الاستطاعة
[706] مسألة: والاستطاعة معتبرة بحال المستطيع، فمن قدر على المشي ببدنه لزمه الحج، ولم يقف وجوبه عليه على راحلة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله عز وجل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، فعم، ولأنّه قادر على الحج من غير خروج عن عادته، ولا بد له كالواجد للرّاحلة، واعتباراً بأهل الحرم، بعلّة تمكنه من الوصول إلى البيت وفعل المناسك من غير مشقّة فادحة.
[707] مسألة: المعضوب الذي لا يمْتسك على الراحلة لا يلزمه أن يحجّ غيره من ماله، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله عزّ وجل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، معناه أن يحجّوا البيت، فأخبر عن صفة التكليف، وهي أن يفعل الحجّ بنفسه فانتفى بذلك وجوبه على خلاف هذه الصفة، ولأنّ كلّ عبادة تعلّق فرضها بالبدن مع القدرة، لا تنتقل إلى غيره مع العجز كالصلاة والصوم.
الحج عن الميت
[708] مسألة: إذا مات قبل أن يحجّ لم يلزم الحجّ عنه من رأس ماله ولا من ثلثه إلاّ أن يوصي بذلك فيكون ذلك في ثلثه، وقال الشافعي يلزم الحجّ عنه من رأس ماله، أوصى أو لم يوص، ودليلنا قوله عزّ وجلّ: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، معناه أن يحجّوا وذلك يمتنع مع الموت، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً) ولو لزم أن يحجّ عنه من ماله لم يغلّظ هذا التغليظ، ولأنّها عبادة على البدن فلم يلزم أداؤها عنه في المال كالصلاة، ولأنّها عبادة تدخلها الكفارتان فلم تلزم بعد الموت كالصلاة.
حج المرأة التي لا محرم لها
[709] مسألة: إذا وجدت المرأة صحبة مأمونة ولا محرم لها لزمها الحجّ، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن المَحْرَم من الاستطاعة، لأنه سفر مفروض كالهجرة، ولأن وجود من تأمنه يقوم مقام المَحْرم.
الحج عن النفس قبل الحج عن الغير
[710] مسألة: يكره لمن لم يحجّ عن نفسه أن يحجّ عن غيره، فإن فعل انعقد إحرامه وصحّ ولم ينقلب عنه، خلافاً للشافعي في قوله لا يصحّ وأنّه ينقلب عنه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإنّما لامرئ ما نوى) وقوله: (أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان ينفعه؟) قالت: نعم، قال: (فدين الله أحق) ولم يشترط أن تكون حجّت عن نفسها، ولأنّ كلّ من صحّ منه أن يحج عن نفسه صحّ منه في تلك الحال أن يحجّ عن غيره، أصله من أسقط الفرض عن نفسه، ولأنّ كل ما جاز أن يفعله عن غيره إذا لم يكن عليه فرض مثله، جاز أن يفعله عنه إن كان عليه فرض مثله، أصله قضاء الدين ولأنّه أحرم بالحجّ عن شخص لا ينقلب عن غيره، أصله إذا أحرم عن نفسه أنّها لا تنقلب عن غيره، لأنّ بقاء فرض عليه لا يمنعه أن يفعل ما ليس بفرض من جنسه، أصله الصوم والصلاة.
النيابة والإجارة على الحج
[711] مسألة: تصحّ النّيابة والإجارة على الحجّ، خلافاً لأبي حنيفة، لأنّها عبادة تتعلّق بالمال تصحّ النيابة فيها، فصحّ أخذ الأجرة عليها كأداء الصدقة وتفريقها، ولَسْنَا نعني بصحّة النّيابة أنّ الفرض يسقط عنه بحجّ الغير وإنّما نريد التطوّع، ولأنّ النيابة لمّا صحّت فيها بغير أجرة جازت بالأجرة كالكفارة والديون.
الحج على الفور
[712] مسألة: الحجّ على الفور، لا يجوز تأخيره للقادر عليه، المتمكن من فعله إلاّ من عذر، وقال الشافعي، على التراخي إن شاء أداه وبرئت ذمته، وإن شاء تركه ما عاش، فشرط العزم على أدائه في المستقبل من غير وقت يتعيّن عليه يأثم بتأخيره عنه، فإذا مات قبل أن يحجّ فالظّاهر من مذاهب القائلين بالتراخي أن لا إثم عليه.
فالكلام في هذه المسالة في
موضعين، أحدهما في حكم الأوامر المطلقة هل هي على الفور أو التراخي، والآخر الكلام عن عين المسألة.
فدليلنا على أنّ الأمر على الفور أنّ الأمر يقتضي إيقاع الفعل، ولا بد للفعل من زمان يقع فيه، وليس في اللّفظ ذكر لزمان معيّن، ووجدنا الأفعال تختلف أحكامها باختلاف أوقاتها، فيكون الفعل في وقت طاعة، وفي غيره معصية، وفي وقت قربة، وفي آخر مأثماً، لم يثبت له وقت إلاّ بدليل، واتفق على أنّ الوقت الأوْل بعد الأمر وقت له فسلّمناه للدليل، ولم يثبت ما عداه وقتاً إلا بدليل، ولأنّ العزيز إذا أمر عبده بشيء فلم يفعل حسن منه لومه وذمّه، والاعتذار إلى من يلومه بأنّه أمر فلم يفعل، ولا يحسن الردّ عليه بأن يقال له سيفعل في ثاني حال، فدلّ ذلك على أنّ الإطلاق يفيد التقديم ويمنع التأخير، ولا يمكن منع ذلك بأن يقال إنّه لا يحسن إلا فيما قارنته قرينة تفيد التعجيل، لأن ذلك يمنع التعلق بظاهر صيغته منه وموضوع بنية الأمر أو عموم أن وجوب أو أيّ شيء كان، وما أدّى إلى ذلك فباطل.
ولأنّ الأمر لمّا اقتضى الإيقاع وكان الترك منافياً له، وجب فعله عقيب الأمر، ولأنّ تأخيره لو كان جائزاً لم يخل أن يكون إلى غاية، أوْ لا إلى غاية، وفي إثبات الغاية توقيت، وذلك خلاف مسألتنا، لأنّ كلامنا في العمل المطلق دون المؤقت، وفي نفي الغاية إحالة، لأنّ المكلّف إذا مات قبل الفعل فلا يخلو أن يكون مات آثماً أو غير آثم، وفي تأثيمه وجوب الجمع بين جواز الترك، والمعصية به، وأن يحظر الله على المكلف ترك الفعل في
وقت لا يبنّينه له، وذلك غير صحيح، وفي نفسي التأثيم إخراج الفعل عن الوجوب إلى الندب، لأنّ النفل هو الذي يكون للمكلّف تركه إلى غير إثبات غاية ولا يأثم إذا مات ولم يفعله، ولا يعصمهم من هذا إثبات العزم على إيقاعه في المستقبل؛ لأنّ في ذلك إيجاب ما لم يوجبه الأمر وإسقاط ما أوجبه من الفعل، فثبت بهذه الجملة ما قلناه.
[713] فصل: وإذا ثبت ما قدّمناه أنّ الأوامر المطلقة تقتضي الفور فكذلك الإيجاب المطلق وقد قال الله عز وجل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، فيجب أن يكون ذلك على الفور، ويدلّ عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (حجّوا قبل أن لا تحجّوا)، وهذا تأكيد يدلّ على وجوب الفور واعتباره، وقوله: (من لم يمنعه من الحجّ حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً) وهذا مقرون من الوعيد المتأكد بأبلغ ما يكون، وقوله: (من أراد الحجّ فليتعجّل)، وهذا تصريح في الفور، ولأنّ إيجاب الحجّ معلّق بشرط، والأصل فيما علّق بالشروط لزومه عقيب الشرط بلا فصل، كقوله: من دخل الدار فأعطه درهماً، ولأنّها عبادة متعلّقة بالبدن فلم يعتبر في تقديمها خشية العجز أصله الصلاة، ولأنّها عبادة لها تحريم وتحليل فلم يعتبر فعلها بحال خوف فواتها كالصلاة.
أشهر الحج
[714] مسألة: أشهر الحجّ ثلاثة، شوال وذو القعدة وذو الحجّة،
وقال أبو حنيفة عشرة أيام من ذي الحجّة، وقال الشافعي تسعة أيام، فالخلاف بينهما ومعهما في يوم النحر، فدليلنا قوله عز وجل: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، وأقلّها ثلاثة كاملة، ولأنّ كلّ شهر كان أوّله من شهور الحجّ فكذلك آخره، أصله شوّال، وفائدة ذلك تعلّق الدم بتأخير طواف الإفاضة بخروجه.
الإحرام بالحج قبل أشهره
[715] مسألة: يكره أن يحرم بالحج قبل أشهره، فإن فعل لزمه، خلافاً للشافعي في قوله: إنه ينعقد عمرة.
لقوله عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.
قالت الصحابة: (إتمامها أن تحرم بها من دويرة أهلك) ولم يفرقوا وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من أراد الحج فليتعجل).
ولأن كل زمان جاز الإحرام فيه بالعمرة جاز الإحرام فيه بالحج، أصله أشهر الحج، ولأنه أحد الميقاتين فجاز الإحرام قبله، أصله ميقات المكان، ولأن الدخول سبب لإيجابه فلم يختص بوقت كالنذر ويدل على أنه لا ينقلب عمرة قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإنما لامرئ ما نوى)، وهذا نوى الحج ولم ينو العمرة، ولأن الدخول سبب الإيجاب كالنذر، وقد ثبت أن من نذر حجة لا تلزمه عمرة، كذلك إذا دخل فيها، ولأنها عبادة تشتمل على طواف وسعي لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾، ولأن الصحابة تمتعوا وقرنوا وأفردوا، واختلف في حج النبي - صلى الله عليه وسلم -
وإن كان الظاهر أنه أفرد.
قران المكي
[716] مسألة: ويصح من المكي القران، ولا دم عليه، خلافاً لعبد الملك؛ لأنه لا يلزمه في الأصل سفران فسقط أحدهما، وهذا هو الأصل في وجوب الدم، فوجه قول عبدالملك أنه قد أسقط أحد العملين فلزم الدم لذلك.
التمتع
[717] مسألة: ليس من شرط التمتع أن يبتدئ
العمرة
في أشهر الحج، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأن الغرض ليس هو استيفاء جميع عملها، وإنما هو عمل غير الحج في أشهر الحج، سواء كان جميع العبادة أو بعضها، ولأن فعل العمرة في أشهر الحج حاصل منه، كما لو ابتدأ الإحرام بها في أشهر الحج.
[718] مسألة: لا يجوز صوم التمتع قبل الفراغ من العمرة خلافاً لأبي حنيفة، لقوله عز وجل: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾.
ومن لم يحرم بالحج فليس بمتمتع، ولا يلزمه الهدي، فأحرى أن لا يجوز له الصوم الذي هو بدل عنه، ولأن قوله: (في الحج) يقتضي أن يكون بعد التلبس به، وما لم يحرم به فليس بمتلبس، ولا هو في الحج، ولأنه صوم علق وجوبه بشرط، فلم يجز تقديمه على شرطه، أصله الكفارة، ولأنه صوم عن التمتع فلم يجز قبل التلبس بالحج أصله السبعة، ولأنه صوم جعل بدلاً عن إخراج
جبران كالصوم في الظهار والقتل، ولأنه جبران للتمتع فلم يجز قبل الإحرام بالحج كالهدي.
[719] مسألة: لا يجوز نحر الهدي بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج، خلافاً للشافعي.
لأنه لما لم يحرم بالحج فليس بمتمتع، ولا يجوز قبل دخول الصفة الموجبة له، أصله قبل أن يحرم بالعمرة.
[720] مسألة: ولا يجوز نحر هديه بعد الإحرام بالحج وقبل يوم النحر، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾.
وقد ثبت أن الحلاق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لا يبلغ محله إلا يوم النحر والظاهر أن لا لاستغراق الجنس، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، ولو كان النحر جائزاً قبل يوم النحر لم يتأسف - صلى الله عليه وسلم -. ولأنه وقت لا يتحلل فيه فأشبه قبل الإحرام.
[721] مسألة: إذا شرع المتمتع في الصوم بعد عدم الهدي ثم وجده، مضى على صومه، ولم يلزمه إخراجه، وقال أبو حنيفة: إن وجده وهو في صوم الثلاثة لزمه إخراجه، وإن وجده وهو في صوم السبعة لم يلزمه، فدليلنا أنه صوم يجزيه عند تعذر الهدي، فإذا تلبس به، ثم وجد الهدي لم يلزمه العود إليه كصوم السبعة، ولأنه بدل تلبس به عند عدم المبدل، مقصود في نفسه، فلم يلزمه الخروج منه بوجود المبدل، أصله بعد الشروع في السبعة، ولأنه تلبس بصوم المتعة بعد عدم أصله، فلم يلزمه الرجوع إلى الأصل عند وجود
أصله إذا وجده بعد الثلاثة والتحلل.
[722] مسألة: إذا فاته صوم الثلاثة إلى يوم النحر صام أيام منى.
وإن فاتته أيام منى، وقد ذكرناه صام بعدها قضاء، وقال أبو حنيفة: لا يصومها ويستقر الهدي في ذمته وقد فات عنده الصوم بدخول يوم النحر، فدليلنا أنه صوم لزمه عند عدم الهدي فجاز فعله بعد يوم النحر كالسبعة، ولأنه جبران للتمتع فلم يسقط بفوات وقته كالهدي ولأنه صوم واجب فجاز أن يفعل أداء وقضاء كصوم رمضان.
[723] مسألة: العشرة أيام التي تلزم المتمتع كلها بدل من الهدي، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن الثلاثة بدل والسبعة ليست ببدل؛ لأنه صوم لزم عند عدم الهدي فكان بدلاً منه كالثلاثة.
[724] مسألة: يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله، فإن صامها في الطريق أجزأه خلافاً للشافعي في أحد قوليه، لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، فوجب تعلقه بأول الرجوعين، لأن إضمار الرجوع إلى الحج أولى لأنه منطوق به، ولأنه قد فرغ من أفعال الحج كما لو رجع إلى أهله.
[725] مسألة: وحاضرو المسجد الحرام أهل مكة نفسها، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنهم من كان دون الميقات إلى مكة، وللشافعي في قوله: إنهم من كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، ولآخرين في قولهم إنهم أهل الحرم.
لقوله عز وجل: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، فحاضري الشيء من لا يحتاج إلى تكليف مسير إليه بقطع مسافة للحصول فيه، وذلك مقصور على أهل مكة فقط لأن كل موضع ليس بمكة، فأهله لا يوصفون بأنهم حاضرو المسجد الحرام كالمدينة والعراق.
[726] مسألة: المتمتع إذا فرغ من
العمرة
حل، سواء ساق الهدي أو لم يسقه، وقال أبو حنيفة لا يحل بل يحرم بالحج، ثم يحل منه ومن العمرة يوم النحر، فدليلنا أنه متمتع أكمل أفعال العمرة، فيجب أن يحل، أصله إذا لم يسق الهدي، ولأن كل زمان كان وقتاً للتحلل من النسك إذا لم يكن ساق الهدي كان وقتاً له إذا ساقه، أصله القارن من نسكه.
[727] مسألة: إذا رجع إلى بلده أو إلى مثله في البعد فليس بمتمتع إن حج من
عامه، خلافاً لما يحكى عن الحسن، ولأن ما قلنا مروي عن ابن عمر، ولا مخالف له.
ولأن المتمتع من تمتع بإسقاط أحد السفرين وجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد، وهذا لم يفعل ذلك بل أتى بالسفرين على ما كان عليه في الأصل.
[728] مسألة: الرجوع الذي يسقط عنه حكم المتمتع أن يكون إلى بلده أو بقدر مسافته في البعد، خلافاً للشافعي في قوله: إنه إن خرج إلى ميقاته فأحرم بالحج لم يكن متمتعاً.
لأن التمتّع هو الترفه بإسقاط أحد السفرين، فوجب أن يعتبر موضع السفر فإن وجد مترفهاً فيه بإسقاط أحدهما فقد وجد فيه معنى التمتّع.
وقد علم أن البغدادي إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج وحل منها، ثم جاء إلى ذات عرق أو الطائف وما قاربهما، ثم أحرم بالحج، فلم يزل عنه الترفه والتمتع؛ لأنه قد جمع بين الحج والعمرة في سفر واحد، فإنّ هذا القدر لا تأثير له في المشقة عند ما كان عليه في الأصل فكان متمتعاً.
[العمرة]
[729] مسألة: العمرة تشتمل على طواف وسعي، فإذا أحرم بها لم
يصح انعقادها على أجزاء كالحج.
[730] مسألة: الإحرام في العمرة جائز في السنة كلها، خلافاً لبعضهم، لأنها عبادة تتعلق بطواف وسعي كالحج لأنه أحد الميقاتين كالمكان.
[731] مسألة: لا تكره العمرة في وقت من السنة خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها تكره في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق؛ لأن كل وقت لم يكره إتمام العمرة فيه لم يكره إنشاؤها فيه، أصله ما عدا الأيام الخمسة، ولأن الإحرام بالعمرة عمل من أعمال العمرة فلم يختص به زمان دون زمان كالطواف والسعي.
[732] مسألة: يكره أن يعتمر في السنة مرتين؛ خلافاً لأبي حنيفة والشافعي.
لأنه - صلى الله عليه وسلم - اعتمر في ذي القعدة ثم أقام حتى دخل المحرم فاعتمر، ولأنها عبادة تشتمل على طواف وإحرام وسعي، فاقتصر حكمها في الشرع أن تفعل مرة في السنة كالحج.
[733] مسألة: العمرة سنة مؤكدة.
خلافاً للشافعي في قوله: إنها فريضة.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الحج فرض والعمرة تطوع).
وقوله لمن سأله عن الحج أواجب هو؟ قال: نعم، قيل فالعمرة؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك) ففيه أدلة: أحدها: أنه فرق بينها وبين الحج في الوجوب.
والثاني:
نصه على أنها غير واجبة.
الثالث: أنه قال له: ولأن تعتمر خير لك لئلا تترك فلا تفعل، ولم يقل هذا في الحج، لأن الوجوب يتضمن تحريم الترك، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة).
ومفهوم هذه الصيغة سقوط وجوبها بفعل الحج، وقوله: (من مشى إلى مكتوبة كمن مشى إلى حجه ومن مشى إلى نافلة فهي كعمرة تامة).
ولأنها نسك ليس له وقعت معين، فلم يكن بانفراده فرضا، أصله الطواف، ولأن كل نسك يكون تارة منفرداً بنفسه ويكون تارة فعله بعضاً لغيره لم يكن واجباً، كالطواف المنفرد، ولأنها عبادة لا تتعلق بمكان مخصوص، ولا تتعلق بزمان معين فلم تكن واجبة بأصل الشرع كالاعتكاف.
دم القران
[734] مسألة: على القارن دم، خلافاً لمن قال: لا دم عليه، لما روت عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدى عن أزواجه البقر وكن قارنات.
تفضيل الإفراد
[735] مسألة: الإفراد أفضل من التمتع والقران، خلافاً لأبي حنيفة،
وأحد قولي الشافعي؛ لأن الثابت من حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان مفرداً روته عائشة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر.
ولأن المفرد يأتي بالحج في أشهره على الكمال، ثم يأتي بالعمرة في غير أشهر الحج على الكمال، فكان أفضل من القران؛ لأن المفرد يقتصر على عمل نسك واحد فكان أفضل من التمتع والقران؛ لأن المتمتع والقارن يأتيان بالعمرة في أشهر الحج وذلك رخصة.
ولأن الدم الواجب بالقران والتمتع جبران للنقص، لأنه دم متعلق بالإحرام أو يختص وجوبه بالإحرام، فأشبه الجزاء ونسك الأذى.
ولأنه دم يجب بترك الميقات، فكان الواجب أنه للجبران كالدم بمجاوزة الميقات، وإذا ثبت أنه دم نقص وجبران فالإتيان بالعبادة على وجه ليس له نقص ولا جبران أفضل.
حكم التمتع
[736] مسألة: التمتع جائز، خلافاً لمن منعه، لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
الإحرام بعد مجاوزة الميقات
[737] مسألة: إذا جاز الميقات وهو يريد الإحرام فأحرم بعده وجب عليه الدم، ولا يسقط عنه برجوعه إلى الميقات، خلافاً للشافعي في قوله: إنه يسقط إذا رجع قبل تلبسه .... بالطواف، لأن الدم إنما لزمه بهتك حرمة الميقات وإحرامه بعده، وهذا لا ينتفع برجوعه؛ لأنه لا يقدر على أن يبتدئ الإحرام فلم يسقط الدم عنه، ولأنه معنى لا يزيل النقص الواقع في إحرامه، فلم يسقط الدم عنه، أصله سائر الأفعال، ولأنه أحرم بعد أن جاوز الميقات مريداً للإحرام، فلم يسقط الدم عنه بعوده إلى الميقات، أصله إذا تلبس بشيء من أفعال الحج؛ ولأنه قد ترك الإحرام إلى ما بعد الميقات مريداً له فأشبه إذا تمادى ولم يرجع، ولأن كل فعل من أفعال الحج لزم في موضع يؤثر الدم في تركه، فإن العود إليه بعد فواته لا يسقط الدم كالمبيت بالمزدلفة.
الإحرام قبل الميقات
[738] مسألة: المستحب أن يُحْرِم من الميقات، فإن أحرم قبله أجزأه.
وقال الشافعي في أحد قوليه: يستحب له أن يحرم من دويرة أهله.
فدليلنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج فأحرم من الميقات ولم يحج إلا واحدة، ولو كان الإحرام من منزله أفضل لبينه بفعله، ولأنه أحد نوعي المواقيت، فكره التقدم بالإحرام عليه، أصله ميقات الزمان.
الإحرام عند استواء الراحلة
[739] مسألة: يُحرِم إذا استوت به راحلته، خلافاً للشافعي في قوله:
إذا انبعثت به راحلته وأشرف على البيداء.
لأن في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - (أهل حين استوت به راحلته) ولأن الاستواء على الراحلة قد حصل منه فأشبه إذا انبعثت به.
انعقاد الإحرام بمجرد النية
[740] مسألة: يدخل في الإحرام بمجرد النية، وقال أبو حنيفة: إن ساق الهدي دخل فيه بالنية وسوق الهدي، وإن لم يسق فلابد من التلبية مع النية، فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات)، ولأن كل عبادة لم يكن في آخرها نطق واجب لم يفتقر الدخول فيها إلى نطق، كالصوم، عكسه الصلاة.
استحباب تأخير الإحرام حتى تستوي به الراحلة
[741] مسألة: يستحب تأخير الإحرام بعد الركوع حتى تستوي به الراحلة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يحرم عقيب الركوع لما رويناه ولأن العبادة يجب أن يكون الدخول فيها عند الشروع في فعلها لا قبله.
ممنوعات الإحرام والفدية في ارتكابها
[742] مسألة: لا يجوز للمحرمة أن تلبس القفازين، خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.
لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لبس القفازين في الإحرام.
ولأنه عضو ليس بعورة منها، فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في باب التغطية، أصله الوجه.
[743] مسألة: لا يغطي المحرم وجهه، وإن غطاه فلا فدية عليه، ومن متأخري أصحابنا من يقول هو على روايتين، وتحصيل المذهب أنا إذا قلنا بتحريم التغطية تعلقت الفدية، وإن قلنا بكراهيتها دون الحظر فلا فدية.
[744] مسألة: إذا عدم المحرم النعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما، فإن لبسهما تامين افتدى، خلافاً لأحمد بن حنبل، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إلا أن لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين)، ففيه دليلان، أحدهما: أن الأمر بالقطع على الوجوب.
والآخر: أنه استثنى من حظْرٍ لبساً على صفة وهو القطع، فما عداه على الأصل.
ولأنها حال إحرام للرجل فلم يجز فيها ليس الخف التام مع القدرة على قطعه، أصله وجود النعلين.
[745] مسألة: إذا لم يجد المئزر لبس السراويل وعليه الفدية، وقال الشافعي: لا فدية عليه، ودليلنا، أنه محرم ممنوع من لبس المخيط، فوجب إذا لبس السراويل أن تلزمه الفدية، أصله إذا لبسه في حال القدرة على الإزار، ولأن كل ما لو لبسه مع وجود الإزار لغير عذر لزمته الفدية، فإذا لبسه مع عدمه لا تسقط عنه كالقميص، ولأن كل ما يمنع المحرم من فعله في نفسه مما طريقه الترفه والتنعم، فإنه لا يختلف حكمه في الفدية بين العذر وعدمه، أصله التطيب وحلق الشعر.
[746] مسألة: إذا تطيب ناسياً افتدى، وكذلك لو لبس فانتفع به.
خلافاً للشافعي في قوله: لا فدية عليه، لأنه حصل متطيباً في إحرام أو منتفعاً باللبس، فوجب أن تلزمه الفدية، ولأن النسيان ضرب من العذر، والأعذار لا تؤثر في سقوط الفدية المتعلقة بمحظورات الإحرام كالمرض، ولأن كل ما لو فعله عامداً لزمه به الكفارة فكذلك مع السهو، أصله الوطء وقتل الصيد.
[747] مسألة: لا فدية في الرياحين إذا شمه المحرم وليس بطيب، خلافاً للشافعي؛ لأنه نبات يزرع لا يسمى طيباً فلم يتعلق به فدية كالحناء والعصفر.
[748] مسألة: إذا أدخل كتفيه في القباء لزمته الكفارة، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه لبس مخيطاً على الوجه الذي يلبس مثله في العادة كالقميص.
[749] مسألة: لا يستظل المحرم على المحمل، فإن فعل افتدى، وقال أبو حنيفة، والشافعي: له أن يفعل ذلك ولا شيء عليه، فدليلنا ما روي أن عمر رأى محرماً قد استظل في محمله فمنعه، وقال: أضح لما خرجت له، وقد روي مرفوعاً، ولأنه تعمّده ليُكِنّ رأسه من حر أو برد فأشبه إذا ماسه بثوب.
[750] مسألة: لا يقرد المحرم بعيره، خلافاً للشافعي، لأن ابن عمر نهى عن ذلك ولا مخالف له، ولأنه من ذوات أبدان الحيوان يسير الضرر في كل أحواله، فأشبه دواب بدن الإنسان.
[751] مسألة: يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعده، وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يكره.
فدليلنا أنه لما منع من الطيب في الإحرام لئلا يدعوه إلى الوطء، كان التطيب قبله بما يبقى ريحه يجعله في
معنى المتطيب حال الإحرام؛ لأن الغرض الذي يراد له الطيب هو الاستمتاع بريحه، فكره له ذلك مع عدم الضرورة إليه، ويفارق التزويج؛ لأن به ضرورة إليه، وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر﴾.
[752] مسألة: إذا مس طيباً فعلق بيده ريحه: ولم يتلف شيئاً منه لم تلزم الفدية، وللشافعي فيه قولان، وهذا ربما بَعُد في العادة بأنه ليس تكاد تعلق الرائحة إلا مع إتلاف البعض منه، فإن صح أن الرائحة تعلق من غير إتلاف فلا فدية؛ لأنها رائحة لم يتلف معها شيء من أجزاء الطيب فلم تتعلق الفدية عليه، أصله إذا شمه من غير أن يمسه بيده.
[753] مسألة: إذا حلق المحرم شعر حلال، وسلم من قتل الدواب فلا فدية عليه.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: عليه الفدية.
لأنه شعر لا يختلف حكمه باختلاف المكان، فإذا لم يضمنه الحلال لم يضمنه المحرم، أصله شعر البهائم، ولأنه لو ألبسه قميصاً لم يلزمه فدية فكذلك إذا حلق شعره.
[754] مسألة: والفدية تلزم في نتف الشعر، أو حلقه بمقدار ما يماط به الأذى من غير تقدير بثلاث شعرات.
وقال أبو حنيفة: تجب الفدية بحلق ربع الرأس فأكثر، وقال الشافعي بثلاث شعرات، فدليلنا على أبي حنيفة أنه أزال من شعره ما أماط به الأذى عنه أو ترفه به فأشبه الربع، وعلى الشافعي أنه قدر لا يؤثر في الترفه، وإماطة الأذى كالشعرة والشعرتين.
[755] مسألة: إذا حلق المحرم شعر شاربه أو غيره من بدنه فعليه الفدية، خلافاً لداود؛ لأنه محرم ترفه بإزالة الشعر عنه كما لو حلق رأسه.
[756] مسألة: الحلال أو الحرام إذا حلق شعر محرم أو قلم أظفاره مكرهاً أو نائماً فالفدية على الفاعل، خلافاً لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي أن الفدية على المفعول به؛ لأنه شعر زال عنه بغير صُنْعِه كالمرض وحرق النار.
[757] مسألة: يلبس المحرم المنطقة ويربطها على بطنه، خلافاً لقوم؛ لأن به ضرورة إلى ذلك لا مندوحة عنه، فكان مستثنى من سائر العقود.
[758] مسألة: النسك والإطعام في فدية الأذى يكون حيث شاء بمكة وغيرها.
خلافاً للشافعي في قوله: لا يجزيان إلا بمكة.
ولأبي حنيفة في تفريقه بين الإطعام والنسك، وشرطه في النسك أن يكون بمكة، لقوله عز وجل: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، فأطلق، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة: (أيؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم قال: احلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين أو أنسك بشاة) ولم يقيد، ولأنه نوع من فدية الأذى فأشبه الصيام.
الطواف
[759] مسألة: إذا لم يقدر على تقبيل الحجر وضع يده عليه، ثم وضعها على فيه من غير تقبيل خلافاً للشافعي؛ لأن الغرض أن يمس بفيه ما مس الحجر فأما التقبيل فإنه مسنون في الحجر دون غيره.
[760] مسألة: الطهارة شرط في صحة الطواف، خلافاً لأبي حنيفة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الطواف بالبيت صلاة) وذلك يوجب له أحكام الصلاة إلا فيما استثناه الدليل، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - طاف متطهراً، وقال: (خذوا عني مناسككم)، وروي عن عائشة، قالت: قدمت مكة، وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري).
ولأنها عبادة لها تعلق بالبيت تختص به، فكانت الطهارة من شرطها كالصلاة.
[761] مسألة: إذا نكس الطواف بأن يطوف والبيت عن يمينه فلا يجزيه، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - طاف والبيت عن يساره) وقال - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا عني مناسككم).
ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز تنكيسها كالصلاة.
[762] مسألة: إذا ترك من أشواط الطواف شيئاً لم يعتد به ولم ينب عنه الدم، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن ترك الأقل أجزأه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت سبعة أشواط، وقال: (خذوا عني مناسككم).
ولأنه لم يأت
بأشواط الطواف على عددها، فأشبه إذا اقتصر على الثلاثة، واعتباراً به إذا كان بمكة.
[763] مسألة: ركعتا الطواف سنة مؤكدة، خلافاً لأحد قولي الشافعي: إنها مستحبة وليست بسنة؛ لأن الطواف من أركان الحج فوجب أن يكون من توابعه ما هو واجب وجوب سنة كالوقوف بعرفة؛ لأن من توابعه المبيت بالمزدلفة.
[764] مسألة: إذا طاف راكباً لغير عذر كره ذلك وأجزأه وعليه الدم، وقال الشافعي لا دم عليه، فدليلنا أن الوجوب تعلق عليه أن يفعله بنفسه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - طاف ماشيا، ً وقال: (خذوا عني مناسككم) ولأنه فعل قربة يفتقر إلى مشاهدة، فوجب أن لا يفعل راكباً مع القدرة على النزول كالصلاة، فإذا ثبت ذلك ثبت أنه إذا تركه فقد ترك نسكاً واجباً فكان عليه دم.
[765] مسألة: إذا طاف داخل الحِجْر لا يجزيه، خلافاً لأبي حنيفة، لقوله عز وجل: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ فالحِجْر من البيت، ومن طاف داخله فلم يطف به، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف خارجه وقال: (خذوا عني مناسككم)، ولأنه إذا طاف داخل الحِجْرِ فأشبه إذا دخل البيت نفسه.
السعي بين الصفا والمروة
[766] مسألة: السعي ركن من أركان الحج لا ينوب عنه الدم، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه واجب وليس بركن وينوب عنه الدم، لما روت حبيبة بنت أبي ثابت قالت: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسعى بين الصفا، والمروة وهو يقول: اسعوا فإن الله عز وجل قد كتب عليكم السعي) ففيه أدلة: أحدها: فعله، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (اسعوا) والأمر على الوجوب، والثالث: قوله: (فإن الله قد كتب عليكم السعي) وهذا إخبار عن وجوبه بأبلغ ألفاظ الوجوب وآكدها، وهو كونه مكتوباً، ولأنه مشي ذو عدد سبع، فوجب أن يكون ركناً في الحج كالطواف، ولأنه نسك هو ركن في العمرة، فكان ركناً في الحج كالإحرام.
الحلاق والتقصير
[767] مسألة: لا يكفي من الحلاق والتقصير في التحلل إلا جميع الرأس أو أكثره، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: الربع، وللشافعي في قوله يكفيه ثلاث شعرات؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر على ذلك.
وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رمى جمرة العقبة أتى بنسكه فنحره ثم دعا الحلاق وقال: (فبدأ بالشق الأيمن فحلقه ثم الشق الأيسر فحلقه)، وروى ابن عمر
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من عقص أو لبّد فعليه الحلاق) وفائدة ذلك أن يستوعب الرأس ولا يمكنه ذلك من العقص ولأنه حلق أو قصر بعض رأسه أو اليسير منه كالشعرتين أو الواحدة.
[768] مسألة: الحلاق نسك يثاب فاعله، وللشافعي قولان أحدهما أنه إباحة محظور وليس بنسك ودليلنا قوله عز وجل: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ فامتن عليهم بدخولهم على هذه الصفة فوعدهم بحصولها، فدل على أن الفضيلة تحصل بها، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (رحم الله المحلقين ثلاثاً قيل يا رسول الله: والمقصرين؟ فقال في الثالثة: و"المقصرين"، ففيه دليلان، أحدهما: أنه دعا لهم وبالغ بالتكرار، فدل على تعلق الفضيلة بذلك، والآخر: أنه فضلهم على المقصرين، والتفضيل بهما فكل ما كان أكثر ثواباً كان أفضل، ولأنه يقع به التحلل فأشبه الرمي والطواف.
قطع التلبية
[769] مسألة: يقطع الحاج التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة، وعنه رواية أخرى أنه لا يقطعها إلا إذا رمى جمرة العقبة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي.
والأولى أظهر ووجهها أنه إجماع السلف، وروي عن عمر،
وعثمان، وعلي، وابن عمر، وعائشة وسعد، وجابر، وابن الزبير وذكر مالك أنه إجماع أهل المدينة، ولأن التلبية إجابة النداء بالحج الذي دُعيْ إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دُعي إليه فقد فعل ما وجب عليه وانتهى إلى غاية ما أمر به، ولا معنى لاستدامتها فيما زاد على ذلك.
عمل القارن
[770] مسألة: عمل القارن عمل المفرد يكفيه طواف واحد وسعي واحد ولا يزيد على المفرد إلا بالنية فقط، وقال أبو حنيفة: لا يدخل أفعال العمرة في أفعال الحج، ويلزمه أن يأتي بأفعال العمرة أولا، ثم يأتي بالوقوف، والطواف، والسعي للحج، فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يجزيك لحجتك وعمرتك).
فروى القاضي
إسماعيل "يجزيك" وهذا نص؛ لأن عند الله حقيقة لا يتعلق إجزاءً ولا كفاية، وروى عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن عبدالله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من جمع بين الحج والعمرة كفاه، لهما طواف واحد، ولا يحل من كل واحد منهما حتى يحل منهما).
ولأنه نسك يؤتى به في الحج والعمرة معاً، فوجب أن يكتفي القارن منه بواحد؛ أصله الحلاق، ولأنه نسك يكتفي بحلاق واحد، فوجب أن يكتفي بطواف واحد وسعي واحد كالمفرد، ولأن العمرة لو كانت لا تدخل في أفعال الحج لم يجز الجمع بينهما؛ لأن كل عبادتين لا يتداخلان، فإن الجمع بينهما لا يجوز، كالصلاتين والصيامين فلما جاز الجمع بينهما علم أنهما يتداخلان كالطهارتين.
جزاء القارن إذا قتل صيداً
[771] مسألة: إذا قتل القارن صيداً فعليه جزاء واحد،، خلافاً لأبي حنيفة في قوله جزاءان، لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ فوجب على قاتل الصيد جزاء واحد، ولم يفرق بين أن يكون مفرداً أو قارناً؛ ولأنهما حرمتان لو انفردت كل واحدة منهما بقتل الصيد فيها للزمه الجزاءان لها، فوجب إذا اجتمعا أن يكتفي بجزاء واحد، أصله المحرم إذا قتل صيداً في الحرم، ولأنه محرم قتل صيداً فيلزمه جزاء واحد كالمفرد.
الوقوف بعرفة
[772] مسألة: الاعتماد في الوقوف بعرفة على جزء من الليل، فإذا لم يقف جزءاً من الليل فقد فاته الحج، وقال أبو حنيفة، والشافعي إذا وقف جزءاً من النهار بعد الزوال أجزأه، فدليلنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفع بعد غروب الشمس، رواه علي، وجابر، وأسامة، وغيرهم وقد قال: (خذوا عني مناسككم).
وروى مسور بن مخرمة قال خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية عرفة، فقال: (وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل غروب الشمس حين يغتّم بها رؤوس الجبال، وإنا ندفع بعد غروبها فلا تعجلوننا).
وروى عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أفاض من عرفات قبل الصبح فقد تم حجه، ومن فاته فقد فاته الحج).
وروي عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من وقف بعرفة بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج فليهلّ بعمرة وعليه حج قابل).
ولأنه لم يقف بعرفة جزءاً من الليل فلم يجزه، أصله إذا وقف قبل الزوال، ولأن كل يوم لم يجز الوقوف في أوله لم يجزه في آخره كسائر الأيام.
الجمع بين الصلاتين بمزدلفة
[773] مسألة: الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة سنة مؤكدة، فإن صلى المغرب بعرفة لوقتها وصلى العشاء في وقتها فقد ترك السنة وتجزيه، وقال أبو حنيفة: لا تجزيه.
فدليلنا أنهما صلاتان سُنّ الجمع بينهما في وقت إحداهما، فلم يمنع ترك الجمع بينهما، أصله الظهر والعصر بعرفة.
المبيت بمزدلفة
[774] مسألة: المبيت بالمزدلفة سنة مؤكدة وليس بركن، خلافاً لبعض التابعين؛ لأن كل ما جاز تركه لعذر لم يكن ركناً كطواف القدوم والوداع؛ ولأنه مبيت بمكان فلم يكن شرطاً في الحج كالمبيت بمنى.
[775] مسألة: إذا ترك المبيت لغير عذر فعليه دم، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات بها، ولم يرخص في تركه إلا للضعفة
ورعاة الإبل، فوجب كونه مسنوناً، فإذا صح ذلك تعلق بتركه وجوب الدم.
رمي الجمار
[776] مسألة: لا يجوز الرمي بغير الأحجار، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه يجوز بكل ما كان من جنس الأرض؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى بسبع حصيات، ولأنه رمي بغير الحجر فلم يجزه اعتباراً بالذهب والفضة والخشب.
[777] مسألة: لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الفجر من يوم النحر، خلافاً للشافعي في قوله: يجوز أن ترمى بعد نصف الليل، لما روى ابن عباس قال قدّمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة، وقال: (لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)، وقال جابر: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي يوم النحر ضحى، فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس)، ولأنها رماها بعد طلوع الفجر يوم النحر، فأشبه إذا كان قبل نصف الليل، ولأنه وقت للوقوف بعرفة فلم يجز الرمي فيه، أصله أول الليل على أصلنا، وآخر نهار يوم عرفة على أصلهم.
[778] (فصل): وحكي عن النخعي والثوري أنه لا يجوز حتى تطلع
الشمس، ودليلنا أنه رام لها بعد الفجر من يوم النحر فأشبه إذا رماها بعد طلوع الشمس، ولأنه يقع به التحليل كطواف الإفاضة.
تقديم الحلق على النحر
[779] مسألة: إذا حلق قبل أن ينحر فلا دم عليه، خلافاً لأبي حنيفة، لما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر، فقال - صلى الله عليه وسلم - (اذبح ولا حرج).
تقديم الحلق على الرمي
[780] مسألة: إذا قدم الحلاق قبل الرمي فعليه دم، خلافاً للشافعي، لقوله عز وجل: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - رمى ثم نحر ثم حلق، وقصد به بيان المناسك، ولأنه حلق قبل الرمي مع بقاء الوقت، فلزمته الفدية، أصله إذا حلق ليلة النحر، ولأنه حلاق صادف إحراماً منعقداً، أصله ما ذكرناه، ولأن كل وقت لو وطئ فيه لأفسد حجه، فإذا حلق فيه لزمته الفدية، أصله قبل الوقوف.
[وقت الرمي أيام منى]
[781] مسألة: لا يجوز أن يرمي الجمرات أيام منى إلا بعد الزوال، وقال أبو حنيفة: القياس المنع، إلا أني استحسن الجواز في اليوم الثالث قبل
الزوال، فدليلنا ما روى جابر قال (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي في يوم النحر ضحى وفيما بعد ذلك بعد زوال الشمس).
ولأنه رَميٌ في أيام التشريق فأشبه اليوم الأول.
رمي الحصيات دفعة واحدة
[782] مسألة: إذا رمى بالسبعة دفعة لم يجزه، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إذا وقع بعضها قبل بعض أجزأه، لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - (كان يرمي كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة)، ولأن المستحق عليه عدد الرمي كاستحقاق عدد الأحجار، فإذا أخل به لم يجزه كما لو أخل بعدد الأحجار.
حج الصبي
[783] مسألة: للصبي حج شرعي صحيح، فإن كان مميزاً وأذن له وليه أحرم بنفسه وانعقد إحرامه، وإن كان صغيراً لا يميز ونوى وليه إدخاله في الإحرام صار محرماً بذلك، وقال أبو حنيفة: ليس له حج أصلاً ولا ينعقد له إحرام، فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة لما سألته ألهذا حج؟ قال: (نعم ولك أجر).
ولأنها عبادة يصح التنفل بها فصحت من الصبي كالطهارة.
[784] مسألة: ما زاد على نفقته في الحضر من مال الولي، وكذلك جزاء ما قتل من صيد أو فدية أو ما يوجب الفدية، خلافاً للشافعي؛ لأن الصبي لا حاجة به إلى الحج وليس من الحظ إلزامه نفقة ما لا حاجة به إليه، فكان الولي سببه.
نكاح المحرم والوطء أثناء الإحرام
[785] مسألة: لا يجوز للمحرم أن يتزوج.
خلافاً لأبي حنيفة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا ينكح المحرم ولا ينكح)، ولأنه سبب يثبت به تحريم المصاهرة، أو سبب تصير المرأة به فراشاً، فوجب أن يحظر حال الإحرام كالوطء، ولأن كل معنى حرم الطيب حرم النكاح كالعدة.
[786] مسألة: وله أن يراجع، خلافاً لأحمد بن حنبل؛ لأنه ليس بعقد نكاح وإنما هو من حقوق النكاح فلم يمنع منه الإحرام كالطلاق والظهار.
[787] مسألة: إذا وطئ ناسياً بطل حجه، خلافاً للشافعي في أحد قوليه، لقوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾، ولأنه محرم وطئ في الفرج قبل التحليل فأشبه العامد.
[788] مسألة: إذا وطئ دون الفرج فأنزل، أو قبل فأنزل، أو لمس فأنزل، فسد حجه، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لقوله عز وجل: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾، ولأن المقصود من الجماع الإنزال، وهو أبلغ من الإيلاج، فجاز أن يفسد الحج به إذا انفرد كالإيلاج، ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج، فالإنزال مع المباشرة يفسدها كالصوم.
[789] مسألة: إذا وطئ في الدبر أفسد حجه، كان لواطاً، أو لامرأة، وقال أبو حنيفة لا يفسده، وبناه على أصله أن الحد لا يجب في اللواط فدليلنا أنه حصل واطئاً في فرج آدمي فأشبه القبل.
[790] مسألة: إذا وطئ بعد الوقوف وقبل الرمي يوم النحر أفسد
حجه، وعنه رواية أخرى أنه لا يفسد حجه، وهو قول أبي حنيفة، والصحيحة الظاهرة هي الأولى؛ لأنه وطء صادف إحراماً منعقداً كالوطء قبل الوقوف، ولأنها عبادة يلحقها الفساد فجاز أن يطرأ عليها الفساد من حين التلبس بها إلى حين الخروج منها كسائر العبادات.
[791] مسألة: إذا وطئ بعد الرمي وقبل طواف الإفاضة عليه العمرة والهدي، وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا عمرة عليه؛ لأن ذلك مروي عن ابن عباس ولا مخالف له، ولأنه قد أتى بالطواف في إحرام قد أفسد بقيته؛ لأنه وطء قبل كمال التحلل منه وعليه أن يأتي به في إحرام لا فساد فيه ولا نقصان، والطواف لا يكون إلا في إحرام له منفرد فلذلك لزمه أن يعتمر.
[792] مسألة: إذا أفسد حجه أو عمرته لم يخرج منه بالفساد، بل يمضي على إحرامه ويقضيه، وقال داود: "يخرج منه بالفساد"، ودليلنا قوله عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ولم يفرق، ولأنه قول ابن عباس وابن عمر ولا مخالف لهما، ولأنه سبب يجب فيه قضاء الحج فلم يخرج به من الإحرام كالفوات.
[793] مسألة: إذا أفسد حجه بالوطء لزمه الهدي بالوطء الذي به وقع الفساد، ولم يجب لما تكرر من الوطء هدي آخر، كان في ذلك المحل أو بعده، كفّر عن الأول أو لم يُكَفِّر.
وقال أبو حنيفة: إذا تكرر الوطء في
مجلس واحد فعليه في كل مرة دم، وهو شاة، إلا أن يكون كرره على طريق الرفض للحج والقطع فلا يلزم إلا دم واحد.
وقال الشافعي: إن كفر عن الأول فعليه الدم للوطء الثاني كفارة، فإن لم يكفر عن الأول فيه قولان.
فدليلنا أن كل وطء لم يتعلق به فساد الحج لم يجب فيه كفارة، أصله إذا وطئ بعد التكفير، أو على وجه الرفض للحج والقطع له؛ ولأنها عبادة يفسدها الوطء، فوجب إذا وقع الفساد به، وتعلقت الكفارة بوقوعه ألاّ تلزمه الكفارة لتكراره أصله الصوم.
[794] مسألة: إذا وطئ زوجته فأفسد حجه وقضاه فإنهما يفترقان من حيث يحرمان ولا ينتظر إلى بلوغهما إلى الموضع الذي وطئ فيه خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يفترقان، وللشافعي في قوله: إنهما يفترقان من الموضع الذي وطئ فيه.
فدليلنا على أبي حنيفة أن ذلك مروي عن عثمان وعلي وابن عباس، ولأنهما يتذكران ما كان منهما فيدعوهما ذلك إلى الفساد ثانيةً ودليلنا على الشافعي، أن الذي لأجله أمر بالافتراق خوف الفساد ثانية وليس آخر الإحرام بأولى بالاحتياط من أوله.
مكان الإحرام في القضاء
[795] مسألة: إذا قضى الحج لزمه الإحرام من حيث أحرم، إلا أن
يكون أبعد من الميقات.
وقال الشافعي: يلزمه الإحرام في القضاء من أغلظ الأمرين من الموضع الذي أحرم منه، أو الذي كان لزمه الإحرام منه، فدليلنا أن تقديم الإحرام على الميقات مكروه، وإنما يلزمه في القضاء ما كان التزمه مما طريقه الفضيلة دون الكراهية، كما لو أحرم بالحج قبل أشهره.
حكم الفوات
[796] مسألة: ومن فاته الحج سقط عنه توابع الوقوف، خلافاً للمزني؛ لأن الوقوف هو الأصل، والتوابع تثبت بثبوته، وإذا سقط الأصل سقطت توابعه.
[797] مسألة: وعليه دم للفوات، خلافاً لأبي حنيفة في ذلك، لما روي عن عمر وابنه، ولأنه سبب يجب به قضاء النسك، فوجب أن يجب به الدم كالإفساد.
بلوغ الصبي بعد الإحرام بالحج
[798] مسألة: الصبي والعبد إذا أحرما بالحج ثم بلغ أو أعتق مضيا على حجهما، وكان تطوعاً، ولا يجزيهما عن حجة الإسلام.
وقال الشافعي إذا كان قبل أن يقفا بعرفة مضيا وأجزأهما عن حجة الإسلام.
فدليلنا قوله عليه السلام: (وإنما لامرئ ما نوى)، ولأنه ليس في الأصول عبادة تفتح تطوعاً وتنقلب فريضة كالصلاة والصوم، وتحريره أن يقال؛ إنها عبادة مقصودة، شُرِعَ فيها قبل أن يوجد فيه شرط وجوبها، فإذا وجد ذلك بعد الشروع فيها لم يجزه، كما وجب عليه عند وجود صفة
الوجوب كالصلاة والصوم، واعتباراً به إذا بلغ أو أُعْتق بعد الفراغ.
إحرام العبد
[799] مسألة: إذا أحرم العبد بغير إذن سيده انعقد إحرامه، وقال داود لا ينعقد، فدليلنا أنها عبادة تتعلق بالبدن فصحت من العبد بغير إذن سيده كالصلاة.
الإهلال بحجتين أو عمرتين
[800] مسألة: إذا أهل بحجتين أو عمرتين أو بحجة ثم أدخل عليها، عمرة انعقدت واحدة وسقط الباقي، وقال أبو حنيفة: ينعقد إحرامه بحجتين وعمرتين وأكثر ولكن يمضي في واحدة ويرفض الأخرى، فإذا فرغ من هذه قضاها.
فدليلنا أنهما عبادتان لا يصح المضي فيهما بوجه، فوجب أن لا يصح الدخول فيهما، أصله إذا نوى في رمضان أن يصومه عنه وعن نذر، ولأنهما عبادتان لا يتسع الزمان لفعلهما معاً شرعاً بوجه، فوجب أن لا يصح الدخول فيهما كالصلاتين.
عدم الجزاء في قتل السباع
[801] مسألة: للمحرم قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر، من الوحش والطير كالأسد والذئاب والنمور والفهود والكلب العقور وما في معناه ومن الطير الغراب والحداة ولا جزاء عليه في شيء من ذلك، ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور والحدأة والغراب، وخالفنا في السبع والفهد والنمر وغيرها من السباع، وقال: لا يقتل المحرم شيئاً من ذلك وإن قتله فدى، وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد فلا جزاء فيه إلا في السمع؛ وهو المتولد من بين الذئب والضبع،
فدليلنا على أبي حنيفة ما روى أبو سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: ما يقتل المحرم؟ (فذكر الحية والعقرب والفويسقة والكلب العقور والحدأة والسبع العادي)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (خمس ليس على المحرم في قتلها جناح) فذكر "الكلب" واسمه يعم الأسد وغيره، ولأنه لما أبيح قتل الكلب العقور والذئب ويسقط الجزاء فيه للضرر الواقع فيه وابتدائه بالعدو والفرس وكان الأسد داخلاً في هذا الضرر من كل ما عداه، وأذِّيته أشد فكان في إباحة القتل أولى، ولأن ما يجب الجزاء بقتله من الصيد يضمن بأحد وجهين إما بمثله في الخلقة، وإما بكمال قيمته، وكل ذلك معدوم فيه كالسمع؛ لأن المخالف لا يرى عنه المثل في الخلقة، ولا يوجب فيه كمال القيمة فإنه يقول إذا زادت قيمته على قيمة شاة لم يجب كمالها، فدل على أنه لا يضمن بالقتل.
[802] (فصل): وخالفنا الشافعي في وجوب الجزاء في الصقر، والبازي، والثعلب، وكل متوحش لا يؤكل لحمه، ودليلنا عليه قوله عز وجل: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ فعم، ولأنه حيوان بري ممتنع لا يبتدئ بالضرر غالباً فكان مضموناً بالجزاء أصله الضبع.
الجزاء في قتل الصيد
[803] مسألة: إذا تكرر من المحرم قتل الصيد لزمه الجزاء لكل مرة، خلافاً لداود في قوله لا يلزمه إلا المرة الأولى، لقوله عز وجل: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾، ولم يفصّل بين الصيد الأول والثاني؛ ولأنه حيوان مضمون بالتكفير، فوجب أن تتكرر الكفارة بتكرير قتل جنسه كالآدمي، والاعتبار بأول مرة بعلة أنه صيد أتلفه وهو محرم.
[804] مسألة: إذا قتل صيداً مما له مثل من النعم لزمه إخراج مثله من النعم من طريق الخلقة والصورة، وله أن يعدل عن المثل إلى قيمة الصيد المقتول طعاماً، وله أن يصوم مكان كل مد يوماً، وقال أبو حنيفة: لا يُضْمَنُ صيد بمثله وإنما يضمنه بقيمته، ثم إن شاء اشترى بتلك القيمة هدايا أو طعاماً.
فدليلنا قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾.
ففيها أدلة: أحدها: أنه لو اقتصر على المثل لكنا نوجب في كل صيد مثله من جنسه، فلما قال: (من النعم) علمنا أنه أراد الخلقة والصورة، وعند المخالف لا اعتبار بالمثل أصلاً، والثاني: قوله عز وجل: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، وهذه الكفارة راجعة إلى النعم؛ لأنه هو الذي يقوم، وعند المخالف يرجع إلى القيمة التي لم يَجْرِ لها ذكر.
والثالث: قوله عز وجل: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ فوجب أن يكون نفس المثل المحكوم به هديا، ً وهذا لا يمكن في القيمة إلا أن يبدل وإنما يصح في المثل الذي يعتبره، وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الضبع: (هي صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم) وعند المخالف لا اعتبار بالكبش وإنما الواجب قيمتها، ولأنه إجماع الصحابة، روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وعبدالرحمن بن عوف، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وعائشة، ولا مخالف لهم، ولأنه حيوان يخرج في كفارة فوجب أن لا يكون إخراجه على وجه القيمة، أصله عتق الرقبة.
[805] (فصل): وكفارة الصيد على التخيير دون الترتيب، وحكي عن ابن عباس وابن سيرين أنهما قالا هي على الترتيب، وحكي عن الشافعي في القديم، وأصحابه ينكرونه، فدليلنا قوله تعالى: ﴿((((((((((مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾ وموضوع "أو" للتخيير، ولأنه حق لازم بإتلاف كان ممنوعاً منه لحرمة الإحرام، فوجب أن يكون على التخيير، أصله كفارة الأذى.
[806] مسألة: وإذا اختار التكفير بالإطعام قوم الصيد لا المثل، وقال الشافعي يقوم المثل، ودليلنا قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى قوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فظاهره أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول معتبراً به دون المثل، ولأن المتلف هو الصيد لا المثل، فوجب أن يكون هو المقوم كسائر المتلفات، ولأن الإطعام بدل عن نفس المتلف، فوجب أن يكون معتبراً، أصله المثل من النعم، ولأنه طعام يخرج في جزاء صيد فوجب أن يكون معتبراً بقيمة الصيد، أصله ما لا مثل له.
[807] مسألة: وإذا اختار الصيام صام عن كل مد يوماً، وقال أبو حنيفة يصوم عن كل مدين يوماً، ودليلنا اعتباراً بسائر الكفارات أنه لا يزاد فيها على مد ويفارق فدية الأذى؛ لأنها فدية وليست بكفارة.
[808] مسألة: ويلزم التحكيم فيما حكّمت فيه الصحابة وفيما لم تحكّم،، خلافاً للشافعي في قوله: اكتفي فيما حكّمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به، لقوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾، فعم في الوجهين، ولأنه صيد لزمه
بقتله الجزاء ولابد من التحكيم فيه، أصله ما لم تمض فيه حكومة.
[809] مسألة: ولا يجوز أن يكون القاتل أحد الحكمين، خلافاً للشافعي، لقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ وذلك يقتضي أن يكونا غير المحكوم عليه، ولأن الجزاء بدل المتلف فوجب أن لا يكون الرجوع فيه إلى أمانه المتلف، أصله تقويم المتلفات.
[810] مسألة: ومن قتل صيداً ناسياً أو مخطئاً فعليه الجزاء، خلافاً لداود، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الضبع: (هو صيد وفيها إذا أصابها المحرم كبش) ولم يفرق، ولأنه حصل متلفاً للصيد غير عامد في حال الإحرام أو الحرم فأشبه العامد، ولأنه حيوان مضمون بالكفارة فلزم ذلك في أتلافه خطأ كالآدمي.
[811] مسألة: في صغار الصيد مثل ما في كبارها، خلافاً للشافعي في قوله: إن فيه صغيراً من الغنم، لقوله تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ والهدي لا يكون إلا الكبير، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (في الضبع كبش) ولم يفرق، ولأنه حيوان يخرج باسم الكفارة فلم يختلف باختلاف سن المتلف، أصله الرقبة في كفارة القتل والظهار، ولأنه دم لا يجوز نحره في غير الحرم فلم يجز فيه الصغير كدم المتعة والقِرَان، ولأن الجزاء لا يخلو أن يكون جبراناً أو دية أو كفارة وأيهما كان فلا يجوز فيها الصغار.
[812] مسألة: لا يجوز تذكية المحرم للصيد، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لأنه ذح محرم لحق الله تعالى لمعنى في نفس الذابح فأشبه ذبح المجوس.
ولأن كل معنى أوجب تحريم أكل المذبوح على الذابح فإنه يوجبه على غيره، أصله إذا لم يستوف شرائط الذكاة.
ولأن تذكيته لا تبيح