كتاب الشفعة
[1087] مسألة: الشفعة بالجوار لا تستحق، خلافا لأبي حنيفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة) ففيه ثلاثة أدلة: أحدها أنه أخبر عن محل الشفعة أنه فيما لم يقسم، فانتفى بذلك وجوبها في غيره، والثاني دليل الخطاب وهو أنه لما علقها بغير المقسوم دل على أن المقسوم بخلافه، والثالث نصه على سقوطها مع القسمة، ولأنه ملك محوز بحدود، أصله إذا كان بينهما طريق نافذ، ولأن كل شفعة تستحق بالشركة فإنها تسقط مع القسمة، أصله الدار تكون بين ثلاثة، فإن لكل واحد منهم الشفعة فيما يبيع شريكه فإذا قسموها وجعل باب أحدهم في الوسط، وباب كل واحد من الآخرين في الطرف، ثم باع صاحب الطرف، فإن الشفعة لصاحب الوسط ولا يكون لصاحب الطرف الآخر شفعة فيما يبيعه صاحب الآخر، وقد كان له شفعته في هذا المبيع قبل القسمة، وإنما سقطت بالقسمة.
[1088] مسألة: اختلف عنه في الثمار فقال فيها الشفعة وقال لا شفعة فيها، فدليلنا على إثبات الشفعة أنها معلقة في الملك من غير صنعة آدمي بأصل تجب فيه الشفعة يخاف سوء المشارك فأشبه الفحل والبئر.
[1089] مسألة: الشفعة على قدر الأنصباء، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن الشفعة معنى يستفاد بالملك فوجب أن تكون معتبرة بالملك لا بقدر الملاك، أصله غلة الدار وكسب العبد، ولأن مرافق الأموال تتوزع على قدر مقادير أملاك الشركاء في القلة والكثرة، كالربح في الثمار وأجرة المساكن، ولأن الشفعة مستحقة لإزالة الضرر المتأبد، لولاها لم يكن إزالته لحق واجب وهو أن يطالب المشتري والشريك بالقسمة فيلزمه، فيدخل عليه الضرر من وجوه نقصان قيمة نصيبه إذا انفرد، واستئناف مرافق وزيادة مؤنة، فالضرر يدخل عليه على حسب ملكه، ولأن الدار إذا قسمت قسطت مؤنة البناء في القسمة على قدر الملك لا على قدر الرؤوس، فإذا كانت الشفعة مستحقة لهذا وجب أن يستحق بقدر الملك، لأن هذا الضرر إذا وجد فقسط بحسب المال وكذلك إذا رفع.
[1090] مسألة: طلب الشفعة ليس على الفور، وعنه في انقطاعها للحاضر روايتان: إحداهما أنه تنقطع بعد سنة، والأخرى أنها لا تنقطع إلا بأن يأتي عليه من الزمان ما يعلم به أنه تارك لها، وقال أبو حنيفة إنه على الفور.
وهو أظهر أقاويل الشافعي.
فدليلنا قوله عليه السلام: (الشفعة فيما لم يقسم) ولم يعلقه بحد، ولأن المطالبة حق للشفيع، والأصل أن كل من ثبت له حق فله أخذه، وله تركه أيّ وقت شاء، إلى أن يقوم دليل على
تعلقه بوقت يفوت بخروجه هذا أصل بنينا عليه هذا الباب، ولا ينتقض بأعيان المسائل، ولأنه حق من جهة استيفاء مال لم يكن فيه تفريط ولا تدليس، فم تجب المطالبة فيه على الفور، أصله المطالبة بالديون، ولأن على الشفيع إضرارا في المطالبة على الفور، لأنه قد يعلم ببيع الشقص في وقت لا يكون معه ثمنه، فيحتاج إلى تحصيل الثمن وبيع ما يحصله به، وذلك يقتضي مهله يمكنه فيها، وكذلك قد يكون المشتري عمّر الشقص فيجب له قيمة العمارة، ويتعذر على الشفيع قيمة الشقص في الوقت، والضرر غير جائز.
[1091] مسألة: تستحق الشفعة في النكاح والإجارة والخلع، خلافا لأبي حنيفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الشريك شفيع) وقوله: (الشفعة فيما لم يقسم) ولم يفرق، ولأنه نوع معاوضة يملك به ما يجب فيه الشفعة، فجاز أن تستحق به الشفعة كالبيع.
[1092] فصل: ويؤخذ الشقص بقيمته، خلافا للشافعي في قوله مهر المثل؛ لأن ذلك يوجب تقويم البضع في حقوق الأجانب، ولأن في ذلك ضررا على المرأة وعلى الشفيع، لأنه قد تكون قيمته أضعاف مهر المثل، بأن يكون الزوج قد سامح المرأة، وتقول لا أرضى ببذل بضعي بمهر المثل، فإذا كلفنا المرأة مهر المثل عوضا منه أضررنا بها، وكذلك عكسه في حق الشفيع فكانت القيمة أعدل.
[1093] مسألة: إذ أخذ الشقص بالشفعة ثم خرج مستحقا فالعهدة على المشتري، وقال ابن أبي ليلى: على البائع، وقال محمد بن الحسن: إذا كان الشفيع أخذ الشقص من البائع فعهدته عليه؛ ودلينا أن الشفيع ملك الشقص عن المبتاع، فوجب أن يرجع عليه دون غيره كالمبتاع مع البائع.
[1094] مسألة: المسلم والذمي في استحقاق الشفعة سواء، خلافا لأحمد بن حنبل وداود في قولهما لا شفعة للذمي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الشريك شفيع)، فعم، ولأنه حق وضع لإزالة الضرر فاستوى فيه المسلم والكافر، كالرد بالعيب، ولأنه معنى يستفاد بالملك كالاستخدام.
[1095] مسألة: لا شفعة في العروض والحيوان، خلافا لمن يحكى عنه ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة فيما لم يقسم)، وقوله (إذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، ولأنه مما ينقل ويحول كالذهب والفضة.
[1096] مسألة: إذا اشترى شقصا فيه الشفعة بثمن إلى أجل وكان الشفيع ثقة مليا، فله أخذه بالثمن إلى أجل، وإلا أتى بثقة ملئ وكان له أخذ الشقص، خلافا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إنه ليس له إلا أن يأخذه بالثمن حالا، أو يؤخر بالمطالبة إلى الأجل؛ لأنه لو لم يجب بها الأخذ على ما قلناه لم يخل بأحد من أمرين إما أن يأخذها نقدا، وذلك زيادة عليه على ما أخذه المشتري، فلم يجز كالزيادة عليه في الثمن، ولأن الأجل يأخذ قسطا من الثمن فكان كالزيادة في مقداره، أو أن يؤخر الأخذ بها إلى أن يحل الأجل وذلك غير جائز، لأنه حق وجب له يملك أخذه بمثل ما عاوض المشتري عليه، فكان له ذلك كالمبيع بالنقد وإذا انتفى الأمران لم يبق إلا ما قلناه.
[1097] مسألة: اختلف عن مالك في الهبة لغير ثواب وفي الصدقة هل تجب فيها الشفعة، فعنه روايتان: إحداهما وجوب الشفعة، والأخرى سقوطها، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ ودليلنا على وجوبها
قوله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة في كل شرك)، وقوله: (الشريك شفيع)، ولأنه ملكه باختياره فوجب تعلق الشفعة به كالبيع وبذلك فارق الميراث.
[1098] مسألة: إذا اشترى شقصا في أرض فيها نخل وشجر مثمر فشرط الثمر، فللشفيع أخذ الأرض بالثمرة وإن يبست وجذبت، وقال الشافعي يأخذ الشقص دون الثمرة؛ فدليلنا أنها ثابتة في أصل البيع غير مزايلة له من غير فعل آدمي قد ضمتها الشفعة، فوجب أن يجري فيها حكم الشفعة كالشجرة.
[1099] مسألة: الشركاء الأقرباء في السهم أحق من الشركاء الأجانب، وقال أبو حنيفة كلهم سواء، وهو أحد قولي الشافعي؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة في كل مشترك) وهذا يفيد أنواع الشركة، ولأنه نوع من الشركة فوجب أن يتعلق به استحقاق الشفعة كالاشتراك في الشراء.
[1100] مسألة: الشفعة موروثة، خلافا لأبي حنيفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من ترك مالا أو حقا فلورثته)، ولأنه خيار ثبت لدفع الضرر عن ماله، فجاز أن يقوم الوارث مقامه كخيار الرد بالعيب، ولأنه حق مستفاد بالملك، فجاز أن يورث كثمار الشجر ونتاج الماشية.
[1101] مسألة: إذا بنى المشتري في دار، أو غرس ثم أراد الشفيع الأخذ بالشفعة فإنه يأخذ الشقص بقيمة البناء والغرس، وليس له إجبار المشتري على قلع البناء والغراس، وقال أبو حنيفة له ذلك؛ فدليلنا
قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس لعرق ظالم حق)، فكان له حرمة وحق، ولأنه بنى مباحا في ملك صحيح، فلم يستحق عليه قلعه وإتلافه، كالذي لا يستحق عليه شفعة، واعتبار الزرع.
[1102] مسألة: اختلف قول مالك في الحمام وغيره مما لا يقسم إلا بإفساده عما هو عليه، فقال فيه الشفعة، وقال لا شفعة فيه، وكذلك الأرحية والطريق وغيرهما، وعند أبي حنيفة أن فيه الشفعة، وعند الشافعي لا شفعة فيه؛ ودليلنا أنه لا شفعة فيه أن كل مالا يقسم لضرر فلا شفعة فيه، كالعروض؛ ووجه إثبات الشفعة أنها مستحقة من أجل الضرر وسوء المشاركة فيما لا يدخل الانقسام في جنسه وتأبد الضرر فيه كالذي يدخله القسمة.
[1103] مسألة: الشفعة في البئر والفحل إذا كان الأصل لم يقسم، خلافا للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة في كل مشترك) فعم، ولأنه تابع لأصل لم يقسم يجب في الأصل الشفعة ويتعدى ضرر الشركة فيه إلى الضرر في الأصل، فوجب أن تجب فيه الشفعة ببقاء الأصل.
[1104] مسألة: للشفيع ترك الشفعة بعوض يبذل له عليها، خلافا للشافعي؛ لأنه عوض عن إزالة ملك في تمليك فجاز له أخذه كأخذ العوض عن تمليك زوجته أمرها والخلع به.
[1105] مسألة: إذا كان ثلاثة شركاء في عقار باع اثنان منهم حصصهما من رجل واحد صفقة واحدة، ثم طالب الشريك الثالث بالشفعة، لم يكن له تبعيض الصفقة على المشتري، فإما أخذ الكل أو ترك، وقال الشافعي له أن يأخذ حصة أحد البائعين.
فدليلنا أنها صفقة جمعت ما يستحق الشفيع أخذه
بالشفعة في الكل، فلم يكن له تفريق الصفقة، أصله إذا كان البائع واحداً.
[1106] مسألة: إذا أقر البائع ببيع الشقص وأنكر المشتري الشراء، لم يكن للشريك المطالبة بالشفعة إلا بعد أن يثبت الشراء، خلافا لأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي لأن المشتري أصل للشفيع وعنه يملك الشقص وعهدته عليه، فإذا لم يثبت شراؤه لم يستحق الشفعة.
[1107] مسألة: إذا كان ثلاثة شركاء فاشترى أحدهم من الآخر حصته ثم طالب الثالث الذي لم يبع بالشفعة، كان الشقص بينه وبين الشريك المشتري على قدر أملاكهما، وقال بعض الشافعية جميعه للشريك الثالث، ولا يكون للشريك المشتري شيء أصلاً؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة في كل مشترك)، وقوله: (الشريك شفيع) ولأنه شقص وجب فيه الشفعة، فوجب أن تستحق لجميع الشركاء الذين لم يبيعوا، أصله إذا كان المشتري أجنبيا، ولأنه شريك في الشقص المبيع، فوجب أن يستحق الشفعة فيما باعه شريكه، والشريك الذي لم يشتر، ولأن المعنى الذي استحق الشريك الذي لم يبع الشفعة شركته في الملك، والشريك المشتري مساوٍ له فيه، فوجب أن يساويه في الاستحقاق.
[1108] مسألة: إذا حط البائع عن المبتاع بعض الثمن بعد لزوم العقد، نظر فإن كان يسيرا يشبه أن يكون الباقي ثمنا للشقص حط عن الشفيع، وإن كان شيئا كثيرا لا يبتاع بمثله، كان ذلك هبة للمشتري ولا يحط عن الشفيع، وقال أبو حنيفة يحط كله، وقال الشافعي لا يحط في الموضعين جميعا، فدليلنا على أنه يحط ما يشبه أن الذي يلزم الشفيع القدر الذي بذل المشتري في المعاوضة عن الشقص دون ما زاد عليه، والذي بذل هو ما بقي بعد الحط فوجب أن يكون ذلك هو الذي يلزم الشفيع، ولا يدخل عليه الحط الكثير الخارج عن العادة، لأن لذلك وجها حمل عليه
وهو الهبة دون قصد المشاحة في البيع، ولأن ذلك كأنه فسخ للعقد الأول بالعوض الثاني؛ ودليلنا على أن الحط الكثير لا يجب حطه عن الشفيع أنه هبة فلم يسقط بها عن الشفيع فألزمه كما وهب له الثمن كله بلفظ الهبة، ولا يشبه اليسير لأن الباقي لا يخرج عن أن يكون ثمناً فيحمل الحط على أنه فسخ للعقد وبيع مستأنف.
[1109] مسألة: الشقص المبيع بالخيار لا تجب الشفعة فيه إلا بانبرام البيع، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، وقال أبو حنيفة والشافعي إن كان الخيار للبائع فلا شفعة، وإن كان للمشتري لزمت الشفعة؛ فدليلنا أنه عقد موقوف على الخيار، أصله إذا كان للبائع، ولأن العقد لا يتم ما دام الخيار باقياً، والشفعة إنما تجب بعد تمام البيع، ولأن أحكام العقد المتضمن للخيار لا تختلف بكونه للبائع أو للمشتري، بدليل أنه لا يستحق فيه النقد، ولا يمكن التصرف في أحدهما بغير الاختيار، وكذلك الشفعة.
[1110] مسألة: إذا اشترى شقصا، فانهدمت الدار بسيل أو حريق أو بأمر من الله تعالى، أو هدّم هو، ثم جاء الشفيع فله أن يأخذها على ما هي عليه بجميع الثمن لا ينقص منه شيء، إلا أن يكون المبتاع باع شيئا من خشبها أو نقضها، فيقاصّ به، وقال أبو حنيفة إن انهدمت بأمر الله تعالى أخذها بجميع الثمن، وإن هدمها هو ضمن، وللشافعي قولان؛ فدليلنا أن المشتري تصرف بنفسه في ملكه والشفيع يأخذ منه على وجه الشراء أو التقديم عليه في الملك، فلم يكن له النقصان من الثمن مع بقاء الأعيان المعقود عليها، لأنه لم يختر بقائها على ملك غيره، اعتبارا بها إذا انهدمت بأمر من قبل الله عز وجل.