كتاب المواريث والفرائض
[2093] مسألة: لا يرث ذو الأرحام بحال، خلافاً لأبي حنيفة؛ لما روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعي لجنازة، فقالوا: هذا ترك عمّة وخالة فأفتنا، فقال: «اللهم عمّة وخالة»، ثم قال: «هذا جبريل يخبرني أنّه لا شيء لهما»، ولأن كل أنثى لا ترث مع أخيها فلا ترث إذا انفردت، أصله بنت المولى، ولأن المولى المنعم لما قدم على ذوي الأرحام دل أنّه لا حق لهم في الإرث، لأن الولاء لا يتقدم على النسب.
[2094] مسألة: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، لقوله: «لا يتوارث أهل ملّتين»، واعتبارًا بالكفر بعلة اختلاف الدينين.
[2095] مسألة: لا يرث من فيه بقية رق، خلافاً لبعض الشافعية؛ لوجود الرق فيه كما لو استغرقه، ولأن أحكام الرق أغلب عليه بدليل أن حكمه حكم العبيد في منع القصاص من الحر، ورد الشهادة، ونقصان
الحدّ، وسقوط الحدّ عن قاذفه، فكذلك في الميراث.
[2096] مسألة: من بعضه رق فماله لمن فيه الرق، خلافاً لأصحاب الشافعي في قولهم: إن ورثته يرثون نصيبه الحر، وقول بعضهم: إنّه لبيت المال؛ لأن كل من لم يرث لمعنى لولاه لورث فإنّه لا يورث، أصله العبد والكافر، ولأن قدر ما فيه من الحرية إذا لم يوجب له أن يورث لم يوجب له أن يرث ألا ترى أنّه لم ينقله عن الأحكام التي ذكرناها.
[2097] فصل: ودليلنا على أن جميع ماله لمن له فيه الرق أنه لا يخلو أن يكون حكمه حكم العبيد أو المنعم عليهم، فإن كان حكمه حكم العبد وجب أن يكون جميع ما ترك للسيد، وهذا ما نقوله، وإن كان حكم المنعم عليهم كان المال بين من له الرق وبين المعتق بقدر الحرية والرق، فكل ذلك مقدّم على بيت المال.
[2098] مسألة: قاتل الخطأ يرث، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم"، فعم، وروى هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الخطأ يرث من المال ولا يرث من الدية»، ولأن كل معنى لا يمنع التساوي في الحرمة والدين لا يوجب القود ولا يزيل جهة التوارث فلا يمنع الميراث، أصله غير القتل، ولا يدخل عليه الطلاق في الصحة لأنه قد أزال جهة التوارث.
[2099] فصل: ولا يرث من الدية، خلافاً لأهل البصرة؛ لأن الدية
واجبة عليه بجنايته، والعاقلة تحملها عنه تخفيفاً، ولا يجوز أن يجني جناية يستحق بها مالاً، لأن الجناية إن لم يلزمه بها شيء، فلا أقل من ألا يفيده استجلاب مال.
[2100] مسألة: الغرقى ومن جرى مجراهم يرثهم ورثتهم الأحياء، ولا يرث بعضهم من بعض، خلافاً في ذلك لمن خالف من الصحابة؛ لأن المواريث لا تجب بالشكوك، ولو شككنا في أيهم مات أولاً لم يجز أن يورث وارث مشكوك في استحقاقه الميراث.
[2101] مسألة: اذا استهل الجنين صارخاً ورث وورث، وإن تحرك قليلاً ثم مات لم يرث ولا يورث، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الاستهلال أو ما يقوم مقامه علامة حياته، فإذا عدم الاستهلال ولم يطل مكثه لم يعلم أنه كان حياً، ولا اعتبار بحركته، لأن المذبوح يتحرك ولا يدل ذلك على حياته.
[2102] مسألة: إذا كان النسب فيه علّة تمنع الميراث فزالت بعد الموت وقبل القسمة لم يرث، خلافاً لمن قال: إنه يرث إذا زالت، لأنّ كل من لم يكن وارثاً حال الموت لوجود معنى، فزواله بعد الموت لا يجعله وارثاً، أصله بعد القسمة.
[2103] مسألة: إذا احتمع في الشخص الواحد سببان يرث بهما فرضاً مقدّرًا فإنه يرث بأقواهما، ويسقط الأضعف، وسواء اتفق ذلك في المسلمين أو المجوس، وذلك في الأم تكون أختاً والبنت تكون أختاً، وقال أبو حنيفة: يرث بالسببين معاً؛ فدليلنا أنهما سببان يورث بهما من جنس واحد، فإذا اجتمعا لم يرث بهما كالأخ يكون مولى، ولأنهما سببان يورث بكل واحد منهما فرضاً مقدّرا، فإذا اجتمعا لم يورث بهما، كالأخت للأب
وللأم، لأن كونها أختاً لأب يوجب النصف، وللأم يوجب السدس ثم إذا اجتمعا ورثت بالأقوى.
[2104] مسألة: فرض الابنتين الثلثان، خلافاً لما يحكى عن ابن عباس إن صحّ من أن لهما النصف؛ لقوله تعالى: "فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك"، فبين حكم الواحدة وحكم ما زاد على الاثنتين فكان مفهومه فإن كن نساء فوق اثنتين فما فوقهما، ولأن لابنة الابن مع ابنة الصلب السدس تكملة الثلثين، وفائدة ذلك أنّها تقوم معها مقام ابنة أخرى في استغراق الثلثين، ولأن كل إناث كان فرض الثلاث منهن الثلثين فكذلك فرض الاثنتين، أصله الأخوات.
[2105] مسألة: يحجب الأم من الثلث إلى السدس من الإخوة أو الأخوات اثنان، وقال ابن عباس: لا يحجبها أقل من ثلاث؛ فدليلنا أنه فرض يتغير بعدد من الإخوة أو الأخوات، فوجب أن يتغير بالاثنين فما زاد، أصله شركة الأم في الثلث إذا ترك امرأة وأبوين، أو تركت زوجاً وأبوين، فللأم بعد أخذ الزوج أو الزوجة ثلث ما بقي، خلافاً لقول ابن عباس، وإحدى الروايتين عن علي من أن لها الثلث كاملاً، لأنا لو أكملنا لها
الثلث لكنا قد فضلناها على الأب، وذلك غير جائز، أصله حال الإفراد، ولأن اجتماعهما في الولادة المباشرة يمنع تفضيلها عليه، أصله مع الإخوة، ولأنهما أبوان دخل بينهما ذو سهم، فوجب أن يكون ثلث ما بقي بعد السهم، أصله إذا كان مع الأبوين بنت.
[2106] مسألة: إذا كان مع بنت الصلب ذكور وإناث من ولد الابن أخذوا ما بقي بالتعصيب على الإطلاق، ولم يعتبر الإناث بالسدس، خلافاً لابن مسعود في قوله: إنه يعطى للإناث ما هو الأفضل لهن من السدس أو المقاسمة، لأن كل ذكور عصبوا إناثهم في موضع، عصبوهن في كل موضع، أصله البنون والبنات، والإخوة والأخوات، ولأنها مقاسمة بين بني الابن وبنات الابن بعد أخذ ذي الفرض فرضه، فوجب أن يكون على الإطلاق ومن غير اعتبار لضرر، أصله إذا كان ذو الفرض غير البنت ولأنه لا وجه لاعتبار الإضرار بهن، بل لا فصل بين معتبر ذلك ومعتبر ألا يقع لهن.
[2107] مسألة: إذا استكمل بنات الصلب الثلثين فلا شيء لبنات الابن، إلا أن يكون معهن ذكر فيعصبهن، خلافاً لابن مسعود في قوله: يكون الباقي للذكر وحده؛ لأنه اجتمع بنو ابن وبنات ابن متساوين في الدرجة، فوجب إذا ورث الذكور أن يرث الإناث، أصله حال الانفراد، ولأن كل جنس عصب ذكورهم إناثهم في حوز المال، فكذلك في بقيته،
أصله ولد الصلب، ولأن كل حال ورث ابن الابن فيها بالتعصيب، شركه من في درجته من الإناث، أصله إذا كان مع زوج أو أم.
[2108] مسألة: وإن كان مع بنات الابن ذكر أنزل من درجهتهن عصبهن، خلافاً لابن مسعود؛ لأن أصول المواريث موضوعة على أنه لا يجوز أن يرث الميت من أولاده الأبعد ويسقط الأقرب، ولأنهما بطنان من الولادة فلم يرث الأسفل وورث الأعلى، أصله ولد الابن مع بنات الصلب.
[2109] مسألة: الأخوات مع البنات عصبة يأخذن ما بقي، خلافاً لابن عباس في منعه ميراثهن وميراث الأخوة جملة مع البنات؛ لقوله تعالى: "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون" فعم، ولحديث أبي موسى وسليمان بن ربيعة لما سألهما السائل عن بنت، وبنت ابن، وأخت، فقالا: للبنت النصف ولابنة الابن السدس، وما بقي للأخت، وإيت ابن مسعود فاسأله، فأتاه فأخبره، فقال: سأقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، للبنت النصف.
ولأن الأخت مع ابن العم إذا اجتمعا لم يجز أن يخلص الإرث لابن العم وتسقط الأخت، أصله إذا انفرد.
[2110] مسألة: لا يحجب عبد ولا كافر، خلافاً لابن مسعود في حجبه بهما، ولأن كل من لا مدخل له في الإرث بحال فلا مدخل له في الحجب، أصله ذو الأرحام، ولا يدخل عليه الأخوة للأم مع الأبوين لأن لهم مدخلاً في الإرث، ولأنه أحد نوعي الحجب كالإسقاط.
[2111] مسألة: إذا ترك ابني عم أحدهما أخ لأم، فللأخ السدس، والباقي بينهما، خلافاً لابن مسعود في قوله: إن الكل للأخ؛ لأن اختصاص العصبة بسبب يستحق به فرضاً لا يستحق به حجب من يساويه في الدرجة، اعتبارًا لو كان أحدهما زوجاً.
[2112] مسألة: الأخوة والأخوات للأب والأم، أو للأب يرثون مع الجد، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الأخ ذكر يعصب أخته فلم يسقطه الجد كالبنت، ولأن تعصيب الأخ أقوى من تعصيب الجد، لأنه تعصيب بنوة، وتعصيب الجد تعصيب أبوة، ولأنه يعصب أخته بخلاف الجد، فامتنع مع قوة تعصيبه عليه أن يسقط به، ولأن الأخت أنثى فرضها النصف، إذا انفردت لم يسقطها الجد كالابنة، ولأن الأخ والجد يدليان بشخص وهو الأب، فلم يحجب أحدهما الآخر كابني الابن والأخوين.
[2113] مسألة: إذا كان أخوة فقط مع جد بغير أخوات، فإنه يقاسمهم ما لم تنقصه المقاسمة عن الثلث، والظاهر عن علي رضوان الله عليه أنه ما لم تنقصه عن السدس، وروي عنه رواية أخرى شاذة أنه
يقاسمهم إلى نصف السدس؛ فدليلنا أن كل حجب انحصر بعدد استوى فيه الاثنان والثلاثة، أصله حجب الأم من الثلث إلى السدس، ولأن كل فرض تغير بعدد؛ وجب أن يستوي فيه الاثنان فما فوقهما، أصله فرض الأخت للأب، وبنت الابن، ولأن الجدة قائمة مقام الأم كقيام الجد مقام الأب، ثم قد ثبت أن الجدة لا تنقص عن نصف نصيب الأب إذا انفرد وهو الثلثان.
[2114] مسألة: الجد يقاسم الأخوات وإن انفردن عن الإخوة، خلافاً لما ذهب إليه علي، وابن مسعود رضي الله عنهما من منع ذلك؛ لأن كل شخص قاسم ذكرًا من أهل المواريث في الأخذ بالتعصيب، وجب أن يقاسم الأنثى التي في درجته، أصله الأخ للأب والأم والابن.
[2115] مسألة: وفي بنت وأخت وجد، يكون للبنت النصف، وما بقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين، ويراعى فيه ما يراعى للجد مع ذوي السهام من السدس أو المقاسمة أو ثلث ما بقي، فيكون له الأحط من ذلك، وذكر عن علي رضوان الله عليه أن للبنت النصف، وللجد السدس، وما بقي للأخت؛ ودليلنا أنه قد ثبت قوة الأخ على الأخت، ثم للجد أن يقاسم الأخ لو كان في هذا الموضع، فكان بأن يقاسم الأخت أولى، ولأن كون الأخت عصبة لا يوجب إعطاء الجد السدس به لأن الجد أيضاً عصبة، وكل عصبة قاسم ذكرًا من أهل الميراث فإنه يقاسم كل أنثى في درجته، كالأخت والأخوات.
[2116] مسألة: إذا كان مع الأخوة والأخوات للأب والأم، إخوة أو
أخوات لأب، فإنهم يعادون الجد بهم في المقاسمة ثم يرجع ولد الأب والأم على ولد الأب فيأخذرن تمام حقوقهم فإن فضل شيء كان لهم، وإن لم يفضل شيء فلا شيء لهم، وذكر عن علي، وابن مسعود رضي الله عنهما منع المعادة؛ فدليلنا أن الجد له ولاية فإذا جاز حجبه بأخوين وارثين جاز حجبه بأخوين أحدهما وارث والآخر غير وارث، أصله الأم، ولأن كل أخ حجب شخصاً فيه ولادة إذا كان وارثاً، فإنه يحجبه وإن لم يكن وارثاً، أصله الإخوة مع الأبوين، يحجبون الأم وإن لم يرثوا، كما يحجبونها إذا ورثوا، ولأنه إذا جاز أن يحجب أخوان لا يرثان شخصاً فيه ولادة فلان يحجب شخصان أحدهما وارث والآخر غير وارث أولى.
[2117] مسألة: التشريك بين ولد الاب والأم، وولد الأم، في زوج، وأم، وأخت.
لأب وأم، وأخت لأم ثابت، خلافاً لمن منعه؛ لقول الله تعالى: "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون"، ولأن المعنى الذي استحق به ولد الأم الثلث هو ولادة الأم، وهذا يساويهم فيه ولد الأب والأم فوجب أن يشاركهم فيما يستحقونه، ولأن الأخ للأب والأم له تعصيب بالأب ورحم بالأم، كل واحد من هذين السببين يوجب الوراثة إذا انفرد، ووجدنا من حصل له هذان السببان إذا سقط تعصيبه في موضع؛ صار حكمه حكم المنفرد برحمه في استحقاق الإرث به، ألا ترى أن ابني العم إذا كان أحدهما أخًا من أم فإن تعصيب ابن العم يسقط، ويصير الأخ للأم كالمنفرد برحمه واستحق المشاركة به، ولأن ولد الأب والأم قد ساووا ولد الأم في قرابة الأم، وزادوا عليهم بقرابة الأب، فكانوا بذلك أقوى، وكان النظر يقتضي إسقاطهم بهم لولا الإجماع، وهذا فائدة قول
عمر رضي الله عنه: لم يزدهم الأب إلا قربى، فإذا كان كذلك امتنع أن يسقطوا بهم، ولأن الأخ للاب والأم جمع تعصيباً ورحماً، والأخ للأم ينفرد بالرحم، فكان الأخ للأب والأم مع الأخ للأم كالأب مع الأم، وقد ثبت أن الأب إذا اجتمع مع الأم ولا مانع من تعصيبه فإنه يرث بالتعصيب وإن كان هناك مانع من تعصيبه ورث بالرحم، فكذلك سبيل الأخ للأب والأم مع الأخ للأم.
[2118] مسألة: لا ترث جدة مع ابنها، خلافاً لابن مسعود وغيره، لأنها ترث بالأب، فلا ترث مع بقائه، لأن الأصول موضوعة على أن كل من أدلى إلى غيره بعصبة أو بولد لم يرث مع بقاء من يدلي به.
[2119] مسألة: الجدة أم [أب] الأب غير وارثة، خلافاً لأكثرهم؛ لأنها أم جد، كأم جدات الأم، ولأن جنبة الأم في الميراث أقوى من جنبة الأب، فإذا لم يرث من جهة الأم أكثر من جدتين فجنبة الأب أولى.
[2120] مسألة: وإذا اجتمع جدتان قربى من جهة الأب وبعدى من جهة الأم ورثتا، خلافاً لمن قال: إن القربى تسقطها؛ لأن أم الأب تدلي بالأب، والأب لو اجتمع مع أم الأم لم يحجبها، فبأن لا يحجبها من يدلي با لأب أولى.
[2121] مسألة: إذا استغرق أهل الفرائض حقوقهم كان ما فضل لبيت المال، ولا يرد على ذوي السهام، خلافاً لما روي عن علي، وابن مسعود رضي الله عنهما؛ لقوله تعالى: "وإن كانت واحدة فلها النصف"، ولأن من ورث مقداراً من فريضة لم يستحق زيادة عليه إلا بتعصيب كالزوج والزوجة، ولأن النسب أحد أسباب التوريث فلم يستحق به الرد كالنكاح.
[2122] مسألة: ولد الملاعنة العربية يكون ما فضل عن حق أمه للمسلمين، وقال ابن مسعود: هي عصبة يكون الفاضل لها، فإن عدمت فلعصبتها؛ فدليلنا أن الأم لها رحم محض، فلا تكون عصبة بالنسب على وجه، كالإخوة للأم، ولأن عصبتها أخوال فلا تعصب فيهم كغير الملاعنة.
كمل الكتاب والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أفضل التسليم.