الإشراف على نكت مسائل الخلافكتاب القراض
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[1111] مسألة: لا يجوز القراض إلا بالذهب والفضة دون العروض والطعام والحيوان، خلافا لما يحكى عن ابن أبي ليلى والأوزاعي من إجازة ذلك كله؛ ودليلنا أن موضوع القراض أن ينفرد رب المال برأس ماله، ويكون حق العامل في الربح مشتركا هو ورب المال فيه على شرطهما، وتجويز القراض بالعروض يؤدي إلى مشاركة العامل لرب المال في رأس ماله وأن ينفرد المالك بالربح ويذهب عمل العامل باطلا لأن رأس المال إذا كان عرضا لم يخل أن يكون مما له مثل أو لا مثل له، فإن كان مما مثل له، كالطعام وغيره، فإن العامل يحتاج عند المفاضلة إلى رد مثله، وقد يعقدان القراض على كر حنطة يساوي وقت العقد عشرة دنانير فيعمل العامل ويربح عشرة أخرى فإذا أراد المفاضلة جاز أن يغلو ثمنه، فيساوي الآن عشرين فينفرد رب المال برأس المال وبالربح، وجاز أن يرخص فيساوي خمسة دنانير فيشارك العامل رب المال في قطعه من رأس ماله، وإن كان مما لا مثل له فالاعتبار بقيمته، فلا يخلو أن تكون معتبرة وقت العقد أو وقت المفاضلة، ولا يجوز اعتبارها وقت العقد، لأنه يؤدي إلى ما ذكرناه، وكذلك وقت المفاضلة، وإذا أدّى إلى هذا وجب منعه.

[1112] مسألة: لا يجوز القراض بالورق المغشوش، خلافا لما يحكى عن أبي حنيفة أن الغش إذا كان أقل من الفضة جاز؛ ودليلنا أنه غش

فلم يجز، اعتبارا به إذا زاد على الفضة، ولأنها فضة وسلعة كما لو كانا متميزين، ولأن هذا مبني على منع التعامل بها، قال القاضي إسماعيل إن التعامل بها من الفساد في الأرض.

[1113] مسألة: إذا قال خذ هذا العرض فبعه واعمل بثمنه قراضا، أو صرّف هذه الدنانير، أو اقبض من فلان ديني واعمل به قراضا، فلا يجوز ذلك، وإن وقع كان فاسد، خلافا لأبي حنيفة في قوله إنه جائز ويكون قراضا، لأنه يؤدي إلى أمور ممنوعة، أحدها أن يزداد أحدهما على الآخر زيادة على ما شرطا من الربح، ويستبد به فيصير كأنه قال له قارضني على أن الربح بيني وبينك على نصفين وعلى أن الزيادة لي، وهي أن تخدمني شهرا أو تخيط لي ثوبا، وموضوع القراض على أن لا يحصل لأحدهما نوع من النفع ينفرد به عن الآخر لئلا يخلو المال من ربح فينفرد رب السلعة بتلك المنفعة، ومنها أن رب المال يتعجل الفائدة من بيع السلعة، وربما خسر العامل فلم يحصل له الربح، فيذهب عمله باطلا واستبد رب المال بالفائدة من بيع السلعة، ومنها أنها تصير حصة رب المال مجهولة بأنه جعلها النصف من الربح وبيع العامل للسلعة ولا يعلم قيمة أجرته، ومنها أنه يؤدي إلى أن يكون رأس المال مجهولا لأنه لا يدري بكم يبتاع هذه السلعة، فإذا أدى إلى ذلك وجب منعه.

[1114] مسألة: اختلف عن مالك عما يجب في القراض الفاسد، والظاهر أنه قراض المثل، وقيل أجرة المثل؛ ووجه ذلك أن الأصول موضوعة على أن شبهة كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه كالبيع والإجارة والنكاح وغير ذلك، وكذلك القراض، وليس في الأصول عقد يرد فاسده إلى صحيح غيره أو فاسده، ولأن العامل دخل على مثل ما دخل عليه رب المال من رجاء الفضل ونماء المال، لا على أن يأخذ أحدهما مما سوى ذلك من مال لآخر، ألا ترى أنه إذا كان في المال خسران لم يؤخذ جبرانه من مال العامل، فكذلك إذا لم يكن ربح لا يستحق العامل شيئا على رب

المال مع الفساد، لأن جهة الاستحقاق لم تحصل به.
ووجه أجرة المثل أن العامل دخل على أن يستحق عوضا على عمله من الربح لا على أنه متطوع، فإذا لم يسلم له ما شرطه، لفساد العقد، وجب رد منافعه عليه، لأنه لم يحصل له ما شرط له في مقابلتها، كالبيع إذا وقع فاسدا ولم يستحق الثمن على المشتري إن له رد المبيع إن كان قائماً، وقيمته إن كان قد تلف، ولأن القراض ضرب من الإجارة فله حكمها إلا فيما خصّ به مما يفارقها فيجب أن يستحق أجرة المثل في القراض الفاسد، كما يستحق أجرة المثل في الإجارة الفاسدة إذا استوفيت المنافع.

[1115] مسألة: إذا قال قارضتك على أن لك شركا في الربح أو شركه، جاز وكان عليه قراض المثل، وقيل له النصف، وفرق محمد بن الحسن بين أن يقول: لك شرك أو شركة، فأجازه في قول شركة، وقال يكون له النصف، ومنعه في قوله شركا وقال يكون القراض فاسداً، وما قاله غلط، لأن الشرك إذا أطلق يجري لفظه مجرى الشركة كما يقال لفلان شرك في هذه الدار أو شركة.
وقال الشاعر: وشاركنا قريشا في علاها ... وفي أحسابها شرك العنان أراد شركة العنان.

[1116] مسألة: إذا تقارضا على أن يكون الربح كله للعامل أو لرب المال جاز وكان قراضا صحيحا، وقال أبو حنيفة والشافعي يكون فاسدا، إلا أن أبا حنيفة يقول إن شرط الربح للعامل صار المال قرضا عليه، وإن

شرط لرب المال صار بضاعة في يد العامل فيكون الربح لرب المال والأجرة للعامل؛ فدليلنا على صحة العقد أنه لا يمتنع تضمين العقد للعوض ثم يثبت له حكمه إذا وقع، وإن سقط فيه العوض، كالخلع إذا قصد أن يطلقها على وجه الخلع بغير عوض، كان له حكم الخلع وإن لم يكن فيه عوض، كذلك هذا، ولا ينزل أمره على أنه وهب له قسطه من الربح ولا يخرج العقد بذلك عن موضعه، ودليلنا على أنه لا يكون قرضا أن رب المال والعامل دخلا على القراض فشرط رب المال كون الربح كله للعامل هبة منه له حقه من الربح وذلك جائز، أصله لو وهب له بعد العقد، ولأن القراض غير القرض وقد دخل رب المال على أن لا يكون في ذمة العامل وأن يكون في أمانته، فلا يجوز أن يكون على خلاف ذلك.

[1117] مسألة: إذا شرط رب المال على العامل ألا يبيع إلا من فلان، ولا يشتري إلا من فلان، أولا يشتري إلا نوعا مخصصا مما لا يعم وجوده، كان القراض فاسدا، وقال أبو حنيفة يصح؛ ودليلنا أن كل شرك في عقد يؤدي إلى فوات المقصود بالعقد، أو تعذره فإنه مبطل له، أصله إذا باعه سلعة على أن لا يتصرف فيها أولا يبيعها، أو تزوج امرأة وشرط ألا يطأها، وهذه صفة تنازعنا فيه في شرط خصوص التصرف من الوجوه التي ذكرناها فوجب فساد العقد إذا وقع عليها.

[1118] مسألة: إذا قارض رجلين على أن يعملا في المال ولرب المال النصف، ولأحدهما الثلث وللآخر السدس، لم يجز إلا أن يتساويا في الربح، خلافا لأبي حنيفة والشافعي؛ لما احتج به ابن القاسم من أنهما

شريكان في العمل بأيدهما فلا يجوز تفاضلهما في الربح اعتبارا بالشركة المنفردة، ولأنه قد ثبت أن رجلين لو دفعا إلى رجل مالا قراضا على أن لأحدهما الثلث وللآخر السدس وللعامل النصف لم يجز، والعلة فيه تفاضلهما في شركة، هما متساويان في أصلها، كذلك في مسألتنا.

[1119] مسألة: إذا غصب منه دنانير أو دراهم ثم ردها عليه، فقال لست أريد قبضها ولكن اعمل بها قراضا جاز ذلك، وقال بعض أصحاب الشافعي لا يجوز؛ فدليلنا أن الشيء المغصوب باق على ملك صاحبه وهو في يد الغاصب يتمكن من التصرف فيه، فصح أن يقارضه عليه كالوديعة سواء.

[1120] فصل: ويزول عنه بذلك ضمان الغصب، خلافا للشافعي في قوله إنه مضمون عليه إلا أن يدفعه، أو يدفع ما يشتر به إلى ربه؛ لأنه ممسك للمال بأمر مالكه فزال الضمان عنه بالغصب، كما لو قال هو عندك وديعة، ولأن هذا مبني على أن يجوز رهن المغصوب فيسقط ضمان الغصب.

[1121] مسألة: ولا يجوز في القراض المطلق أن يبيع بنسيئة، إلا إذا أذن رب المال، خلافا لأبي حنيفة؛ لأنه بالنسيئة قد أخرج المال عن يده، وذلك خلاف مطلق العقد، ولأن المالك إنما رضي بتصرفه في المال على أن يكون في يده، لا على أن يجعله في ذمة غيره، فإذا خالف ضمن كسائر التعدي.

[1122] مسألة: يجوز في القراض المطلق أن يسافر به ما لم ينه عنه، وعن أبي حنيفة رواية أنه لا يجوز؛ ودليلنا أن القراض يقتضي التصرف في المال على العادة في طلب تنميته، والعادة جارية بالتجارة سفرا وحضرا، فإذا أطلق الإذن فقد دخل على العادة، فيتضمن ذلك التصرف كل ما يعتاد مثله، ولا يلزم عليه النسيئة، لأنا لا نمنعها للعادة، لكن إن لرب المال أن يمنعه ولا يأذن له في إخراج المال عن يده إلى ذمة غيره، ولأن من

السلع ما قد جرت العادة بأنه لا يشترى إلا في السفر ولا ينمى المال إلا فيه، وإلا أن يحمل إلى المواضع المقصودة به، فإذا ثبت أن له أن يشتري تلك السلعة ثبت له أن يسافر بها لأن تنميتها لا تحصل إلا به.

[1123] مسألة: لا يجوز أن ينضم إلى القراض عقد شركة، وقال أصحاب الشافعي يجوز ما لم يشترطا تفاضلاً في الربح، ودليلنا أن عقد القراض مستثنى من الأصول الممنوعة فلا يجوز إلا بقدر ما وردت الرخصة به، ولأنه لما لم يجز أن ينضم إليه عقد إجارة، فكذلك لا يجوز أن ينضم إليه عقد شركة.

[1124] مسألة: لا يجوز أن يقارضه على أن يستدين على مال القراض ويكون الربح بينهما، ولا يجوز ذلك للعامل، وقال أبو حنيفة يجوز بإذن برب المال ولا يجوز بغير إذنه، ودليلنا أن ذلك قراض وعقد شركة، وقد منعناه، ولأن عقد شركة الوجوه عندنا باطلة لو انفردت، فإذا انضمت إلى القراض كان أولى بالبطلان، ولأنه لو قال لو ابتداء استدن وأتجر على أن يكون الربح بيننا نصفين لم يجز، لأنها مضاربة بغير مال فكذلك إذا انضم إليه مال، لأن قدر ما يستدين ليس لرب المال رأس مال فيه، ولأنه لو دفع إليه مائة نقداً وعرضاً بمائة قراضاً لم يجز مع كون العرض مالاً مجملاً، فإذا قال استدن بمائة كان بالمنع أولى، ولأن كل ما لو انفردت المضاربة به لم يجز، فكذلك إذا انضم إلى رأس ماله، أصله القرض.

[1125] مسألة: لا ينفرد ملك العامل للربح إلا بالمفاصلة، وقال أبو حنيفة بالظهور، وهو أحد قولي الشافعي، ودليلنا أنه لو خسر بعد الربح لجبر رأس المال من الربح قبل المفاصلة، ولو كان ملكه متقررا على أن الربح لم يجبر به كما لو كان بعد المفاصلة، ولأنه لو كان رأس المال ألفين، فاشترى به عبدين، قيمه كل واحد ألفان، فأعتق العامل أحدهما، لم يعتق، لأنه لا يملك فيهما شيئاً، والعلة فيه أن المقاسمة لم تحصل، فلم يلتفت إلى الربح في هذه الحالة.

[1126] مسألة: للعامل إذا شخص بالمال أن ينفق في سفره منه ما يحتاج إليه لأجل السفر، والأظهر عند أصحاب الشافعي أنه ليس له ذلك؛ ودليلنا أن العامل إنما سافر بالمال طلبا للفضل لا تطوعا، فلو قلنا إنه لا يستحق النفقة لأذهبت نفقته بربحه وبأضعافه، ولأن ذلك يصير زيادة ينفرد بها رب المال، وذلك خلاف موضوع القراض، ولأن سفره لما كان لأجل المال وطلب تنميته صار كبعض كلف المال ومؤنة الأجراء.

[1127] مسألة: لا يجوز التوقيت في القراض بأن يقارضه إلى مدة معلومة لا يفسخها قبلها، ولا على أنه إذا انقضت المدة انفسخ العقد، فلم يجز أن يبيع ما اشتراه من المتاع ولا أن يستأنف شراء غيره، ومتى وقع العقد على ذلك كان فاسداً، وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز؛ ودليلنا أن القراض من العقود الجائزة لأنه كالوكالة وهو متضمن لمعناها، لأن المال للمالك، وإنما يتصرف العامل فيه لطلب الفضل فيه والنماء نيابة عن المالك، والقدر الذي يفترقان فيه أن التوكيل لا يتضمن شركة الوكيل للموكل في الربح، والقراض يتضمن ذلك، فإذا ثبت ذلك صح أنه من العقود الجائزة فيجب أن يكون ما أخرجه إلى اللزوم باطلاً لأنه يخرجه عن بابه وأصله، وتوقيته يقتضي اللزوم فوجب فساده.

[1128] مسألة: وليس للعامل أن يبضع ولا يودع إلا من ضرورة فإن فعل من غير ضرورة ضمن، وقال أبو حنيفة له ذلك من غير ضرورة؛ ودليلنا أن رب المال رضي بأمانة العامل ونظره دون نظر غيره وأمانته، فكان العامل متعديا بتسليم المال إلى غيره وإخراجه عن يده، فوجب أن يضمن كالوكيل إذا وكل غيره فيما اؤتمن عليه ولم يؤذن له، ولأنه دفع إليه المال على وجه الأمانة ليكون في يده، فلم يجز له دفعه إلى غيره أصله المودع.

[1129] مسألة: إذا شرط رب المال على العامل الضمان فالقراض فاسد، وقال أبو حنيفة العقد صحيح، والشرط باطل؛ فدليلنا أن القراض

عقد غرر مجوز مستثنى من الأصول، فلم يجز فيه إلا قدر ما ورد به الشرع، ولأن موضوعه على الأمانة، فإذا شرط فيها الضمان فقد عقد على خلاف موضوعه فوجب أن يفسد، أصله الصرف إذا شرط فيه ترك القبض، ولأن القراض موضوع على التساوي، فإذا شرط الضمان فذلك زيادة لا يقتضيها العقد، فوجب فساده كما لو شرط ربحا معلوما.

[1130] مسألة: إذا باع رب المال سلعة من مال القراض وقف ذلك على إجازة العامل، وقال أبو حنيفة إذا كان بقيمتها فأكثر جاز، وإن كان بأقل فللعامل الخيار؛ فدليلنا أنه بائع لعين منع من بيعها لتعلق حق الغير فيها، فلم يجز بيعه إلا بإذن من له حق فيها، أصله بيع الراهن والمفلس والبيع بدون القيمة.

[1131] مسألة: إذا نهى رب المال العامل عن التصرف، وقد صار ديونا، فعليه التقاضي إلى أن ينض رأس المال فإن كان فيه فضل لزمه التقاضي وإن لم يكن فيه فضل لم يلزمه؛ ودليلنا أن العامل دخل على أن يكون العمل كله عليه، كان هناك ربح أم لا، فإذا تركه ديونا احتاج ربه إلى التقاضي وذلك زيادة من العامل عليه فلم يجز، لأنه معنى يتوصل به إلى توفية رب المال رأس ماله، فكان لازما للعامل دون رب المال، أصله إذا كان المال عروضا أن للعامل بيعها.

فصول الكتاب · 57 فصل · 1030 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإشراف على نكت مسائل الخلاف · 1030 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك في الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والمرافقكتاب الحوالةكتاب الضمان والكفالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريّةكتاب الوديعةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة وكراء الأرضكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الحبس والوقف والهباتكتاب اللقطةكتاب اللقيط
كتاب النكاح
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب القسامةكتاب الحدود [الزنا]كتاب القذفكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب الضحاياكتاب الذكاةكتاب الصيدكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الجهادكتاب القطع [في السرقة]كتاب الأقضية والشهاداتكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الوصاياكتاب المواريث والفرائض
جارٍ التحميل