كتاب المساقاة وكراء الأرض
[1132] مسألة: المساقاة على النخل جائزة، خلافا لأبي حنيفة؛ لحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على الشطر من تمر وزرع، ولأنه مال لا ينمى بنفسه وإنما ينمى بالعمل عليه، فإذا لم تجز إجارته جاز العمل عليه ببعض نمائه، كالدنانير والدراهم.
[1133] مسألة: وتجوز في الكرم والشجر والأصول التي لها ثمرة، وقال الشافعي في الجديد لا تجوز إلا في النخل والكرم؛ ودليلنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على ما فيها من زرع ونخل، فعم، ولأنه أصل له ثمرة، فجازت المساقاة عليه كالنخل والكرم، ولأن المعنى الذي له جازت في النخل والكرم أن المالك قد يعجز عن تعهده والقيام عليه بالسقي والتنقية، فجازت المساقاة عليه لهذه الضرورة، وهذا موجود في سائر الأصول.
[1134] مسألة: المساقاة على ثمرة موجودة جائزة، وقال الشافعي في الجديد لا تجوز؛ ودليلنا أن المساقاة إنما جازت لحاجة الثمرة إلى السقي والتنقية، وضرورة المالك إلى استنابة غيره، وهذا يستوي فيه حال عدمها
ووجودها، لأن ذلك إذا جاز في المعدوم كان في الموجود أولى.
[1135] مسألة: إذا كان العامل لصا أو ظالما لم يفسخ العقد لذلك ولم يمنع، ولكن يتحفظ منه، وحكي عن الشافعي أنه يقال له أقم غيرك مقامك؛ ودليلنا أن عقد المساقاة قد لزم، وكون العامل سارقا فسق، لم يوجب فسخ العقد كما لو فسق بغير السرقة، ولأن ذلك لا يوجب تعذر السقي ولا منع القيام على الثمرة، وإنما يقتضي ضررا ولا يمنع استيفاء المنافع فلا يفسخ لأجله السقي، أصله إذا كان ظالما وانتصف من معاملته، ولأن من أكرى رجلا دارا فوجده ينقب ويسرق لم يجز له فسخ الكراء، وقيل له تحفظ منه، فكذلك المساقاة.
[1136] مسألة: الجداد في المساقة على العامل، خلافا لمحمد بن الحسن في قوله إنها عليه وعلى المالك؛ لأنه من مصالح الثمرة وخدمتها لا يبقى له أثر بعدها، فكان على العامل كالإبار والسقي.
[1137] مسألة: إذا اختلفنا في جزء العامل بعد عمل العامل، فالقول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وقال الشافعي يتخالفان ويتفاسخان وللعامل أجرة المثل؛ ودليلنا أن اليمين تجب على أقوى المتداعيين سببا، وها هنا العامل أقوى سببا لتسليم الحائط والعمل فيه، ولأن ذلك كاختلاف البائع والمشتري في الثمن بعد قبض السلعة، وقد ذكرناه.
[1138] مسألة: لا تجوز المزارعة، وصفتها أن يدفع الرجل أرضه إلى رجل ليزرعها، الداخل ببذر من عنده ويكون الزرع بينهما، وحكي عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد بن الحسن جوازه؛ ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ولا يكريها بثلث ولا ربع) ولأنه زارع في أرض منفردة، ببعض ما يخرج منها ولم يجز أصله إذا شرط أحدهما لنفسه زرعا منفردا، ولأن ذلك ككراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وطعام بطعام متأخر.
[1139] مسألة: كراء الأرض للزرع يجوز بالعروض كالحيوان والذهب والفضة، ولا يمنع إلا بنوعين: أحدهما الطعام سواء كان مما يخرج منها كالحنطة والشعير، أو مما لا يخرج منها كاللبن والعسل، والنوع الآخر ما يخرج منها طعاما كان أو غيره كالقطن والزعفران والكتان وغير ذلك، وحكي عن الحسن وطاوس أنه لا يجوز كراؤها بحال، ولا أظن الحكاية ثابتة، وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز أن تكرى بكل ما يصلح أن يكون ثمنا للمبيع، والخلاف في موضعين: أحدهما في كرائه بالطعام لأنه عندهم جائز سواء كان من نوع ما يخرج منها أو من غيره، بعد أن لا يشترط أن يكون من زرع تلك الأرض، والآخر ما يخرج منها من غير الطعام؛ فدليلنا على أنه لا يجوز بالطعام حديث رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ولا يكريها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى) فعم، ولأنه طعام فأشبه إذا شرط ما تنبته، ونكتة المسألة أنه يحصل من طعام إلى أجل وابتاع منه عسلا أو لبنا بما تخرجه أرضه إلى أجل طعام بطعام متأخر ومجهول لأن المالك كأنه باعه بهذا الطعام ما تنبته أرضه وجزءاً بيع إلى أجل.
ودليلنا على منع كرائها بغير الطعام مما تنبته أنه مما يخرج منها، فأشبه إذا شرط الثلث والربع مما تنبته.
[1140] مسألة: إذا اكترى أرضا ليزرعها حنطة جاز أن يزرعها شعيرا أو ما ضرره كضرر الحنطة أو أقل، وقال داود ليس له أن يزرع إلا الحنطة؛ ودليلنا أنه زرع لا يضر بالأرض زيادة على الضرر المشترط فأشبه أن يزرعها حنطة، ولأن تعيين ما يزرع في الأرض هو لتقدير المنفعة لا لكونه شرطا، بدليل أنه لو لم يزرعها مع التمكين للزمته الأجرة.