كتاب التفليس
[978] مسألة: من باع سلعةً ففلس المشتري قبل قبض البائع الثمن فوجد البائع سلعته كان أحق بها، خلافاً لأبي حنيفة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" أيما رجلٍ أفلس فأدرك رجلٌ ماله بعينه فهو أحق به من غيره"؛ ولأن فلس المبتاع بثمن السلعة مع بقائها على صفتها، وعدم تعلق حق الغير بها، يوجب للبائع حق الفسخ، أصله إذا كان قبل قبض السلعة؛ ولأنه نوع معاوضةٍ يلحقه الفسخ فجاز أن يثبت فيه حق الفسخ بعيب ذمة من عليه الحق، أصله الكتابة؛ ولأن تعذر تسليم ثمن المسلم فيه عند الأجل يوجب للمسلم حق الفسخ، كذلك تعذر قبض الثمن بالإفلاس مع بقاء السلعة.
[979] مسألة: وليس له الفسخ بموت المشتري، خلافاً للشافعي، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" فإن مات فهو أسوة الغرماء"، ففرق بين الموت والفلس في
إثبات الرجوع للبائع؛ ولأن حظ البائع بقوةٍ سبب التقديم في إسقاط الغرماء واستبداده، ففي الفلس جعلناه أحق؛ لأن الغرماء يرجعون إلى الذمة وفي الموت لا يرجعون إلى مالٍ ولا إلى ذمةٍ، فلم يكن له إسقاطهم؛ ولأن بالموت قد زال ملك المشتري عنه كما لو باعه المفلس.
[980] مسألة: إذا بذل الغرماء للبائع ثمن سلعته لم يكن له الفسخ، خلافاً للشافعي؛ لأن حق الفسخ إنما يثبت له لتعذر القبض، فإذا بذل له فقد زال التعذر، فلم يكن له الفسخ كما لو كان المبتاع ملياً.
[981] مسألة: إذا قبض البائع بعض الثمن ثم أفلس المبتاع، فهو مخير إن شاء رد ما قبض ورجع في سلعته، أو تمسك به وحَاصّ، وقال الشافعي لا يكون له الفسخ، ودليلنا أن الفسخ إنما يثبت له لدفع الضرر وقوة سببه بوجود عين ماله، وذلك في الكل والبعض كالشفعة؛ ولأنه تعذر عليه قبض حقه بالفلس مع وجود عين ماله على صفته، فكان كمن لم يقبض شيئاً من الثمن.
[982] مسألة: إذا قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه، ثم طرأ غريمٌ
آخر رجع على الغرماء بما كان نصيبه بالحصاص له لو كان حاضراً، خلافاً لمن قال لا يرجع؛ لأنه غريمٌ لو كان حاضراً في وقت القسم لشارك الغرماء فإذا حضر بعد القسمة لم يسقط حقه، أصله إذا قسمت التركة بينهم ثم طرأ غريمٌ آخر.
[983] مسألة: إذا اقتسم الورثة بقية التركة بعد أخذ الغرماء حقوقهم ثم ظهر غريمٌ آخر رجع على الورثة ولم يرجع على الغرماء، وقال أبو حنيفة والشافعي يرجع على الغرماء.
ودليلنا قوله عز وجل: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾.
فجعل الميراث بعد أداء الدين، فدل أنه لا يستحق مع بقائه؛ ولأن الغرماء أخذوا ما لو كان الغريم حاضراً لم يشاركهم فيه؛ فإذا كان غائباً لم يكن له الرجوع عليهم، كما لو كان المشتري حياً؛ ولأن الورثة أخذوا ما لم يستحقوه بدليل أنه لو انكشف حال هذا الغريم قبل اقتسام الورثة بقية التركة لم يكن لهم أخذها فصاروا بمنزلة من أخذ مالاً لغيره يظنه، ثم انكشف له فإنه يرده على مالكه.
[984] مسألة: يجوز الحجر على المفلس وبيع ماله في دينه، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يجوز الحجر عليه، ولكن يحبس حتى يقضي الدين، ولا يجوز بيع المال على حي رشيدٍ لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لغرماء معاذٍ: "خذوا ما معه وليس لكم غيره" وروي أنه حجر عليه
وحديث عمر بن الخطاب:" ألا أن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج ثم ادّان معرضاً فمن كان له عليه شيءٌ فليحضر فإنا نبيع ماله".
ولم يخالف عليه أحد؛ ولأن كل دينٍ حل جاز أن يباع فيه العرض كالدين على الميت.
[985] مسألة: إذا تصرف المفلس في أعيان ماله بعد الحجر لم ينفذ تصرفه، خلافاً لأحد قولي الشافعي لأنه محجورٌ عليه بأمر الحاكم فلم ينفذ تصرفه في ماله كالمحجور عليه.
[986] مسألة: إذا أقر المحجور عليه للناس بدينٍ بعد الحجر تعلق بذمته ولم يشارك المقر لهم في ماله لغرمائه المحجور عليه لأجلهم، خلافاً للشافعي؛ لأنه بهذا الإقرار يريد أن يقطع حق الغرماء من المال أو من بعضه بقوله: ولا سبيل له إلا ذلك.
[987] مسألة: الدين المؤجل يحل بموت من هو عليه، خلافاً لما يحكى عن الحسن وغيره؛ لأن الدين كان متعلقاً بالذمة فإذا خربت لم يبق له محلٌّ يتعلق به، فوجب انتقاله إلى التركة، وذلك يقتضي حلوله؛ ولأنا لو قلنا لا يحل لم يخل أن يبقى على ذمة الميت، وذلك باطلٌ بخرابها، أو يتعلق بذمة الوارث، وذلك باطلٌ أيضاً أو بالتركة فيجب قضاؤه منها ولا يجوز تركه؛ لأن فيه إضراراً بالورثة أو تعريض المال للتلف من حيث لا منفعة للغرماء فيه.
[988] مسألة: تحل الديون المؤجلة بالفلس خلافاً لأحد قولي الشافعية؛ لأنه معنًى يوجب تعلق الديون التي في الذمة بأعيان الأموال كالموت.
[989] مسألة: لا يؤاجر المفلس ولا يلزم إن كان ذا صنعةٍ أن يكتسب بها خلافاً لما يحكى عن أحمد وإسحاق لما روي أن معاذاً كثر دينه فلم يزد أن جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماله بين غرمائه، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لغرمائه: خذوا ماله وليس لكم غيره؛ ولأن ما ذكروه كسبٌ، والمفلس لا يجبر على الكسب، كما لا يجبر على قبول الهبة، ولا على أن يسأل الناس، ولا على أن يطلق زوجته ليرجع بنصف المهر.
[990] مسألة: إذا ثبت إعسار المفلس خلي ولم يكن للغرماء ملازمته.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله لهم أن يلازموه ولا يمنعوه التصرف لما روي أن رجلاً ابتاع ثياباً فأصيب بها وكثر دينه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: تصدقوا عليه فلم يف بدينه، فقال لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك؛ ولأن كل دينٍ لم يملك المطالبة به لم يلزم الملازمة لأجله كالدين المؤجل.
[991] مسألة: إذا فك الحجر عن المفلس فتصرف وداين أخرين فركبه دينٌ وحجر عليه فإن الغرماء الآخرين أحق بهذا المال من الغرماء الأولين وقال الشافعي يقسم ماله بين الجميع، فدليلنا أن الغرماء المتأخرين أقوى سبباً؛ لأن هذا المال كأنه عين مالهم أو بدله فكانوا أقوى سبباً من الأوائل كالذي يجد سلعته فيكون أقوى وأحق بها من غيره.