الإشراف على نكت مسائل الخلافصفحات 685-724
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[1222] مسألة: النكاح مستحب وليس بواجب، خلافاً لداود؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج " فقصر الأمر به على الشباب، فدل على انتفاء وجوبه، ولأن المقصود منه الوطء وليس بواجب فكان السبب أولى أن لا يكون واجباً، ولأنه عقد معاوضة فلم يجب ابتداء بالشرع كالبيع، ولأنه عقد يتوصل به إلى استباحة البضع كشراء الأمة، ولأنه عقد نكاح كالعقد على الأمة.

النظر إلى المرأة المخطوبة

[1223] مسألة: من أراد نكاح امرأة فله أن ينظر إلى وجهها وكفيها، خلافاً لمن منع ذلك جملة، ولمن أباحه إلى جميع جماعة البدن سوى السوأتين، ولأبي حنيفة في إباحة ظهر القدمين؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: " إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها " فخصَّ ذلك دون غيره فسقط كل مذهب يخالفه.

الولي

[1224] مسأله: لا يصحّ كون المرأة ولياً في عقد نكاح لا على نفسها ولا على غيرها، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إذا بلغت عاقلة رشيدة جاز ذلك لها، ولداود في تفريقه بين البكر والثيب؛ لقوله تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم" فخص الرجال بالولاية، وقوله تعالى: "فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن" ففيه دليلان: أحدهما أن العضل هو المنع الذي لا خلاص منه، ولو كان لهن أن يعقدن لم يكن امتناع الأولياء عضلاَ ً لهن، والثاني أن سبب ذلك [امتناع] معقل بن يسار من إنكاح أخته الذي طلقها، فنزلت هذه الآية، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا نكاح إلا بولي "، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " قالها ثلاثاً، فأثبت للولي حقاً في العقد وغيرهم لا حق له، وقوله في آخر الخبر:

" فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له "، وروي: " الزانية تنكح نفسها بغير إذن وليها "، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح نفسها "، وهذه نصوص، ولأنها ناقصة بالأنوثة كالأمة، ولأنّ من طباع النساء شهوة النكاح والميل إلى الرجال والتسرع إلى ذلك، فلو جعلت العقود إليهن لتسرعن ولم يراعين كفاءة ولا حظاً في عاقبته، وفي ذلك ضرر بهن وبالأولياء، فمنعن منه، ودليلنا على داود خاصة أنها أنثى كالبكر، ولأن كل عقد نكاح لم يصحّ من البكر لم يصحّ من الثيب كالعقد على الصغيرة والمجنونة.

[1225] مسألة: للأب إجبار البكر البالغ على النكاح، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: " تستأمر اليتيمة في نفسها "، فدلَّ على أن غيرها خلافها، ولأنه لا يفتقر إلى نطقها في عقد نكاحها مع القدرة عليه كالصغيرة، وإن شئت عللت بالبكارة وعدم البروز، ولأن ولاية الأب ثابتة عليها في المال عندنا وإن بلغت، والنكاح مبني على ذلك، ولأن كل ولاية يملك بها إنكاح الصغيرة جاز أن يملك بها إنكاح الكبيرة كولاية الكفاءة.

[1226] مسألة: للأب إنكاح الثيب الصغيرة جبرًا، خلافاً للشافعي في قوله ليس له تزويجها بوجه حتى تبلغ؛ لعموم الخبر الظاهر، ولأنّ حال الصغيرة يثبت معها الإجبار، الآن ما لم يسقط بعقلها وبولاية عليه كالبكر، ولأن ولاية الأب ثابتة عليها في هذه الحال كالغلام، ولأنّ كل معنى لم يؤثر في سقوط الولاية عليها في المال لم يؤثر في إجبار الأب إيًاها على النكاح، أصله مجرد البلوغ، ولأنها ولاية ثابتة للأب على ولده الصغير، فلم يؤثر في إزالته ذهاب البكارة على أي وجه ذهبت، أصله ولاية المال، ولأنه عقد على منفعة يتضمّن عوضًا فجاز أن يملكه الأب على الثيب الصغيرة كالإجارة، ولأنه عقد يتضمّن عوضًا، فجاز أن يملكه الأب على الثيب الصغيرة كالبيع، ولأنّ الثيوبة التي تسقط الإجبار هي التي يثبت معها حكم الإذن كالكبيرة، ولأنها إحدى حالتي المرأة فلم ينفك عنها من جواز إنكاح الأب إياها كحال البكارة.

[1227] مسألة: الثيوبة التي يرفع الإجبار بها هي التي تكون بوطء في نكاح، أو شبهة نكاح، أو ملك، أو شبهته، دون الزنا والغصب، وقال الشافعي يثبث الوطء بغير تفصيل؛ ودليلنا.
أن المعنى الذي لأجله ارتفع إجبار الثيب بالنكاح أن الحياء الذي يكون في البكر، والانقباض، يزول عنها وتصير من أهل الاختيار، وهذا لا يوجد في المزني بها، لأن الحياء يغلب عليها أشدّ من غلبته على البكر لقبح ما ركبته، وللعار الذي لحقها لمّا زهد الناس فيها، فلم يرتفع الإجبار عنها، ولأن ذهاب البكارة إذا لم يحصل معها الإجبار فذهاب الحياء لا يزيل الإجبار كالطفرة والوثبة، ولأن البكارة

يتعلق بها حجران حجر في المال وإجبار التزويج، ثم ثبت [أن] ولاية المال لا تسقط عنها بهذا الفعل، كذلك الإجبار.

[1228] مسألة: لا يزوج الصغيرة، ولا يملك إجبار البكر البالغ إلا الأب وحده، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن سائر العصبة في ذلك كالأب، وللشافعي في إثباته ذلك للجدّ؛ ودليلنا على أبي حنيفة قوله -صلى الله عليه وسلم-: " لتستأمر اليتيمة " فعم، وفي حديث ابن عمر لمّا زوجه قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون أنّه -صلى الله عليه وسلم- قال: " إنّها يتيمة وإنها لا تنكح إلا بإذنها "، فناط ذلك باليتم، وفسخ نكاحها، ولأنّ كلّ من لا يملك التصرف في مالها ببينة لا يملك إجبارها على النكاح كالأجنبي، ولأنّها ليست ولدًا له تنسب إليه على وجه، كالخال.

[1229] فصل: ودليلنا على الشافعي ما قدمناه، ولأنه عصبة يحجبه الأب كالأخ، ولأنه عصبة يسقط من تمليك الإجبار فلم يملك هو الإجبار كالعمّ، ولأنّ كل من لا يملك الإجبار مع وجود الأب، فكذلك مع عدمه كابن الأخ، ولأنّ كل تعصيب لا يفيد حجب الأخ عن الميراث لم يفد في الإجبار كتعصيب العمومة، ولأنها ولاية تملك انتقالاً لاَ ابتداء فلم يملك بها الإجبار كسائر الولايات.

[1230] مسألة: وصية الأب على إنكاح البكر تصحّ ويملك الوصيّ

بها عقد النكاح بإذنها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لحديث قدامة بن مظعون لمّا قال: أنا عمّها ووصي منها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: " إنها يتيمة لا تنكح إلا بإذنها "، موضع التعلّق أنّه ذكر السبب الذي اعتقد أنه يملك به أن يعقد، وهو كونه عمًا ووصيًا، فلم ينكر عليه، ولا قال ليس للوصي أن يعقد نكاحها، بل عدل إلى أن علّل منع العقد بمعنى يرجع إلى حالها وهو اليتم، لا إلى صفة الولي، فدل على ما قلناه، ولأنها ولاية كانت ثابتة للأب حال حياته فكان له نقلها إلى من يختار حال وفاته كولاية المال، ولأنها تولية من الأب في إنكاح من يلي عليه كالوكيل.

[1231] مسألة: النكاح الموقوف على الإجازة، كإنكاح الولي وليته قبل استئذانها ثم يعلمها فتختار أو ترد، وكذلك الأب في ابنه الكبير، وما أشبه ذلك، فيه روايتان: إحداهما أنه لا يصحّ جملة، وهو قول الشافعي، والأخرى أنّه يجوز إذا علمت بقرب ذلك من غير تراخ شديد، وعند أبي حنيفة أنه يجوز على كل وجه.
فوجه المنع قوله -صلى الله عليه وسلم-: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " فسقط قول من زعم أنه موقوف، ولأنه عقد تقدم على شرط من شروط جوازه ولا يتم إلا بحصوله فلم يصحّ، أصله العقد على من لها زوج قبل أن تبين منه، ولأنّه نكاح لا يملك الزوج التكلّف من إيقاع إطلاقه فكان باطلاً كالعقد على المعتدة، ولأنه نكاح واقف على إجازة فلم يصحّ، أصله قوله: زوجتك ابنتي إن شاء زيد، ولأنّه لو كان تحته أربع نسوة فتزوج

بخامسة أو، وقف نكاحها على طلاق إحدى الأربع، لم يقف وكان باطلاً، كذلك في مسألتنا.
ووجه الجواز حديث الخنساء أن ابنها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولأن العقد يقف على الإجازة فجاز أن يقف على الفسخ، لأن حقها ثابت في الإجازة كثبوته في الفسخ، ولأنه تعبير بالبيع في أصله بعلة أنه عقد معاوضة ليس من شرطه التقابض في الحال، ولأن الوصية تصح على الإجازة من الموصى له، فكذلك النكاح بعلة أنه عقد تمليك يتضمن إيجاباً وقبولاً، ولأن الملتقط يتصدق باللقطة بعد انقضاء السنة ويكون موقوفاً على إجازة المالك، كذلك النكاح؛ والأول أصح وأقيس.

[1232] مسألة: فسق الولي لا يزيل ولايته، خلافًا للشافعي؛ لقوله تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم" فعم، ولأنه عصبة حر مسلم عاقل بالغ، وإن شئت قلت من يملك أن يزوج نفسه جاز أن يكون ولياً في عقد النكاح، كالعدل، ولأن الفسق لا يؤثر في المقصود بولاية النكاح فلم يكن مانعاً منها.

[1233] مسألة: ينعقد النكاح من غير إشهاد، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "وأوفوا بالعقود"، ولأنه عقد من العقود فلم

يكن الإشهاد شرطاً في انعقاده كسائر العقود، ولأنه معنى يقصد به التوثق فلم يكن شرطاً في انعقاد النكاح كالرهن والكفالة، ولأن كل شخص لا يحتاج إليه في إيجاب ولا قبول، لم يكن حضوره شرطاً في انعقاد النكاح كالزوجة وسائر الأجانب، ولأن كل شخص لم يحتج إلى حضوره في عقد البيع مع حضور الموجب والقابل، لم يحتج إلى حضوره في عقد النكاح كالفاسق.

[1234] مسالة: التراضي بكتمان النكاح يبطل العقد، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: " أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغربال "، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن نكاح السر، ولأن الزنا لما كان يقع مستسرًا مكتتمًا وجب أن يقع النكاح على خلافه وإلا كان ذريعة إلى إباحته، لأن كل من وجد مع امرأة ادّعى أنها زوجته وأن شهوده غيب، فوجب حسم الباب فيه.

[1235] مسألة: للسيد إجبار عبده على النكاح، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "والصالحين من عبادكم وإمائكم" ولم يشترط إذنهم، ولأنه مملوك له بيعه كالأمة، ولأنه عقد على منفعة فكان للسيد إجبار من يملكه عليه كالإجارة، ولأن كل ما لا يملكه العبد من نفسه من التصرف إلا بإذن سيده، كان للسيد تملكه عليه، أصله خدمة الغير.

[1236] مسالة: لا يجبر السيد على إنكاح عبده إذا طلب العبد ذلك، خلافاً للشافعي؛ لأنه مملوك كالأمة، ولأنه قد يكثر الوطء فيؤدي إلى

ضعفه ونقص خدمته، ولأنه عيب فيه ينقص ثمنه يوجب الرد لمبتاعه، فلم يجبر السيد عليه كسائر ما يوجد فيه هذا المعنى، ولأن القصد من النكاح الوطء وهو اللذة، ولا يجبر السيد عليه كاللباس الفاخر والطيب.

[1237] مسألة: إذا غاب الأب عن البكر غيبة قريبة غير منقطعة، وعلم منها خبره، فلا يجوز إنكاح ابنته البكر إلا بإذنه، خلافاً لأحد وجهي الشافعية.
لقوله -صلى الله عليه وسلم-: " تستأمر اليتيمة في نفسها " فدل على أن ذات الأب بخلافها، ولأن حق الولاية والإجبار ثابت له، وما قرب من الغيبة في حكم الحضر، فلم يكن لأحد الافتيات عليه كما لو كان حاضرًا، ولأن الأب لو أمسك عن إنكاحها لم يكن لأحد الافتيات عليه إلا بعد تكرر ذلك منه والعلم منه بعضلها.

[1238] مسألة: إذا قالت له أمته: أعتقني على أن أتزوجك، ويكون عتقي صداقي، فأعتقها على هذا الشرط، فالعتق واقع وهي بالخيار إن شاءت تزوجته وإن شاءت لم تتزوجه ولا شيء عليها، ولا يكون عتقها إن تزوجته صداقها، بل يكون لها صداق مستأنف، وبهذا كله قال أبو حنيفة والشافعي إلا في موضع واحد، فإن الشافعي يقول إذا كرهت نكاحه، عليها قيمتها له، وحكي عن الأوزاعي أنها تجبر على أن يتزوجها، وعن أحمد بن حنبل العتق يقع بعقد النكاح في الحال.
فدليلنا على الأوزاعي أنا لو ألزمناها النكاح بالشرط كنا قد ألزمنا ذمتها ذلك، والعقود لا تثبت في الذمم، ولأنه سلف في النكاح فلم يصح، أصله لو قال رجل لرجل أسلفك هذا الألف على أن تزوجني ابنتك عليها.
ودليلنا على أحمد أن العتق إزالة الملك، وإزالة الملك عن الشيء لا يتضمن ملكه واستباحته بوجه آخر، اعتبارًا بالأصول كلها، ولأن الشرط لا يخلو من أن يكون على أن يعتقها على أن يتزوجها، فذلك استئناف تزويج بعد العتق، فلا يجب أن يقع مع العتق، أو على أنه إذا أعتقها صارت زوجة

فذلك باطل لأنها إنما تحصل زوجة بأن يعقد عليها نكاحاً، والعتق ليس بعقد نكاح، ولأن عقد النكاح إيجاب وقبول، ولم يحصل منهما قبول إلا قبل إمكان ذلك، لأنها ما دامت أمة له فلا يصح كونها زوجة، وإذا كان كذلك لم تكن زوجه بالقبول قبل حال الإمكان كما لو عقد على معتدة.
ودليلنا على الشافعي أنها لم تتلف عليه شيئاً، لأنه هو المتكلف على نفسه حين عاوض على ما لا يلزم الوفاء به.

[1239] مسألة: الأخ للأب والأم أولى بالنكاح من الأخ للأب، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأنه قوة للتعصيب يسقط في الميراث، فكدلك في ولاية النكاح كالأخ مع الإبن.

[1240] مسألة: تملك ولاية التزويج بالبنوة، خلافاً للشافعي؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر بن أبي سلمة: " قم فزوج أمك "، ولأنه معنى يفيد التعصيب في المواريث فوجب أن يفيده ذلك في ولاية النكاح، كالأخؤة والأبوة، ولأن البنوة توجب الولاية على من يكون ابناً له، أصله إذا كان ابن عمها، ولأن كل حكم ثبت للابن الذي هو من ابن العم ثبت للابن الذي ليس من ابن العم، أصله الميراث، ولأن كل ذكر كان عصبة في الميراث كان عصبة في عقد النكاح، أصله الأخ والعم.

[1241] مسألة: الابن وابن الابن مقدمان على الأب في ولايته في النكاح، خلافاً لأبي حنيفة أو بعض أصحابه؛ لأن تعصيبه أقوى بدليل أن الأب يصير معه من ذوي الفروض، وإذا كان تعصيبه أقوى وجب أن يكون مقدماً عليه، كالأخ للأب والأم مع الأخ للأب.

[1242] مسألة: الأخ وابن الأخ مقدمان على الجد في ولاية النكاح، خلافاً للشافعي؛ لأنهما أقوى تعصيباً منه، لأن الأخ يدلي بالبنوة والجد يدلي بالأبوة، ولأن الأخ يقول أنا ابن أبيك، والجد يقول أنا أبو أبيك، وقد بينا أن تعصيب البنوة مقدم على تعصيب الأبوة.

[1243] مسألة: إذا حضر العصبة الأقرب والأبعد، ولم يتشاحوا في العقد، فأيهم عقد جاز، وقال الشافعي لا يصح عقد الأبعد مع الأقرب؛ ودليلنا أنهما عصبة لا تملك الإجبار فصح أن يعقد أحدهما مع الآخر كالمتساويين في القرب.

[1244] مسألة: إذن البكر صماتها، وحكى الأسفراييني عن أصحابه أن لهم وجهين: أحدهما مثل قولنا، والآخر أن هذا في الأب والجد، فأما في سائر الأولياء فإن إذنها لا يكون إلا بالقول؛ ودليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: " والبكر تستأذن وإذنها صماتها "، وقوله: " تستأذن اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت " فهذا نصٌّ في موضع الخلاف، ولأن الإذن الذي هو بالقول لا يختلف باختلاف الأولياء، فكذلك الصمات، ولأن السكوت إنما جعل إذناً في حقها لأنها تستحي أن تتكلم ويغلب عليها الحياء، ويكره أن تسرع بالنطق إلى الإجابة فيظن منها محبة لذلك، وهذا لا يختلف باختلاف الأولياء.

[1245] مسألة.
إذا اتفق أولياء امرأة على نكاح من يقصر عنها في

الكفاءة

جاز، خلافاً لمن قال لا يجوز أن يثبت، والأسفراييني حكى عن عبد الملك بن الماجشون صاحبنا أن الكفاءة شرط في صحة النكاح لا يجوز الاتفاق على تركها، وهذا تقويل للرجل ما لم يقل؛ والدليل عليه أن المنع منه لإلحاق العار، وذلك حق لها وللأولياء لا يتعلق به حق لله تعالى، فإذا اتفقا على إسقاطه جاز، كالنقصان من مهر المثل.
[الكفاءة]

[1246] مسألة: الكفاءة عندنا الدين، والحرية، والسلامة من العيوب الموجبة للرد، وهي الجنون والجذام، والبرص، والجب، والعنة، والاعتراض، والإعسار ينافي الكفاءة، ومحمد بن الحسن أخرج الدين من الكفاءة، وأبو حنيفة أسقط اليسار، وهو أحد قولي الشافعي، واعتمد أصحاب الشافعي على الصناعة، وفيها نظر يجب أن تكون من الكفاءة.
ودليلنا على اعتبار الدين قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فأنكحوه " ولأن من لا دين له ناقص في العادة يلحق العار به.
ودليلنا على اعتبار المال أن في عدمه إضرارًا بها، لأنه إما أن يأكل مالها، أو لا ينفق عليها، فتحتاج إلى مطالبته بالطلاق، وذلك نقص في العادة.
ودليلنا على اعتبار الحرية أن العبد أنقص حرمة من الحر، فيلحق الأولياء العار يكون وليتهم تحته.

وأما اعتبار السلامة من العيوب فلأنها نقص يوجب الخيار على ما سنذكره.

[1247] مسألة: مهر المثل ليس من شرط الأكفاء، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن كل من لم يكن له اعتراض في جنس المهر فكذلك في مقداره، كالأجانب، ولأن كل عوض عليها في جنسه فكذلك في قدره، كالأثمان في البيوع، ولأنه عقد على معاوضة فلم يكن عليه اعتراض في قدره، كإجارتها نفسها للخدمة.

الإذن لوليين بالتزويج واختلافهما

[1248] مسألة: إذا أذنت لوليين فزوجاها، ثم علم الأول بعد دخول الثاني، ثبت عقد الثاني وانفسخ عقد الأول، وقال أبو حنيفة والشافعي عقد الأول ثابت على كل حال.
ودليلنا أنه إجماع الصحابة، لأنه مروي عن عمر والحسن ومعاوية، وذكره بعض أصحابنا عن علي رضي الله عنه، فأما حديث عمر فروي أنه قضى في الوليين ينكحان المرأة ولا يعلم أحدهما بصاحبه أنها للذي دخل بها، فإن لم يدخل بها أحدهما فهي للأول؛ وروي أن موسى بن طلحة أنكح زيد بن معاوية أخته فاطمة بنت طلحة، وأنكحها يعقوب بن طلحة الحسن بن علي، فلم يمكث إلأ ليلتين حتى جمعها الحسن، وكان موسى أنكحها لزيد قبل أن ينكحها يعقوب فقال معاوية: امرأة جمعها زوجها فدعوها، ولا يصح ما يذكرونه عن على من خلاف ذلك، ولو صح لحملناه على أنه رجع عنه إلى الرواية الأخرى، ولأن المرأة لما كانت

مضطرة إلى الإذن لوليها في العقد عليها، لأنها لا يجوز لها العقد بنفسها، واتفق على أن لها أن تأذن لواحد ولجماعة ولا يلزم كل واحد التوقف عن أن يعقد حتى يعلم هل عقد الآخر أم لا، كان كل واحد يعقد على من لا يتحقق أنه لا زوج لها، بل يجوز أن يكون لها زوج، وكذلك المفقود يقدم على من يجوز أن يكون لها زوج مع وجود الأمارة المؤدية لذلك وهو الإذن للولي الآخر في الإنكاح، ووجدنا الأصول مبنية على أن عقد الإنسان على من يشك في أن لها زوجاً أم لا، مع عدم الأمارة المقتضية للشك ممنوع وذلك العقد على من شك في تحريمها عليه وأنها لا تحل له بذلك العقد شيئاً يمكن حضوره وضبطه، فلولا أن في مسألتنا يثبت النكاح في حكم، وإلا لم يجز أن يباح للولي إيقاعه ولا للمتزوج استباحته، كما أن نكاح المعتدة والمحرمة لما لم يكن لها وجه يثبت معه لم يجز الإقدام عليه، وإذا ثبت ذلك لم يبق إلا ترجيحه بالوطء لأن أحدًا لم يرجحه بغيره.

الولي يزوج نفسه من وليته

[1249] مسألة: يجوز للولي أن يزوج نفسه من وليته، كانت الولاية بنسب أو ولاء أو حكم، وقال الشافعي ليس له ذلك، إلا الإمام الأعلى فله فيه قولان؛ ودليلنا قوله تعالى: " وأنكحوا الأيامى منكم " ولم يفرق، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا نكاح إلا بولي "، ولأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعتق صفية

وتزوجها، ولأنه ولي كالإمام، ولأنه عقد على امرأة يجوز له إنكاحها فأشبه عقده عليها من أجنبي.

انعقاد النكاح على صفة مقصودة في الزوجين

[1250] مسألة: إذا عرفت المرأة الرجل بصفة مقصودة، أو عرفها الرجل، فكانت على خلافها ثبت لها الخيار، ولم يبطل العقد، وقال الشافعي في أحد قوليه يبطل العقد؛ فدليلنا أنها صفة لا يفتقر صحة العقد إلى وجودها، فلم يبطل النكاح لعدمها كتسمية المهر.

انعقاد النكاح بلفظي الهبة والبيع

[1251] مسألة: ينعقد النكاح بلفظ الهبة والبيع، وكل لفظ تمليك يقتضي التأبيد دون التوقيت، وقال الشافعي لا ينعقد إلا بلفظين، أنكحتك أو زوجتك؛ ودليلنا قوله تعالى: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " فخطبها رجل فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " قد ملكتها بما معك من القرآن " ولأنه لفظ تمليك لا يقتضي توقيتاً، فأشبه لفظ النكاح والتزويج، ولأنه عقد معاوضة فجاز أن ينعقد بأكثر من لفظين كالبيع.

الجمع بين أكثر من أربع نسوة

[1252] مسألة: لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع نسوة، ولولا أن هذا قد ذكر في الخلاف لما كان يجب أن نذكره؛ والدليل عليه قوله تعالى: " مثنى وثلاث ورباع "، وقوله -صلى الله عليه وسلم- لغيلان وعنده عشر نسوة " اختر أربعاً "، وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: " فارق إحداهن ".

حق العبد في أن يجمع بين أربعاً

[1253] مسألة: للعبد أن يجمع بين أربع، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، فعم، ولأنه يجوز له الجمع بين اثنتين فجاز بين أربع كالحر، ولأنه كل عدد جاز للحر الجمع بينه جاز للعبد كالاثنتين، ولأن طريقه الملاذ فاستوى الحر والعبد فيه، فلم ينقص العبد فيه عن الحر كالأكل واللباس، ولأنه نوع جمع، منه ما يحل في النكاح ومنه ما يحرم، فجاز أن يحل للعبد منه ما يحل للحر، أصله الجمع بين الأقارب وذوات المحارم، ولأنه نوع جمع، يحرم على العبد منه ما يحرم على الحر، فجاز أن يحل له ما يحل للحر منه، أصله ما ذكرناه.

متى يجوز العقد على أخت المطلقة

[1254] مسألة: إذا بانت المرأة من الرجل جاز له العقد على أختها

وعلى كل من يحرم عليه الجمع بينها وبينها وإن لم تخرج من العدة، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها أجنبية منه بدليل انتفاء الموارثة بينهما ولحوق الطلاق بها، وأنها لا نفقة لها، ولا يلحقها إيلاء ولا ظهار، فكانت كالخارجة من العدة، ولأنه نوع من البينونة فوجب أن يرتفع به عن الزوج كل جمع حرم بعقد النكاح، أصله الطلاق قبل الدخول، أو نقول فجاز معه تزويج الأخت أو خامسة سواء، أصله ما ذكرنا، ولأنها حال لا يلحقها منه طلاقه فجاز له العقد على أختها، أصله لو ارتدت أو ماتت.

زنا المرأة لا يفسخ العقد

[1255] مسألة: إذا زنت المرأة لم ينفسخ النكاح، خلافاً لما يحكى عن الحسن؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- للسائل وقال له إن امرأته لا ترد يد لامس، فقال: "طلقها"، فقال: إني أحبها، فقال: "أمسكها"، ولأن كل معنى لو أقر به الزوج لم ينفسخ نكاحه، فكذلك إذا ثبت بغير إقراره، أصله إذا أقر بأنها كانت زوجة أخيه أو أمة لأبيه ولم يمسها، عكسه إذا أقر بأنها كانت زوجة لأبيه.

كراهة التزوج بالزانية

[1256] مسألة: يكره التزويج بالزانية المشهورة بذلك، ويجوز بعد الاستبراء من الزاني وغيره، خلافاً لمن منعه؛ لقوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، ولأنه وطء لم يحرم الموطوءة من الواطىء كوطء الشبهة.

[1257]، مسألة: لا يجوز تزويج الزانية إلا بعد الاستبراء، وإن حملت

فحتى تضع الحمل، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يلزمهما استبراء؛ فدليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره "، ولأنه لا يلحق بالمتزوج فلم يجز له العقد، أصله الحمل الذي يلحق من النسب.

ما يحرم من الجمع بين النساء

[1258] مسألة: لا يجوز الجمع بين الأختين في الملك في استباحة الوطء، خلافاً لداود، لقوله تعالى: " وأن تجمعوا بين الأختين " فعم، ولأنها صارت فراشاً للرجل فلم يجز له استباحة أختها ما دامت فراشاً كما لو تزوجها، ولأنه أحد طرفي استباحة الوطء كالنكاح.

[1259] مسألة: لا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها ولا خالتها، خلافاً لمن لا يعتد به، لثبوت السنة بتحريمه، وانعقاد الإجماع عليه من أهل الأعصار، لأنهما امرأتان لو خلقت كل واحدة ذكرًا لم يجز له أن يتزوج الأخرى، فلم يجز له الجمع بينهما، كالأجنبي.

[1260] مسألة: يجوز الجمع بين المرأة وامرأة أبيها، خلافاً لمن منعه، للظاهر، ولأنهما أجنبيتان، فأشبهت امرأة أخيها، ولا يلزم عليه العكس، لأنه لا يتصور عليه من الطرفين.

المحرمات من النساء وغير المحرمات

[1261] مسألة: تحرم أم المرأة بنفس العقد الصحيح من غير اعتبار

بالوطء، وروي عن علي رضي الله عنه أنهن لا يحرمن إلا بالوطء؛ ودليلنا قوله تعالى: " وأمهات نسائكم "، فلم يشترط وطئاً، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " إذا تزوج الرجل المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج بابنتها، وليس له أن يتزوج أمها"، ولأن العقد معنى تصير به المرأة فراشاً، فوجب متى وجد أن تكون أم الزوجة حراماً معه، أصله الوطء.

[1262] مسألة: تحرم الربيبة إذا دخل بأمها، وإن لم تكن في حجر الزوج، خلافاً لداود؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " أيما رجل نكح امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم تحرم عليه ابنتها " ولم يعتبر الحجر، ولأن كل امرأة تحرم عليه إذا كانت في حجره، فإنها تحرم وإن لم تكن في حجره كحلائل الأبناء، ولأن الحجر لا تأثير له في التحليل والتحريم بدليل سقوط اعتباره في كل المواضع والظاهر خرج على الغالب.

[1263] مسألة: القبلة واللمس للذة كالوطء في باب تحريم الربيبة وكل من يحرم بالصهر، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأنه نوع من الاستمتاع واللذة بالمباشرة، كالوطء.

[1264] فصل: النظر للذة، قال ابن القاسم هو كالقبلة في التحريم للصهر، وقال غيره يحتمل وجهين؛ فدليلنا على أنه يحرم أنه نوع من

الاستمتاع واللذة لا تباح إلا مع العقد، فأشبه القبلة، ووجه النفي أنه التذاذ بغير مباشرة كالفكر.

[1265] مسألة: فى تحريم المصاهرة بالزنا روايتان: إحداهما ثبوته، وهو قول أبي حنيفة، والثانية نفيه، وهو قول الشافعي.
فوجه إثباته أن كل تحريم تعلق بالوطء الحلال تعلق بالحرام، كالتحريم في الوطء بشبهة نكاح فاسد لأنه وطء حرام، ولأنه استمتاع كالحلال.
ووجه نفيه ما روي: " لا يحرم الحلال الحرام "، ولأنه معنى لا يثبت به الفراش على وجه، فلم يجب تحريم المصاهرة كاللواط، ولأنه وطء يتعلق به وجوب الحد كاللواط، ولأن الزنا لا حرمة له في نفسه فلم ينشرها إلى غيره، ألا ترى أن النسب لا يثبت به وهو أقوى من الصهر.

[1266] مسألة: إذا زنا بامرأة فأتت بابنة، كره للزاني بأمها أن يتزوجها ولا تحرم عليه، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر"، فقيد أنه لا حكم لفعله لأنها أجنبية منه، بدليل أن سائر أحكام الولادة المختضة بها من لحوق النسب ووجوب النفقة والولاية

في البدن والمال والشهادة لا تثبت في هذا الموضع، كذلك تحريم النكاح.

[1267] مسألة: يجوز نكاح حرائر أهل الكتاب، خلافاً لمن منعه؛ لقوله تعالى: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، ولأن كل جنس أكلت ذبائحهم جازت مناكحتهم كالمسلمين، عكسه المجوس.

[1268] مسألة: لا يجوز نكاح المجوسيات، ولا غيرهن من أنواع الشرك الذين لا كتاب لهم، خلافاً لأبي ثور في إجازته ذلك في المجوس، وهو أحد وجهي الشافعية على قولهم إنهم أهل كتاب؛ لقوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن "، فعم، وقوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب "، فدل أن غيرهن خلافهن، ولأنهن غير متمسكين بكتاب كعبدة الأوثان.

[1269] مسألة: لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا لعدم الطول وخشية العنت، والطول صداق الحرة، وقال أبو حنيفة إذا لم تكن تحته حرة جاز أن يتزوج أمة، ولا يراعى صداق الحرة، ولا خيفة العنت؛ فدليلنا قوله تعالى: " ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح " الآية، ففيه دليلان: أحدهما أنه نص على اعتبار خشية العنت، ومخالفنا يسقطه، والآخر أنه شرط عدم الطول والسعة في المال، يقال فلان ذو طول أو سعة أو يسار، وقال تعالى: " استأذنك أولوا الطول منهم " يريد السعة والمكنة، ولأنه حر مستغن عن استرقاق ولده كالذي تحته حرة.

[1270] مسألة: إذا عدم الطول وخشي العنت فتزوج أمة، ثم وجد

الطول، لم ينفسخ النكاح، خلافاً للمزني؛ لأن المال لا يتأبَّد، لأنه غاد ورائح، وكل معنى لا يتأبد فإنه إذا منع ابتداء النكاح لم يمنع استدامته أصله العدة والإحرام، ولأنه شرط في جواز نكاح الأمة فلم ينفسخ العقد بارتفاعه، أصله خشية العنت.

[1271] مسألة: وللحر أن يتزوج أربعًا من الإماء إذا عدم الطول وخاف العنت، خلافاً للشافعي في قوله ليس له أن يتزوج إلا أمة واحدة؛ لقوله تعالى: " فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات "، فعم، ولأنهن جنس أبيح نكاحهن فجاز الجمع بين أربع منهن كالحرائر.

[1272] مسألة: وللعبد أن يتزوج أمة وإن كان تحته حرة، وقال عبد الملك لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة؛ ودليلنا أنها مساوية في الحرمة؛ فلم يكن وجود نكاح غيرها مانعًا من نكاحها كالحرة مع الحرة.

[1273] مسألة: لا يجوز للحر ولا للعبد أن ينكح الأمة الكتابية، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن "، وقوله تعالى: " من فتياتكم المؤمنات "، فشرط فيهن الإيمان فانتفى الجواز مع عدمه، ولأن الإيمان شرط منصوص عليه في جواز نكاح الأمة فوجب اعتباره، أصله عدم الطول وخشي العنت، ولأن تجويزه يؤدي إلى أحد أمرين ممنوعين وهما: أن يكون ولده مملوكاً للكتابي، أو يباع عليه ولا يبقى على ملكه، فكلاهما غير جائز، ولأن في الأمة الكتابية نقصين يؤثران في منع النكاح، وهما الكفر والرق، فإن اجتماعهما في المرأة مانعاً من نكاحها كالمجوسية، ولأنها أمة كافرة كالمجوسية.

[1274] مسألة: لا فرق بين الحر والعبد في ذلك، خلافاً لبعض

الشافعية؛ لأن كل امرأة لم يجز للحر نكاحها بحال فكذلك العبد، أصله الحرة المجوسية والوثنية.
[1275] مسألة: لا يجوز للأب أن يتزوج أمة ولده، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن له شبهة في ماله فكان كمن تزوج أمة نفسه، ولأن كل أمة لو وطئها عالماً فحملت صارت أم ولد له، لا يجوز له أن يتزوجها، كأمة عبده، ولأن كل أمة لو وطئها عالماً فحملت صارت أم ولد له، فلا يجوز له التزويج بها كأمة نفسه.

الخطبة على الخطبة

[1276] مسألة: إذا خطب رجل امرأة فانعمت له، أو وليها، وحصل منهما على وعد وثقة وتراكن، ولم يبق بعد إلا العقد أو ما قرب منه، لم يجز لغيره أن يخطبها، فإن خطبها أو عقد له فالنكاح فاسد على ظاهر المذهب، وللشافعي في تحريم الخطبة في هذه الحال قولان، وفي العقد إذا وقع قول واحد أنه لا يفسخ؛ فدليلنا على التحريم نهيه صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولأن في ذلك ذريعة إلى الإفساد على الناس والإضرار بهم، فوجب منعهم؛ ودليلنا على فساد العقد الخبر، والنهي يقتضي الفساد، وما ذكرناه من الإضرار فيجب حسم الباب بانفساد ما يعقد على هذا الوجه، عقوبة لفاعله وقطعاً للإضرار.

حكم الكافر إذا أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة

[1277] مسألة: إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة اختار أربعاً وفارق البواقي، كان عقده عليهن في حال أو في عقود، لا نبالي اختار

الأوائل أو الأواخر إذا كن ممن يجوز إقرارهن تحت المسلم وقال أبو حنيفة إن كان تزويجهن في عقد واحد بطل نكاح الجميع، وإن كان في عقود فنكاح الأواخر باطل، ودليلنا حديث غيلان أنه أسلم وتحته عشر نسوة فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً، ففيه دليلان: أحدهما إثبات الخيار، وعند المخالف لا خيار، لأن نكاح الأواخر باطل عنده، وكذلك لو كان في عقد فلا ينتفي موضع الخيار، والاخر لم يسأل هل عقد عليهن في عقد أو عقود، فدل أن الحكم لا يختلف.
وروي عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وتحتي ثمان نسوة، فقال صلى الله عليه وسلم: " اختر منهن أربعاً "، وروى الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان، قال: " طلق أيتهما شئت "، ولأن كل امرأة جاز له ابتداء العقد عليها في الإسلام، جاز له البقاء بعد

الإسلام معها على نكاح الشرك، أصله الأوئل، ولأن من أصلنا أن نكاح الكافر فاسد وإنما يصحح منه لهم الإسلام العقود ويعفى عن صفاتها، و [لو] منعنا [التمسك] بالأواحر لفساد عقدهن لمنعنا الجميع.

حكم أنكحة الكفار

[1278] مسألة: أنكحة الكفار فاسدة وإنما يصحح الإسلام ما لو ابتدؤوه بعده جاز، وقال أبو حنيفة والشافعي هي صحيحة؛ ودليلنا أن صحة النكاح مفتقرة إلى شروط منها ولي، ورضا المرأة، وأن لا تكون في عدة، وأنكحتهم خالية من هذا، فوجب فسادها، ألا ترى أن أنكحة المسلمين إذا عريت منه كانت فاسدة، فأنكحة أهل الشرك أولى، وتحريره أن يقال نكاح عار من ولي وبرضا المزوجة فكان فاسدًا كنكاح المسلم، ولأن كل عقد لو وقع في الإسلام لكان فاسدًا كذلك إذا وقع في الكفار، أصله العقد على ذوات المحارم.

[1279] مسألة: إذا أسلم المجوسي وتحته مجوسية قد دخل بها عرض عليها الإسلام.
فإن أسلمت ثبتا على نكاحهما، وإن أبت وقعت الفرقة بينهما في الحال، ولم يقف على انقضاء العدة، وهو قول أشهب، وقال الشافعي لا تقع الفرقة إلا بانقضاء العدة، وهو قول أشهب، ودليلنا قوله تعالى: " ولا تمسكو بعصم الكوافر "، ولأنه مسلم تمسك بعصمة

مجوسية فأشبه ابتداء العقد عليها، ولأنه لا فصل بين اعتبار العدة وغيرها من الآجال، لأنه إما أن ينفسخ النكاح بإسلامه وإبائها، على ما نقوله، أو يبقى مستدامًا، فأما تعليقه بانقضاء العدة فلا معنى له.

انفساخ النكاح بارتداد أحد الزوجين

[1280] مسألة: إذا ارتد أحد الزوجين بعد الدخول انفسخ النكاح في الحال، وذكر الشيخ أبو بكر عن مالك رواية أنه لا ينفسخ إلا بخروجها من العدة، وهو قول الشافعي؛ ودليلنا أن الارتداد معنى ينافي بقاء العقد على مسلمة، فوجب أن ينفسخ به النكاح في الحال، أصله قبل الدخول.

[1281] مسألة: إذا ارتدا معاً انفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وقال أبو حنيفة النكاح على حاله؛ فدليلنا أن حصول الردة يقتضي فسخ النكاح، أصله إذا ارتد أحدهما.

أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا

[1282] مسألة: أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا فالإمام بالخيار إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم، وللشافعي قولان: أحدهما مثل هذا، والآخر أنه يلزمه أن يحكم بينهم؛ فدليلنا قوله عز وجل: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، والتخيير ينفي الوجوب، ولأنهما كافران كالمستأمنين.

حكم نكاح الشغار

[1283] مسأله: نكاح الشغار باطل، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه صحيح، ولكل واحدة منهن مهر مثلها؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته الرجل ويزوجه الآخر ابنته ولا مهر بينهما، وروي أنه عليه السلام قال: " لا

شغار في الإسلام "، ولأنه ملك بضع ابنته لشخصين للرجل وابنته، فصار كما لو قال لرجلين زوجت ابنتي لكما، ولأنه عقد شرط فيه المعقود به لغير المعقود له، فلم يصح، أصله إذا قال بعتك عبدي هذا على أن يكون ملكاً لزيد، ولأنه عقد حصل فيه المعقود له معقودًا به، فلم يصح كما لو قال لعبد زوجتك ابنتي على أن تكون رقبتك مهرها.

حكم نكاح المتعة

[1284] مسألة: نكاح المتعة باطل، خلافاً لمن أجازه؛ لما روي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء، ولأن كل عقد معاوضة يصح تأبيده لم يصح توقيته كالبيع.

العيوب التي يثبت بها الخيار

[1285] مسألة: خيار الفسخ في النكاح يثبت لكل واحد من الزوجين بوجود خمسة عيوب، ثلاثة منها قد يشتركان فيها، وهي الجنون والجذام والبرص، ونوعان ينفرد بهما أحدهما عن الآخر، ففي الرجل الجب والعنة أو الاعتراض، وفي المرأة الرتق أو القرن، وقال أبو حنيفة: لا خيار للزوج في شيء من ذلك بحال، وللمرأة الخيار في الجب والعنة؛ ودليلنا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بكشحها بياضاً، فقال: " إلحقي بأهلك "، وروي: " دلستم علي "، ولأنه روي عن عمر،

وعلي، وابن عباس أنهم أثبتوا الخيار بذلك، ولأن الرتق والقرن عيب يمنع المقصود من الاستمتاع فوجب أن يثبت به الخيار كالجب والعنة، ولأنه عقد معاوضة فكان وجود الجنون في المعقود عليه مثبتاً للخيار كالبيع.

[1286] مسألة: إذا تزوجها سليمة ثم حدث بها عيب من بعض هذه العيوب فلا رد له، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأن المعنى الذي أوجب الخيار له عند العقد وجود التدليس، وهذا معدوم في مسألتنا، ولأن المهر ليس بمبذول للاستدامة وإنما هو مبذول لأول مرة، والنفقة يمكنه إسقاطها بالطلاق.

بيع الأمة المتزوجة

[1287] مسألة: إذا تزوج أمة فبيعت لم يكن ذلك طلاقاً، خلافاً لمن يحكى ذلك عنه من الصحابة أنه فسخ للنكاح؛ لأن عائشة اشترت بريرة فأعتقتها، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو كان النكاح قد بطل لم يثبت

التخيير، ولأنه تصرف من السيد في أمته فلم يفسخ به نكاحها كالتدبير والكتابة.

عتق الأمة المتزوجة بحر

[1288] مسألة: إذا أعتقت تحت حر فلا خيار لها، خلافاً لأبي حنيفة؛ لما روي عن عائشة أنها أعتقت بريرة، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها عبداً، ولو كان حرًا ما خيرها، ولأنها حصلت مساوية له في الحرية، ولا خيار لها، أصله إذا تزوج كتابية فأسلمت، أو مجنونة فأفاقت، ولأن كل معنى لا يثبت الخيار لها عند ابتدائه إذا وقع العقد مطلقاً، لم يثبت لها إذا حصل في تضاعيفه، أصله إذا زوجت من أقطع أو أعمى.

ثبوت الخيار بالعنة والاعتراض

[1289] مسألة: يثبت الخيار للمرأة بالعنة والاعتراض، خلافاً لداود؛ لإجماع الصحابة على ضرب الأجل له، روي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم، ولأنه عيب يمنع المقصود بالعقد وهو الاستمتاع فوجب أن يثبت لها الخيار فيه، أصله الجب والخصاء.

فساد النكاح بفساد المهر

[1290] مسألة: فهل يفسد النكاح بفساد المهر، فيه روايتان: إحداهما أنه لا يفسد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والثانية أنه يفسد.
فوجه القول بأنه يفسد أن النكاح والمهر عقدان بدليل أنه يتأخر المهر عن العقد في المفوضة، وإذا كان كذلك ففساد أحد العقدين لا يوجب فساد الآخر، كالبيع والنكاح، ولأنه إذا عقد على خمر أو خنزير كان ذلك بمنزلة العقد بغير مهر أصلاً، لأن الخمر والخنزير لا يصلح تمليكهما أصلاً، فكان كمن لم يسم مهرًا أصلاً، وعدم تسمية المهر عند العقد لا تمنع صحته كالتفويض، ولأنه عقد لو صح المهر لصح، فوجب أن يصح وإن لم يصح المهر كالعقد على غير مغصوب.
ووجه القول بأنه يفسد العقد قوله تعالى: " أن تبتغوا بأموالكم "، فأخبر أن من شرط الإباحة أن يبتغيها بالمال، وهذا ابتغاء بغير مال، ولأنه عقد معاوضة فوجب متى حصل العوض فيه خمرًا أو خنزيرًا أن لا يصح العقد، كسائر عقود المعاوضات، ولأن العوض في النكاح آكد، بدليل أنه يجب لحق الله تعالى، فكان فساد العقد بفساده أولى منه في سائر العقود.

مقدار أقل الصداق

[1291] مسألة: أقل الصداق محدود بربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال الشافعي لا حد له؛ ودليلنا أنه عضو محرم تناوله من أجل حق الله تعالى إلا بمال، فوجب أن يكون أقل ذلك المال بمقدار، أصله قطع اليد في السرقة، ولأنه مال يستباح به العضو فوجب أن يكون لأقله تقدير في الشرع، أصله ما تقطع به اليد، ولأن المهر في النكاح حق لله تعالى، بدليل أنهما إذا تراضيا على إسقاطه لم يجز، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون مقدرًا كالزكوات والكفارات.

تمتيع المرأة عند الطلاق

[1292] مسألة: متعة الطلاق مستحبة غير واجبة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الطلاق تأثيره الإسقاط لا الإيجاب، بدليل أنه إذا سمى مهرًا ثم طلق سقط نصفه ولم يلزمه شيء آخر، فلم يجب به شيء لأن ما كان واجباً قبله قد سقط فهو عن أن يجب به شيء آخر لم يكن واجبًا أبعد، ولأن الطلاق نوع من البينونة فلم يجب به متعة كالموت، ولأن كل امرأة لو ماتت لم يكن لها متعة، كذلك إذا طلقت، أصله إذا طلقت قبل الدخول وقد سمي لها، ولأنا لم نر في النكاح شيئاً وجب للمرأة بزوال العقد اعتبارًا بسائر الواجبات، ولأنها عطية غير معتبر بها على وجه، فلم تكن واجبة كالهبة والصدقة.

حكم الصداق في نكاح التفويض عند موت أحد الزوجين

[1293] مسألة: إذا مات أحد الزوجين في نكاح التفويض قبل الدخول، توارثا، ولا صداق للمرأة، وقال أبو حنيفة يجب لها مهر المثل بنفس العقد، ويستقر وجوبه بالموت؛ فدليلنا أنه لا يجب بالعقد، أن كل من لم يجب لها بالطلاق شيء منه [لم] يجب جميعه لها بالعقد، أصله إذا تزوجها على دينار لما كان الزائد عليه لا يجب لها منه شيء بالطلاق لم يجب بالعقد، كذلك مهر المثل لما لم يجب لها بالطلاق شيء منه لم يجب لها بالعقد، ولأنها فوضت بضعها باختيارها فلم يجب لها المهر بالعقد، أصله ما زاد على مهر المثل.
ودليلنا على أنه لا يستحق بالموت مهر المثل أنها امرأة فوضت بضعها

تفويضاً جائزًا ثم ماتت قبل الفرض والدخول فلم تستحق مهر المثل، أصله مع أبي حنيفة في الكتابية إذا فوضت بضعها ثم ماتت قبل الفرض والمسيس، ومع الشافعي إذا طلقها قبل الدخول، ولأنها بينونة لو كانت في الكتابية لم يجب لها مهر، فإذا كانت في المسلمة لم يجب لها مهر، كالطلاق قبل الدخول في المفوضة.

مقدار مهر المثل

[1294] مسألة: ومهر المثل معتبر بأحوال المرأة في جمالها، ومالها، وشرفها، دون نساء عصبتها، وقال أبو حنيفة يعتبر نساء قرابتها من العصبة وغيرهن، وقال الشافعي يعتبر نساء عصبتها فقط؛ فدليلنا أن صداق المثل يقل ويكثر ويختلف باختلاف ما ذكرناه في النساء من المال والجمال، لأن الإنسان يرغب في جمال المرأة فيرغب ويبذل أكثر من بذله فيمن دونها في المال والجمال لرفقه بمالها وانتفاعه به، فكان ما ذكرناه هو المعتبر دون مهر نساء العصبة، ولأن مهر المثل بدل من منافع البضع، والإبدال إنما يقوم بحسب اختلاف الأغراض والمنافع وماله يراد ذلك الشيء، كالبيوع، لأن الأثمان تختلف بالقلة والكثرة، فكذلك النكاح.

متى يستقر ملك الزوجة للصداق؟

[1295] مسألة: لا يستقر ملك الزوجة على الصداق إلا بالدخول، وما لم يدخل فهو مراعى، فلا يستحق بمجرد العقد، وقال الشافعي إذا سمي فإنها تملكه بمجرد العقد ملكا مستقرًا؛ فدليلنا أنه لو كان ملكها عليه

مستقرًا لم يجز أن يسقط بعد ثبوته، ألا ترى أنه إذا دخل بها فقد وجب لها وجوبًا مستقرًا لا يسقط بوجه، فقد ثبت أنها لو ارتدت قبل الدخول أو اختارت نفسها بعد العتق لسقط صداقها، فعلم أن ملكها لم يكن مستقرًا عليه.

متى ينقد الزوج الزوجة صداقها؟ والاختلاف في قبضه

[1296] مسألة: إذا كان العرف جارياً في بعض البلاد بأن الزوج ينقد الصداق قبل الدخول كما كان بالمدينة، ثم اختلفا في قبضه، فإن كان قبل الدخول فالقول قولها وإن كان بعد الدخول فالقول قوله، وقال أبو حنيفة والشافعي القول قولها في الحالين؛ ودليلنا قوله تعالى: " وامر بالعرف "، ولأن الزوج أقوى سبباً بعد الدخول لشهادة العرف له، والعرف أصل يرجع إليه في اختلاف المتداعيين إذا لم يكن ما يرجع إلى غيره، كالنقد والسير والحمولة، فكذلك ها هنا.

اختلاف الزوجين في قدر الصداق

[1297] مسألة: إذا اختلفا في قدر الصداق فإن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعده فالقول قول الزوج، وقال الشافعي القول قولها قبل الدخول وبعده، وهذه المسألة مبنية على اختلاف المتبايعين، وقد ذكرناه، ولأنها لما سلمت نفسها من غير إشهاد عليه كان ذلك رضا منها بأمانته.

مسائل مختلفة حول الصداق

[1298] مسألة: يكره أن يكون المهر منافع يستأجر عليها كتعليم القرآن والحديث وبناء دار وما أشبه ذلك، ويصح إذا عقد عليه، وقال أبو حنيفة لا يصح ذلك إن كان الزوج حرًا، ويجوز إن كان عبدًا؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: " قد زوجتكها بما معك من القرآن "، وفي طريق أخرى: " زوجتكها على أن تعلمها عشرين آية "، ولأنها منفعة معلومة من غير معرفة فجاز أن يكون مهرًا، أصله العبد إذا تزوجها على خدمة نفسه.

[1299] مسألة: إذا طلقت البكر قبل الدخول فللأب أن يعفو عن النصف الواجب لها، وهو الذي بيده عقدة النكاح، وقال أبو حنيفة والشافعي ليس له العفو، والمراد بالآية الزوج؛ ودليلنا قوله تعالى: " وإن طلفتموهن من قبل أن تمسوهن " إلى قوله: " عقدة النكاح "، ففيه أدلة: أحدها أن ابتداء الخطاب بالمواجهة وهو للأزواج، وقوله تعالى: " أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح " كناية للغائب فيجب أن يكون المراد به غير من وجه بالخطاب، وإذا ثبت ذلك لم يبق إلا قوله، والثاني أن قوله: " أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح " يفيد أن يكون الذي بيده في الحال، والزوج ليس بيده بعد الطلاق شيء، والثالث أن حقيقة العطف عود على المعطوف عليه في الشيء الذي أريد بالعطف، وقد ثبت أن قوله: " إلا أن يعفون "

المراد به النصف الواجب للمطلقات فسقط عن الزوج، فلما عطف بحرف "أو" كان حقيقته عفوًا عن ذلك النصف، وفي حمله على الزوج حمل له على العفو عن نصف آخر، وذلك خلاف الظاهر، والرابع أن في حملها على ما قلناه سلامتها من التكرار [أو] في حملها على الزوج تكرار، لأنه قد توجه ثبوت الخطاب إليه بالعفو بقوله: " وأن تعفوا أقرب للتقوى "، فكان ما قلناه أولى، والخامس أن الله تعالى ندب إلى العفو من كلا الطرفين، فندب إلى الأزواج بقوله: " وأن تعفوا أقرب للتقوى " ولم يفصل، لأنهم يملكون أنفسهم، ثم لما ندب النساء وكن ينقسمن إلى ثيب يملكن أنفسهن ولا حجر عليهن، وإلى أبكار يولَّى عليهن، خاطب الثيب بإيقاع العفو منهن وامتنع ذلك في الأبكار، فعدل إلى الأولياء المالكين أمورهن، وهم الآباء، ومتى جعلناه للأزواج أخرجنا الأبكار من حيز من يندب إلى العفو، ولأنهن أحد نوعي الزوجات فجاز أن يلحقهن الندب إلى العفو عن نصف الصداق كالثيب، ولأنها أحد الزوجين فلحقها العفو عمومًا كالزوج، ولأنه ولي يملك الإجبار فجاز له العفو عن صداق من يملك إجبارها، أصله السيد في أمته.
[1300] مسألة: للأب أن يزوج البكر بأقل من صداق مثلها إذا راه نظرًا، خلافاً للشافعي؛ لأن الأب لما كان هو الناظر لها والقيم بمصلحتها، وكان غير متهم عليها في إسقاط حقها، وكان المقصود من النكاح العفة والصلاح دون المتاجرة والأرباح، جاز له إنكاحها بمهر مثلها وأقل وأكثر، لأنه لا يمنع أن يرى ذلك حظاً بأن يختار لها من يحسن عشرتها ويلحقها من بره وحسن معاملته ما يوفي على قدر ما يحط من صداق المثل، إذا كان هذا المعنى فهو المقصود بالعقد، ولأنا قد دلَّلنا على أن له العفو عن

نصف الصداق في حقها، فنقول كل من جاز له العفو عن نصف صداقها جاز له إنكاحها على دون صداق مثلها كالأمة.

[1301] مسألة: إذا وهبت له صداقها ثم طلقها قبل الدخول فلا شيء له عليها، وقال الشافعي في أحد قوليه يرجع عليها بنصف قيمته؛ فدليلنا قوله تعالى: " فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون " فبين أن الزوج يستحق النصف بحيث تستحق المرأة النصف، لأنه قرن ذلك بالحال التي تملك فيها العفو، وذلك لا يكون إلا مع بقاء الصداق على ملكها، ولأن كل امرأة لم يحصل لها بالطلاق نصف الصداق من جهة الزوج لم يستحق الزوج عليها نصفًا آخر، أصله إذا لم يسم صداقاً، ولأن الصداق بهبتها إياه قد صار ملكاً له، فلو استحق عليها بكل النصف لكان قد حصل له البدل والمبدل، وذلك خلاف الأصول.

[1302] مسألة: إذا أسلمت نفسها قبل قبض الصداق ودخل بها لم يكن لها أن تمتنع بعد ذلك من التسليم، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه تسليم يستقر به البدل فوجب أن يسقط حكم الامتناع كتسليم السلعة في البيع.

[1303] مسألة: الصحيح من المذهب أن الخلوة لا توجب إكمال المهر، فإن ذلك لا يجب إلا بالوطء، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم "، وهذا مطلق قبل المسيس، ولأنها خلوة تعرَّت عن الإصابة لم يجب لها استقرار المهر، أصله إذا خلا بها وهو صائم أو محرم، ولأنه طلاق قبل الإصابة فوجب أن لا يكمل به الصداق، أصله إذا طلق من غير خلوة، ولأن الوطء يتعلق به أحكام كثيرة كالحد والحصانة والتحليل للزوج الأول والغسل، ووجدنا الخلوة لا يتعلق بها شيء من ذلك، فكذلك يجب أن لا يتعلق بها كمال المهر، ولأن كل ما لا يجب به المهر في النكاح

الفاسد لم يستقر في النكاح الصحيح، أصله اللمس لغير لذة.

[1304] مسألة: إذا حصلت الخلوة فادعت أنه وطىء، فأنكره، فالصحيح من المذهب أن القول قولها، لأن ذلك مما لا يمكن لها الإشهاد عليه، والتوثق بإحضار البينة فيه، والأصول موضوعة على أن ما تعلق بالزوجة مما هذه سبيله أن القول قولها في حصوله، لأن الضرورة تدعو إلى ائتمانها عليه، وإن آل إلى إسقاط حق الزوج وإيجاب شيء عليه كالعدة، ولأن التمكين إذا حصل ووقع الاختلاف في الفعل فالقول [قول] مدعي إثباته دون نافيه، كالعنين إذا أمكن من زوجته وادعى أنه أصاب وأنكرت، ولأن العرف شاهد بما تدعيه، لأن الغالب من حال الرجل إذا خلا بزوجة جديدة وكان صحيحاً سليم الحواس أنه يطأ، فكان القول قول من يشهد له العرف، ولأن المتداعيين إذا قوي سبب أحدهما بشهادة العرف له أو لغير ذلك مما يقوى على خصمه، فإن اليمين في جهته، أصله صاحب البينة.

[1305] مسألة: يجوز أن يتزوجها على عبد مطلق، أو وصيفة، أو جهاز بيت، ويكون لها الوسط من ذلك، وقال الشافعي لا يجوز ذلك؛ ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "ما تراضى عليه الأهلون جاز"، ولأن النكاح لما لم يكن العوض مقصودًا فيه بدليل أنه [لا] يفسد بفساده،

ويحل صحة العقد [مع] عدم ذكره، جاز أن يسقط تعيينه وصفته إن كان هناك طريق يوصل إليه غيره، وبذلك فارق البيع لأن الغرض منه المعاينة والمكايسة [بـ] دليل أن الإخلال بذكره عند العقد مفسد له.

[1306] مسأله: إذا اشترت بالصداق جهازًا أو ما يصلحها ويصلح زوجها مما جرى من العرف في موضعها بأن المرأة تتجهز به للرجل، ثم طلقها قبل الدخول، فله نصف ما اشترت، ولا يلزمها أن تغرم له عينًا، وقال أبو حنيفة والشافعي عليها أن ترد له نصف العين التي قبضت منه؛ فدليلنا أن العرف إذا كان جارياً في موضعها بأن المرأة تتجهز للرجل وأنه يلتمس ذلك منها، فعليه دخلا، فكأنها فعلت ذلك بأمره، لأنه قد علم أنها تتصرف فيه، فكان كما لو صرح فقال: قد أذنت لك أن تشتري بصداقك جهازًا، ولو فعل ذلك لم يكن له إلا نصف ما اشترته فدليلنا على وجوب تجهيز المرأة للزوج إذا كان العرف عندهم جارياً بذلك، فدليلنا قوله تعالى: " وامر بالعرف "، ولأنه صلى الله عليه وسلم أخذ صداق فاطمة عليها السلام فصرفه في جهازها من طيب وفرش وغير ذلك، ولأن علياً رضي الله عنه قضى بذلك في قضية ارتفع إليه فيها فقضى على الأب بوجوب تجهيز ابنته وقال

الزوج لما طلق فطلب نصف ما دفع، فقال: آخذ صوفاً وخرقاً وقد أعطيت دراهم؟ قال: أنت أضعت مالك، ولم يخالف عليه أحد.

القسم بين الزوجات

[1307] مسألة: القسم بين الزوجات للحرة والأمة سواء، وعنه رواية أخرى أنه يفضل بينهما، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ فدليلنا على التسوية قوله صلى الله عليه وسلم: " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقة مائل " ولأنها مساوية لها في الزوجية فوجب مساواتها لها في القسم كالحرة، ولأن نقصها عن رتبتها لا يوجب نقصانها عنها في القسم كالذمية.

[1308] مسألة: إذا تزوج امرأة وعنده غيرها، فإن كانت بكرًا كان له أن يقيم عندها سبعًا ولا يقضي، وإن كانت ثيبًا فثلاثًا ولا يقضي، وقال أبو حنيفة يقضي باقي نسائه؛ فدليلنا ما روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " للبكر سبع وللثيب ثلاث " فأضاف ذلك إليهما فاقتضى ذلك اختصاصهما به، وقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: " ليس لك على أهلك هوان إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت " فأخبر أن الثلاث لا تقضى في حق الثيب، ولأن القسم مستحق على قدر حصول الاستمتاع للزوج من المرأة، ومعلوم أن الجديدة أوفر في ذلك من غيرها، للعادة بأن النفس تتوق إليها أكثر، فكان ذلك حقاً لها على سائر نسائه.

حكم الحكمين

[1309] مسألة: إذا بعث الحاكم الحكمين عند حصول الشقاق بين الزوجين فعلا ما يريانه من صلاح وطلاق أو خلع، ولا يعتبر رضا الزوجين، وكان ذلك حكماً لا وكالة، وقال أبو حنيفة يكون وكالة يفتقر إلى رضاهما، ودليلنا قوله تعالى: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " فخاطب غير الزوجين، ولأن الخطاب الوارد بالأحكام وتنفيذها ينصرف إلى الأئمة والحكام دون أهل الخصومات، ولأن تسميتهما بأنهما حكمان ينفي كونهما وكيلين، وقول علي رضي الله عنه للحكمين: أتذريان ما عليكما، إن رأيتما أن يصلحا أصلحتما، وإن رأيتما أن يفرقا فرقتما، ولم يشترط رضا الزوجين، ولأن للحاكم مدخلاً في إيقاع الفرقة بين الزوجين لإزالة الضرر كالطلاق على المولي، والمعسر بالنفقة والمهر، وغيره، فإذا كان له ذلك في إزالة الضرر عن أحدهما، كان بأن يكون في حقهما أولى.


فصول الكتاب · 57 فصل · 1030 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإشراف على نكت مسائل الخلاف · 1030 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك في الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والمرافقكتاب الحوالةكتاب الضمان والكفالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريّةكتاب الوديعةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة وكراء الأرضكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الحبس والوقف والهباتكتاب اللقطةكتاب اللقيط
كتاب النكاح
النظر إلى المرأة المخطوبةالوليالكفاءةالإذن لوليين بالتزويج واختلافهماالولي يزوج نفسه من وليتهانعقاد النكاح على صفة مقصودة في الزوجينانعقاد النكاح بلفظي الهبة والبيعالجمع بين أكثر من أربع نسوةحق العبد في أن يجمع بين أربعاًمتى يجوز العقد على أخت المطلقةزنا المرأة لا يفسخ العقدكراهة التزوج بالزانيةما يحرم من الجمع بين النساءالمحرمات من النساء وغير المحرماتالخطبة على الخطبةحكم الكافر إذا أسلم وعنده أكثر من أربع نسوةحكم أنكحة الكفارانفساخ النكاح بارتداد أحد الزوجينأهل الذمة إذا تحاكموا إليناحكم نكاح الشغارحكم نكاح المتعةالعيوب التي يثبت بها الخياربيع الأمة المتزوجةعتق الأمة المتزوجة بحرثبوت الخيار بالعنة والاعتراضفساد النكاح بفساد المهرمقدار أقل الصداقتمتيع المرأة عند الطلاقحكم الصداق في نكاح التفويض عند موت أحد الزوجينمقدار مهر المثلمتى يستقر ملك الزوجة للصداق؟متى ينقد الزوج الزوجة صداقها؟ والاختلاف في قبضهاختلاف الزوجين في قدر الصداقمسائل مختلفة حول الصداقالقسم بين الزوجاتحكم الحكمين
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب القسامةكتاب الحدود [الزنا]كتاب القذفكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب الضحاياكتاب الذكاةكتاب الصيدكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الجهادكتاب القطع [في السرقة]كتاب الأقضية والشهاداتكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الوصاياكتاب المواريث والفرائض
جارٍ التحميل