كتاب القسامة
[1626] مسألة: الحكم بالقسامة واجب، خلافًا لابن علية وغيره؛ لما روي أن القسامة كانت في الجاهلية فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قصة الأنصاري لقوله: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم أدفعه إليكم بذمته»، وقوله: «أتقسمون وتستحقون دم صاحبكم»، ولأنّ في ترك الحكم بها إضاعة الدماء، لأنّ من يريد قتل غيره إنما يتعمد به المواضع الخالية التي يأمن فيها أن يراه إنسان في الغالب، فلو لم يحكم فيها باللّوث لم يشأ من يريد قتل غيره، ولا يؤخذ به، إلا وفعل ذلك من غير
تعذر، وفي ذلك هدر الدماء.
[1627] مسألة: يبدأ بالأيمان أولياء الدّم، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في قصة الأنصاري: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟» قالوا: لم نحضر.
قال: «فتبريكم يهود بخمسين يميناً»، ففيه دليلان؛ أحدهما: أنه بدأ بعرضها على الأولياء، والأخرى: أنّه نقلها إلى المدّعى عليهم بعد نكول الأولياء، وعندهم أن الأيمان تتوجه عليهم ابتداء.
وروي: «البينة على المدّعي واليمين على من أنكر وهو المدّعى عليه إلا في القسامة»، ولأن اليمين تجب في الأصول على أقوى المتداعيين سبباً، والأولياء ها هنا أقوى سبباً باللّوث الذي يغلب معه الظن صدق دعواهم، فوجب كون اليمين في جنبتهم.
[1628] مسألة: يستحق بها الدم، خلافًا لأحد قولي الشافعي؛ لقوله: «تحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم»، وروي: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم يدفع إليكم برمته»، ولأنّها حجة ثبت بها كل عمد فجاز أن يستحق بها قتل من يثبت عليه، أصله الشهود.
[1629] مسألة: إذا قال المقتول دمي عند فلان عمدًا، فذلك لوث يوجب القسامة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " إلى قوله: " فقلنا اضربوه ببعضها "، فالقصة معروفة في
الذي قتل عمدًا، ورمي أهل قرية بقتله، فسألوا موسى عليه السلام فأمر الله تعالى أن تذبح بقرة ويضرب ببعضها، فإنّه يحيا ويخبر بقاتله، ففعلوا ذلك فحيي، فقال: قتلني فلان ابن أخي، فصار ذلك أصلاً في قبول قول المقتول وتأثيره في الحكم بدمه، لما روي أن القسامة كانت في الجاهلية وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم، وظاهر هذا يفيد أنه أقر جميعها إلا ما قامت الدلالة عليه، والعرب كانت تقسم مع قول المقتول، ولأن اللّوث معنى ينضم إلى دعوى الأولياء فيقوى به صدقهم، ومعلوم أن غالب أحوال المسلمين عند الموت والإشراف عليه، أنهم لا يتزودون للقاء الله عز وجل قتل النفوس المحرمة والزيادة في ارتكاب الآثام والمعاصي، بل الغالب منهم ضدّ هذا، من الإقلاع عن المآثم والثوب والتخوف ورد المظالم، فإذا كان كذلك، كان هذا من أقوى ما يؤيد قول المقتول، ويغلب معه في الظن صدقه، ولأنه ليس أحد أعدى للإنسان من قاتله، فالتهمة منفية عنه في الكذب على غيره وتبرئته.
[1630] مسألة: إذا وجد المقتول في محلّة قوم، لم يكن ذلك لوثًا سواء كانوا أعداءه، أو غير أعدائه، وقال أبو حنيفة: يكون لوثاً إذا كان به أثر، وحكي عنه: أنه إن خرج الدم من أذنيه كان لوثاً، وإن خرج من أنفه لم يكن لوثاً؛ فدليلنا أنّ الغالب من حال من يقتل غيره أن يبعده عنه ويتعمّد لذلك في غير موضعه وبحيث لا يلحقهم فيه تهمة، وبقاؤه في موضع مقتولاً يقوي التهمة فيه أن يكون قاتله من غيرهم، فإنه طرحه بينهم لتزول التهمة عنه في موضعه، واعتباراً به إذا لم يكن به أثر.
[1631] مسألة: إذا ادعى بعض ولاة الدم القتل وأنكر ذلك الباقون سقطت القسامة في العمد، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأن القسامة مبنية على غالب الظن دون الحقيقة، وتكذيب أحدهم لبقيتهم
يضعف دعواهم ويوقع شبهة، فلم تكن معه قسامة.
[1632] مسألة: إذا نكل ولاة الدم عن القسامة وردت الأيمان على المدّعى عليه فنكل، لم ترد على أولياء الدّم، خلافاً للشافعي في قوله: إنّها ترد؛ لأنها يمين وجبت فلم يستحق بالنكول عنها ردًا، أصله في دعوى المال إذا وجبت اليمين للمدّعي مع شاهده فردها على المدّعى عليه فنكل، أنّها لا ترد على المدعي، فكذلك لو لم يكن معه شاهد فنكل المنكر ورد اليمين على المدّعي فنكل لم يرجع إلى المنكر.
[1633] مسألة: تقسّط الأيمان على أولياء الدم، خلافاً للشافعي في قوله: يحلف كل واحد خمسين يميناً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «تحلفون خمسين يميناً»، وقوله: «تبريكم يهود بخمسين يميناً»، فلم تجب القسامة أكثر من خمسين يميناً.
الكفارة في القتل
: [1634] مسألة: لا كفارة على قاتل عمد، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: " ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة "، فدل على أن العمد خلافه، ولأنه غرم يجب بقتل الخطأ فلم يجب بقتل العمد، أصله الدية، ولأنه معنى موجب للقتل فلم يوجب على فاعله كفارة، أصله الزنا مع الإحصان، ولأن القتل لو تعلّقت به كفارة لم يتعلق به قود، ألا ترى أن قتل الخطأ لما لزمت به كفارة لم يلزم به قود.
[1635] مسألة: تجب الكفارة والدية في قتل الخطأ على أي وجه كان، في دار الحرب والإسلام، وقال أبو حنيفة: إذا أسلم في دار الحرب
وأقام بها حتى قتل فعليه الكفارة ولا دية عليه، فإن دخل دار الإسلام ثم عاد ودخل في تجارة وقد أسلم في دار الإسلام ثم قتل في دار الحرب فعليه الدية والكفارة، وعنه في الأسير روايتان، وقال الشافعي: إذا قتل المسلم في دار الحرب خطأ ففيه الكفارة ولا دية فيه، سواء كان قد أسلم وأقام بدار الحرب، أو كان قد دخل دار الإسلام ثم عاد إليهم للإقامة أو للتجارة أو كان أسيرًا؛ فدليلنا قوله تعالى: " ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " فعم، ولأنه مؤمن قتل خطأ كما لو قتل في دار الإسلام.
[1636] مسألة: وإن قتل في دار الحرب عمدًا وجب فيه القود، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قود فيه على التفصيل الذي قدّمناه عنهما؛ فدليلنا عموم الظواهر والأخبار التي ذكرناها، ولأنه مسلم قتله مكافىء لدمه عمدًا محضًا فوجب القود به كما لو قتل في دار الإسلام، ولأن اختلاف الأمكنة لا تأثير لها في إسقاط القود أو الدية كغير دار الحرب.
[1637] مسألة: الصبي والمجنون إذا قتلا خطأ لزمهما الكفارة، وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليهما؛ فدليلنا عموم الظاهر، لأن الصبي والمجنون من أهل الإسلام قتلهما خطأ، فوجب أن يتعلق به الكفارة كقتل البالغ.
[1638] مسألة: إذا اشترك جماعة في قتل مؤمن فعلى كل واحد كفارة كاملة، وحكي عن الليث أن عليهم كفارة، وذكره بعض الشافعية؛ فدليلنا قوله تعالى: " ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة " فعم، ولأنّه قاتل لو كان عمدًا لزمه القود، فإذا كان مخطئاً لزمته كفارة كاملة كالمنفرد.
[1639] مسألة: تجب الكفارة بالسبب المتعدّي به، وهو أن يحفر بئرًا بحيث لا يجوز له أو ينصب حجرًا في الطريق ويتلف به إنسان، وقال أبو حنيفة: لا كفارة لذلك؛ فدليلنا أنه سبب يضمن به دية النفس، فجاز أن
يضمن به الكفارة كالجرح، ولأنه كل من عقل عنه دية النفس المؤمنة، جاز أن تلزمه الكفارة، أصله إذا رمى صيدًا بسهم فأصاب إنسانًا.
[1640] مسألة: لا كفارة في قتل الذمي، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة "، واعتبارًا بالحربي والمستأمن لعلّة نقصه بالكفر.
[1641] مسألة: يستحب الكفارة في قتل العبد ولا تجب، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه حيوان يجب بإتلافه القيمة كالبهيمة.
[1642] مسألة: إذا عجز عن الإعتاق والصوم كانت الكفارة في ذمته.
وقال الشافعي في أحد قوليه: يطعم؛ ودليلنا قوله تعالى: " فتحرير رقبة مؤمنة " " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين "، وذلك يفيد أنه جميع ما يجب فيها.
السحر
: [1643] مسألة: السحر له حقيقة، خلافاً لمن نفاه؛ لقوله تعالى: " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر "، فجعلهم كفرة بتعليمه فثبت أن له حقيقة.
[1644] مسألة: إذا عمل السحر بنفسه كفر بذلك ووجب قتله، ولا يقبل قوله: لَسْتُ أعتقد إباحته، وقال أبو حنيفة: يكفر ولا يقتل إذا عمل ما لا يقتل به، وزاد أبو حنيفة فقال: وإن قتل بسحره لم يقتل إلا أن يتكرر ذلك منه؛ فدليلنا على أنّه يكفر به قوله تعالى: " كفروا يعلمون الناس السحر " " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر "،
[أي] بتعليمه، فإنّك إذا علمته صرت كافرًا، وقوله تعالى: " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر "، وظاهره أنهم كفروا بذلك، ولأن الآلام التي تصل إلى الحيوان وتضرهم من أفعال الله تعالى، وهو المنفرد بالقدرة عليه، فمتى اعتقد الإنسان أن ذلك من فعل نفسه، وأنه قادر عليه، صار اعتقاده لذلك كفرًا، كاعتقاده أنّه قادر على اختراع الأجسام، فإذا ثبت أنه كفر، وجب قتل فاعله، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان» و «حدّ السّاحر ضربة بالسيف»؛ ودليلنا أنه يقتل وإن لم يتكرر منه الفعل عموم الخبر، ولأن كل فعل أوجب القتل تكراره أوجبه ابتداؤه، أصله القتل بالسلاح، ولأنّ كل فعل وجب به القتل فلا فرق بين تكرره وانتفاء تكرره كالزنا مع الإحصان والقتل.
[1645] مسألة: لا تقبل توبة الساحر، بناءًا على ما نقوله في
الزنديق
وسنذكره.
[الزنديق]:
[1646] مسألة: الزنديق الذي يسر الكفر ويظهر الإسلام لا تقبل توبته، خلافاً للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه»، ولأنّ التوبة
من المعصية المستسر بها لا تقبل كالتوبة من الزنا والقتل، ولأنا لا نصل إلى صدق توبته، لأنّ معه ظاهرًا ينفيها وهو استسراره بالكفر فأشبه من تاب مكرهًا، أو معه صليب يقبله، ولأن عادتهم جارية تغير الأسماء وقلب اللغة عمّا ينقلهم به فيها، فيصير متى أجابنا عن استتابة بلفظ التوبة ولفظها عبارة في تواصفهم حتى كمن خوطب بشيء فأجاب عن غيره.
الردة
: [1647] مسألة: تقتل المرتدّة، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله: «من بدّل دينه فاقتلوه»، ولأنه شخص مرتد كالرجل، ولأنّ كل معصية أباحت دم الرجل بعد حظره فإنها تبيح دم المرأة، كالقتل والزنا مع الإحصان.
[1648] مسألة: يستتاب المرتد، خلافاً لمن حكي عنه أنه لا يستتاب؛ لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه أن رجلاً ارتدّ فقتل قبل أن يستتاب فقال: هلا حبستموه ثلاثاً فأطعمتموه كل يوم رغيفاً، فإن تاب وإلا قتلتموه، اللهم لم آمر، ولم أرض إذ بلغني، ولا مخالف له، ولأن من قبلت توبته عرضت عليه كسائر الكفار، ولأنه يجوز أن تكون عرضت له شبهة تزول عنه بالاستتابة.
[1649] مسألة: يستتاب ثلاثاً، خلافاً لأحد قولي الشافعي: أنه يستتاب في الحال؛ لحديث عمر الذي رويناه، ولأن الغرض بالتوبة زوال شبهة لعلّها أن تكون عرضت له فتزول ويعود إلى الإسلام، وذلك يقتضي أن يمهل مدّة ما.
[1650] مسألة: إذا تاب قبلت توبته، خلافاً لمن قال: لا تقبل توبته؛ لقوله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف "، وقوله: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده "، ولحديث عمر الذي رويناه، ولأنّه قد تاب من كفر مظهر، كالكافر الأصلي.
[1651] مسألة: وعرض التوبة واجب على ظاهر المذهب، وقال أبو حنيفة: لا تجب، وهو أحد قولي الشافعي؛ فدليلنا حديث عمر، ولأنه ممّن عرف الإسلام فيمكن أن يعرض له شبهة فتزول بتقريره واستتابته.
[1652] مسألة: إذا اجتمع المرتدّون، ونصبوا راية، وقاتلونا، وقتلوا، وأتلفوا أموالاً، ثم تابوا، لم يؤخذوا بشيء من ذلك، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأن أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه والصحابة لم يأخذوا ممّن رجع من أهل الردة بشيء ممّا قتلوا أو أتلفوا، ولأنّه فئة ممتنعة قاتلت على تأويل بدين كأهل الحرب.
[1653] مسألة: لا يسبى ولده الذي ولده في ردته، خلافاً للشافعي؛
لأن السبي لا يكون [إلا] في جنس يجوز إقرارهم على دينهم، وذلك معدوم في المرتدّين.
[1654] مسألة: تصحّ ردة السكران، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن كل من صحّ طلاقه وقذفه صحت ردته، كالصاحي.
[1655] مسألة: وإذا قتل المرتدّ أو مات على ردته كان ماله فيئًا غير موروث لورثته ولا لأهل الدين الذي انتقل إليه، خلافاً للأوزاعي وغيره في قولهم: إنّه يورث عنه، ولأبي حنيفة في قوله: يورث عنه ما اكتسبه قبل ردته ولا يورث ما اكتسب حال ارتداده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، ولأنه مات كافرًا فلم يرثه مسلم كالكافر الأصلي، وعلى أبي حنيفة لأنه نوع من ماله فأشبه ما كسب حال ردته.
[1656] مسألة: إذا انتقل الكافر من ملّة إلى ملّة أخرى، إلى الكفر، لم يعرض له إذا أدى الجزية، خلافًا للشافعي في قوله: إذا لم يسلم [قتل]؛ لأن الدين الذي انتقل إليه مما يجوز الإقرار عليه، فجاز أن يقر عليه بالانتقال كما لو كان عليه ابتداء، ولأنه لو كان يعقوبيًا فصار نسطوريًا لم يعرض له، لأنه انتقال من كفر إلى كفر، فكذلك انتقاله من النصرانية إلى اليهودية.
باب [في البغي]:
[1657] مسألة: لا يؤخذ أهل البغي بما أتلفوه في القتال أو غيره من نفس أو مال على وجه التأويل، وقال أبو حنيفة: يضمنون، وهو قول
الشافعي الآخر؛ ودليلنا أن أهل الجهل وغيرهم، من فئات المسلمين، التي اقتتلت على تأويل الدين، لم يأخذ بعضهم بعضاً بقود ولا غرم ما أتلف من مال، ولأنها فئة امتنعت وأتلفت بتأويل فلم تضمن، أصله أهل الحرب إذا أتلفوا النفوس والأموال.
[1658] مسألة: إذا نصب أهل البغي قاضيًا منهم تعرف أحكامه لم تنقض إذا أصاب وجه الحكم، وقال أبو حنيفة: إن كان منهم نقضت أحكامه؛ فدليلنا أن الفتن والحروب قد كانت في الصحابة والتابعين فلم تعرض إحدى الفئتين على الأخرى في ذلك، ولا تعرضت لنقض أحكامها، ولأنه قضى بما لو قضى به العادل، لم ينقض بولاية من أهل الإسلام كالعادل.
[1659] مسألة: تجب الحدود في دار أهل البغي على من ركب أسبابها، خلافًا لأبي حنيفة في قوله؛ لأنه مرتكب لما يوجب الحدّ مع اعتزائه إلى الملة، فأشبه أهل العدل.
[1660] مسألة: حد الحرابة على التخيير دون الترتيب، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام، فله أن يقتله إن رآه حظًا ونظرًا وإن لم يكن قتل، وقال أبو حنيفة والشافعي: حدها على الترتيب، ولا يقتل ما لم يقتل، ولا يصلب ولا يقطع، فإن قتل ولم يأخذ مالاً قتل فقط ولم يقطع ولم يصلب، فإن أخذ المال ولم يقتل قطع، وإن قتل وأخذ المال؛ قال أبو حنيفة: الإمام مخير إن شاء جمع القتل [والقطع]، وإن شاء جمع القطع والصلب،
ثم قتل بعد الصلب.
وقال الشافعي: يقتلهم خنقًا ثم يصلبهم؛ فدليلنا على أنّه يقتل وإن لم يكن قتل قوله تعالى: " أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف " الآية، ولم يشترط أن يكونوا قتلوا، ولأنه خير بين هذه الحدود فدل على سقوط الترتيب، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من شهر سيفه بموضعه فقد وجب دمه».
[1661] مسألة: النفي المراد في آية المحاربين هو إخراجهم من البلد الذي كانوا فيه إلى غيره وحبسهم فيه، وقال أبو حنيفة: يحبسون في البلد نفسه، وقال الشافعي: نفيهم أن يهربوا، فإذا حصلوا بموضع أنفذ الإمام في طلبهم ليقيم عليهم الحد، هكذا يتبعهم أبدًا؛ ودليلنا أن معنى النفي الإخراج من الموضع المتوطن، ومنعهم من الإقامة فيه، واللام في قوله: " أو ينفوا من الأرض " للعهد، وهي الأرض التي كانوا فيها، وذلك لا يكون إلا بالحبس في غيرها لأنه إذا خلّي لم يؤمن عوده إليها، فوجب أن يحبس بحيث يتحقق أنه لا يعود إليها، ولأنه إذا هرب منه لا يخلو أن يكون في موضع من الأرض فلا معنى لذلك، ولأنه يرجع سرًا إلى
الموضع الذي كان فيه فتزول فائدة العقوبة بالنفي.
[1662] مسألة: إذا رأى الإمام قطعه في أخذ المال فلا يراعى في ذلك نصاب السرقة، بل يقطعه وإن أخذ أقل منه، قطع للحرابة، وقال أصحاب الشافعي: لا يقطع فيما دون نصاب القطع؛ فدليلنا قوله تعالى: " أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف " ولم يفرق، ولأنّه أخذ المال على وجه الحرابة فأشبه الربع دينار، ولأنه لما [لم يعتبر فيه الحرز] لم يعتبر فيه النصاب، ولأنّ السرقة صفتها أن يؤخذ الشيء على وجه الإخفاء، وهذا لا يوجد في المحارب.
[1663] مسألة: إذا رأى الإمام الجمع بين قتل المحارب وصلبه فإنّه يصلبه حيًا ثم يقتله، وقال الشافعي: يقتله على وجه الأرض ثم يصلب مقتولاً ثلاثة أيام؛ فدليلنا أن الصلب إنما أريد به الارتداع والانزجار، وذلك لا فائدة فيه بعد القتل، لأنه إذا صلب حيًا ثم قتل كان أبلغ في الردع ليرتدع به غيره ممّن يفعل كفعله، فإذا قتل فالردع حاصل بالقتل ولا يرتدع لما بعده.
[1664] مسألة: إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه سقط عنه جميع حدّ الحرابة، وذكر الإسفرائيني عن أصحابهم خلافًا في سقوط قطع يمينه، وأن منهم من لا يسقط.
لأن العاقلة ودفع الإنسان عما في يده حرز فيكون أخذه على وجه السرقة لا الحرابة.
فدليلنا أن جملة القطع هو للحرابة وليس يتبعض فيكون بعضه للسرقة وبعضه للحرابة، فإذا كان كذلك سقط الجميع عنه، ولأن صفة السرقة أن تكون باستخفاء لا بمجاهرة.
[1665] مسألة: إذا اجتمع المحاربون فقتل بعضهم وكان الباقون ردءًا
وأعواناً لم يباشروا القتل فإن جميعهم يقتلون، وقال الشافعي: لا يقتل إلا من باشر القتل؛ فدليلنا قوله تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا "، فعم، ولأنّ ذلك مبني على تخيير الإمام وقد ذكرناه، ولأنهم اشتركوا في الحرابة، فوجب أن يشتركوا في حكمها، كما لو قتلوا، ولأنه لما كان من حضر الوقيعة مشاركاً لمن قاتل في الغنيمة، قاتل أو لم يقاتل لأنهم ردء لهم وعون، فكذلك في المحاربة.
[1666] مسألة: إذا عفا ولي الدّم عن المحارب، وقد أخذ قبل التوبة، فلا عفو له وينحتم قتله، خلافاً لمن يحكى عنه أن عفوه جائز؛ لقوله تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " الآية، فخاطب الأئمة بذلك انحتامًا، ولأنه حق الله فلم يجز فيه عفو كحدّ الزنا والسرقة.
[1667] مسألة: لا يراعى في القتل بالحرابة إذا قتل تكافؤ الدّماء، فيقتل المسلم بالذمي، والحر بالعبد، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقتل إلا بمن يكافىء دمه؛ فدليلنا قوله تعالى: " أن يقتلوا "، فعم، ولأنه قتل وجد منه في الحرابة، كما لو كافأ في دمه.
[1668] مسألة: المحارب في البلد وخارج البلد سواء في الحكم، وقال أبو حنيفة: لا يكون محاربًا بقطعه في البلد إلا أن يقطع في الصحراء والبرية البائنة عن البلد؛ فدليلنا قوله تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" ولم يفرق، ولأنه قد وجد منه إخافة السبيل وقطع الطريق وقتله على أخذ المال فاستحق اسم المحارب وحكمه، كما لو كان في الصحراء، ولأن ارتكاب موجبات الحدود في الصحراء والبلد واحد كالزنا والقتل وشرب الخمر، ولأن كل حد يفعل في الصحراء جاز أن يجب به في المصر كحدّ الزنا والسرقة.