كتاب الوكالة
[1030] مسألة: تجوز وكالة الحاضر، والغائب، والرجل، والمرأة، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لاتصح إلا أن يكون مريضا أو امرأة غير متبرزة؛ فدليلنا عليه أن عليا وكل عقيلا في خلافة أبي بكر، وقيل عمر، رضي الله عنهما، وقال: هذا عقيل ما قضي عليه فعلي وما قضي له فلي، فلم يختلف عليه أحد، ولا أنكره، ولأن كل توكيل صح مع الغيبة صح مع الحضور، كتوكيل المريض والمرأة، ولأن كل وكالة صحت برضا الموكل عليه صحت مع عدم رضاه، كوكالة الغائب والمرأة التي ليست مبرزة، ولأنه توكيل فيما يصح التوكيل فيه، فجاز مع الغيبة والحضور كالتوكيل في الشراء والبيع.
[1031] مسألة: يصح التوكيل من غير حضور الخصم ويسمع الحاكم البينة عليهما، وقال أبو حنيفة لا يجوز إلا أن تتعلق الخصومة بحاضر، بأن يدعي على جماعة فيحضر واحد ويغيب الباقون؛ فدليلنا على أن التوكيل في الخصومة يصح في مجلس الحكم وإن لم يحضر الخصم، أنه توكيل على
استيفاء حق يصح التوكيل فيه، فلم يكن من شرطه حضور من يستوفي منه الحق، أصله إذا حضر واحد وغاب الباقون.
ولأنه استنابة فيما يصح النيابة فيه، فلم يفتقر إلى حضور الغير فيه كالوكيل في البيع والشراء، ودليلنا أن تثبيت الوكالة يصح من غير حضور الخصم، أن كل من لم يكن رضاه شرطا في تثبيت الوكالة لم يكن حضوره شرطا، أصله غير الخصم، ولأن تثبيت الوكالة لا يتعلق به حق الخصم ولا عليه، فلم يفتقر إلى الحضور فيه لأنه لا تعلق له به.
[1032] مسألة: يجوز للوكيل أن يعزل نفسه عن الوكالة من غير حضور موكله، خلافا لأبي حنيفة؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا شخص فلم يفتقر إلى حضوره، أصله الطلاق، وإن شئت عللت الشخص، فقلت إن كل من لم يكن رضاه شرطا في رفع عقد لم يكن حضوره شرطا فيه، أصله الزوجة في الطلاق، ولأنه عقد جائز فكان لأحدهما فسخه من غير حضور صاحبه كالقراض، ولأنه أحد متعاقدي الوكالة فلم يقف فسخها من جهته على حضور الآخر كالموكل.
[1033] مسألة: لا يقبل إقرار الوكيل على موكله لا عند حاكم ولا غيره، وقال أبو حنيفة يقبل إقراره عليه في مجلس الحكم، ولا يقبل في غيره، وقال أبو يوسف ومحمد يقبل في مجلس الحكم وغيره؛ فدليلنا أن التوكيل في الخصومة إذا أطلق تضمن المنع من الإقرار، لأن ذلك ينافي المقصود من التوكيل، لأنه إذا قال له وكلتك على أن تخاصم عني فقد تضمن ذلك طلب الحق وتحصيله، وإثبات البينة به واستخراجه من يد الخصم، والإقرار نقيضه يسقط ذلك كله فكان مقتضى الوكالة مانعا من ذلك، ولأنه إسقاط حق لسبب لا يملك الوكيل إسقاطه به في غير مجلس الحكم، فلم يملك إسقاطه به في مجلس الحكم أصله الإبراء، ولأنه وكيل أقر على موكله بالقبض فلم يقبل، أصله إذا نهاه عنه، ولأنه إقرار من
وكيل على من وكله بقبض ما وكله فيه، فلم يقبل كما لو أقر في مجلس الحكم.
[1034] مسألة: يجوز التوكيل في استيفاء القصاص مع غيبة الموكل، خلافا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي؛ لأن كل ما صحت النيابة فيه لغير المكل صحت مع غيبته، كالبيع واستيفاء الأموال وحقوقها،
[1035] مسألة: يجوز للأب والوصي أن يستوفيا مال الصغير وأن يبيعا عليه من أنفسهما ما لم يحابيا، وكذلك الوكيل يشتري ما وكل في بيعه، وأجازه أبو حنيفة في الأب والجد والوصي ومنعه في الوكيل، ومنعه الشافعي في الجميع إلا الأب والجد؛ فدليلنا في الوصي والوكيل وأمين الحاكم، أن تصرف الوصي بولاية فأشبه الأب والجد، ولأنه لما أقامه الأب مقام نفسه ملك أن يبيع من نفسه كالأب، ولأنه متى باع من نفسه بزيادة عل ى ما يباع به عم أنه أراد نفع اليتيم فنفذ تصرفه فيه، كما لو باعه من أجنبي، ولأنه يجوز له بيعه من الأجنبي بما لا زيادة فيه متيقنة، فبيعه من نفسه بالزيادة المتيقنة أولى، ولأن الغرض من البيت حصول الثمن لأعيان المشترين، بدليل أن الوكيل إذا ابتاع لموكله ولم يسمه جاز فإذا ثبت ذلك فمتى حصل الثمن مستوفى فيجب أن يصح الشراء كما لو حصل من أجنبي.
[1036] مسألة: إذا وكله في بيع سلعة وكالة مطلقة، لم يجز أن يبيع إلا بثمن مثله نقدا لا نساء، بنقد البلد، وقال أبو حنيفة يجوز له أن يبيع إلى أجل وبغير نقد البلد وبنقصان من ثمن المثل، ووافق في التوكيل في شراء عبد أنه لا يجوز له أن يشتري بأكثر من ثمنه بما لا يتغابن بمثله، ولا إلى أجل، فدليلنا على أنه لا يجوز فيه الغبن المتفاوت به أنه توكيل في معاوضة فوجب أن يقتضي ثمن المثل أو ما يقاربه، أصله التوكيل في الشراء، ولأن كل جهة إذا ملك بها الشراء لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن
المثل، فإذا ملك بها البيع لم يجز أن يبيع بأقل من ثمن المثل كالوصية، ولأن المحاباة في معنى الهبة، بدليل اعتبارها أنها إذا وقعت في المرض من الثلث، وقد ثبت أن الوكيل لا يملك الهبة فلم يملك المحاباة؛ ودليلنا على أنه لا يجوز إلى أجل أن البيع المطلق في الشريعة يقتضي التقدير بدليل أن من قال لرجل بعتك هذا الثوب بدينار فقال: قبلت، اقتضى النقد بحق الإطلاق، فإذا كان الوكيل إنما أذن له في بيع مطلق فكأنه إنما أذن له على وجه المعقول منه، وهو النقد، فلم يجز بيعه على غيره؛ ودليلنا على أن الإطلاق يقتضي نقد البلد أن الموكل لو باعه بنفسه بيعا مطلقا لاقتضى نقد البلد، فكذلك إذا أذن الموكل فيه.
[1037] مسألة: ومن له في ذمة رجل دين، أو غيره عين من الأعيان في غير ذمته، فجاءه من ادعى أنه وكيل صاحب الحق في تسليم ذلك الحق منه، ولا بينه له فصدقه الذي عليه الحق، فلا يجبر على تسليمه، وفصل أبو حنيفة بين العين وما في الذمة، فقال يجبر على أن يعطيه ما في ذمته ولا يجبر على تسليم ما في الأعيان، وقال أبو يوسف يجبر في الوصفين؛ فدليلنا أن كل من لم يبرأ بالدفع إليه، لم يجبر على تسليم الحق إليه كالأجنبي، ولأنه أقر على غيره بالتوكيل فلم يلزمه بحكم ذلك الإقرار تسليم ما في يديه إلى الوكيل كالأعيان.
[1038] مسألة: توكيل المراهق لا أعرف نصا فيه، وعندي أنه لا يصح، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن كل من لم يصح أن يوكل، لم يصح أن يتوكل كالمجنون، ولأنه غير مكلف كالصغير والمجنون.
[1039] مسألة: اختلف أصحابنا في الوكيل يعزله الموكل فيتصرف بعد عزله وقبل علمه بالعزل، فمنهم من يقول يبطل تصرفه بعزله، علم أو لم يعلم، ومنهم من يقول لا يبطل إذا لم يعلم، وهو قول أهل العراق،
واختلف في ذلك قول الشافعي؛ فدليلنا على أنه لا ينفذ أنه عقد لا يفتقر إلى رضا شخص، فلم يفتقر إلى علمه بفسخه كالطلاق، ولأنه سبب تنفسخ به الوكالة فلم يختلف فيه حكم العلم والجهل، أصله إذا وكله ببيع عبد فباعه الموكل قبل بيع الوكيل، ولأن بقاء الوكالة ليس فيه حق للوكيل، لأن للموكل عزله شاء أو أبى، فكان كالنكاح ليس في إبقائه حق للزوجة، لأن الزوج رفعه بالطلاق الثلاث شاءت أو أبت، فلم يختلف في رفعه حكم العلم والجهل.
[1040] مسألة: إذا وكله أن يبيع له سلعة بيعا فاسد كالربا، والغرر، والخمر، والخنزير، لم يصح ولم يملك الوكيل بذلك أن يبيعها بيعا صحيحا، كذلك يجيئ على المذهب، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز ذلك؛ فدليلنا أنه توكيل لا يتضمن بيعا شرعيا، فوجب أن لا يملك به الوكيل البيع، أصله إذا وكله في إجارة شيء فباعه فإنه لا يملك بيعه، ولأن كل من لم يملك التصرف على الوجه الذي أذن له فيه لم يملكه على غيره، أصله إذا وكله في أن يزوجه ذات محرم، ولأن الوكيل نائب عن الموكل فيما كان له أن يفعله، وقد ثبت أن الموكل لم يكن له بيع سلعته بما وكله فيه، فكان الوكيل لا يجوز له ذلك أولى.
[1041] مسألة: إذا وكله في ابتياع شيء فابتاعه له على الصفة التي وكله عليها، فذكر أنه ابتاعه لموكله، فإن الملك ينتقل إلى الموكل دون الوكيل، وقال أبو حنيفة ينتقل أولا إلى الوكيل ثم إلى الموكل؛ فدليلنا هو أنه توكيل في معاوضة فإذا صح العقد الموكل لم ينتقل إلى ملك الوكيل كالتوكيل في النكاح، ولأنه مبتاع لغيره، فإذا لوم الابتياع الغير لم ينتقل إلأيه كالحاكم إذا ابتاع لليتيم.
بسم الله الرحمن الرحيم