باللسان العربي فانتفى أن يكون بغيره وإن قال إنها ترجمة للقرآن وهو مثل له فذلك باطل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾ وهذا ينفي أن تكون الترجمة مثلا له، ولأن ترجمة الشيء غيره كما أن ترجمة الشعر غيره وليست بمثله.
ولأن في ذلك إبطالاً للإعجاز ولفائدة التحدي؛ لأن الله تعالى أخبر أن أحداً لا يأتي بمثله، وتحدى العرب أن يأتوا بمثله وعجزهم عن ذلك، وقد علمنا أن العرب تعجز عن لغة العجم ولم يكن في الحجاز لغة العجم، وإذا بطل أن يكون ذلك قرآناً لم يجز أن يعتض به عن القرآن.
ولأن الصحابة لما اجتمعت على كتابة المصحف، وعدلوا عن كتب التابوت لما أن كتب بالتاء وقالوا: إن القرآن نزل بلغة قريش مع العلم بأن معنى اللغتين واحد ولما راعوا اللفظ علم أن ذلك شرط في كونه قرآناً.
ولأن ما بين ألفاظ العربية من التناسب والتشاكل أقرب مما بين العربية والعجمية، وقد ثبت أن الترجمة عن معنى القرآن ليست بقرآن فالفارسية أبعد.
ولأن كفار قريش كانوا في غاية الحرص على تكذيبه والذم عليه فلو كان إيراد معنى القرآن بغير لفظه ونظمه مثلاً له لكانوا يحجونه به وفي هذه الجملة إبطال ما قالوه.
[231] مسألة: فرض القراءة ساقط عن المأموم خلافاً للشافعي: لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾
وفي وجوب الإنصات منع كل شاغل عنه، وقوله عليه السلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا) ففيه أدلة: أحدها: أمره بالإنصات وذلك ينفي وجوب القراءة.
الثاني: أنه قصد تعليم ما يلزمه أن يفعله خلف الإمام ولم يذكر القراءة.
والثالث: أنه بين ما يفعل المأموم فيه مثل فعل الإمام وما من حقه أن يفعل فيه بخلاف فعله.
وفي القول بأن على المأموم أن يقرأ إبطال لموضع التفرقة.
وقوله: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة).
وروى عبدالله بن شداد (أن رجلاً قرأ خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآخر ينهاه فلما انصرف قال له إن قراءة الإمام لك قراءة).
وروى أبو الدرداء قال سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفي كل صلاة
قراءة؟ قال: نعم فقال رجل من الأنصار وجبت هذه.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما أرى الإمام إذا أم قوماً إلا قد كفاهم).وروى أبو قلابة أنه عليه السلام قال: (هل تقرؤون خلف إمامكم؟ قال بعضهم: نعم وقال بعضهم: لا، فقال إن كنتم لابد فاعلين فليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه).
ففيه أدلة: أحدها: لم ينكر على من قال لا.
والثاني: أنه قال إن كنتم لابد فاعلين وهذا لا يقال في الواجب وإنما يقال فيما تركه أولى من فعله.
والثالث: أنه أمره أن يقرأ الحمد لله في نفسه وهو يتضمن النهي عن التلفظ بها.
وقوله: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج إلا وراء الإمام).
ولأنها حال ائتمام كما لو أدركه راكعاً.
ولأن ذلك لو كان واجباً على المأموم لم يسقط عنه بحال كالإمام والمنفرد فلما سقطت عنه حال الركوع دل على أنها غير واجبة.
[232] (فصل): إذا قرأ حال جهر الإمام كره ذلك ولم تبطل صلاته.
خلافاً لبعضهم.
لأن القراءة خلف الإمام لا تبطل صلاة المأموم كحال الإسرار.
وضع اليمنى على اليسرى
[233] مسألة: في وضع اليمنى على اليسرى روايتان: إحداهما: الاستحباب والأخرى: الإباحة، وأما الكراهة ففي غير موضع الخلاف، وهي إذا قصد بها الاعتماد والاتكاء فوجه الاستحباب قوله عليه السلام: (ثلاث من أخلاق النبوة فذكر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة).
وقيل في تأويل قوله عز وجل: ﴿فصل لربك وانحر﴾ في الصلاة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
ولأنه أزيد وأدخل في الخشوع ووقار الصلاة.
ووجه نفيه: كفوا أيديكم في الصلاة، ولأنه عليه السلام علم الأعرابي الصلاة مفروضها وسنتها ولم يذكر ذلك فيها، والأول أظهر.
[234] (فصل): وصفة وضع إحداهما على الأخرى أن تكون تحت صدره وفوق سرته.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن السنة أن يضعهما تحت السرة لأنه موضع محكوم له من العورة فلم يكن محلاً لموضع اليمنى على اليسرى كالفخذ.
القراءة في الركعتين الأخيرتين
[235] مسألة: الاختيار في الركعتين الأخيرتين قراءة الفاتحة وحدها خلافاً للشافعي: في قوله: إن السنة أن يقرأ سورة معها في كل الركعات.
لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأولتين بالفاتحة والسورة، وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب وروي أن عمر قال لسعد شكاك الناس في كل شيء حتى في الصلاة فقال أما أنا فأركد في الأولتين وأحذف في الأخيرتين وما آلو ما اقتديت إلا بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ذلك الظن بك.
ولأن الأوليين لما اختصتا في الزيادة بالجهر فيما يجهر فيه اختصتا بزيادة القراءة، والأخيرتين لما نقصتا عنهما في الصفة وهي الجهر نقصتا في زيادة القراءة.
التكبير عند الركوع والسجود
[236] مسألة: تكبير الركوع والسجود سنة خلافاً لمن حكي عنه أنه لا يكبر للركوع.
لما روي أنه عليه السلام: (كان يكبر في كل ما يخفض ويرفع وأنه لم تزل هذه صلاته حتى فارق الدنيا).
[237] مسألة: وليس في الصلاة تكبير واجب إلا تكبيرة الإحرام خلافاً لابن حنبل في قوله إن باقي التكبير واجب.
لأن كل نطق وجب في الصلاة غير القراءة لم يتكرر وجوبه كالسلام.
الركوع والرفع منه
[238] مسألة: وإذا ركع وضع يديه على ركبتيه لقوله عليه السلام للذي علمه الصلاة (ثم اركع وضع يديك على ركبتيك وفرق بين أصابعك).
وما ذكره ابن مسعود منسوخ لقول سعد (إنا كنا نفعل ذلك فنهينا عنه).
[239] مسألة: التسبيح في الركوع والسجود غير واجب خلافاً لأحمد وداود.
لقوله عليه السلام: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً واسجد حتى تطمئن ساجداً) ولم يأمره بذكر فيهما.
وقوله: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء) ولم يأمره بالتسبيح، والآخر أنه فصل بينهما فيما يقال فيهما فدل على ما قلناه.
ولأنه ركن في الصلاة فلم يجب فيه تسبيح كالقيام.
[240] مسألة: في الرفع من الركوع يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ولا يقول: ربنا لك الحمد، ويقول المأموم: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده.
خلافاً للشافعي في قوله: إن الإمام والمأموم يقول: ربنا لك الحمد لقوله:
(وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد) فدل على أن الإمام لا يقولها.
ولأنه
ذكر يقع على وجه المقابلة لكلام الغير فلم يشارك فيه التابع المتبوع كتشميت العاطس.
ودليلنا على أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده قوله عليه السلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا ركع فاركعوا ..) إلى قوله (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد) ففيه دليلان: أحدهما: أنه لم يقل فقولوا: سمع الله لمن حمده.
والآخر: أنه قصد بيان وجه الائتمام به وكيفيته وميز ما يفعل فيه مثل فعله وبما يفعل فيه بخلاف فعله.
ولأنه أضاف إلى كل واحد لفظاً غير ما أضافه إلى صاحبه فالظاهر أنهما لا يشتركان فيه.
[241] مسألة: الطمأنينة في الركوع واجبة خلافاً لأبي حنيفة: لحديث أبي حميد أنه عليه السلام: (كان يركع فيضع راحتيه على ركبتيه ويعتدل).
وقال للذي علمه الصلاة (واركع حتى تطمئن راكعاً).
وقال: (لا تتم صلاة أحد حتى يتوضأ) إلى أن قال: (ثم يركع حتى تطمئن مفاصله).
ولأنه ركن مستحق فكان من شرطه الطمأنينة كالقيام.
[242] مسألة: الاعتدال في الرفع من الركوع غير مستحق عند مالك ومن شيوخنا من يزعم أنه مستحق على قوله وهو قول الشافعي والذي رأيت منصوصاً لابن القاسم وعلي بن زياد عنه أنه إن انحط قبل الاعتدال
فلا شيء والدليل عليه أن الاعتدال قيام فلو كان فرضاً لكان عقيبه ركوع كالقيام الأول.
ولأن القيام ركن قبل الركوع فوجب أن لا يتكرر فرضه في الركعة كالقراءة ولأن هذا الرفع أريد لفصل بين الركوع و
السجود
، فوجب أن يكتفي منه بما دون الاعتدال؛ لأن الفصل يقع به وكل ما أريد به فعل فصل فإنه إذا حصل ذلك الفصل كفى في وجوبه ولأنه فعل من الرفع ما خرج به عن أن يكون راكعاً أو مقارباً للركوع كما لو اعتدل.
[243] مسألة: والرفع من الركوع واجب وإن كان الاعتدال الذي فيه غير واجب فإن انحط ساجداً وهو راكع فلا يجزيه على الظاهر من المذهب.
ورأيت في بعض الكتب عن مالك أو عن بعض أصحابه إنه يجزيه وليس بشيء يعول عليه.
ودليلنا على أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة قوله عليه السلام: (لا يجزئ الرجل صلاة لا يقيم فيها صلبه في الركوع والسجود) وقوله: (ثم أرفع حتى تعتدل قائماً).
ولأن الركوع ركن من الفعل وجب الفصل بينهما اعتباراً بالرفع من السجود.
[السجود]
[244] مسألة: إذا هوى إلى السجود فواسع أن يضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه إلا أن الأحسن أن يضع يديه قبل ركبتيه خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه).
ولأنه أَزْينَ في وقار الصلاة وأبعد عن الشبه بجلوس العوام ومن لا وقار له, فكان أولى به.
[245] مسألة: إذا سجد على جبهته دون أنفه أجزأه واستحببنا له الإعادة في الوقت، وقال ابن حبيب لا يجزيه وحكي مثله عن ابن عباس وغيره.
ودليلنا قوله عليه السلام: (أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء) فذكر الجبهة ولم يذكر الأنف.
ولأن ما سوى الجبهة من الوجه لا يلزمه السجود عليه كالذقن ولأن الوجه عضو للسجود فوجب أن يجزئ منه جزء واحد كاليدين.
[246] مسألة: وإذا سجد على أنفه دون جبهته مع القدرة عليه فلا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة.
لقوله عليه السلام: (ثم يسجد فيمكن وجهه)
ويروى (جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله).
ولأنه موضع من الوجه فلم ينب السجود عليه عن الجبهة أصله الذقن ولأن كل عضو جاز ترك السجود عليه من غير عذر لم يجز الاقتصار عليه كسائر أعضاء السجود.
[247] مسألة: يجوز أن يسجد على طاقات العمامة من غير أن يكشف عن جبهته خلافاً للشافعي.
لقوله (واسجد حتى تطمئن ساجداً) ولم يفصل ولأنه عضو من أعضاء السجود فوجود الحائل بينه وبين الأرض لا ينفي الاسم حقيقة، أصله الركبتان.
ولأنه مكن جبهته من الأرض فأشبه إذا باشرها به.
[248] مسألة: لا يلزمه كشف يديه في السجود خلافاً لأحد قولي الشافعي.
لأنه يسمى ساجداً متمكناً فأشبه إذا كشف.
[249] مسألة: الطمأنينة واجبة في السجود خلافاً لأبي حنيفة.
لقوله:
(اعتدلوا في السجود).
وقوله: (أتموا الركوع والسجود).
وقوله: (ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله من الأرض).
وروي أنه عليه السلام نهى عن نقرة الغراب.
ولأنه ركن من أركان الصلاة مقصود
لنفسه فترك الاعتدال فيه يفسد الصلاة كالقيام الأول.
[250] (فصل): الاعتدال في الجلسة بين السجدتين يخرج على الاعتدال في الرفع من الركوع وقد ذكرناه.
[251] مسألة: إذا أراد القيام من السجود نهض قائماً ولم يجلس.
خلافاً للشافعي في قوله يجلس جلسة الاستراحة.
لما روي أنه عليه السلام (كان إذا رفع رأسه من السجود رفع يديه قبل ركبتيه ونهض قائماً ولا يجلس).
وفي حديث أبي حميد أنه عليه السلام (سجد ثم كبر فقام ولم يتورك).
ولأن نهوض إلى القيام فلم يكن من سنته أن يفصل بينهما بفعل غيره، أصله النهوض من الجلوس إلى الركعة الثالثة ولأنه انتقال من ركن إلى ركن يخالفه فلم يسن فيه جلسة يفصل بينهما كالانتقال من القيام إلى السجود.
[252] مسألة: إذا نهض إلى القيام فله أن يعتمد على يديه وهو الأحسن عندنا خلافاً لأبي حنيفة في قوله يعتمد على صدور قدميه.
لما روى مالك بن الحويرث (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهض معتمداً على الأرض).
ولأن
ذلك أزين في أدب الصلاة ووقارها فكان أولى.
الجلوس في الصلاة
[253] مسألة: الجلوس في الصلاة كلها متوركاً.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله أنه يكون في جميعه مفترشاً وللشافعي في قوله أنه يكون في الجلسة الأخيرة للأرض متوركا وفيما قبله مفترشاً.
فدليلنا على أبي حنيفة حديث ابن عمر أنه قال: (إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى).
وقول الصحابي السنة يفيد أنها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى عبدالله بن الزبير قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه) وهذا لا يكون إلا مع الإفضاء بوركه إلى الأرض على ما قلنا ولأن ذلك أبلغ في التمكين وأحسن في وقار الصلاة.
[254] (فصل): ودليلنا على الشافعي.
ما رويناه، ولأنه جلوس في الصلاة فأشبه الأخير.
ولأنه فعل يتكرر في الصلاة يستوي فيه الإمام والمأموم فكان على صفة واحدة كالركوع ولأنها صفة مسنونة حال القعود
فلم يختلف صفتها كوضع اليدين على الفخذين.
التشهد والسلام
[255] مسألة: التشهدان جميعاً مسنونان غير مفروضين.
خلافاً للشافعي في إيجابه الأخير ولغيره في إيجابه إياهما لقوله عليه السلام للأعرابي لما علمه الصلاة: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك) ففيه دليلان: أحدهما: أن التشهد لو كان مفروضاً لعلمه إياه مع علمه بأنه لا يحسن الصلاة.
والآخر: قوله (فقد تمت صلاتك) فحكم بتمامها مع عدم هذا ولأنه ذكر يختص بالجلوس فلم يكن فرضاً كالأول، ولا يدخل عليه السلام؛ لأنه لا يختص بالجلوس؛ لأنه يؤتى به في الجنازة، وإن شئت قلت قبل التحليل.
ولأنه ذكر يتكرر في الصلاة إذا لم يكن الأول واجباً فكذلك الثاني كالتعظيم في الركوع، والدعاء في السجود، وقراءة ما عدا الفاتحة.
ولأنه ذكر لا يجهر به في الصلاة على حال كالتوجيه على أصلهم والدعاء على أصل الجميع.
ولأنه جملة ذكر من شرطه الشهادتان فأشبه الأذان والإقامة، ولأنه ذكر في تضاعيف الصلاة ليس من المعجز كسائر الأذكار، ولأن ألفاظه وردت مختلفة غير متعينة فدل أنه غير واجب، لأن الأذكار المفروضة متعينة كالتحريم والتسليم والقراءة، ودليلنا على من أوجبهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام من اثنتين فمضى ثم سجد للسهو وسجود السهو لا ينوب عن مفروض
ولأن كل ذكر صحت الصلاة بتركه سهواً صحت بتركه عمداً، أصله التسبيح عكسه التحريم والسلام.
[256] مسألة: والاختيار من ألفاظه تشهد عمر بن الخطاب.
خلافاً لأبي حنيفة في اختياره تشهد ابن مسعود وللشافعي في اختياره تشهد ابن عباس.
ولأن عمر علم الناس التشهد على المنبر بهذه الألفاظ فلم ينكر عليه ولا قيل له إن تشهد النبي عليه السلام بخلافه.
[257] مسألة: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مسنونة وليست بشرط في صحة الصلاة خلافاً للشافعي وابن المواز في قولهما إنها واجبة في التشهد الأخير.
لقوله في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد: (فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك) ولأن الجلوس لم يكن من أركان الصلاة فلم تكن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مستحقة فيه كالقيام والسجود.
ولأن الصلاة على الأنبياء ليس بشرط في صحة الصلاة اعتباراً بسائر الأنبياء.
ولأنه ذكر آدمي في تضاعيف الصلاة منفصل عن القرآن فلم يكن شرطاً أصله قولنا: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.
[258] مسألة: التسليم فرض من شرط صحة الصلاة.
خلافاً لأبي حنيفة في قول إنه يتحلل بأي شيء شاء مما يقصد به الخروج من الصلاة.
لقوله عليه السلام: (وتحليلها التسليم) وذلك يمنع أن يكون لها تحليل سواه من وجهين: أحدهما: دليل الخطاب، والآخر: خروجه مخرج البيان عن جنس التحليل فمفهومه أنه ليس له تحليل سواه.
وقوله عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ولأنه أحد طرفي الصلاة فلم يصح إلا بنطق معين كالدخول، وقد حكى أصحابنا عنهم أن الفرض التحليل من الصلاة، وهم في هذا العصر ينكرون ذلك فيدل عليه بأنه لو أقام عليها حتى يخرج وقتها من غير خروج منها أو إحداث قبل السلام لا يقصد بذلك الخروج ساهياً لبطلت صلاته، فثبت افتقارها إلى معنى يخرج به منها، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون معيناً كسائر الأركان.
[259] (فصل): ويفرض الكلام في أن السلام من الصلاة يقع فيها خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن ابتداء ألفاظه يقع في الصلاة فإذا أكمله وقع كله خارج الصلاة.
لأن ما قالوه يقتضي إحالة؛ لأنهم يزعمون أن ابتداء حروف السلام يقع في الصلاة، ثم بفراغه من الميم يقع السلام كله خارج الصلاة وهذا لا يتصور لأنه إذا وقع ابتداؤه في الصلاة، فالفراغ منه لا يخرج أوله عن الوجه الذي وقع عليه ولأنه ذكر مشروع في موضع يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة، فوجب أن يكون من الصلاة اعتباراً بما قبله.
ولأنها عبادة لها تحليل وتحريم فوجب أن يكون التحليل منها جزءاً من أجزائها كالرمي والطواف في الحج.
ولأنه تطوع مشروع في الصلاة يصادف جزءاً من أجزائها فوجب أن يكون منها كالقراءة، وإذا ثبت أن السلام جزء من الصلاة ثبت أنه من شرط صحتها لأن أحداً لا يفرق.
[260] مسألة: لفظه أن يقول السلام عليكم فإن نكر ونون فلا
يجزيه.
خلافاً لبعض الشافعية.
لقوله عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولأنه نطق في أحد طرفي الصلاة فكان متعيناً كالتحريم.
[261] مسألة: الفرض منه واحدة وبها يقع التحليل.
خلافاً لأحمد بن حنبل وغيره ممن يقول: إن الفرض تسليمتان،.
لقوله: (تحليلها التسليم) وذلك يقتضي أقل ما يتناوله الاسم، وروي أنه - عليه السلام - كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه) ولأنه لو أحدث بعد الأولى وقبل الثانية لم تفسد صلاته فدل أن التحليل لا يقع بالثانية وإذا لم يقع بها تحليل لم تكن واجبة كالثالثة.
ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة فكان الفرض منه واحد كالإحرام.
[262] مسألة: الاختيار للإمام والمنفرد الاقتصار على واحدة خلافاً للشافعي.
لما روت عائشة وأنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يسلمون تسليمة واحدة.
ولأن السلام يراد لأحد أمرين إما التحليل وإما الرد وذلك معدوم في الثانية في حق الإمام والمنفرد.
[263] مسألة: إذا سلم ساهياً لا يعتقد به التحليل فيجب أن لا يجزيه خلافاً لبعض الشافعية.
لأنه نطق في أحد طرفي الصلاة فاحتاج إلى نية يصحبها ذكر كالتحريم.
التكبير عند القيام من ركعتين
[264] مسألة: والاستحباب في القيام من اثنتين أن يكبر إذا اعتدل قائماً خلافاً لأبي حنيفة والشافعي.
لما روي في حديث أبي حميد (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كبر من اثنتين حتى اعتدل قائماً) ذكره بعض أصحابنا.
ولأن هذا القيام مشبه بابتداء الصلاة والتكبير فيه مشبه بتكبيرة الافتتاح فكان القيام إلى الثالثة كالمستأنفة.
الدعاء والقنوت في الصلاة
[265] مسألة: يجوز أن يدعو في الصلاة بكل دعاء يجوز له بخارجها.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه لا يجوز أن يدعو إلا بألفاظ القرآن وما يقاربها.
لقوله عليه السلام: (لا تقولوا السلام على الله ولكن قولوا التحيات لله) إلى أن قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به).وقوله: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد لله والثناء عليه ثم يصلي علي ثم يدعو بما شاء).
ولأنه دعاء مباح في غير الصلاة فكان مباحاً في الصلاة كألفاظ القرآن.
[266] مسألة: يقنت في صلاة الصبح خلافاً لأبي حنيفة.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقنت فيما رواه أبوهريرة وخفاف بن إيماء والبراء وأنس بن مالك وقال أنس: (مازال يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا).
[267] مسألة: يجوز القنوت قبل الركوع وبعده.
خلافاً للشافعي في قوله إن محله بعد الركوع.
ولإجماع الصحابة عليه.
وروي عن أبي رجاء
العطاردي قال: (كان القنوت بعد الركوع فصيره عمر قبله ليدرك المدرك).
وروي أن المهاجرين والأنصار سألوا عثمان فجعله قبل الركوع.
ولأن في ذلك فائدة لا توجد فيما بعده وهو أن القيام يمتد فيلحق المفاوت.
ولأن في القنوت ضرباً من تطويل القيام وما قبل الركوع أولى بذلك لا سيما في الفجر.
الترتيب في قضاء الفوائت
[268] مسألة: الترتيب مستحق في قضاء الفوائت في الخمس فما دونها.
خلافاً للشافعي في قوله إنه يسقط بالفوات ويبدأ بالحاضرة على الفائتة.
لقوله عليه السلام: (لا صلاة لمن عليه صلاة) فعم.
وقوله: (من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة له إلا ذلك فإن ذلك وقتها).
ولأنه عليه السلام ترك أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن
على الترتيب.
ولأنه ترتيب في الصلاة مستحق مع بقاء الوقت فلم تسقط بفواته وكون الصلاة في الذمة، أصله ترتيب الركوع والسجود.
ولأنهما صلاتان مختلفتان اجتمعتا في وقت فجاز تعليق الوجوب فيها بالفعل أصله العشاء والوتر.
[269] (فصل): وهو يستحق مع ضيق وقت الحاضرة وسعته فيبدأ بالفائتة وإن فاتت الحاضرة خلافاً لأبي حنيفة وابن وهب للأخبار التي رويناها، واعتباراً بسعة الوقت بعلة وجوب فوائت في ذمته للترتيب تأثير فيها.
ولان كل ترتيب وجب مع سعة الوقت وجب مع ضيقه كالأركان.
التسبيح لتنبيه الإمام
[270] مسألة: الاستحباب لمن نابه شيء في صلاته أن يسبح رجلا كان أو امرأة.
خلافاً للشافعي في قوله تصفق المرأة.
لقوله عليه السلام: (من نابه شيء في صلاته فليسبح) واعتباراً بالرجل، والمروي في التصفيق فإن العمل المتصل وجد على خلافه فهو أولى من الخبر.
[271] مسألة: يجوز أن يسبح في أي شيء نابه مثل أعمى يقع في بئر أو نفرت دابة يخاف أن ترفسه أو حية أو ما أشبه ذلك.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه لا يسبح إلا فيما فيه تنبيه إمامه فإن قصد تنبيه غير إمامه بطلت صلاته.
لعموم الخبر، ولأنه تسبيح لأمر نابه يجوز له التنبيه عليه كتنبيه إمامه.
مسائل مختلفة تتعلق بالصلاة
ستر العورة
[272] مسألة: اختلف أصحابنا في ستر العورة في الصلاة، فمنهم من يقول: إنها من شرط صحتها مع الذكر والقدرة، فإن لم يقدر عليها صلى عرياناً وأجزأته، وكذلك إن نسي، وإن صلى مكشوف العورة عالماً بأن له ما يسترها، قادراً على ذلك، فإن صلاته باطلة.
ومنهم من يقول: إنها واجبة مفترضة وليست من شرط الصحة، فإن صلى مكشوف العورة عالماً عامداً كان عاصياً آثماً، إلا أن الفرض قد سقط عنه.
فوجه الأول قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، قيل: اللباس في الصلاة والطواف.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ورأيناه يصلي بالسترة.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار).
والاتفاق على أنه مأمور بستر العورة محظور عليه كشفها في
غير الصلاة ومتأكد وجوبها في الصلاة، والقول بأنه ليس من شروط الصحة ينفي ذلك.
ووجه الثاني قوله عليه السلام: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله) إلى أن قال (ثم يستقبل القبلة فيكبر) فأخبر عما تتم به الصلاة، ولم يذكر ما تنازعناه.
ولأن صفة الشيء بأنه شرط في بعض العبادات أو فرض من فروضها يفيد اختصاصه به وأنه يجب بوجوبها، ويسقط وجوبه بسقوط وجوب ما أضيف إليه كالوضوء للصلاة والتيمم والنية.
وكالصوم في الاعتكاف والإحرام في الحج وسائر فروض العبادات، ووجدنا ستر العورة لا يختص وجوبه بالصلاة؛ لأنه يلزمه سترها في غيرها فعلم أنه ليس من شرطها.
ولأن كل ما كان من فروض الصلاة، فلابد عند عدمه من بدل يقوم مقامه عند العجز عنه في أداء العبادات كالوضوء وغيره، وفي الاتفاق على أن من لم يجد ما يستر عورته، وخاف ذهاب الوقت أن يصلي عرياناً؛ دليل على أن السترة ليست من شروط الصلاة، ولا يدخل عليه التيمم؛ لأنه إذا عجز عنه لم يصل إلا في الوقت؛ لأن منه بدلاً يقوم مقامه وهو الوقت الذي يقتضى فيه.
[273] مسألة: عورة الرجل ما بين السرة والركبة.
خلافاً لداود وقوله في الفخذ وما قاربه: ليس بعورة، وإن العورة السوءتان فقط.
لقوله عليه السلام: (ما بين السرة والركبة عورة).وقوله لعلي - رضي الله عنه -: (لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت).
وروى
محمد بن جحش أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بمعمر وهو مكشوف الفخذ فقال: (غط فخذك فإن الفخذ من العورة).
وروى مالك عن أبي النضر عن ابن جرهد عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (غط فخذك فإن الفخذ عورة).
[274] مسألة: وجميع بدن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها.
خلافاً لمن قال لا يجوز لها كشف الوجه واليدين وهو أحمد بن حنبل لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قيل الوجه والكفان.
ولأن كشف ذلك يلزمها في الإحرام، فلو كان عورة لم يجز لها كشفه كباقي بدنها.
[275] مسألة: ولا يجوز لها كشف ما عدا ذلك من بدنها ولا يجزيها الصلاة مع كشفها على أحد المذهبين.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن العورة مخففة ومغلظة، فالمغلظة القبل والدبر، فإن انكشف منهما أكثر من قدر الدرهم بطلت الصلاة، والمخففة ما عداهما فإن انكشف منها أقل من الربع جاز.
لقوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، ولقوله: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.
وحديث أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله تصلي المرأة بخمار ودرع إذا لم يكن عليها إزار فقال: (نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها).
ولأن كل عضو انكشف ربعه منع صحة الصلاة، فكذلك إذا انكشف أقل من ربعه كالعورة المغلظة.
ولأنه كشف من عورته ما قدر على سترته كالربع.
ولأن تقديرهم ذلك بالربع وبقدر الدرهم دعوى لا ينفصلون فيمن زاد فيها أو نقص عنها.
[276] مسألة: العري لا يسقط عن العريان شيئاً يلزمه من أركان الصلاة، ولا يجوز له أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام.
خلافاً لأبي
حنيفة في قوله: إنه يجزيه أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام،.
لأن القيام ركن من أركان الصلاة، فلم يسقط عند العجز عن الكسوة، كالقراءة.
ولأن فرائض الصلاة مبنية على أن العجز عن بعض أركانها لا يسقط ما يقدر عليه منها، ألا ترى أن من عجز عن القراءة لم يسقط عنه الركوع والسجود.
ومن عجز عن الركوع لم يسقط عنه القيام، وقد ثبت أن من عجز عن القيام لم تسقط عنه السترة فكذلك يجب أن يكون من عجز عن السترة أن لا يسقط عنه القيام.
مبطلات الصلاة
[277] مسألة: الكلام سهواً لا يبطل الصلاة.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه يبطلها إلا لفظ التسليم.
لقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، وحديث ذي اليدين أنه قال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: (كل ذلك لم يكن) موضع الدليل أنه عليه السلام تكلم ساهياً وعنده أنه قد فرغ من الصلاة ثم لما ذكر بنى على صلاته وسجد للسهو.
ولأنه كلام على وجه السهو فأشبه لفظ السلام.
[278] مسألة: إذا تكلم عامداً لإصلاح الصلاة، مثل أن ينبه الإمام
إذا لم يفهم فإنه لا يفسدها خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لحديث ذي اليدين لما قال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: (كل ذلك لم يكن) ثم التفت إلى أبي بكر وعمر فقال لهما: (أحق ما يقول ذو اليدين؟ قالا نعم فبنى ولم يستأنف) موضع الدليل، أنه سألهما وهو يجوز أن يكون في صلاة لأنه استثبتهما.
ولأنه كلام أتى به قصداً للتنبيه وإصلاح الصلاة، فلم تبطل به كالتسبيح، ولأنه كلام لم يقصد به التعمد الممنوع كالسهو.
ولأن التنبيه على مصلحة الصلاة قد يقع بما لا يكون مباحاً لغيره، أصله التصفيق للنساء.
[279] مسألة: إذا قرأ في المصحف وهو في الصلاة لم تبطل صلاته.
خلافاً لأبي حنيفة.
لأنها لو بطلت لم يخل أن يكون لأجل القراءة في المصحف، وذلك باطل؛ لأنه لو قرأ فيه وهو بين يديه لم تبطل، أو لتصفحه الورق ولا يجوز ذلك، لأنه ليس بعمل متوال، ولأنه من مصلحة الصلاة.
[280] مسألة: إذا سبقه الحدث في الصلاة استأنفها ولم يجز له البناء.
خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.
لقوله عليه السلام: (إذا صلى أحدكم فظن أنه أحدث فلا يخرجن من صلاته) وروي (فلا
ينصرفن حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً)، وروى الحكم بن عتيبة عن ابن هانيء عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا توضأ الرجل فهو في صلاة حتى يحدث).
ولأنه حصل محدثا في الصلاة كالعامد.
[281] مسألة: إذا دفع المار يين يديه لم تبطل صلاته.
وحكى عن أبي حنيفة أنها تبطل.
وذكر الإسفرائيني أنه حكي عن الشافعي في القديم.
ودليلنا قوله عليه السلام: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع) وهذا نص في استباحة فعل ذلك، فيبطل القول بأنه يفسدها.
[282] مسألة: لا يقطع الصلاة مرور شيء بين يدي المصلي.
خلافاً لمن قال: يقطعها الحائض والحمار والكلب الأسود.
لقوله عليه السلام: (لا
يقطع صلاة المسلم شيء) واعتباراً بمرور من سوى هؤلاء.
قضاء الصلاة بعد سلام الإمام
[283] مسألة: ما أدرك مع الإمام آخر صلاته، وما يقضيه أولها، هذا هو المشهور من قوله.
وهو قول أبي حنيفة.
وروى عنه ابن نافع أن ما أدرك أول صلاته، وما يقضي آخرها.
وهو قول الشافعي.
فوجه الأول، أن ما أدرك آخر صلاته، قوله عليه السلام: (وما فاتكم فاقضوا) والذي فاته أول صلاته والقضاء هو أن يأتي بمثل المقضي.
ولأنه لو أدرك أول صلاة الإمام لكانت أول صلاته، فإذا أدرك آخرها وجب أن يكون آخر صلاته.
ولأنه يعمل مع الإمام آخر صلاة الإمام فوجب أن يكون آخر صلاته نفسه، كما لو أدرك جميع الصلاة.
ووجه الآخر، قوله عليه السلام: (وما فاتكم فأتموا)، والإتمام أن يأتي ببقية الشيء واعتباراً بالمنفرد.
ولأنه لو كان ما يقضيه صلاته لوجب إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة من المغرب أن لا يقعد في التشهد في الركعتين التين يقضيهما.
إعادة الصلاة في جماعة
[284] مسألة: من صلى وحده ثم أدركها في جماعة استحب له أن يعيدها إلا المغرب.
وقال أبو حنيفة يعيد الظهر والعشاء الأخيرة فقط وقال المغيرة والشافعي يعيد المغرب وغيرها.
فدليلنا على أبي حنيفة ما روى مالك عن زيد بن أسلم عن بشر بن محجن عن أبيه قال: (كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ثم رجع ومحجن في مجلسه وقال: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت) فعم ولم يخص.
وروي أنه عليه السلام صلى الصبح بمنى وإذا برجلين لم يصليا فدعاهما فقال: (ما منعكما أن تصليا معنا، قالا: إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: وإن كنتما قد صليتما في رحالكما إذا أتيتما الإمام فصليا معه فإنها لكما نافلة) ففيه دليلان: أحدهما: أن السبب كان الصبح، والسبب لا يخرج عن الحكم بحال.
والثاني: أنه عام.
ولأنها صلاة شفع فاستحب إعادتها أصله الظهر عكسه المغرب.
[285] (فصل): ودليلنا على أن المغرب لا تعاد, قوله عليه السلام: (لا تصلى صلاة في يوم مرتين) فعم.
ولأنها وتر فإذا أعادها حصل وتران في ليلة من جنس، وذلك ممنوع.
ولأن إحدى الصلاتين تكون متنفلاً بها والتنفل لا يكون إلا بثلاث ركعات.
[286] مسألة: إذا صلى في جماعة لم يعدها في جماعة أخرى خلافاً للشافعي.
لأن إحدى الجماعتين لا فضيلة لها على الأخرى.
ولأنه لو استحب إعادتها لم يكن لذلك حد يقف عنده.
العجز عن القيام في الصلاة
[287] مسألة: إذا عجز عن القيام صلى قاعداً متربعاً.
خلافاً للشافعي في قوله يصلي مفترشاً.
لأن ذلك مروي عن ابن عمر وابن عباس وأنس.
ولأن ذلك أيسر في التمكين وأتم في وقار الصلاة وليفصل بين قعوده الأصلي وبين قعوده البدل.
ولأن ذلك أبلغ في حفظ صلاته وأبعد عن التشويش عليه وشكه.
مكان وقوف المرأة في صلاة الجماعة
[288] مسألة: إذا ائتمت المرأة بالرجل قامت خلفه.
وإذا قامت إلى
جنبه أو بين يديه لم تبطل صلاة واحد منهما.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن صلاتهما تبطل في غير الجنازة؛ لقوله عليه السلام: (لا يقطع صلاة المرء شيء).
ولأنها صلاة شرعية كالجنازة.
ولأن كل من تصح صلاة الرجل معه إذا وقف إلى جنبه في الصلاة على الجنازة فكذلك في سائر الصلوات، كالرجل والصبي.
ولأنه موقف لو وقفه في الجنازة لم تبطل صلاته، فكذلك في غير الجنازة كوقوفه إلى جنب الصبي.
ولأن اختلاف موقف الإمام لا يوجب بطلان صلاة واحد منهما، كوقوف المأموم عن يسار الإمام.
ولأن مجاورة المرأة لا تفسد صلاة من جاورته كقيامها في صلاة أخرى أو في غير صلاة.
سجود التلاوة
[289] مسألة: سجود التلاوة مستحب غير واجب، لا على القارئ ولا على المستمع.
خلافاً لأبي حنيفة.
لأنه إجماع الصحابة.
روي عن عمر أنه قرأ سجدة على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الأخرى قرأها، فتهيأ الناس للسجود فقال: (على رسلكم، إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء).
وفي طريق آخر (من سجد فقد أحسن ومن لم يسجد فلا إثم عليه) وذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار فلم ينكر ذلك أحد ولا حكي فيه خلاف.
وفي حديث أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ (ص) على المنبر فنزل فسجد ثم قرأ في الجمعة الأخرى فنزل فسجد ثم قال: (ما أردت أن أسجد ولكني رأيتكم تيسرتم للسجود).
وذلك يدل على أنها غير واجبة.
ولأنه سجود في غير صلاة، ولا في حكمها، فلم يكن واجباً بأصل الشرع كسجود الشكر.
ولأنه يجوز فعله على الراحلة في السفر من غير خوف ولا مرض، فلم يكن واجباً كالتطوع.
[290] مسألة: إذا ركع بدلاً عن سجود التلاوة لم ينب ذلك عن السجود.
خلافاً لما يحكى عن أبي حنيفة أنه بالخيار إن شاء سجد وإن شاء ركع.
لأنه سجود شرع لسبب اقتضاه، فلم ينب عنه الركوع أصله سجود السهو؛ لأن كل سجود شرع في الشريعة لم ينب عنه غيره، أصله السجود من صلب الصلاة.
[291] مسألة: في عزائم القرآن روايتان: إحداهما: إحدى عشر وهي المشهورة.
والأخرى: أربعة عشر باقيها في المفصل وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
فوجه الأول: ما روي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في النجم فلما هاجر إلى المدينة تركها.
وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.
[292] مسألة: في الحج سجدة واحدة وهي الأولى، والثانية ليس بعزيمة خلافاً للشافعي.
لأنه سجود مقرون بالركوع، فلم تقتض سجدة تلاوة أصله قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾.
[293] مسألة: سجدة (ص) عزيمة خلافاً للشافعي.
لما روى ابن
عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في (ص)،.
وروي أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (رأيت كأني اقرأ (ص) فلما أن بلغت إلى السجدة سجد الدواء والقلم فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في (ص).
[294] مسألة: السجود عند بشارة أو مسرة مكروه والأولى أن يقتصر على الشكر والحمد باللسان.
خلافاً للشافعي في قوله يسجد.
لقوله عليه السلام: (إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية) فأمر بالدعاء ولم يأمر بالسجود.
ولأنه لا نعمة أعظم من نعمة الإسلام، وقد أسلم كثير من الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يأمر أحداً منهم بالسجود، ولو كان مستحباً لأمر بذلك، وقد كانت له ولأصحابه فتوح كثيرة عظيمة، فلم ينقل أنهم سجدوا لها مع عظيم المن فيها وزوال الأذى عنهم بها.
وكذلك روي أنه استسقى النبي - صلى الله عليه وسلم - في عام جدب فسقي فلم ينقل عنه أنه سجد بل نقل عنه أنه كان يلجأ عند الشدائد إلى الدعاء وعند زوالها إلى الحمد والشكر بلسانه.
الصلاة داخل الكعبة
[295] مسألة: مذهب مالك في صلاة الفرض داخل الكعبة أنها تكره
وتجزئ.
وقال أصبغ لا تجزيه، وهو المشهور عند المحققين من أهل مذهبنا.
فوجه الأول قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ وهذا قد فعل.
وروى بلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة فصلى بها.
ولأنه مستقبل بجميع بدنه من البيت كالخارج، ولأن كل بقعة صحت فيها النافلة على الإطلاق صحت فيها الفريضة كسائر المواضع.
ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾، والمراد بالشطر القبالة والنحو ففيه أدلة: أحدها: أنه يوجب استقبال جملته وذلك ينفي استدبارها ومن كان داخلها فلابد أن يستدير شيئاً منها.
والثاني: أن الأمر إنما يتوجه إلينا إذا كنا على صفة يصح فيها فعل المأمور وتركه؛ لأن المأمور إنما يكلف ليفعل أو يترك، وما لا يُفعل إلا على وجه فلا يصح أن يؤمر بفعله، ومعلوم أن من كان داخل الكعبة لو أراد أن لا يولي وجهه شطره لم يمكنه فعلم أنه مأمور بأن يحصل على صفة يصح منه الفعل والترك وهو الخروج عنه.
والثالث: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى؛ لأن أمره إيانا أن نولي وجوهنا شطره يتضمن منع استدبار بعضه في معنى استدبار كله لا ينفي كونه مستقبلاً لها ولا يجوز أن يقابل بأن يقال إن استقبال بعضه كاستقبال
جميعه لما بينا أن الاستقبال المأمور به لا يتصور إلا بحيث يمكن الاستدبار بدلاً منه.
الصلاة عند نقض البيت -والعياذ بالله-
[296] مسألة: ولو نقض البيت ليبنى جازت الصلاة إلى جهته وإن لم يكن هناك شخص يستر.
خلافاً للشافعي.
لقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾.
ولأن الاعتبار بالبقعة والسمت دون البناء دلالة أن البناء لو نقل إلى مكان آخر لم يجز الصلاة إليه، والبقعة حاصلة وإن لم يتسن بناء؛ لأن الكعبة موضع البيت نفسه فلا معتبر بالبناء، ولأنه لا خلاف أن البناء لو نقض كانت صلاة أهل الأفاق جائزة وإن لم يحدث بدلاً له بناء آخر فعلم أن الحرمة للبيت دون البناء.
ولأنه مستقبل جهة الكعبة كما لو كان البيت مبنياً، ولأنه لو كان ما قالوه شرطاً لم يجز الصلاة على أبي قبيس؛ لأنه ليس بشيء يستقبله المصلي، ولا يلغى بناء البيت لأن ذلك في حق من هو نازل عنه.
قضاء المرتد الصلاة إذا أسلم
[297] مسألة: إذا أسلم المرتد لم يلزمه قضاء ما ترك من الصلاة والصوم في حال ردته خلافاً للشافعي.
لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾.
وقوله عليه السلام: (الإسلام يجب ما قبله).
ولأنها حال كفر فلم يقض ما ترك فيها من الصلاة كالكفر الأصلي، ولأن كل معنى أثر في سقوط قضاء الفوائت فإنه إذا زال ثم عاد
فإن زواله ثانية يسقط قضاء الفوائت معه، أصله الحيض، وهذا يتصور فيمن كان كافراً ثم أسلم ثم أرتد ثم أسلم.
ولأنه معنى يؤثر في سقوط الفوائت، فلم يفترق فيه حكم الطارئ والأصلي كالجنون.
[298] مسألة: وعليه استئناف الحج خلافاً للشافعي.
لأن عمله حبط بالكفر بدليل قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ ولأنه لو كان عمله مراعى غير محبط بالكفر لوجب أن تصح أنكحته وحقوقه المفتقرة إلى الإسلام كإنكاحه لوليته، وإذا ثبت أن عمله قد انحبط صار كالإسلام المبتدأ.
ولأنه إسلام عقيب كفر، فوجب أن يلزم معه الحج كالمسلم ابتداء.
الشك في عدد ركعات الصلاة
[299] مسألة: إذا شك في عدد الركعات بنى على يقينه، كان شكه نادراً أو معتاداً، ما لم يكن استنكاحاً.
خلافاً لأبي حنفية في قوله: إن كان أول شك لم يتكرر منه تحرى وبنى على غالب الظن.
لقوله عليه السلام: (إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتي السهو، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمام الصلاة، وكانت السجدتان ترغيماً للشيطان).
ولأنه شاك في عدد ركعات صلاة هو مشتغل بها، فوجب أن يبني على اليقين، أصله إذا تحرى فلم يغلب على ظنه شيء أو غلب على ظنه النقصان.
ولأن أمر الصلاة مبني على الاحتياط وهو ههنا البناء على اليقين؛ لأنه يتيقن معه إتمام الصلاة ويصير شاكا في الزيادة، وإذا بنى على غالب الظن والتحري صار شاكا في تمام الصلاة ومجوزا لنقصانها وذلك ضد الاحتياط.
ولأنه إذا تحرى وبنى على اليقين، فإنه يسجد للسهو،
والسجود إنما يجبر ما لم يكن شرطا في الصلاة، فلو قلنا إنه يتحرى ويسجد للسهو جاز أن يكون قد ترك الركعة فيصير
سجود السهو
نائباً عن ركن وذلك غير جائز، وإذا بنى على اليقين كان سجود السهو جبراً للزيادة أو مرغماً للشيطان فكان أولى؛ لأنه لا يخرج السجود عن موضعه.
ودليلنا على أن الصلاة لا تبطل بأول مرة لخبره الذي رويناه، ولأنه شك في عدد ركعاتها كالمعتادة.
[سجود السهو]
[300] مسألة: سجود السهو في النقصان قبل السلام، وفي الزيادة بعد السلام.
خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن جميعه بعد السلام.
وللشافعي في قوله إن جميعه قبل السلام.
فدليلنا على أبي حنيفة حديث عبدالله بن بحينة أنه قال: (صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته وانتظرنا تسليمه كبر وسجد سجدتين وهو جالس قبل السلام ثم سلم).
ولأن سجود النقص جبران للنقص الواقع في الصلاة، فوجب أن يكون في الصلاة، كما كان هدي المتعة والقرآن في الحج؛ لكونه جبراناً للنقص الواقع فيه.
ولأنه سجود لسبب وقع في الصلاة يتعلق بها، فجاز أن يكون قبل السلام كسجود التلاوة.
ودليلنا على الشافعي ما روى ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم).
وحديث ذي اليدين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
صلى ركعتين أخريين ثم سلم ثم سجد سجدتين.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، وإذا سلم فليسجد سجدتين).ولأن هذا السهو قد اقتضى زيادة لأجل الصلاة، فلو قلنا إنه يكون فيها لكان زيادتين في الصلاة وذلك لا يجوز.
[301] مسألة: إذا أسر موضع الجهر، أو جهر في موضع الإسرار سجد سجدتين.
خلافاً للشافعي في قوله لا يسجد في ذلك.
لقوله عليه السلام: (لكل سهو سجدتان).
ولأنه ترك مسموعاً في الصلاة أو زاد مسموعاً يتعلق به السجود كما لو ترك أصل الذكر.
[302] مسألة: لا يسجد للسهو أكثر من سجدتين كثر أو قل.
خلافاً لمن حكي عنه لكل سهو سجدتان إن صحت الحكاية عنهم لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذي اليدين أنه سجد سجدتين.
وقد اجتمع عليه أشياء من السهو، منها سلامه من اثنتين، وكلامه واستثباته ومشيه.
ولأن الأصل في السجود الذي يعرض لسبب أن يكون عقب سببه، كسجود التلاوة ويتكرر بتكرره، وفي مسألتنا: أخره إلى آخر الصلاة، وفائدة ذلك تجويز أن يحدث شيء آخر من بابه فيكون السجود للجميع.
[303] مسألة: الذي يقتضيه مذهبنا أن سجود السهو للنقصان واجب في الصلاة.
لأن مالكاً اختلف قوله فيه.
قال: فإن تركه حتى طال أو انتقض وضوءه أعاد الصلاة، وكان الشيخ أبو بكر الأبهري يمتنع من إطلاق
الوجوب، ويقول: إن الصلاة تعاد بتركه.
وعندي أن ذلك خلاف عبارة؛ لأن الغرض حاصل، وهو فساد الصلاة بتركه وهذا فائدة الوجوب.
وقال أبو حنيفة: هما واجبتان وليستا من شرط صحة الصلاة، فلا يتصور خلاف معه؛ لأن عنده أن السجود للنقصان بعد السلام.
وقال الشافعي: هو مستحب وليس بواجب.
ودليلنا حديث ابن بحينة، وفيه (فلما قضى صلاته وانتظرنا تسليمه سجد سجدتين ثم سلم) وأفعاله على الوجوب وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ولأنه جبران وقع في عبادة فكان واجباً فيها كالدم في الحج ولأنه سجود يفعل في الصلاة لإصلاحها.
[304] مسألة: إذا لم يسجد الإمام لسهو سجد المأموم.
خلافاً لأبي حنيفة.
لأن صلاة المأموم متعلقة بصلاة إمامه، فإذا دخل على صلاة الإمام نقصٌ دخل على صلاة المأموم، فوجب أن يجبره بسجود السهو؛ ولأنه سجود لزم الإمام فإذا لم يأت به أتى به المأموم كالسجود الأصلي.
[305] مسألة: وإذا كان سهو الإمام قبل دخول المأموم معه في الصلاة لزم المأموم أن يسجد معه.
خلافاً لأحد قولي الشافعي.
لأن حكم اتباعه قد لزمه، ألا ترى أنه يتبعه في الجلوس ويتبعه في القيام، وإن لم يكن في نظام صلاته، واعتباراً بما يدركه معه.
العجز عن قراءة القرآن
[306] مسألة: إذا كان لا يحسن شيئاً من القرآن أصلاً لزمه أن يكبر للإحرام، ولم يلزمه من طريق الوجوب تسبيح ولا تحميد ولا غيره، ويستحب له أن يقف وقوفاً ما فإن لم يفعل وركع أجزأه.
وعند الشافعي يلزمه أن يذكر الله عز وجل بالتكبير والتحميد، فدليلنا أنه ذكر بدل عن القراءة فلم يلزمه للعجز عنها كسائر الأذكار.
ولأنه ذكر غير مقدر كالدعاء.
ولأن الأذكار في الصلاة إذا عجز عن شيء منها وانتقل الوجوب إلى غيرها،