كتاب الحوالة
[1008] مسألة: إذا أحاله بحقه على رجل له عليه دين وهو مليء في الظاهر، لا يعلم المحيل منه فلساً فإنه يصير كالقابض، ولا يرجع على المحيل بحال، وقال أبو حنيفة يرجع عليه إذا كان المحال عليه مفلساً أو جحد الحق وحلف، ولم يكن للمحتال بيّنة، وزاد أبو يوسف ومحمد: أو يحجر الحاكم عليه للفلس.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن أحيل على مليء فليتبع» فأطلق ولم يقيد، ولأنها حوالة برئت ذمة المحيل بها، فلم يجز له الرجوع على المحيل به، أصله إذا لم يتغير حاله، ولا يلزم عليه الغرر؛ لأن الذمة لا تبرأ معه، ولأن عقد الحوالة إذا انبرم فإن بقاءه يمنع رجوع المحتال على المحيل، أصله ما ذكرناه، وفي الغرر لم ينبرم، ولأن الحوالة سبب تسقط المطالبة بالدَّين وتبدله، فوجب أن يسقط به حق الرجوع كالقبض والإبراء، ولا يلزم عليه الغرر؛ لأن المطالبة لا تسقط معه، ولأن الحوالة بمنزلة الإبراء والقبض، بدليل سقوط المطالبة بالدين معها، وجواز التأخير فيها، فكان المحال عليه عيباً حادثاً بعد القبض فلم يرجع به.
[1009] مسألة: وإذا أحاله على مفلس والمحال لا يعلم بفلسفه كان له
الرجوع خلافاً للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحيل على ملي فليتبع» فشرط ملاء المحال عليه، ولأن البراءة كانت بشرط سلامة ذمة المحال عليه؛ لأنه على ذلك دخل، فإذا لم توجد السلامة لم يوجد شرط البراءة، فكان الدين باقياً في الذمة، ولأن المحتال دخل على ذمة سليمة، فإذا خرجت معيبة كان له الرجوع، كما لو دفع الثمن في سلعة على أنها سليمة فخرجت معيبة.
[1010] مسألة: لا يجبر صاحب الحق على الرضا بالحوالة، خلافاً لداود؛ لأن حقه تعلق بذمة فلم يجبر على نقله إلى ذمة أخرى بغير رضاه، أصله في المنافع إذا استأجر منه كراء إلى بلد فلم يكن له أن يحيله على غيره ليستوفي الكراء منه، ولأنه بيع ملك ولأنه تمليك ببدل لا يتعلق به حق الله تعالى فلم يجبر عليه المالك، أصله بيع الأعيان، ولأنه حق واجب عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا من له الحق، أصله إذا تعلق بالعين، فنقيس الذمة على العين.
[1011] مسألة: ورضا من يحال عليه غير معتبر، خلافاً لداود؛ لقوله عليه السلام: «من أحيل على ملي فليتبع» ولم يشترط رضاه، ولأن الحق هو للمالك فله أن يملكه من شاء كسائر الحقوق.