الإشراف على نكت مسائل الخلافصفحات 318-352
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كان طلق بن علي، يجمع بنا بفران، قرية من قرى اليمامة وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك.
وهذا كالنص.
وروت أم عبدالله الدوسية، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (الجمعة واجبة في كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة).
ولأنها إقامة صلاة فاستوى فيها أهل القرى والأمصار كسائر الصلوات.
ولأن كل عبادة لزمت أهل المصر لزمت أهل القرى والسواد، كسائر العبادات واعتباراً بالمصر بعلة اتصال البنيان وأنه يستوطنه عدد معقود بهم الجمعة.

[393] مسألة: إذا أخرت الجمعة إلى أي وقت تقام، فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن القاسم: ما لم تغرب الشمس وإن صلى بعض العصر بعد الغروب.
وقال الشيخ أبو بكر الأَبْهَرِي: ما لم يخرج وقت الظهر الضروري فيبقى قدر أربع ركعات إلى مغيب الشمس، فإن بَقيَ من النهار ما يخطب ويصلي ركعتين، ثم يبقى أربع ركعات للعصر أقيمت الجمعة هكذا ذكر ذلك فيما شرح من مسائل الأسدية، وفي تعليق بعض أصحابنا عنه ما لم يخرج وقت الظهر المختار، وقد بينت كل قول في شرح مختصر ابن أبي زيد، وإنما الغرض هاهنا إذا كان في الجمعة وخرج وقتها ودخل وقت العصر.
وقال الشيخ أبو بكر: ينظر فإن كان قد صلى ركعة بسجديتها قبل دخول وقت العصر فإنه يتمها جمعة وإن كان قد صلى دون ذلك بنى وأتمها ظهراً.
وقال الشافعي ظهراً،، ولم يفصل.
وقال أبو حنيفة تبطل صلاته ويستأنف ظهراً.
ودليلنا على أن الصلاة لا تبطل أنها صلاة صح افتتاحه لها ولم

تبطل بخروج وقتها كسائر الصلوات.
ولأن إدراك الصلاة ركعة يعتبر في موضعين في الفعل والوقت، ثم ثبت أنه لو أدرك مع الإمام ركعة وسلم الإمام أنه يتمها ولا تبطل صلاته، فكذا إذا أدرك ركعة وخرج الوقت فيجب أن لا تبطل، وتحريره أن يقال لأنه معنى اعتبر إدراك الصلاة به بقدر ركعة فزواله لا يمنع صحتها كسلام الإمام.
ودليلنا على جواز البناء أن الجمعة أقوى من الظهر فكانت نيتها مقام نية الظهر؛ لأنها إما أن تكون في معنى المقصورة أو بدلا عن الظهر فجاز أن يبني بنية الظهر عليها.

[394] مسألة: ليس من شرط إدراك الجمعة إدراك الخطبة.
خلافاً لما حُكِيَ عن طاووس.
لقوله: (من أدرك من الجمة ركعة فقد أدركها).
ولأنه ذكر قبل الصلاة فوجب أن لا يكون إدراكه شرطاً في إدراكها كالأذان والإقامة.

[395] مسألة: إذا جاء بعد رفع الإمام رأسه من الركوع من الثانية فقد فاتته الجمعة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه يكون مدركاً لها بإدراك ما دون الركعة من السجود والتشهد.
لقوله عليه السلام: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها).
فعلق الإدراك بقدر ركعة فانتفى عما دونها.
وروي (من أدرك من الجمعة ركعة، أضاف إليها أخرى، فإن أدركهم في التشهد صلى أربعاً).
ولأنه أدركه بعد رفع رأسه من ركوع الثانية كما لو أدركه بعد قعوده قدر التشهد.
ولأنه لم يدرك معه بعد شروعه في الصلاة وما يعتد به من فرضه كما لو أدرك معه التسليمة الثانية.
ولأن كل ما كان فرضاً في صلاة المنفرد لم تسقط عنه بغير إدراك ركوع الإمام، أصله إذا لحق الإمام قدر رفع رأسه من الركوع في سائر الصلوات.
ولأن الجماعة شرط في الجمعة؛ لأنه لا تصح للمنفرد فعلها ومتى أجزنا له بإدراكه الإمام في التشهد أن يأتي بجمعة حصل منه أن يأتي بها منفردا لأنه لم يفعل مع الإمام شيئا يعتد به منها.
ولأن إدراك الصلاة يكون بإدراك ركعة ليضيف الثانية إلى أصل تكون تابعة له ما دون الركعة ليس بأصل، فيكون متبوعاً لأنه لا حكم له في الإدراك كسائر الصلوات.
ولأن إدراك الجمعة يتعلق بأمرين: بالفعل والوقت وقد ثبت أنه لو أدرك من الوقت أقل من مقدار ركعة لم يلزمه السعي إلى الجمعة فكذلك إذا أدرك من فعلها مثله.

[396] مسألة: لا تفتقر إقامة الجمعة إلى سلطان خلافاً لأبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾، ولم يشترط إذن السلطان.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الجمعة واجبة على كل مسلم).
ولأن ذلك إجماع الصحابة؛ لأن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - صلى بالناس الجمعة وعثمان - رضي الله عنه - محصور، وكان الإمام عثمان

ولم يذكر أنه استأذنه، وقد كان قادراً على ذلك.
وقد كان سعيد بن العاص أمير المدينة فأخرجوه منها وجاء أبو موسى الأشعري فصلى بالناس الجمعة.
وروي أن الوليد كان أميراً بالكوفة فأخر الجمعة تأخيرا شديدا فصلى ابن مسعود بالناس.
فكل ذلك أمر ظاهر مشهور لم يجر فيه

نكير، ولأنه صلاة فلم يكن من شرط إقامتها الإمام كسائر الصلوات ولأنها عبادة على البدل كالحج.

[397] مسألة: العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، لم يقدر أصحابنا فيه قدرا محصوراً أكثر من أن يكونوا عدداً تَتَقَرىّ بهم قرية، ويمكنهم الإقامة، ويكون بينهم الشراء والبيع.
ومنعوا ذلك في الثلاثة والأربعة وشبههم، وقال أبو حنيفة: تنعقد بأربعة الإمام وثلاثة سواه، وقال أبو يوسف ثلاثة منهم الإمام.
وقال الشافعي: لا تنعقد بأقل من أربعين سوى الإمام.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾، وقوله: (الجمعة واجبة على كل مسلم)، وقوله: (الجمعة على من سمع النداء).
وحديث جابر قال: (أقبلت عير بتجارة يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فانصرف الناس ينظرون، فما بقي غير أثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾،.
ولأن التحديد لا يصار إليه إلا بتوقيف وذلك معدوم واعتباراً بالأربعين لعلة حصول عدد تَتَقرى بهم القرية، ويمكن فيهم الإقامة.
ودليلنا على أصحاب أبي حنيفة، أن الجمعة لما كان من شرطها الإقامة بدليل سقوطها على أهل البادية وجب أن يكون من شروط وجوبها من يمكنه الإقامة من الجمع ومعلوم أن ذلك لا يمكن في الاثنين والثلاثة والعدد القليل فوجب أن يراعى ما يمكن ذلك فيه.

[398] مسألة: إذا انفضوا عنه بعد أن أحرم بهم، فإن كان قبل أن يتم ركعة بسجدتيها أتمها ظهرا أربعا، وإن كان بعد أن عقد ركعة بسجدتيها ضم إليها أخرى وكانت جمعة، وسواء بقي وحده أو بقي معه من لا

تنعقد بهم جمعة، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه راعى سجدة من الأولى.
وللشافعي خمسة أقاويل، إلا أن الذي يناظرون عليه، وهو الصحيح عندهم أنه يتمها ظهراً.
لأن العدد شرط الإستدامة من أول الصلاة إلى آخرها، كما أنه شرط في الإبتداء.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى) وهذا عام في الإمام والمأمومين.
ولأنه حصل له إدراك ركعة من الجمعة، فجاز البناء عليها، لأنه يقدر على الجماعة كالمأموم.
ولأن الخوف لو نزل في الحضر فصلى بهم الإمام الجمعة، لكان يصلي بالطائفة الأولى ركعة ثم يثبت قائما وحده ويتم هؤلاء بقيتها، ثم تأتي الطائفة الثانية، فيتم بهم الجمعة، وإن كان قد بقي وحده بعد أن صلى بالأولى ركعة كذلك في مسألتنا بل هو في مسألتنا أخف؛ لأن الإجماع موجود في صلاة الخوف، ومعدوم في مسألتنا، إلا أن ذلك أجزأ للضرورة.

حكم السجود على ظهر إنسان من أجل الزحام

[399] مسألة: إذا اشتد الزحام فلم يجد موضعا يسجد عليه لم يسجد على ظهر إنسان فإن فعل لم يجزه وأعاد أبدا.
خلافاً للشافعي في قوله أنه يسجد على ظهر إنسان إذا أمكنه.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
وقوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، وانتفى بذلك جواز السجود على غيرها.
ولأن ما ينتقل بنفسه لا يجزئ السجود عليه كالبهيمة؛ ولأن ضرورة الزحمة لا تبيح السجود على ما ليس بمحل له في غيرها كالموضع النجس.
ولأن كل ما لم يكن محلاً للسجود في غير الزحمة لم يكن محلاً للسجود في وقوعها كالإيماء.

فوات المأموم السجود مع الإمام من أجل الزحمة

[400] مسألة: إذا ركع مع الإمام في الأولى ثم ضُغِطَ فلم يتمكن من السجود حتى ركع الإمام في الثانية، فإنه يلغي الأولى ويتبعه في الثانية، وتصير الثانية أولاه , وقال أبو حنيفة: يتشاغل بما فاته وإن فاته الركوع في الثانية مع الإمام.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا، والآخر: يتبعه ويلغي الركوع الأول كقولنا.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)، فإذا ركع الإمام في الثانية وتشاغل المأموم بالسجدة الأولى حصل مخالفاً عليه.
ولأنه أدرك الإمام راكعاً فوجب أن يركع معه، أصله المسبوق إذا أدرك الإمام راكعاً.
ولأنه مأمور بالمتابعة وفي تشاغله بصلاة نفسه قطع للمتابعة لإمامه فلم يجز ذلك اعتباراً بالمسبوق.
ولأن المأموم قد يترك فرض نفسه ليتبع إمامه في فعله ألا ترى أن من أدرك الإمام ساجداً فكبر خلفه فإن عليه متابعته في فعله وإن كان فرض نفسه هو القيام والركوع، كذلك في مسألتنا, عليه إتباعه في فعله، وإن كان فرضه هو السجود واعتباراً به إذا لم يتخلص إلا بعد رفع الإمام رأسه من الركعة الثانية.

قطع الإمام الصلاة من أجل العذر وحكم الاستلاف

[401] مسألة: إذا ناب الإمام ما قطع عليه الصلاة أو احتاج معه إلى الخروج منها، كغلبة الحدث أو الرعاف، أو ذكر أن عليه صلاة أخرى - على إحدى الروايتين - فإنه يستخلف من يتم، خلافا للشافعي في منع ذلك.
ولما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب ليصلح بين بني عمرو بن عوف فقدم الناس أبا بكر، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رآه الناس صفقوا، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثروا التفت، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأخر، فقال له:

"مكانك" فتأخر وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه صلاة بإمامين.
ولأنه شخص من شرط صحة الجماعة فجائز أن يبدل، كالمأموم ولأن طريق الجماعة الفضيلة وليست تختل بتبدل الإمام لأن الثاني يقوم مقام الأول.
[تم الجزء الخامس من كتاب الإشراف]

بسم الله الرحمن الرحيم استعنت بالله

متى يصلي الظهر من تلزمه الجمعة؟

[402] مسألة: إذا صلى الظهر في بيته وهو ممن تلزمه الجمعة، فإن كان في وقت لو سعى إلى الجمعة لأدركها أو ركعةً منها فلا يجزيه، ويعيدها أبدا، وإن كان في وقت لو سعى إلى الجمعة لم يدرك ركعة منها أجزأه ,. وقال أبو حنيفة: يجزيه من غير تفصيل، إلا أنه قال: فإن سعى إلى الجمعة بعد أن صلى الظهر بطلت ظهره، فإن أدرك الجمعة صلاها، وإلا أعاد ظهراً، والكلام معه في فصلين: أحدهما: في فرض الوقت ما هو؟ فعندنا أنه الجمعة، وعندهم الظهر.
والآخر: هل يجزيه الظهر أم لا؟.
فدليلنا أن فرض الوقت الجمعة قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾، وإيجاب السعي إلى الصلاة بعينها يقتضي أن تكون هي الفرض، فإذا ثبت هذا انتفى أن يكون فرضه الظهر؛ لأن ذلك يوجب أن يكون عليه فرضان وذلك باطل، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (الجمعة على كل مؤمن)، وذلك يقتضى أن تكون فرضاً بنفسها.
ولأنها صلاة يأثم بترك أدائها كالصبح، ولأنها صلاة مؤقتة يلزم أداؤها في وقتها، فكانت واجبة بنفسها كالعصر والمغرب.
ولأن الفرض مأمور بفعله، ويحرج بتركه

وهذه صفة الجمعة دون الظهر.
ودليلنا على أنها صلاة محكوم بفسادها إذا سعى إلى غيرها فوجب أن يحكم بفسادها قبل السعي، أصله إذا صلى محدثا أو قبل وقتها.

صلاة الظهر عند فوات الجمعة

[403] مسألة: إذا فاتتهم الجمعة فالمستحب لهم أن يقضوها ظهراً منفردين.
خلافاً للشافعي في استحبابه لهم أن يقضوها ظهراً في جماعة؛ لأن من أصلنا الحكم بالذرائع، وهي منع ظاهر الشيء المباح إذا كان فيه تطرق لأهل البدع إلى الشيء المحظور، وفي قضاء الظهر هاهنا جماعة ذريعة إلى المبتدعة في فوات الجمعة ليصلوا الظهر خلف من يعتقدون إمامته، ويظهرون فوات الجمعة فوجب كراهتها لذلك.

السفر يوم الجمعة

[404] مسألة: السفر يوم الجمعة قبل الزوال مكروه غير ممنوع، خلافاً لأحد قولي الشافعي أنه ممنوع.
لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جهز جيش مؤتة يوم الجمعة، وفيه جعفر بن أبي طالب وعبدالله ابن رواحة، فخرج جعفر وأقام عبدالله حتى يصلي الجمعة فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (ما أخرك؟) قال الجمعة.
فقال عليه السلام: (لروحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها فانطلق سائراً).
ولأن وقت وجوبها لم يدخل فأشبه ما قبل الفجر.

[405] (فصل): فأما إذا زالت الشمس فلا يجوز السفر لمن تلزمه الجمعة خلافاً لما يحكى عن بعض أصحاب أبي حنيفة.
لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا﴾ والأمر بالفعل نهي عن ضده.
ولأنه قد تعين عليه فعل الجمعة، فلم يجز له تركها بالسفر، أصله، إذا أحرم بها.
ولأن هذا مبني على أصلنا أن الصلاة تجب بأول الوقت ولا يجوز أن يتشاغل عنها بما يسقطها من غير ضرورة.

تحية المسجد أثناء الخطبة

[406] مسألة: إذا دخل والإمام يخطب جلس ولم يركع تحيه المسجد، خلافاً للشافعي.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت)، ومعلوم أن ذلك زجر عن ترك الإنصات، وإذا زجر عن هذا القدر فما زاد عليه أولى بالمنع ولأن القول: أنصت من مصالح الإنصات ودعاء إليه، فإذا كان ذلك منهياً عنه مع قلة خطره ويسارة التشاغل به، كان ما زاد عليه وما ليس من بابه أولى.
وروي (إذا خطب الإمام فلا صلاة ولا كلام).
ولأنه معنى يشغل عن استماع الخطبة كالكلام والأكل، ولأنها صلاة ابتدئت حال خطبة الإمام، كالتنفل المبتدأ، ولأن كل حال لو كان عليها وهو في المسجد لم يجز له ابتداء التنفل

معها، فكذلك إذا صادفها دخوله، أصله حال إقامة الإمام، أو حال تلبسه بالصلاة.
ولأن كل صلاة لورامها من هو في المسجد لم يجز له، فلا يجوز للداخل، أصله ما ذكرناه.

حكم الخطبة وصفتها

[407] مسألة: الخطبة شرط في انعقاد الجمعة.
خلافاً لعبد الملك،، وداود، لأنه - صلى الله عليه وسلم - خطب وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).

[408] مسألة: وفي صفتها روايتان: إحداهما: أنه لا يجزئ إلا ما له بال من الكلام، يسمي مثله العرب خطبة.
والأخرى: أنه لو سبَّح أو هلل فقط، أعاد ما لم يصل، فإن صلى لم يعد.
فدليلنا على ()، الأول قوله عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلى) ولم نره اقتصر على تسبيح أو تسبيحتين.
ولأنه إذا وجب الاسم وجب الرجوع فيه إلى العادة والعرف، والعرب تفرق بين الخطبة وغيرها، ولا تسمي، من قال سبحان الله ولا إله إلا الله وإن كرره خاطباًفلم يجز.

[409] مسألة: إذا أتى ببيان وكلام مؤقّت ممتد يجمع موعظة وحمد الله والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعض ذلك كفاه، خلافاً للشافعي في قوله: أقل ما يجزيه أن يحمد الله ويصلى على نبيه ويوصي فيقول: اتقوا الله، ويقرأ شيئا من القرآن؛ لأن اسم الخطبة يقع على الكلام المجتمع أو الوصف وإن لم يجمع ما اعتبروه؛ لأن ذلك لما لم يكن من شرطه في اللغة قبل الشرع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون القرآن والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد شرع بنقل الاسم عما كان عليه، وجب أن يجزئ ما يقع عليه الاسم.

حكم الإنصات والكلام

[410] مسألة: الإنصات للخطبة واجب، خلافاً لأحد قولي الشافعي.
لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قيل ذلك في الخطبة.
وقوله عليه السلام: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت)، مفهومه الإتيان بالأمر المنهي عنه وهو التشاغل عن الإنصات.
وقوله عليه السلام: (إذا خطب الإمام فاستقبلوه بوجوهكم، واصغوا إليه بأسماعكم)، وهذا أمر وهو على وجوبه.
وقوله عليه السلام: (من تكلم والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفارا والذي يقول أنصت لا جمعة له) ففيه دليلان: أحدهما: تشبيهه إياه بالحمار، ومعلوم أن ذلك صفة ذم ونقص لا يوصف بها تارك الندب.
والآخر: نفي أن يكون له جمعة، وقد علمنا أنها جمعة، فلما استعار له لفظ نفي الأجزاء وعدم الصحة، دل على تأكيد منعه وشدة تحريمه، ولأن الصلاة قربة وطاعة وقد حرمت لأجل الخطبة فبأن يحرم الكلام أولى.
ولأن الإباحة للكلام وترك الإنصات استخفاف بالإمام، وإبطال لمعنى الخطبة، وإزالة لفائدة الخطب، وذلك من أولى ما وصف بأنه محرم.

[411] مسألة: الحديث والكلام جائز وإن صعد الإمام على المنبر، ما لم يفرغ المؤذنون ويأخذ في الخطبة، خلافاً لأبي حنيفة في قوله يحرم بنفس صعوده.
لقول - صلى الله عليه وسلم -: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) فعلق ذلك بحال الخطبة، ولأنه قبل الشروع في الخطبة فأشبه قبل صعوده، ولأن الكلام إنما منع للإنصات، فإذا لم يكن ما ينصت له لم يحرم.

الجلوس قبل الخطبة والقيام فيها

[412] مسألة: السنة في الخطبة أن يجلس في أولها ووسطها، فإن خطب ولم يجلس قال أصحابنا: قد أساء ويجزيه، خلافاً للشافعي في قوله: إن لم يفصل بينهما بجلسة فلا يجزيه.
لأنهما ذكران يتقدمان الصلاة، فلم يكن الجلوس بينهما شرطا كالأذان والإقامة.
ولأنه قعد على المنبر قبل خطبته فلم يكن شرطاً كالأول، ولأن الغرض بالقعود الفصل بين الخطبتين والإعلام بالفراغ من الأولى، وذلك لا يوجب كونه شرطا كقوله: (اذكروا الله يذكركم).

[413] مسألة: الذي يقوله من أدركنا من شيوخنا: إن القيام في الخطبة واجب بالسنة، وإن خطب جالسا كره له ذلك وأجزأه.
خلافاً للشافعي في قوله إن القيام شرط فيها، كما أنهشرط في الصلاة.
لأنه ذكر يتقدم الصلاة لأجلها، فلم يكن من شرط صحته القيام، كالأذان والإقامة، ولأن الغرض به أن يشاهده الناس وينظروه ويتمكنوا من سماع الخطبة، فلم يؤثر الإخلال به كالصعود على المنبر.

سلام الإمام على الناس إذا رقى المنبر

[414] مسألة: ليس من السنة أن يسلم إذا رقى في المنبر، خلافاً للشافعي.
لأن ذلك عمل أهل المدينة المتصل بينهم، فلو كان عندهم شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعدلوا عنه، ولأن صعوده على المنبر اشتغال بافتتاح عبادة، فلم يشترط فيه السلام كسائر العبادات، ولأنه ذكر يتقدم

الصلاة كالأذان والإقامة، ولأنه خطبة كالثانية.

الطهارة في الخطبة

[415] مسألة: الأفضل أن يخطب على طهر، فإن خطب محدثا كره ذلك وأجزأه.
خلافاً لأحد قولي الشافعي: إنها لا تجزئ إلا بطهارة؛ لأنه ذكر يتقدم الصلاة، فلم يكن من شرطه الطهارة كالأذان، ولأنه ذكر ليس من شرطه استقبال القبلة كالتلبية والشهادتين.

اشتراط حضور العدد الذي تنعقد بهم الجمعة من أول الخطبة

[416] مسألة: لا نحفظ نصا عن مالك ولا عن أصحابه المتقدمين هل من شرط إجزاء الخطبة أن تكون بحضرة من تنعقد بهم الجمعة وشيوخنا يقولون: يجيء على المذهب أن ذلك شرط فيها، خلافاً لأبي حنيفة.
لقوله - صلى الله عليه وسلم - (صلوا كما رأيتموني أصلى)، ولم نره يخطب وحده، وإنما خطب بحضرة العدد الذين تنعقد بهم الجمعة، ولأنه ذكر جعل شرطاً في صحة الجمعة وانعقادها، فوجب أن يكون من شرطه اجتماع العدد، كتكبيرة الإحرام.
ولأنه الغرض بالخطبة الوعظ والتذكير، وذلك ينافي كونه وحده.

القراءة في صلاة الجمعة

[417] مسألة: المستحب أن يقرأ في الأولى بسورة الجمعة، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها وغيرها سواء؛ لأنه عليه السلام كان يفعل ذلك ويداوم عليه هو ومن مضى من السلف بعده.
ولأن فيها ذكرا بالجمعة والحض عليها، وكثيراً من أحكامها، من النداء لها، وتعليق السعي به، ومنع البيع بعده، وجواز الانتشار بعد الفراغ منه، ووجوب الخطبة

والإنصات لها، فكان قراءتها أولى ليتجدد على استماع، الناس.

[418] مسألة: المستحب في الثانية الغاشية فإن قرأ بسورة "المنافقون"،جاز، وقال الشافعي يستحب "المنافقون" خاصة.
ودليلنا حديث النعمان، وسمرة، أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الثانية بالغاشية واستحببنا ذلك للمداومة.

وقت صلاة الجمعة

[419] مسألة: لا يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال، خلافاً لأحمد بن حنبل.
لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾، ودلوكها زوالها، وقال أنس: (كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمعة إذا زالت الشمس).
وفي

حديث سلمة بن الأكوع (إذا دلكت).
ولأنها لا تخلو أن تكون ظهراً قصرت فوقتها لا يختلف أو بدلا من الظهر فكذلك أيضا؛ لأن البدل لا يجب وقته قبل وقت مبدله.
ولأنها صلاة تليها العصر، فكان وقتها الزوال كالظهر.

إمامة المراهق والعبد

[420] مسألة: لا تجوز الجمعة خلف المراهق خلافاً: للشافعي، لأنه متنفل بصلاته والمتنفل لا يكون إماما للمفترض على ما بيناه.

[421] مسألة: وفي إمامة العبد فيها خلاف، قال ابن القاسم: لا تجوز وقال أشهب: تجوز، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والصحيح قول ابن القاسم.
لأنه ممن لا تلزمه الجمعة لنقص فيه، فلم تجز إمامته فيها كالمرأة، ووجه قول أشهب أن كل من صحت إمامته للرجال في فرض غير الجمعة صح في الجمعة كالحر.

[422] مسألة: لا جمعة على عبد، خلافا: لداود.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة، عبد مملوك أو امرأة، أو صبي، أو مريض).
ولأنه ذو نقص في نفسه مؤثر في منع شهادته، فلم تلزمه الجمعة كالمرأة.

تعدد الجمعة في المصر الواحد

[423] مسألة: لا تنعقد الجمعة في المصر الواحد إلا في موضع واحد، خلافاً لأبي حنيفة ومحمد.
لقول تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا﴾، فكان هذا مجملا فبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله، فأقام الجمعة في موضع واحد، مفتتحاً لها مبتدئاً أقيمت في خمس مواضع وأكثر، ولأن السعي إلى الأولى قد وجب بالنداء إليها، والثانية يقع منهياً عنها؛ لأن على من يقيمها أن يسعى إلى الأولى ويترك ما هو فيه.
ولأنها لو جازت في موضعين لكان من سمع النداء فيهما لا يخلو من أن يجيبهما، ولا يمكن ذلك، أو أن يكون مخيرا وليس في ذلك تخيير فلم يبق إلا المنع.
ولأنها لا يخلو أن تكون كسائر الجماعات أو بخلافها، فإن كانت كسائر الجماعات جازت في كل مسجد، ولم يقف () على موضعين وثلاثة وإن كانت مختصة فذلك ما قلناه.

اجتماع جمعة وعيد

[424] مسألة: إذا اتفق عيد وجمعة لم يسقط أحدهما بالآخر، خلافاً لأحمد بن حنبل.
لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾.
وقوله عليه السلام: (الجمعة على كل مسلم)، ولأن شرائطها موجودة فلزمت إقامتها، أصله إذا لم يكن عيد، ولأن صلاة العيد سنة لم تسقط فرض كصلاة الكسوف، ولأن الجمعة آكد؛ لأنها فرض فإذا كانت لا تسقط الأضعف كان الأضعف بأن لا يسقط الآكد أولى.

تحريم البيع عند الأذان

[425] مسألة: إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون في

الأذان، حرم البيع وفسخ ما وقع منه في تلك الحال، لا فرق بين من تلزمهما الجمعة أو أحدهما.
خلافاً لأبي حنيفة والشافعية.
لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ ففيه دليلان: أحدهما: قوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ وذلك أمر بالسعي، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فيجب أن يكون منهيا عما يشغله عنه، والنهي يقتضي الفساد.
والآخر: قوله عز وجل: ﴿وذروا البيع﴾، وهذا نص في تحريمه، وذلك يتضمن فساده إذا وقع، ولأنه عقد معاوضة نهي عنه لحق الله، لا يجوز التراضي بإباحته، فوجب فساده، أصله نكاح المحرم.

باب في صلاة الخوف

[426] مسألة: صلاة الخوف جائزة في وقتنا هذا خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن جوازها كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة.
لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾، والأصل مساوتنا له في الأحكام، إلا ما قام الدليل على خصوصه، ولأنه إجماع الصحابة وروي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة .......

وزيد بن ثابت، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن سمرة، فمنهم من روي عنه فعلها، ومنهم من روي عنه الفتوى بجوازها، ولم يذكر عن أحد منهم خلافه.
ولأنه ضرب من العذر يُغيّر بنية الصلاة، فوجب أن يكون حكمنا فيه كحكمه، كالسفر والمرض، ولأن المعنى الذي له أمر بصلاة الخوف يُعْلَم بحراسة المسلمين وحفظهم والتحرز من عدوهم، وهذا المعنى يحتاج إليه في كل وقت، فلم يختص عليه السلام بذلك دون أمته.

[427] مسألة: صفة صلاة الخوف في السفر عندنا أن يتقدم الإمام بطائفة، ويترك طائفة قائمة بإزاء العدو، فيصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يثبت قائماً، تم يصلون لأنفسهم ركعة، ثم يسلمون ويمضون، فيقومون مقام أصحابهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيحرمون خلف الإمام، فيصلي بهم الركعة الثانية، ثم يتشهد ويسلم، ثم يصلون الركعة التي فاتتهم، هذا في غير المغرب، وقال أبو حنيفة: يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة بسجدتيها، ثم تنصرف فتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة الثانية ويتشهد ويسلم وحده، ثم تنصرف هذه الطائفة فتقف بإزاء العدو وتأتي الطائفة الأولى فتقضي لأنفسها ركعة بسجدتيها وحدانا بغير إمام وتتشهد وتسلم، ثم تنصرف وتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتقضي مثل ذلك.
والكلام في هذه المسألة يقع في ترجيح بعض هذه

الأخبار على بعض لأن كلينا قد روى خبراً صار إليه، فصرنا إلى خبر صالح بن خوات، وسهل بن أبي حثمة، وهو أولى من أخبارهم لضروب من الترجيح، منها: أن رواة أخبارنا أكثر عدداً؛ لأنها رويت عن ثلاثة من الصحابة وسائر ما رووا في ذلك رواية واحدة فقط إلا حديث ابن مسعود وهو مختلف عليه فيه.
ولأن ظاهر القرآن معنا، وهو قوله تعالى: ﴿فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾، فأفردهم بالسجود فاقتضى ذلك أن يسجدوا لأنفسهم سجوداً ينفردون به، لا يشركهم فيه الإمام في الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾، وهذا لا يمكن إلا على ما نقوله: أن كل طائفة تصلي ما بقي عليها في حال صلاة الإمام، وعلى مذهب أبي حنيفة لا تصح؛ لأن القضاء عنده إنما يكون بعد فراغ الإمام من

الصلاة، وقال أحمد ابن المعذل.
ولأن ما قلناه أحوط، ولأن انصراف الطائفة الأولى التي قد صلت مع الإمام ركعة إلى مكان الطائفة الواقفة بإزاء العدو إنما هو للحفظ والحراسة فيجب أن تقف في مكانها وهي فارغة لما وقفت له غير مشغولة بمراعاة ما سواه؛ لأن ذلك أمكن في التحفظ وأقوى في التحرز، وأشبه بالمعنى الذي له استدعيت لتقوم فيه، ولأنهم ربما احتاجوا في التحفظ إلى كلام وصياح، وغير ذلك مما إذا فعلوه بطلت صلاتهم بفعله، فيزال ما بني عليه أمر صلاة الخوف من الاحتياط للصلاة.

[428] (فصل): اختلف قول مالك: هل يسلم الإمام قبلهم أم ينتظرهم حتى يقضوا ثم يسلم بهم؟ فوجه قولهم ينتظرهم، وهو قول الشافعي قوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ وهذا يفيد جميع الصلاة.
ولأنه تُؤَدّي إلى التسوية بين الطائفتين في الفضيلة، ولأن الخبر بذلك مسند والآخر موقوف.
ووجه قوله يسلم قبلهم، هو أن تغيير الصلاة للخوف إنما جاز للضرورة، فإذا استوت الحال حملناها على الأصل، وهاهنا لا فصل بين سلام قبلهم وبين انتظاره إياهم في باب الضرورة، ولأن انتظاره إياهم زيادة عمل في الصلاة غير محتاج إليه في صلاة الخوف، ويفارق فيه قيامه بين الركعتين لانتظاره الطائفة الأخرى؛ لأن ذلك محتاج إليه، ولأن من خلفه لا

يقفون على وقت فراغه من تشهده ليقوموا لقضاء ما عليهم، إلا بأن يشير بيده، أو يلتفت أو يفعل ما يشعرهم به أنه قد فرغ، وذلك مكروه، فكان التسليم أولى، ولأنه قد لا يصل إلى العلم بفراغ جميعهم من تلك الركعة، لاختلاف أحوالهم في القضاء من السرعة والإبطاء، فلا يخلو أن يسلم على حسب ما يغلب على ظنه من فراغهم، فيؤدي إلى فوات الفضيلة لبعض الطائفة، ومراعاة الفضيلة للبعض، كمراعاتها للكل، وأن ينتظرهم الانتظار الذي يعلم في العادة أنه لم يبق منهم إلا من قد صلى فيؤدي ذلك إلى زيادة في الصلاة لا يحتاج إليها، ولأن الذي تفوته هو العدل بين الطائفتين؛ لأن الأولى لما كان ابتداء شروعها في القضاء بعد انفصاله عن الركعة الأولى، فيجب أن يكون كذلك على الأخرى، وهذا لا يمكن إلا بعد سلامه.

[429] مسألة: وفي المغرب يصلي بالأولى ركعتين.
خلافاً لبعض الشافعية في تخريجهم أنه يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين؛ لأنها مبنية على التخفيف والاحتياط، وما نقوله أقرب إلى ذلك؛ لأنه إذا صلى بالأولى ركعتين وقف منتظراً لقضاء ركعة فهو أولى من أن يقف لانتظار قضاء ركعتين، ولأنها لما لم تثبت على المساواة، فكانت الركعة لا تنقسم كان أول الصلاة أولى بالإكمال من أخرها، كما كان ذلك في القراءة بالسورة والجهر.

[430] (فصل): إذا صلى بالأولى ركعتين، ففي وقت قضائهم وانتظار الأخرى روايتان.
إحداهما: أنه إذا فرغ من تشهده أشار إليهم فقاموا، ثم تأتي الأخرى فيقوم فيصلي بهم الركعة، الثالثة.
والأخرى أنه يقوم إلى الثالثة فتتم الأولى، ويثبت قائماً حتى تأتي الأخرى.
فوجه الأولى: هو أن صلاة الخوف مبنية على المساواة.
وانتظاره

إياهم في الجلوس أقرب إلى المساواة؛ لأنهم يدركونه في أول قيامه.
ووجه الثانية: ما ذكرنا بأنهم لا يقفون على فراغه من تشهده إلا بأن يشير إليهم وذلك زيادة عمل في الصلاة مكروهمع استغنائه عنه.

[431] مسألة: الخوف لا تأثير له في إسقاط بعض الركعات، فإن كان في الحضر صليت أربعاً وإن كان في السفر صليت ركعتين، والرخصة في تغيير الهيئة فقط.
خلافاً لما يحكى عن جابر أنها ركعة للمأموم وركعتان للإمام، لما رويناه من صلاته - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف لهم على الصفة التي نقلوها وهو كالنص.
ولأن المأموم إذا ساوى إمامه في صفته وحاله ساواه في قدر الصلاة وكيفيتها كما لو كانا حاضرين أو مسافرين.

[432] مسألة: إذا اشتد خوفهم صلوا على حسب قدرتهم، مشاة وركبانا إلى القبلة وغيرها، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا تجوز حال المسايفة وتؤخر إلى وقت الأمن.
لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾، إلى قوله: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾، فأمر بفعلها حال الخوف بحسب ما يقتضيه الحال.
وروى الزهري عن سالم، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر صلاة الخوف وقال: (فإن كان الخوف أشد من ذلك صلوا رجالاً أو ركباناً مستقبلي القبلة ومستدبريها) وهذا نص.
ولأن

كل من لم يجز له تأخير الصلاة عن وقتها في غير الخوف، لم يجز له ذلك حال الخوف، أصله في غير المسايفة، ولأنه من أهل الصلاة، فلم يجز له إخراجها عن وقتها كالراكب حال الخوف، وكالمريض الذي لا يقدر إلا على الإيماء، ولأن كل من لزمه قضاء صلاة بعد خروج وقتها لم يجز له تأخيرها عن وقتها كالمغمور بالنجاسة -والله أعلم-.

باب في صلاة العيدين

[433] مسألة: صلاة العيدين سنة مؤكدة.
خلافاً لمن قال من الشافعية إنها من فروض الكفاية، لأنها صلاة تشتمل على ركوع وسجود ليس من سنتها الأذان بوجه فوجب أن تكون نافلة، غير فرض على الأعيان ولا الكفايات كسائر النوافل.
ولأنها لا إقامة فيها أعني العيدين.

[434] مسألة: التكبير مسنون مستحب في يوم العيد في الطريق والجلوس، خلافاً: لأبي حنيفة في كراهية ذلك يوم الفطر، لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾، قال ابن عباس (حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا الله تعالى حتى يفرغوا من عيدهم).
وروى الزهري قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج يوم العيد فيكبر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى).
ولأنه يوم يصلى فيه صلاة

العيد فوجب أن يكون التكبير مسنون فيه، أصله الأضحى.

[435] مسألة: ينقطع التكبير بخروج الإمام للصلاة.
خلافا للشافعي في أحد قوليه، أنه ينقطع إذا أحرم بالصلاة، لأن الإمام إذا خرج للصلاة وجب إتباعه فيما يفعله، فيكبر بتكبيره ويسكت بسكوته، اعتبارا بتكبيره في تضاعيف الخطبة.

[436] مسألة: يكبر يوم الفطر دون ليله، خلافا للشافعي لأنه تكبير يختص استحبابه بالعيد، فوجب أن يكون يوم العيد دون ليله، كالتكبيرات الزوائد في الصلاة.

[437] مسألة: زوائد التكبير ست في الأولى وخمس في الثانية، خلافا لأبي حنيفة في قوله إنها ست: ثلاث في الأولى، وثلاث في الثانية.
وللشافعي في قوله سبع في الأولى، لما روى ابن عمر وعائشة، وأبو واقد الليثي، وعمرو بن عوف المزني، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في

العيدين سبعا في الأولى، وخمسا في الثانية، قبل القراءة، وروى عبد الله بن عمرو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة) , وهو إجماع أهل المدينة نقلاً.

[438] مسألة: والتكبير في الركعتين جميعاً قبل القراءة , خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه يأتي في الثانية بالقراءة ثم بالتكبيرات الزوائد, فيصلها بتكبيرة الركوع لحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في الثانية خمساً قبل القراءة , وفي حديث ابن عمر أن التكبيرات في الركعتين معاً قبل القراءة, وفي حديث عبد الله بن عمرو القراءة بعدهما كلتيهما , ولأنهما تكبيرات زوائد في صلاة عيد, فكان قبل القراءة كالركعة الأولى.

[439] مسألة: الظاهر أن اليدين ترفع في تكبيرة الإحرام

وحدها خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لأن ما بعدها تكبير ليس بركن, كتكبيرات الركوع والسجود.

[440] مسألة: إذا صعد المنبر ففي جلوسه قبل الخطبة روايتان: إحداهما: يفعله كالجمعة, والثانية أنه يخطب ولا يجلس , لأنه في الجمعة انتظار الفراغ من الآذان وذلك معدوم في العيد.

[441] مسألة: الأفضل أن يصلي في المصلى خلافاً للشافعي في قوله: إنها في المسجد أفضل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها في المصلى ويداوم عليها، وروى أبو هريرة قال: (أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد في المسجد)، فهذا يدل على أنه للعذر عدل عن المصلى للمسجد، ولأن القصد من العيد إظهار الزينة والفخر، وإعلان جمال الإسلام وزينته وعساكره، وذلك إنما يتبين في الصحراء والفضاء والمواضع الواسعة، ولذلك اختير المصلى، ولأن المصلى تبنى لصلاة العيد، فكان أولى بها كالاستسقاء.

[442] مسألة: لا يتنفل في المصلى قبل الصلاة ولا بعدها لا الإمام ولا غيره، وقال أبو حنيفة: يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها.
وقال الشافعي: كره ذلك للإمام قبل الصلاة وبعدها ولا يكره للمأموم.
فدليلنا على الشافعي، ما روى ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء يوم

الفطر وصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما)، وإذا ثبت ذلك فقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ولأنه تنفل في المصلى يوم العيد، فأشبه تنفل الإمام؛ ولأن كل تنفل كره للإمام كره للمأموم، أصله عند طلوع الشمس وغروبها.
ودليلنا على أبي حنيفة الحديث الذي رويناه، ولأنه إجماع الصحابة؛ لأن أحدا من السلف لم يحفظ عنه تنفل قبل الصلاة ولا بعدها.
وروي عن علي ابن أبي طالب أنه رأى رجلاً يصلي في المصلى يوم عيد فقال: (ما هذه البدعة التي أحدثتم ما كنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصلي في المصلى قبل الصلاة ولا بعدها).
وروي مثله عن ابن عمر.
وقال ابن شهاب: (ولم يبلغني عن أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح يوم الفطر ولا يوم الأضحى قبل الصلاة ولا بعدها).
ولأن المصلى موضع لا يتكرر فيه الصلاة فلم يكن موضعاً، لنافلة أصله عرفة عكسه المسجد.
ولأنه تنفل في

المصلى وقت صلاة العيد فأشبه قبلها.

[443] مسألة: فأما إذا صليت في المسجد فروايتان: إحداهما: يتنفل فيه قبل الجلوس، بخلاف المصلى وهي رواية ابن قاسم وابن عبد الحكم.
والأخرى: أنه كالمصلى، لا يتنفل فيه، وهي رواية ابن نافع.
فوجه الأولى قوله عليه السلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، فعم، واعتباراً بغير يوم العيد، ولأن المعنى الذي كره له ذلك في المصلى راجع إلى الوقت والبقعة، فكانت الكراهية مرتبطة باجتماعهما، فإذا زالا أو أحدهما زالت الكراهية.
ووجه الثانية ما روي أنه عليه السلام كان لا يصلي قبلها ولا بعدها)، ولأنه ضم صلاة التنفل إلى صلاة العيد فأشبه المصلى.

[444] مسألة: إذا قرأ قبل التكبير ساهياً، ثم ذكر قبل الركوع، أتى ببقية التكبير وأعاد القراءة.
خلافاً للشافعي في الجديد إذ قال: يركع ولا يعود إلى التكبير، فدليلنا على أن محل التكبير باق مالم يركع ولا يمنعه ذلك قراءته، لأن محل القراءة في صلاة العيد بعد التكبير، وإذا أتى بها قبله لم يفت محل التكبير الذي هو القيام، فوجب أن يأتي به ألا ترى أن محل السورة هو بعد قراءة "الفاتحة"، فإذا أتى قبلها أتى بالفاتحة كذلك هاهنا.

[445] مسألة: يبدأ بالتكبير عقيب الصلوات في صلاة الظهر، من يوم النحر إلى أن تصلى الصبح من رابعه، وهو الظاهر من قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يكبر عقب ثماني صلوات، تبدأ بالصبح من يوم عرفة إلى

بعد العصر من يوم النحر.
فدليلنا قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾، وفي يوم عرفة لم يقض شيئاً منها، ولأن يوم عرفة يوم لم يسن فيه الرمي، فلم يسن فيه التكبير كيوم التروية عكسه يوم النحر؛ ولأن أيام التشريق أيام سُنّ فيها الرمْيُ، فكان التكبير مسنونا فيها، أصله يوم النحر، عكسه يوم عرفة ما بعد التشريق؛ ولأن الناس في ذلك تبع لأهل منى، بدليل أنهم لا يكبرون في غير هذه الأيام، فعلم أنهم كبروا فيها على طريق التبع لهم، ووجدنا أول صلاة يكبر الناس فيها صلاة الظهر يوم النحر؛ لأنهم يرمون جمرة العقبة ضَحْواً، فأول فريضة يصلون بعدها الظهر.

[446] مسألة: التكبير خلف الصلوات لكل أحد من مسافر وحاضر، ورجل وامرأة، وحر وعبد، منفرد وفي جماعة، خلافاً لأبي حنيفة في المسافر والمرأة أنهم لا يكبرون، لقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾، وقوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾، فعم، ولأنها سنة تفعل عقيب الصلاة فاستوى فيها جميع المسلمين، كسجود السهو بعد السلام، ولأنه من أهل الصلاة فكان التكبير مسنونا في حقه، أصله الرجل الحاضر.

[447] مسألة: لا يكبر عقيب النوافل.
خلافاً للشافعي؛ لأنها صلاة نفل كسجود القرآن، ولأنها تبع للفرائض، والصلوات التي يكبر عقيبها من الفرائض محصورة، فانتفى بذلك أن يكون للنوافل حظ في ذلك.

[باب] فصل في صلاة الكسوف

[448] مسألة: صلاة كسوف الشمس ركعتان، في كل ركعة ركوعان.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنها ركعتان على بُنْيَة سائر الصلوات، لحديث

عائشة، وابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى حين كسفت الشمس، فقام، فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع، فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك).
وروى نحوه جابر، وأبو موسى، وأبو هريرة ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن عثمان، وابن عباس ولا مخالف لهما، والمعتمد في ذلك الاستدلال بالأخبار دون القياس.

[449] مسألة: القراءة فيها سراً خلافاً لأبي يوسف، ومحمد في قولهما: إنها جهر؛ لحديث ابن عباس إنه قام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة).
ورويوكنت وراءه فلم أسمع منه حرفاً.
وفي حديث سمرة بن جندب (فقام بنا أطول ما يقوم بنا في صلاة لا تسمع له صوتاً).

[450] مسألة: وليس فيها خطبة مرتبة، خلافاً للشافعي؛ لأنها صلاة نفل ليس من سنتها الجهر.

باب [في صلاة] خسوف القمر

[451] مسألة: لا يجمع لخسوف القمر، خلافاً للشافعي؛ لأن القمر قد خسف على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفعات كثيرة، فلم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - صلاها في جماعة، ولا أنه دعا إلى ذلك.
ولأنها صلاة نفل في الليل تجوز قبل المكتوبة كسائر نوافل الليل.

باب [في] صلاة الاستسقاء

[452] صلاة الاستسقاء سنة في الجماعة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنها بدعة وليست بسنة لما رواه عباد بن تميم، عن عمه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة) ورواه ابن عباس، وأبو هريرة، ولأن الخطبة في الأصول لا تكون إلا مقارنة للصلاة كالعيدين والجمعة.

[453] مسألة: يكبر للإحرام فقط.
خلافاً للشافعي في قوله كتكبيرات العيد، لما روي أنه عليه السلام استسقى فصلى وكبر واحدة افتتح بها الصلاة، ولأنها صلاة غير عيد، فأشبهت النوافل كلها، ولأنها صلاة

ليس لإظهار نسك كسائر الصلوات.

[454] مسألة: يحول فيها رداءه خلافاً لأبي حنيفة، لما رواه عبدالله بن زيد أن رسول - صلى الله عليه وسلم - استسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة).

حكم تارك الصلاة

[455] مسألة: إذا اعتقد وجوب الصلاة ثم تركها كسلا يقتل ولا يكفر، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا يقتل، ولأحمد في قوله قد كفر.
فدليلنا على أبي حنيفة قوله - صلى الله عليه وسلم -: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)، وأقل ما يوجبه هذا اللفظ وجوب القتل.
ولأن الأمر أحد نوعي التكليف فجاز أن يقتل في مخالفته كالنهي.
ودليلنا على أحمد أنها من أفعال البدن فلم يكفر بتركها مع اعتقاد وجوبها كالحج.

فصول الكتاب · 57 فصل · 1030 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإشراف على نكت مسائل الخلاف · 1030 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك في الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والمرافقكتاب الحوالةكتاب الضمان والكفالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريّةكتاب الوديعةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة وكراء الأرضكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الحبس والوقف والهباتكتاب اللقطةكتاب اللقيط
كتاب النكاح
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب القسامةكتاب الحدود [الزنا]كتاب القذفكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب الضحاياكتاب الذكاةكتاب الصيدكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الجهادكتاب القطع [في السرقة]كتاب الأقضية والشهاداتكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الوصاياكتاب المواريث والفرائض
جارٍ التحميل