الإشراف على نكت مسائل الخلافكتاب الصيام
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النية

[620] مسألة: لا يصح الصيام إلا بنية.
خلافاً لزفر في قوله: إن صوم رمضان يصح بغير نية، لقوله عليه السلام: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)؛ ولأنه صوم شرعي، فأشبه ما عدا رمضان؛ ولأنه نوع من الصيام كالنذر والنفل.

[621] مسألة: ولا يجزئ صوم إلا بنية قبل الفجر أو معه.
خلافاً لأبي حنيفة، في تجويزه النية لرمضان، وكل صوم معين بعد الفجر، والشافعي، في تجويزه النية للنفل بعد الفجر.
ودليلنا على أبي حنيفة، قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل).
وقوله: (من لم يجمع على الصيام قبل الفجر فلا صوم له)، وقوله: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى)، وبعض هذا اليوم قد مضى عاريا من النية؛ فلا يجزئ، ولأنها نية ابتدئت بعد مضي جزء من النهار كبعد الزوال، ولأنه صوم شرعي كالنذر والقضاء؛ ولأن النية شرط في الصوم الشرعي، فيجب أن لا يجزئ الصوم متى مضى بعض اليوم عاريا منها، أصله الإمساك، ولأنها عبادة من شرطها النية، فلم تصح بنية بعد الدخول فيها كالصلاة والحج؛ ولأنها عبادة تؤدى وتقضى، فوجب أن يستوي فيها وقت النية في الأداء والقضاء كالصلاة.

[622] (فصل): وما بيناه دلالة على الشافعي؛ ولأنه صوم شرعي كالفرض؛ ولأنها عبادة من شرط صحتها النية فوجب أن يستوي نفلها وفرضها في وقت النية كالصلاة والحج؛ ولأنها عبادة يفسد أولها بفساد آخرها، فوجب أن لا تتأخر النية عن وقت فعلها كالصلاة؛ ولأنها نية بعد الفجر كالنية بعد الزوال؛ ولأن النهار لو كان زمانا لنية النفل لصحت فيه نية الفرض كالليل؛ ولأنه كان يجب أن يستوي جميعه في الجواز كالليل؛ ولأنه شرط في الصوم الشرعي فيجب أن يختص بأحد نوعي الزمان كالإمساك.

[623] مسألة: وإذا نوى لجميع الشهر من أول ليله أجزأه.
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإنما لامرئ ما نوى)، فعم، ولأن النية وقعت لهذا الصوم في زمان يصلح جنسه لنية الصوم من غير أن يتخلل النية، وللصيام المنوي زمان يصلح جنسه لصوم سواه، فجاز ذلك،

أصله إذا نوى لليوم الأول من ليلته وإذا نوى لكل يوم من ليلته.

[624] مسألة: تعيين النية واجب في صوم رمضان.
خلافاً لأبي حنيفة، لقوله عليه السلام: (وإنما لامرئ ما نوى) وذلك موضوع لاستبقاء الحكم فيدل على أنه ليس له ما لم ينوه، ومن نوى رمضان أنه تطوع ولم ينو أداء فرضه فلم يكن له عن فرضه، ولأنه صوم واجب، فلم يجز بنية النفل كالقضاء والنذر، ولأنها عبادة يفتقر قضاؤها إلى تعيين النية، فكذلك أداؤها كالصلاة.

اعتماد قول المنجمين لثبوت الشهر

[625] مسألة: ولا يعتبر بقول المنجمين في دخول وقت الصوم، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من صدق كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد)، وأقل ما في هذا التغليظ منع الرجوع إلى قولهم في الشرع، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة)، فوجب أن لا يعتبر إلا بما ذكرناه.

صيام يوم الشك

[626] مسألة: يجوز أن يصام يوم الشك تطوعا، وقال محمد بن

مسلمة والشافعي يكره تعمد ذلك.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرا فهو خير له﴾، واعتباراً به إذا كان شأنه سرد الصيام؛ لأن كل وقت صلح للنفل المعتاد، صلح للنفل المبتدأ كسائر الأيام.

[627] مسألة: لا يجوز أن يصومه بنية الفرض على أنه إن كان من الشهر، وإلا كان تطوعاً، وإذا فعل ذلك، ثم ثبت أنه من رمضان أعاد.
خلافاً لأبي حنيفة وغيره؛ لأن نية الفرض من شرطها أن تقع محققة لا مشكوكا فيها، ولا في أصل وجوبها من غير ضرورة، كما لو صلى شاكاً في زوال الشمس، ولأن كل نية لفرض تعلق بوقت إذا أتى بالعمل مع الشك في دخول وقته، فإن وقوع النية بدخول وقته لا تجزئ متى صادفت دخوله، أصله الصلاة.

[628] مسألة: ذهب بعضهم إلى أنه لا يصح صوم يوم الشك على كل وجه وهذا غلط؛ لأنه يوم محكوم له بأنه من شعبان كما قبله، واعتباراً به إذا كانت السماء مصحية.

أحكام في رؤية الهلال

[629] مسألة: إذا رئي الهلال في يوم الشك فهو لليلة المقبلة، سواء رئي قبل الزوال أو بعده، وقال أبويوسف إن كان قبل الزوال فهو لليلة الماضية ورأيت نحوه لابن حبيب.
ودليلنا قول عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -: (إن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تصوموا ولا تفطروا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس) واعتبار به إذا رئي بعد الزوال.

[630] مسألة: ولا يقبل شهادة واحد على هلال رمضان.
خلافاً للشافعي لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا)، ولأنها شهادة على رؤية هلال أصله هلال شوال، ولأن شهادة الواحد غير مقبولة بانفرادها اعتبارا بسائر الأصول.
ولأن ذلك يؤدي إلى أن يفطر بشهادة واحد، ونفرض الكلام في أن طريقه الشهادة دون الإخبار، خلافاً للشافعي لقوله عليه السلام: (فإن شهد ذوا عدل فصوموا) فثبت أنها شهادة؛ ولأنه حكم شرعي متعلق برؤية الهلال، فوجب أن يكون حكم الأخبار به، حكم الشهادات، أصله هلال شوال وذي الحجة.

[631] (فصل): وسواء كانت السماء مصحية أو مغيمة.
خلافاً لأبي حنيفة، في تفريقه بين الموضعين، وقوله: إنها إن كانت مغيمة قبل فيها قول الواحد، وإن كانت مصحية صحيحة لم يقبل إلا الاستفاضة دون الاثنين والثلاثة، فدليلنا الخبر، وهو عام؛ ولأنها شهادة على رؤية الهلال، فلم يحتج إلى الاستفاضة، كما لو غم الهلال.

[632] مسألة: لا يقبل في آخره إلا الاثنان.
خلافاً لأبي ثور لعموم الخبر؛ ولأنها شهادة على حكم يثبت في البدن، فلم يقبل فيه الواحد كسائر الأحكام.

[633] مسألة: إذا رأى الهلال وحده لزمه الصوم.
خلافاً لبعض التابعين في قولهم: إنه لا يلزمه إلا بحكم الإمام لقوله عز وجل: {فمن

شهد منكم الشهر فليصمه}، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وهذا قد رآه، ولأنه لما لزمه الصوم بشهادة غيره وهي مظنونة له، كان بأن يلزم برؤيته المتحققة أولى.

[634] مسألة: وإذا رآه وحده ثم تعمد الفطر فعليه القضاء والكفارة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا كفارة عليه، لحديث الأعرابي الذي جاء وهو ينتف شعره، ويلطم وجهه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما شأنك؟) قال: وقعت على أهلي في رمضان فقال: (أعتق رقبة)، ولم يسأله أي يوم رأى هلال الشهر وحده أو فيما بعده؛ ولأنه يوم لزمه صومه على أنه من رمضان، فإذا تعمد الفطر فيه هاتكاً لحرمته لزمته الكفارة، كاليوم الثاني والثالث ولأن رؤيته معنى أوجب عليه صوم اليوم على أنه من رمضان، فكانت الكفارة متعلقة بالفطر فيه كشهادة الشهود؛ ولأن كل حكم لزمه في اليوم الذي يحكم الإمام بكونه من رمضان، فإنه يلزمه إذا انفرد برؤيته، أصله وجوب صومه والقضاء بالفطر فيه؛ ولأن الكفارة من أحكام الصوم وتابع له، فوجدنا الوجوب على صفة متساوية برؤية الهلال بنفسه وبحكم الحاكم به، فوجب أن يكون حكم الهتك متساويا، ولأن الفطر بالإثم يصحب الكفارة ولا ينفرد عنها، وقد ثبت أنه يأثم بهذا الفطر، فوجب أن تلزمه الكفارة؛ ولأن الفطر متعلق به شيئان: القضاء، والكفارة، ثم لا يخلو أن يكون على وجه العذر أو الهتك، ومع العذر لا كفارة، ومع الإثم الكفارة، فكان الإثم في باب ارتباطه بالكفارة،

كالعذر في باب منافاته لها، فلو كان العذر منتفياً في هذا الموضع تعلق به الإثم فوجب أن يتعلق به الكفارة، ولأنه قد تيقن كون هذا اليوم من أي شهر هو، فوجب أن يكون ما يلزمه من حكمه معتبراً به في نفسه، دون حكم الحاكم به، أصله إذا رأى هلال شوال وحده فأفطره؛ لأن ما يتعلق بالشهر أو بالزمان المؤقت من الأحكام لا يفتقر إلى حكم حاكم فيما يختص الإنسان في نفسه، اعتباراً بمواقيت الصلاة والحج؛ ولأن رؤيته متيقنة وحكم الحاكم ظاهر عليه الظن، فإذا تعلق بذلك الكفارة فاليقين أولى.

الصائم يصبح جنباً

[635] مسألة: إذا أصبح جنباً لم يمنعه صوم ذلك اليوم إذا كان قد نواه من الليل، خلافاً لما يحكى عن أبي هريرة، والحسن بن صالح، لقوله عز وجل: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، ومعلوم أنه إذا كان يجامع فنزعه، ثم طلع الفجر عقيبه، فإنه لا يمكنه أن يغتسل إلا بعد طلوعه، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنباً من جماع ثم يصوم ذلك اليوم)، وقال للذي سأله أنه يصبح جنبا، ويريد الصوم، فقال: (وأنا أصبح جنبا وأريد الصيام، فأغتسل وأصوم)؛

ولأن حدثه إذا انقطع لم يبق أكثر من وجوب الطهارة، وذلك لا يمنع الصوم كالمحدث.

[المرأة إذا طهرت ليلاً ولم تغتسل]

[636] مسألة: الحائض إذا رأت الطهر ليلاً، فنوت الصوم، ولم تغتسل حتى طلع الفجر، جاز لها صوم ذلك اليوم، سواء أخرته بتفريط، أو بغير تفريط، وقال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة: إن أخرته بتفريط لم يجزها، وحكي عن قوم.
أنه لا يجزيها الصوم على كل وجه، فدليلنا أنها محدثة زال حدثها قبل الفجر ولم يبق عليها سوى فعل التطهير، فوجب أن يصح صومها كالجنب والمحدث.
[الخطأ في غروب الشمس]

[637] مسألة: إذا أكل مجتهداً، ثم بان له أن الشمس لم تغرب، أو الفجر قد طلع فصومه فاسد وعليه القضاء في الفرض، خلافاً لداود في قوله: إن صومه صحيح، ولا قضاء عليه، لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، وهذا لم يتمه، ولأنه خَرَم الإمساك بما لو تعمده لأفسد صومه، فوجب أن يفسد مع الخطأ كالمريض؛ ولأنه حصل منه الأكل بعد الفجر في رمضان كالعامد؛ ولأنه لو اجتهد فصلى المغرب فبان له أن الشمس لم تغرب لزمته الإعادة، كذلك في مسألتنا، بعلة أنها عبادة على البدن مؤقتة بزمان يصل إليه يقيناً.

[638] مسألة: إذا طلع الفجر وهو يولج لم ينعقد صيامه، خلافاً

لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه حصل واطئا في جزء من النهار فأشبه إذا استدام.

[639] مسألة: وإن نزع لوقته، فلا كفارة عليه، وإن استدام قال أصحابنا عليه الكفارة، وتخرَّج ذلك عندي على قول ابن القاسم: متى أكل ناسياً، ثم أكل بعده عامدا؛ لأنه إن كان متأولاً فلا كفارة عليه، وإن كان على وجه الجرأة وقصد الهتك فعليه الكفارة، والنظر أن لا كفارة عليه؛ لأن الكفارة بالفعل الذي حصل به الفطر وذلك بالجزء المصادف للإيلاج دون الاستدامة.

التقيؤ عمداً

[640] مسألة: اختلف أصحابنا في وجوب القضاء على المستقي عامداً، فمنهم من يقول: إنه واجب وهو قول ابن بكير، ومنهم من يقول استحبابا وهو قول أبي يعقوب الرازي، فوجه الوجوب قوله عليه السلام: (من استقاء فعليه القضاء)، وقوله: (من استقاء فليعد صومه)، ولأن الاستدعاء يخرج معه القيء بكلفة وشدة، فيعود إلى الحلق بعض ما يخرج بضعف الطبيعة دون دفعه، هذا هو الغالب، فوجب بناء الأمر على غالبه، ووجه نفي الوجوب قوله عليه السلام: (ثلاث لا يُفَطِّرُون الصائم: القيء، والاحتلام، والحجامة)؛ ولأنه لو كان يفطر لاستوى عمده وغلبته

كالأكل والشرب، ولأن مدخل الطعام والشراب إنما يفطر بما دخل فيهما لاما خرج منهما كالجشأ؛ ولأنه إحدى حالتي خروجه كالذرع؛ ولأنه خارج من البدن لا غسل فيه كالدموع والفصاد.

الوطء في رمضان

[641] مسألة: وإذا وطئ في رمضان عامدا فعليه القضاء والكفارة وحكي عن قوم من التابعين أنه لا كفارة عليه وأن الخبر خاص بمن ورد فيه.
ودليلنا حديث الأعرابي لما قال وقعت على أهلي في رمضان فقال - صلى الله عليه وسلم - (أعتق رقبة)، وقد قال: (حكمي على الواحد كحكمي على الجماعة)، وقوله: (من أفطر يوماً في رمضان فعليه ما على المظاهر).

[642] مسألة: ومن وطئ ناسيا فلا كفارة عليه، وقال عبد الملك عليه الكفارة، وهو قول أحمد ابن حنبل.
فدليلنا قوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، ولأنه أفطر ناسيا كالأكل، ولأن الكفارة الكبرى في الفطر تتبع الإثم، بدليل انتفائها مع عدمه.

[643] مسألة: وإذا طاوعته بالجماع فعليها الكفارة، ولا يتحملها الواطئ.
خلافاً للشافعي في قوله: إنه لا كفارة عليها بوجه، وإن عليها كفارة بتحملها الواطئ،

فدليلنا: أن عليها الكفارة ما روي أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة).
وروي قال - صلى الله عليه وسلم -: (من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر) فعم، ولأنه شخص حصل مفطرا بجماع في نهار رمضان على وجه الهتك، فوجب أن تلزمه الكفارة كالرجل؛ ولأنه نوع يقع به الفطر، فإذا وجد على جهة الهتك، فمن لزمه القضاء لزمه الكفارة كوطء الرجل؛ ولأنه سبب موجب للكفارة، فوجب أن يشتركا فيما يلزم به إذا اشتركا فيه كالقتل، ولأن جميع الأحكام المتعلقة بالوطء لحق المحكوم بها في حق الواطئ محكوم بها في حق الموطوءة، من وجوب الغسل، والفطر والحد والإحصان والقضاء، فكذلك وجوب الكفارة.

وجوب الكفارة والقضاء على متعمد الفطر

[644] مسألة: تجب الكفارة بكل فطر على وجه الهتك، من أكل وشرب، وغير ذلك سوى الردة.
خلافاً للشافعي في قوله: لا كفارة إلا في الجماع، لما روي أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكفر بعتق رقبة، وروي أن رجلاً قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه أفطر يوماً في رمضان، فقال له: (أعتق رقبة)، وهذا نقل للحكم بسببه، ولأنه لو كان الحكم يختلف لا ستفصل وسأل عما أفطر به، وقوله: (من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر)؛ ولأنه أفطر نهار رمضان على وجه الهتك لحرمة الصوم، فوجب أن تلزمه الكفارة كالجماع؛ وإن شئت قلت: مع اعتقاد وجوبه احترازا من الردة، وإن كان غير محتاج إليه؛ لأن في العلة احترازاً منه بغير هذا الوجه؛ ولأنه نوع يقع به الفطر تارة بعذر وتارة بغير عذر فوجب إذا وقع مع العدم أن تجب الكفارة كالجماع؛ ولأن الاعتبار في وجوب الكفارة

في الصوم بحال المفطر لا بما يقع به الفطر اعتبار بالأصول كلها.

[645] مسألة: على متعمد الفطر في رمضان القضاء مع الكفارة.
خلافاً لأحد قولي الشافعي فيما حكاه الإسفرايينى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (خذ هذا فتصدق به) قال: ما أجد أحداً أحوج إليه مني فضحك - صلى الله عليه وسلم - وقال: (كله وصم يوما).
وروي أنه قال للواطئ في رمضان (اقض يوماً مكانه) ولأن القضاء آكد من الكفارة بدليل وجوبه على المتعمد الذي لا تجب عليه كفارة فكان بأن تجب في الموضع الذي تجب فيه الكفارة أولى.
ولأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة فلم يدخل القضاء في كفارتها كالحج.

[646] مسألة: وكفارة الفطر في رمضان على التخيير دون الترتيب.
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي.
لما روي أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً)، ولفظ "أو" للتخيير، ولأنها كفارة لم تجب عن إتلاف ولا عذر، فدخلها التخيير، أصله كفارة اليمين.

[647] مسألة: التتابع في صوم الشهرين واجب.
خلافاً لما يحكى

عن ابن أبي ليلى، للخبر الذي رويناه.
ولأنه صوم شهرين في كفارة كالظهار.

[648] مسألة: إذا أفطر في يومين فعليه كفارتان، كفر عن الأول أولم يكفر.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن من وطئ في الثاني قبل أن يكفر عن الأول فلا كفارة عليه للثاني.
لأنهما يومان لو أفسد صوم كل واحد منهما على الانفراد وجبت به الكفارة، فإذا جمع بينهما في الإفساد وجب أن تجب به كفارتان، أصله إذا أفسد صوم يومين من رمضان ولأنه أفسد صوم يومين من رمضان هاتكاً، فوجب أن يلزمه للثاني إخراج كفارة زائدة على كفارة الأول أصله إذا كان قد كفر عن الأول.
ولأنهما عبادتان لا يلحق إحداهما فساد الأخرى كالحجتين والعمرتين.

الفطر نسياناً

[649] مسألة: إذا أكل أو جامع ناسيا أفسد صومه وعليه القضاء في الفرض.
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، لقوله عز وجل: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.
وهذا لم يتمه وقد خرم الإمساك فأشبه العامد، ولأن كل فعل لا يصح الصوم مع شيء من جنسه عمداً على وجه، فلا يصح مع سهوه، أصله ترك النية.
ودليلنا على وجوب القضاء أنه مكلف حصل منه أكل في رمضان كالعامد.
ولأنه أكل في صوم مفترض لا يسقط بالمرض كالمريض، ولأن

القضاء إذا وجب على المريض مع كونه أعذر من الناسي كان بأن يجب على الناسي أولى.

الفطر بسبب الإكراه

[650] مسألة: إذا أكره على الإفطار بأن أوجر الماء في حلقه، أو بأن هدد بالقتل والضرب فأكل بنفسه فقد أفطر في الموضعين، وكذلك إذا جومعت مكرهة أو نائمة.
وقال الشافعي في كل ذلك: لا يفطر إلا الذي أكل بنفسه فله فيه قولان.
فدليلنا أن خرم الإمساك قد حصل، فأشبه إذا كان بفعله وقصده.

الإنزال بسبب النظر

[651] مسألة: إذا نظر فأنزل فعليه القضاء ولا كفارة عليه، فإن استدام النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة.
خلافاً للشافعي في قوله في الموضعين: إنه لا يفطر، لأنه أنزل في الموضعين ملتذّاً به كاللمس.
ولأنه نوع من الاستمتاع يكون بالنظر كما يكون بالمباشرة.

الفطر قبل حصول العذر

[652] مسألة: إذا أفطر قبل حصول العذر المبيح للفطر متأولاً أنه سيطرأ العذر كان عليه الكفارة، وطريان العذر لا يسقطها، وذلك كالمرأة تفطر انتظارا لحيضها ثم تحيض في ذلك اليوم أو الرجل يفطر ابتداء ليمرض ثم يمرض، أو عازما على السفر ثم يسافر، وقال أبو حنيفة في ذلك كله: لا كفارة عليه إلا في السفر بعد الإفطار، فإنه قال: لا تسقط عليه الكفارة، وعكس عبد الملك بن الماجشون هذا فقال: في الحيض والمرض عليه الكفارة وفي العزم على السفر إن سافر فلا كفارة، وإن لم يسافر فعليه الكفارة.
وللشافعي قولان أحدهما: أن عليه الكفارة، والآخر: أنه لا كفارة عليه.
فدليلنا حديث الأعرابي لما قال له: (ما شأنك؟) قال: وقعت على

أهلي في رمضان قال: (أعتق رقبة).
فأطلق ولم يستفصل.
ولأنه هتك حرمة صوم رمضان بالإفطار فيه، فوجب أن تلزمه الكفارة، أصله لو لم يحدث مرض ولا حيض، ولا يقال حرمة يوم من رمضان؛ لأنهم لا يسلمونه، ولأن ما يطرأ من العذر بعد الفطر الموجب للكفارة لا تأثير له في سقوطها، أصله مع أبي حنيفة السفر، وقلنا من العذر احترازا من الردة.

تعمد الفطر في غير رمضان

[653] مسألة: لا كفارة على المفطر في غير رمضان.
خلافاً لما يحكى عن قتادة أن عليه الكفارة إذا أفطر في قضائه، لأن الكفارة إنما وجبت في رمضان لهتك حرمة زمانه، وذلك معنى يختص به لا يوجد في غيره من الأزمنة واعتباراً بالتطوع.

سبق الماء إلى الحلق في المضمضة والاستنشاق

[654] مسألة: إذا سبق الماء إلى حلقه في مضمضة أو استنشاق، أفطر ولزمه القضاء في الفرض سواء كان في مبالغة أو غير مبالغة.
وقال الشافعي في المبالغة: قد أفسد صومه إن لم يكن ساهيا، وفي غير المبالغة له قولان.
فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وقد علم أنه إنما منع ذلك في الصوم احتياطاً وتحرزاً من سبق الماء إلى الحلق، فدل ذلك على أنه متى حصل وقع به الفطر، واعتباراً به إذا كان عن مبالغة.

ما يحصل به الإفطار

[655] مسألة: الإفطار يحصل بكل ما يصل إلى الحلق، مما يقع به التغذي ومما لا يقع به، كالدرهم والحصاة، ومن أصحابنا من يقول: لا يحصل الفطر إلا بما يَنْماعُ ويغذي وهو قول قوم من المتقدمين.
ودليلنا قوله عز وجل: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، والصوم الإمساك، ولأنه حصل منه بلع شيئًا وصل إلى حلقه يمكن الاحتراز منه، فكان مفطراً به، أصله إذا كان مما يتأتىَّ أكله.
ولأنه لما لم يعتبر بالعادة في صفة الأكل والتناول، مثل أن يبتلع الخبز الرطب أو اليابس ابتلاعا من غير مضغ فيقع الفطر به، فكذلك يجب أن لا يراعى نوع المتناول أن يكون معتادا الغذاء به، أو غير معتاد لذلك.

[656] مسألة: ما وصل إلى الحلق من سائر المنافذ كالعين والأذن فإنه يفطر.
خلافاً لمن قال: لا يفطر؛ لأنه وصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه حال الصوم، فوجب أن يفطر به أصله إذا دخل من مدخل الطعام والشراب.

[657] مسألة: إذا استعط بدهن أو غيره ووصل إلى دماغه فلا يفطر إلا أن ينزل إلى حلقه.
خلافاً للشافعي في قوله وإن لم ينزل إلى حلقه.
لأنه ما لم يصل إلى الحلق لا يوجب الفطر أصله إذا لم يبلغ إلى الدماغ.

[658] مسألة: مداواة الجراح في الجوف بدواء أو غيره، وما يقطر في الذكر والدبر واستدخال السيور وغير ذلك كل ذلك لا يفطر.
فدليلنا أن داخل الذكر ليس بمنفذ إلى الجوف، فحصول الشيء فيه لا يوجب الإفطار كداخل الفم والأنف، ولأن داخل الدبر موضع حصول اللبن فيه لا يوجب الرضاع، فلم يوجب الفطر كداخل الفم.

حكم الحامل والمرضع والشيخ الهرم

[659] مسألة: الحامل إذا خافت على حملها فلها أن تفطر ولا إطعام عليها، وقال عبد الملك: تطعم وهو قول الشافعي.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع).
وذلك ينفي وجوب شيء لسبب تتركه، ولأنها مفطرة بعذر كالحائض، ولأن التكفير بالفطر إنما يجب على وجه الهتك، فإذا لم يكن هتك لم يجب، اعتباراً بالحامل والمريض.

[660] مسألة: وفي المرضع روايتان.
فوجه الوجوب أن العذر ليس بموجود بها، وإنما هو لأجل غيرها، فضعف أمرها عن الحامل والمريض.
ووجه النفي ما ذكرناه في الحامل.

[661] مسألة: لا إطعام على الشيخ الهرم.، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه مفطر بعذر، فلم يلزمه إطعام كالمريض والمكره، ولأنه مفطر لا يلزمه القضاء، فلم يلزمه إطعام كالطفل، ولأن القضاء إذا لم يكن لاتصال العذر فلا يجب بفواته إطعام، كالمريض والمسافر إذا اتصل به المرض إلى أن مات، ولأن الإطعام في الأصول يجب في الصيام لتأخر الصوم أو القضاء، فأما لسقوطه جملة فليس في الأصول كالطفل.

حكم القبلة

[662] مسألة: القبلة للذة تكره للصائم.
خلافاً لمن قال: لا تكره.
وللشافعي في تفريقه بين من تحرك القبلة شهوته ومن لا تحركها؛ لأن القبلة

والمباشرة من دواعي الوطء، فلا بد من أن تثير الشهوة، فتدعو إلى الازدياد والإكثار ويَجُرُّ ذلك إلى فساد الصوم، ولأنها عبادة حرم فيها الوطء، فجاز أن يتعلق المنع بالقبلة كالحج.

حكم المغمى عليه

[663] مسألة: إذا أغمي عليه قبل الفجر وكان قد نوى الصوم ثم دام به إلى أن طلع الفجر، فإن صيامه لا ينعقد على وجه، سواء أفاق بعد الفجر بيسير أو كثير أو دام به فلم يفق أصلا.
وعند أبي حنيفة: أنه يجزيه، وللشافعي فيه أقاويل كثيرة، وبين أصحابه خلاف في حصرها.
فدليلنا أن الإغماء معنى يسقط فرض الصلاة، فوجب إذا طرأ قبل الفجر ودام به إلى أن طلع أن يمنع انعقاد الصوم كالحيض والنفاس، ولأنه يوم طلع فجره وهو مغمى عليه، فمنع انعقاد صومه، أصله الثاني والثالث، ولأن الصوم لا بد له من نية، ولا تصح النية إلا من مكلف، واستدامتها من طريق الحكم واجبة، فوجب أن يكون الناوي حال الدخول في الصوم ممن تصح منه النية ليكون بمنزلة من ابتدأها، والإغماء يمنع التكليف فلا تصح النية معه، ولا يلزم عليه النوم لأنه معتاد.

[664] مسألة: إذا أغمي عليه بعد الفجر لم يفسد صومه، وقال الشافعي في بعض أقاويله: إن الإغماء يضادّ الصوم كالحيض وإليه ذهب القاضي إسماعيل، فدليلنا أن الإغماء مرض، فإذا طرأ على الصوم لم يفسده، كسائر الأمراض.

[665] مسألة: الإغماء والجنون لا يمنعان وجوب الصوم، وإنما يمنعان أداءه، فإذا أفاق لزمه قضاؤه، سواء كان قبل البلوغ أو بعده، أفاق قبل انقضاء الشهر أو بعده.
وقال أبو حنيفة، إن أفاق في بعض رمضان قضاه كله، وإن أفاق بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه وقال الشافعي: إن

أفاق بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه وإن أفاق في بعضه صام ما أدرك ولم يقض ما فات، وعنده أن المجنون لا يقضي صوماً فاته على وجه، فدليلنا قوله عز وجل: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، وهذا شاهد الشهر مريضاً، فلزمه عدة من أيام أخر، ولأن الجنون لا ينافي وجوب الصوم؛ لأنه معنى يزيل العقل حال الحياة، فلم يمنع وجوب الصوم كحال الإغماء والنوم والسكر.

الأكل مع الشك في طلوع الفجر

[666] مسألة: إذا أكل شاكا في طلوع الفجر، ثم لم يتبين له هل أكل قبل الفجر أو بعده، قال شيوخنا: يجيء على أصل مالك أن يلزمه القضاء واجبا.
وقال أبو حنيفة، والشافعي لا قضاء عليه، فدليلنا أن الاتفاق على أنه إذا أكل شاكا في غروب الشمس أن عليه القضاء، فكذلك شكه في طلوع الفجر بعلة حصول الأكل في وقت شك هو ليل أو نهار.

السواك والحجامة

[667] مسألة: لا يكره السواك للصائم في جميع اليوم.
خلافاً للشافعي في قوله: إنه يكره بعد الزوال، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (خير خصال الصائم السواك)، ولم يفرق، ولأن مالا يكره للصائم قبل الزوال لا يكره له بعده، كالمضمضة، وعكسه القبلة، ولأنه وقت للصوم كأول النهار، ولأن ما يقصد به تبقية الشعث ومنع رفعه، لا يختص ببعض أوقات العبادات كالإحرام بالحج.

[668] مسألة: الحجامة لا تفسد الصوم.
خلافاً لأحمد بن حنبل وغيره، لأنه - صلى الله عليه وسلم - (احتجم وهو صائم)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاث لا يفطرن الصائم)، فذكر (الحجامة) وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بجعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - يحتجم في رمضان فقال: (أفطر هذان)، ثم أرخص بعد ذلك في الحجامة للصائم).
ولأنه دم لا يوجب الغسل كالرعاف، ولأنه لو خرج من موضع الجراحة لم يفطر والحجامة جراحة.

[669] مسألة: يكره أن يستاك بعود رطب له طعم، خلافاً للشافعي لأنه إذا كان له طعم لم يؤمن أن ينزل إلى حلقه فيفسد صومه فكان مكروها له كذوق القدر.

الفطر من أجل السفر

[670] مسألة: إذا سافر سفراً يجوز له قصر الصلاة فيه، كان بالخيار بين أن يصوم أو يفطر.
خلافاً لمن قال: لا يصح صوم رمضان في السفر، وهو داود وبعض أهل مذهبه.
لقوله عز وجل: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان حتى بلغ الكديد ثم أفطر).
وقال أنس: (سافرنا معه - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على

الصائم) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من كانت له حمولة ويأوي إلى شعب فليصم رمضان حيث أدركه).
ولأنها حال يصح فيهاصوم غير رمضان، فصح فيها صوم رمضان كالحضر؛ ولأنه مكلف يصح صومه في رمضان، فوجب أن يجزيه عنه كالحاضر؛ ولأن الفطر رخصة بدليل أنه لا يجوز إلا لعذر، والرخص تأثيرها الإباحة دون منع الأصل كالصلاة قاعداً.

[671] مسألة: الصوم للمسافر أفضل من الفطر.
خلافاً للشافعي لقوله عز وجل: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ ثم قال: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ وقوله: (فليصم رمضان حيث أدركه) ولأنه إذا أفطر فقد أخّر الصوم عن وقته، والإتيان بالفروض في أوقاتها أفضل؛ ولأنه يأمن الفوات ويحوز الثواب وتبرأ ذمته؛ ولأن الصوم عزيمة والفطر رخصة، والعزيمة أفضل من الرخصة ما لم تَعْدُ بضرر.

[672] مسألة: لا يصح أن يصام رمضان عن غيره بوجه، من نذر أو قضاء أو تنفل، أو أي شيء كان، وقال أبو حنيفة: يجوز في السفر أن يصومه قضاء ونذراً وتطوعاً.
فدليلنا أنه يصوم رمضان عن غيره فلم يصح، أصله إذا كان حاضراً.

[673] مسألة: المسافر إذا قدم في بعض اليوم مفطراً، والحائض

تطهر، لا يلزمهما الإمساك بقية اليوم، ولا يكره لهما الأكل.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يلزمهما الإمساك، والشافعي في كراهته الأكل؛ لأن كل من أكل بعذر يبيح له رمضان ظاهراً وباطناً، فإن حكم الإباحة لا يزال في بقية اليوم، أصله لو استدام السفر، ولأنه يوم جاز له الأكل في أوله بغير شبهة، فجاز له الأكل في آخره كسائر الأيام.
ولأن صوم اليوم الواحد عبادة واحدة، بدليل أن أوله يفسد بفساد آخره، فلا يجوز أن يكون آخرها واجباً.
وأولها غير واجب، كالصلاة الواحدة.

[674] مسألة: إذا نوى الصوم في الحضر، ثم سافر، لم يجز له الفطر.
خلافاً لأحمد بن حنبل، لقوله عز وجل: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، ولأنها عبادة تختلف بالسفر والحضر، وإذا تلبس بها حاضراً، ثم سافر، وجب أن يغلب حكم الحضر، كما لوا فتتح الصلاة في سفينة ثم اندفعت به الريح؛ ولأن موضوع الأصول أن للتلبس بالعبادة تأثير الانحتام وإن لم يكن ذلك قبل التلبس، اعتباراً بالحج والعمرة، وليس في الأصول سقوط الانحتام بالتلبس إلى التخيير المعلق بمشيئة الفاعل.

[675] مسألة: إذا أنشأ المسافر الصوم في رمضان ثم أفطر متعمدا ففيها روايتان: إحداهما: وجوب الكفارة.
والأخرى: نفيها، وكذلك إذا صام في الحضر ثم سافر، فوجه الوجوب وهو قول الشافعي، قوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي لما قال له وقعت على أهلي في رمضان فقال (أعتق رقبة) ولم يستفصل؛ ولأنه أفطر في يوم من رمضان لزمه صومه على وجه الهتك، فلزمته الكفارة كالحاضر، ووجه نفيها، وهو النظر قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة) وهذا ينفي الكفارة؛ ولأن حال السفر حال إباحة الفطر ينتفي الانحتام معها، وذلك مانع من وجوب الكفارات؛ ولأن من شرط وجوبها انتفاء سبب الإباحة وإلا كانت مناقضة.

تأخير القضاء حتى دخل رمضان آخر

[676] مسألة: إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر، صام هذا الداخل ثم قضى ما عليه، وأطعم عن كل يوم مداً.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: ليس للقضاء وقت محصور، ولا فديه عليه؛ لأنها عبادة يدخل في جبرانها المال، وإذا أخرها بتفريط حتى فات وقتها لزمته كفارة كالحج.
ويدل على ذلك أن وقت القضاء محصور، لقول عائشة: (إنه كان ليكون علي قضاء من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يدخل شعبان)، ولم ينكر ذلك عليها أحد، ولأنها عبادة وجبت على البدن فتكرر وجوبها، من شرطها النية، فإذا أخرها حتى دخل وقت عبادة أخرى من جنسها كان مفرطا عاصيا كالصلاة.

[677] مسألة: فإن مات وقد دخل رمضان آخر، ولم يقض الأول فأوصى بأن يطعم عنه، فإنه يطعم عنه لكل يوم مدا، وحكى الإسفراييني عن أصحابهم أنه يطعم عن كل يوم مدين، مداً للتأخير ومدا للفوات، فدليلنا: أن عبادات الأبدان إذامات قبل أدائها لم تجب عليه لفواتها بالفوت إطعام كسائر العبادات.

[678] مسألة: إذا مات وعليه صوم واجب لم يلزم ورثته الإطعام إلا أن يوصي بذلك.
خلافاً للشافعي، لأنها عبادة عن البدن، فإذا مات لم يلزم بفواتها الإطعام كالصلاة والحج.

الصوم عن الغير

[679] مسألة: ولا يصوم أحد عن أحد.
خلافاً للشافعي في قوله: إن مات وعليه صوم واجب صام وليه عنه، لقوله عز وجل: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ فتقديره فليصم عدة، فأوجب على المكلف أن يصومه، وأن يصوم قضاءه بنفسه، فانتفى بذلك أن يصوم عنه غيره؛ ولأنها عبادة لا يدخلها النيابة حال الحياة، فلم يدخلها بعد الوفاة كالصلاة؛ ولأنها عبادة على البدن فلم يصح أن يفعلها أحد عن غيره كالصلاة.

التتابع في صوم كفارة اليمين وقضاء رمضان

[680] مسألة: لا يلزم التتابع في صوم كفارة اليمين، وذلك يرد في كتاب الأيمان، ولا يلزم في قضاء رمضان، خلافاً لداود، لقوله عز وجل: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ ولم يشترط التتابع؛ ولأنه صوم يقصر عن شهرين فلم يجب فيه التتابع كفدية الأذى.

التباس الشهور على أحد في بلد العدو

[681] مسألة: إذا التبست الشهور على أسير أو تاجر في بلد العدو أو غيرهما، اجتهد، فإن وافق صومه رمضان أجزأه، وكذلك إن وافق ما بعده، وإن وافق شعبان لم يجزه، وفي كل ذلك خلاف أما إذا بان له أنه وافق رمضان فإنه يجزيه.
خلافاً للحسن بن صالح في قوله لا يجزيه، لقوله عز وجل: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا قد شهد وصامه؛ ولأنه أدى العبادة باجتهاد لا يصل إلى أدائها إلا به، فإذا بان له إصابتها أجزأ كالاجتهاد في القبلة.

[682] (فصل): وإذا بان له أنه قبله فلا يجزيه، خلافاً للشافعي، لقوله عز وجل: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا شاهد للشهر فلزمه صومه، ولأنها عبادة محضة مؤقتة بوقت معلوم، فإذا اجتهد فبان له أنه أداها قبل وقتها لم يجزه كالصلاة؛ ولأنه صادف اجتهاده وقتا لو صامه عن تلك العبادة في تلك السنة ذاكراً لم يجزه، فوجب أن لا يجزيه مع الاجتهاد، أصله زمن الليل ويوم العيدين.

نذر صوم يومي النحر والفطر

[683] مسألة: إذا نذر صوم يوم النحر أو الفطر لم ينعقد نذره، ولم يلزمه قضاؤه، وقال أبو حنيفة: ينعقد نذره ويقضي يومين سواهما، وحكي عنه أنه إن خالف وصام انعقد صومه وأجزأه عن نذره، فدليلنا ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن صوم يومين يوم الأضحى ويوم الفطر)، والنهي يقتضي الفساد؛ ولأنه صوم في وقت منهي عنه لِحقِّ الله عز وجل، فلم يصح كأيام الحيض، فإذا ثبت أن صومهما لا يصح ثبت أنه معصية، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا نذر في معصية)؛ ولأنه وقت لا يصح صومه لحق الله عز وجل، فلم ينعقد صومه كالليل.

صوم أيام التشريق للمتمتع

[684] مسألة: للمتمتع إذا عدم الهدي أن يصوم أيام التشريق.
خلافاً

لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، لقوله عز وجل: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، وروي أن عمر قال: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم أيام العشر أن يصوم أيام التشريق، ولأن كل يوم لا يصلى فيه صلاة العيد فإنه يصح صومه مع سلامة الصائم، أصله سائر الأيام.

وجوب إتمام صوم التطوع

[685] مسألة: إذا دخل في صوم التطوع فقد لزمه إتمامه، فإن أفطره بغير عذر فعليه القضاء، وإن أفطره لعذر فلا قضاءعليه، وقال الشافعي: هو بالخيار إن شاء أتمه وإن شاء أفطره، ولا قضاء عليه، وقال أبو حنيفة: يلزمه إتمامه، وعليه القضاء إذا أفطره بعذر وغير عذر، فدليلنا على الشافعي في وجوب الإتمام قوله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وقوله عز وجل: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تصم المرأة يوما من غير رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه) فلو كان لها أن تفطر لكان للزوج أن يفطرها للحق الذي له في

وطئها، ولأن الدخول في العبادة سبب يجب به حج التطوع، فوجب أن يجب به صوم التطوع كالنذر، ولأنها عبادة مقصودة لنفسها فوجب إذا دخل في نفلها أن يلزمه إتمامها كالحج والعمرة، ودليلنا على وجوب القضاء حديث عائشة وحفصة أنهما، أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهديت لهما هدية، فأفطرتا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (اقضيا يوماً مكانه)؛ ولأنها عبادة مقصودة في نفسها، فجاز أن يجب القضاء على مفسد نفلها كالحج والعمرة، ولأنا قد اتفقنا على أنه لو تصدق بصدقة وقبضها المتصدق عليه، ثم ارتجعها فإن عليه ردها، كذلك الصوم؛ لأن كل واحد منهما يلزم بالنذر وإذا دخل فيه بنية النفل لزمه.

[686] (فصل): ودليلنا على أبي حنيفة قوله - صلى الله عليه وسلم - لأم هانئ: (وإن كان من تطوع فلا قضاء عليك)، وقد ثبت أن هذا لا يكون مع عدم العذر، فصح أنه مع العذر، ولأنه لابد أن يكون للفرض مزية على النفل في الإيجاب، فلو ألزمناه القضاء مع العذر وغيره لاستوى النفل والفرض، ولأن الحج والعمرة آكد من سائر العبادات، وقد ثبت أن له أن يتحلل متى صده العدو عن البيت ولا قضاء عليه في التطوع، فكان الصلاة والصيام بمثابتها.

إلغاء النية أثناء الصوم

[687] مسألة: وإذا رفض الصوم، واعتقد الخروج منه، بطل صومه، قاله الشيخ أبو بكر.
وقال سحنون: من نوى أن يفطر في نهار رمضان فإنما يقضي استحباباً، وهذا يدل على أنه لا يفطر عنده حقيقة، فدليلنا أن النية

أحد ركني الصوم فلزمه استدامتها مع الإمساك، ونيته قطع الصوم رفع لها، فهو كالأكل في أنه يفسد الصوم.

صوم يوم الجمعة وحده

[688] مسألة: صوم يوم الجمعة وحده جائز غير مكروه.
خلافاً للشافعي؛ لأنه يوم في الأسبوع كغيره من الأيام؛ ولأن كل يوم لم يكره صومه مع ضم غيره إليه لم يكره بانفراده، أصله سائر الأيام.
-وبالله التوفيق-.

فصول الكتاب · 57 فصل · 1030 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإشراف على نكت مسائل الخلاف · 1030 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك في الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والمرافقكتاب الحوالةكتاب الضمان والكفالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريّةكتاب الوديعةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة وكراء الأرضكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الحبس والوقف والهباتكتاب اللقطةكتاب اللقيط
كتاب النكاح
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب القسامةكتاب الحدود [الزنا]كتاب القذفكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب الضحاياكتاب الذكاةكتاب الصيدكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الجهادكتاب القطع [في السرقة]كتاب الأقضية والشهاداتكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الوصاياكتاب المواريث والفرائض
جارٍ التحميل