوى الزوجة، فلا حكم لذلك ولا كفارة يمين ولا غيرها، وقال أبو حنيفة: إذا أطلق حمل على الأكل والشرب دون اللّباس، فيلزمه كفارة يمين، وقال زفر: يحمل على كل شيء حتى الحركة والسكون؛ فدليلنا قوله تعالى: "لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"، وقوله تعالى: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون"، فوصف ذلك بأنه افتراء [على] وجه الزجر عن فعله، فدل أنه لا كفارة فيه، ولأنه حرم على نفسه مباحاً له نهي عن تحريمه كاللّباس والطيب، ولأن كل ذات لا يصحّ فيها الطلاق أو الإعتاق فلا يتعلق بتحريمها حُكْمٌ كاللّباس.
[1784] مسألة: إذا حلف ليشربن الماء الذي في الكوز وليس فيه الماء، أو ليقيلن فلاناً وقد مات قبل يمينه، فلا تنعقد يمينه، وسواء عندي علم أو لم يعلم، وقال أبو يوسف: يحنث؛ فدليلنا أنه حلف على مُحَالٍ فلم ينعقد يمينه، أصله لو حلف على ماض، ولأن الانعقاد لا يكون إلا فيما يتأتى فيه البر والحنث، وذلك لا يمكن في هذا الموضع.
[1785] مسألة: إذا حلف لا يتسرى، والتسري هو الوطء بملك اليمين، ولا يراعى أن يطلب بوطئه الولد، وقال أبو حنيفة: التسري أن يحصنها أو يطأ، والتحصين عندهم حفظها وصيانتها عن التبذل، وقال الشافعي: التسري طلب الولد، وهو الوطء والإنزال أحبل أم لم يحبل؛
فدليلنا أن التسري فعل مأخوذ من السّر وهو الجماع لأنه يستسر به، فإذا أريدت الجارية له أو فعل لها فقد حصل الاسم، ولا معنى لسلوك الأقيسة الشرعية في هذا، وإن رضوا به دخلنا معهم فيه؛ فدليلنا على أبي حنيفة أن نقول: إنّه وطىء بملك يمينه كما لو ضامه التحصين وطلب الولد، وعلى الشافعي خانة أق طلب الولد لو كان شرطاً لم ينطلق الاسم على المسنة التي يعلم أن مثلها لا يحمل في العادة.
[1786] مسألة: إذا حلف ليضربن عبده مائة فضربه بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة لم يبر، وإن علم أن جميعه قد أصابه، وقال أبو حنيفة والشافعي: يبر؛ فدليلنا أنّ الأيمان محمولة على عرف التخاطب وعرف اللغة أن القائل إذا قال لعبده: اضرب فلاناً عشرة أو مائة سوط أن العدد ينصرف إلى الضربات دون أجسام الأسواط، بدليل أنه لو ضربه مائة ضربة بسوط واحد أنه يبر، ولا يحسن لومه ولا ذمه، وإذا ثبت ذلك فمتى ضربه بمائة شمراخ أو بمائة سوط ضربة واحدة لم يفعل موجب اليمين، فوجب أن يحنث ولأن المقصد من تكثير العدد في الحلف زيادة الإيلام والمبالغة فيه، فلم يجز أن يبر بضربة واحدة لأنّ ذلك ضدّ مقصود الحالف.
[1787] مسألة: إذا قال: ثلث ماله لله، أو قال: إن أشفى الله مريضي فلله علي أن أتصدّق بثلث مالي فإن ذلك ينصرف إلى جميع أجناس الأموال المتمولة في العادة، من العين والعروض وغيرها، وقال أبو حنيفة: القياس هذا، ولكن الاستحسان أن ينصرف ذلك إلى الأموال التي تجب فيها الزكاة؛ فدليلنا أنه نوع مال يتمول في العادة فوجب أن ينصرف إطلاق النذر واليمين إليه، أصله ما تجب في عينه الزكاة، ولأنّ ما دون النصاب في انتفاء تعلق الزكاة جار مجرى ما لا تجب فيه الزكاة.
[1788] مسألة: إذا حلف لا وهب له فتصدّق عليه، حنث، وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ فدليلنا أنّه تطوع بتمليكه العين أو منافعها بغير عوض، فوجب أن يحنث به، أصله إذا نحله أو أعمره، ولأن الهبة أعمر من الصدقة فتدخل فيها الصدقة وغيرها.
[1789] فصل: وإن أعاره حنث، خلافاً للشافعي؛ لأنه تمليك شيء ينتفع به تبرعاً بغير عوض كالأعيان، ولأنه أحد نوعي ما ينتفع به فصحّ الوصف له بأنّه هبة كالأعيان.
[1790] مسألة: ولو حلف لا وهب له، فوهب له فلم يقبله الموهوب له، حنث، وقال الشافعي: لا يحنث حتى يقبله؛ فدليلنا أن الهبة هو حصول التمليك بغير عوض، وقد وجد ذلك من المملّك فكان كما لو ضامه قبول الموهوب، ولأنّ الهبة بمعنى الإباحة، وقد اتفق على أنه لو حلف لا يبيح له شيئاً من ملكه، ثم قال: أبحت لك كل هذا الشيء من مالي، فإنّه يحنث وإن لم يقبله، كذلك الهبة.
[1791] مسألة: قال ابن المواز: إذا حلف لا يبيع سلعته فباعها وشرط الخيار لنفسه لا يحنث، وقال محمّد بن الحسن: يحنث؛ فدليلنا أن الإيجاب لا يقع منه متنجزًا فلم يقع البيع، لأنه يملك الرجوع فيه وإبطاله، واليمين على البيع إنّما هي على الإيجاب الموضوع لإخراج الملك، وشرط الخيار يمنع إخراج الملك.
[1972] مسألة: إذا حلف لا يكلمه فكتب إليه، حنث، وفي الإشارة والرسول روايتان، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا يحنث؛ فدليلنا أن المجاز إذا قارنه عرف التخاطب تعلقت اليمين به تعلقها بالحقيقة، كقولهم: الغائط، واسأل القرية، وما أشبه ذلك، وقد ثبت أن العرف إذا قال القائل: كلّمني زيد في أمر فلان، أو خاطبني في معناه، أو أرسلني، وقد
كلمت فلاناً، وفي بابك لا تفرق بين المشافهة والمكاتبة والمراسلة، وإن قوله: كلّمته وسألته وخاطبته محتمل لكل ذلك وإنه يصحّ تفسيره به، فصحّ أن يتعلق به اليمين، ولأن الأغراض المقصودة بالأيمان معتبرة فيها مع اللفظ، وقد علم بالعرف أن غرض الحالف على ترك كلام فلان إنما هو قطعه وهجرته، فانتظم ذلك الكلام وما يقوم مقامه، ولأن كل نوع وقع به إطلاقه حنث به في يمينه أن لا يكلمه كالنطق، ولأن الكناية موضوعة للإفهام وتعريف المعنى المراد فوقع الحنث بها على من حلف لترك الكلام كالنطق.
[1793] مسألة: إذا حلف لا يكلّمه فسلّم على جماعة هو منهم حنث، علم أو لم يعلم، إلا أن يحاشيه بقلبه، وقال الشافعي: لا يحنث إذا لم يعلم؛ ودليلنا أن سلامه على الجماعة توجه إلى كل واحد منهم، بدليل أن الرد متوجه إلى جميعهم فصار مكلماً له، فوجب أن يحنث، ولأنه مكلّم له كما لو علم به.
[1794] مسألة: ذكر محمّد بن عبد الحكم في «كتاب الإقرار» أن من أقر بأنه غصب رجلاً حليًا كان له أن يقر بما شاء من الحلي من ذهب أو ورق أو لؤلؤ أو جوهر وعقيق، فعلى هذا إذا حلف لا لبس حلياً حنث بلبس ذلك، وقال أبو حنيفة: لا يحنث وليس بحلي إلا أن يكون فيه ذهب؛ فدليلنا قوله تعالى: "وتستخرجوا منه حلية تلبسونها"، ولأن المرجع في ذلك إلى العرف ووجدنا الجواهر مسماة بالحلي ومعدودة من أفخره وأنفسه فكانت كالذهب.
كفارة اليمين
: [1795] مسألة: الإطعام في كفارة اليمين بالمدينة مد، وبسائر الأمصار وسط من الشبع، وإن اقتصر على مدّ أجزاه، وقال أبو حنيفة: إن أخرج برًا فنصف صاع، وإن أخرج تمرًا أو شعيرًا فصاع؛ ودليلنا قوله تعالى: "من أوسط ما تطعمون أهليكم"، والأوسط ما بين الأقل والأكثر، فيقتضي غالب عادات الناس، فذلك دون الصاع ودون نصفه، ولأنه إطعام في كفارة كالفطر في رمضان.
[1796] مسألة: الكسوة مقدّرة بأقل ما يجزىء به الصلاة، وقال أبو حنيفة والشافعي: أقل ما يقع عليه الاسم؛ لقوله تعالى: "من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم"، فعطف به عليه فانتفى بذلك أقل ما يقع عليه الاسم، ولأنّ إطلاق الكسوة لا يتناول المئزر وحده ولا المنديل بانفراده، ولأنه مصروف إلى المساكين في الكفارة، فوجب أن يكون مقدرًا، أصله الإطعام، ولأن الكسوة المقدرة تنصرف إلى الشرعية، وليس ما يتعلّق به في الشرع إلا ما قلناه.
[1797] مسألة: عدد المساكين شرط في الإجزاء، وقال أبو حنيفة: إن أطعم مسكيناً واحدًا عشرة أيام كل يوم نصف صاع جاز؛ فدليلنا قوله تعالى: "فكفارته إطعام عشرة مساكين"، فوصف الكفارة بعدد مخصوص فوجب استيفاؤه بحق الظاهر، ولأنه تعالى جعل الكفارة لجميعهم فاقتضى ذلك أن يكون لكل مسكين جزء منها، فإذا صرف جميعها إلى واحد فالغرض باق عليه، ولأنه دفع جميع الكفارة إلى مسكين واحد كما لو دفعها في يوم واحد، ولأنه عدد مشترط في مال يقسم على وجه التمليك أو سد الجوعة، فوجب استيفاء العدد، أصله إذا وصى بإطعام عشرة مساكين.
[1798] مسألة: لا يجوز صرفها إلى ذمي، خلافاً لأبي حنيفة؛ اعتبارًا بزكاة المال، ولأنه ناقص بالكفر كالحربي، ولأنَّ كل من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، فكذلك الكفارة كالمرتد.
[1799] مسألة: لا يجزىء إخراج قيمة عن الطعام والكسوة، خلافاً لأبي حنيفة؛ للظاهر، وفيه أدلة: أحدها: أن الله تعالى أخبر عن جنس الكفارة، وأنها ثلاثة أنواع، فانتفى بذلك أن يكون من غيرها.
والثاني: أنّه يكون عين هذه الأنواع فدل أنها مقصودة في نفسها.
والثالث: أنه لو كان الغرض القيمة لكان ينتفي النص على واحد منها ليكتفى به على ما قاومه في حكمه، فلمّا نص على ثلاثة أشياء دلَّ على أن الغرض بأعيانها، ولأنه نوع يقع به التكفير كالإعتاق.
[1800] مسألة: إن تابع الصوم كان أفضل، وإن فرق أجزأه، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأنّ الظاهر مطلق غير مقيَّد، ولأنه نوع ذو عدد يكفر به اليمين فجاز تفريقه، أصله الإطعام والكسوة.