كتاب الجهاد
[1870] مسألة: للإمام أن يمن على الأسارى وأن يفادي بهم، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الأمران؛ فدليلنا على جواز المن قوله تعالى: "فإما منًا بعد وإما فداء"، وهذا نص، وما روي أنه صلى الله عليه وسلم أراد قتل أبا عزة الشاعر لما أسر ببدر، فقال له: أطلقني فإني ذو عيلة، فأطلقه على أن لا يرجع إلى القتال، فمضى إلى المشركين وقال: سخرت من محمّد، ثم عاد فقاتل، وأخذ، فسأل أن يطلق فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يلدغ المؤمن من الجحر مزتين» وقتله ببدر، وسئل في ثمامة بن أثال فمنَّ عليه، وقال: «لو كان مطعم حياً فسألني في هؤلاء لأطلقتهم له».
[1871] فصل: ودليلنا على جواز الفداء، الظاهر، وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بأسارى بدر من إطلاقه إياهم على مال، ولأنه صلى الله عليه وسلم أطلق أسيرًا من [بني] عقيل وفادى به رجلين من أصحابه كانا أسيرين في ثقيف.
[1872] مسألة: من قتل أسيرًا قبل إعطائه الأمان فلا ضمان عليه، وحكي عن الأوزاعي: أنّه يضمن نفسه للغانمين؛ فدليلنا أنه لم يصر رقيقاً بنفس الأسر، فلو ألزمناه ضمانه لكان ذلك لحق الكافر ولا حق له، لأنه كافر لا أمن له كالمرتد.
[1873] مسألة: لا يقتل الشيوخ ولا أهل الصوامع الذين ليس فيهم فضل القتال ولا تدبير، خلافاً للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتلوا شيخاً فانياً»، وقوله: «لا تقتلوا أهل الصوامع»، ولأنه قول أبي بكر الصدّيق
رضي الله عنه، ولا مخالف له، ولأنه لا فضل فيهم للقتال ولا ضرر في تبقيتهم على المسلمين كالنساء والصبيان.
[1874] مسألة: إذا زنى المسلم في دار الحرب أقيم عليه الحد، وكذلك إن قتل عمدًا أقيد منه، وكذلك سائر الحدود إذا فعل أسبابها في دار الحرب، وقال أبو حنيفة: إن كان هناك الإمام وجبت الحدود وإن لم يكن إمام لم تجب، وعنه: لا يجب القود هناك بقتل العمد ولا حدّ قذف؛ فدليلنا قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما"، وقوله: "والسارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما" ولم يفرق، ولأنه وجد منه الزنا الذي يجب به الحدّ في ذلك الموضع من الأماكن، فوجب أن يجب به الحدّ في ذلك الموضع اعتبارًا بسائر بقاع الإسلام، ولأنّ كل دار وجب الحد فيها إذا كان هناك إمام، وجب وإن لم يكن إمام كدار الإسلام، ولأن القود حق يجب بالقتل في دار الإسلام فوجب أن يجب به في دار الحرب كالدية والكفارة، واعتبارًا بالردة في دار الحرب.
[1875] مسألة: ما حازه أهل الحرب من أموال المسلمين على وجه الإغارة، فإذا أسلم من هو في يده كأن ملكاً له، ولم يكن لمالكه الأول من المسلمين اعتراض عليه فيه، وقال الشافعي: هو باق على ملك المسلم وله أخذه منه بغير عوض؛ فدليلنا قوله عليه السلام: «الإسلام يجب ما قبله»، ولأن للكفار شبهة ملك على ما حازوه من أموال المسلمين، يدل عليه قوله تعالى: "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم"، فسمّاهم فقراء بعد هجرتهم وتركهم ديارهم وأموالهم، ولأنه لا خلاف أنّهم لو استهلكوه
ثم أسلموا لم يضمنوه، ولو أتلفه مسلم على صاحبه للزمه غرمه، فدل ذلك على ثبوت شبهة الملك المشترك.
[1876] مسألة: إذا عاد ما حازه أهل الحرب بالغنيمة إلى المسلمين فإن وجده مالكه قبل القسم كان له بغير عوض، وإن وجده وقد قسم لم يكن أولى به إلا بالثمن، وحكي عن عمرو بن دينار: أنه ملك لمن غنمه دون مالكه، وقال الشافعي: هو له بغير ثمن قبل القسم وبعده؛ فدليلنا على أنه قبل القسم لمالكه بغير عوض حديث ابن عباس: أن رجلاً من المسلمين وجد بعيرًا له في المغنم قد كان أصابه المشركون فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وجدته في المغنم فخذه وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن»، وحديث ابن عمر: أن فرساً له ذهب فأخذه العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرد عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه على أصل ملكه لم يزل عنه بقسم ولا باستهلاك ولا باستلام ممّن هو في يده، وقد زالت شبهة الملك عن من كان في يده بعوده إلى المغانم فكان صاحبه أحق به.
[1877] فصل: ودليلنا على أنه لا يكون له بعد القسم إلا بالثمن خلافاً للشافعي للحديث الذي رويناه وفيه: «وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن»، وهذا نص، ولأنه لما جاز أن يملك المسلم على الكافر بالقهر والغلبة جاز أن يملكه الكافر بمثل ذلك بعلة أنه بدل حقه من الغنيمة، لأن الإمام لا يغرمه له ولا يقدر أن يرجع، فلو قلنا إنّه يؤخذ بغير بدل لأدى ذلك إلى استهلاكه ثم لم يسلم لم يكن عليه غرمه، ولأن قسم الإمام قد قطع حق صاحبها عنها مع تقدّم شبهة الكافر عليها، ولأن من حصل في
يده بالقسم أخذه بحق سهمه بحكم الإمام، فلو قلنا إنه يؤخذ بغير بدل لأدى ذلك إلى ترك حقه من الغنيمة، لأن الإمام لا يغرمه له ولا يقدر أن يرجع على الغانمين به.
[1878] مسألة: إذا أسلم الحربي في دار الحرب فالإسلام حقن دمه، واختلف في ماله الذي في دار الحرب وولده الصغار، فقال مالك: يكونون فيئاً إن غنموا، وقيل: يكونون تبعاً له ولا يدخلون في الغنائم، وهو قول الشافعي وهذا مبني على أن الحربي يملك ملكاً صحيحاً، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، ولأنه مال مسلم فلم يجز أن يغنم، أصله ما في يده، ولأن كل من لم يجز أن يغنم ما في يده لم يجز أن يغنم ماله الذي في يده كالمسلم.
[1879] مسألة: من وطىء من الغانمين أمة من المغنم قبل القسم فذلك زنا يحد به، وقال عبد الملك: لا حدَّ عليه، وهو قول الشافعي، وكذلك لو سرق منه لقطع، وقال عبد الملك: لا يقطع.
[1880] مسألة: في هدم النكاح بالسبي اختلاف كثير وتخليط في النقل الذي عليه أصحابنا أن السبي يهدم النكاح، سبيا معًا أو مفترقين، وقال أبو حنيفة: إذا سبيا معاً لا ينفسخ وهو بعض أقاويلنا، وأصل الخلاف بيننا وبينه أن انفساخ النكاح يتعلق بحدوث الرق في أحد الوجهين، وعنده باختلاف الدار؛ فدليلنا قوله تعالى: "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"، فحرَّم وطء المملوكات إلا إذا ملكن، ولأنَّ كل ما زال ملك
المرء عنه بالاسترقاق إذا لم يكن معه، وجب أن يزول كان كان معه دليله المال، ولأنه حدوث رق على نكاح، فوجب أن يفسخه دليله إذا سبي أحدهما واسترق.
[1881] مسألة: من غل شيئاً من الغنيمة عوقب ولم يحرم سهمه، خلافاً لمن قال: يحرم سهمه؛ لأنه قد استحق السهم بحصول سببه من القتال أو الحضور، وغلوله لا يخرجه عن ذلك فلم يجز أن يحرم، ولأنه ليس في الغلول أكثر من ركوب أمر محرَّم وذلك طارىء بعد استحقاق السهم ولا يؤثر فيه.
[1882] مسألة: السلب لجملة الغانمين، خلافاً للشافعي أنّه للقاتل؛ لقوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه"، فأضاف الغنيمة إلى جماعة الغانمين واستثنى منها الخمس، فدل أن ما عداه لهم، سلباً كان أو غيره، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أدوا الخيط والمخيط»، فعم السلب وغيره، وقال، وسئل عن الغنيمة: «لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش»، فقيل: هل أحد أحق بها من أحد؟ قال: «لا والسّهم يستخرجه من جنب أخيك المسلم»، ولأنه مال مغنوم عن المشركين في الحرب فلم يختص به بعض الجيش دون الباقين إلا بإذن الإمام، أصله ما عدا السلب واعتبارًا به إذا قتله مدبرًا.
[1883] مسألة: إذا جاؤوا بعد انقضاء الحرب لم يسهم لهم، وقال أبو حنيفة: إن كانت الغنيمة لم تحمل إلى دار الإسلام أسهم لهم، وإن
كانت قد حملت إلى دار الإسلام لم يسهم لهم؛ فدليلنا قوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه"، فجعل الأربعة الأخماس للغانمين، وهؤلاء لم يغنموا شيئاً فلم يكن لهم قسط فيه، وروي: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، ولأنهم لم يحضروا الحرب كما لو جاؤوا بعد القسمة، ولأنه لم يحصل منهم قتال ولا معاونة عليه، كمن جاء بعد العود إلى دار الإسلام.
[1884] مسألة: لا سهم للأجراء والصناع المتشاغلين باكتسابهم، خلافاً لمن قال: يسهم لهم؛ لقوله تعالى: "وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله"، ففرق بين حكمهما، ولأنه لم يحصل منه المعنى الذي يستحق به السهم وهو القتال والتكثير والمعاونة، لأنه إما حضر لخدمة من استأجره أو لغرض غير القتال فلم يستحق السهم كالطبيب وغيره.
[1885] مسألة: إذا قاتل الأجير أو الصانع فله سهمه، خلافاً لمن قال: لا يسهم له على كل وجه، لأنه ممّن خوطب بالجهاد، فإذا قاتل أسهم له كغير الأجير، ولأنه ليس في كونه أجيرًا أكثر من أنه عاوض على منافعه وذلك لا يمنع السهم له إذا قاتل، كالذي يحج ومعه تجارة أو يؤاجر نفسه للخدمة في ذلك لا يمنعه صحه الحج.
[1886] مسألة: المراهق اذا أطاق القتال وقاتل أسهم له، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لحديث سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليه صبيان المدينة من الأنصار فيلحق من أدرك منهم، فعرضت عليه عاماً فألحق غلاماً وردني، فقلت: يا رسول الله، ألحقته ورددتني، ولو صارعني
لصرعته، قال: فصارعني فصرعته فألحقني، ولأنه قد يوجد فيه ما يوجد في البالغ من القتال والمكايدة للعدو، وهو من الجنس الذي يسهم له فكان كالبالغ.
[1887] مسألة: للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه وسهم له، وقال أبو حنيفة: سهمان؛ فدليلنا ما روى ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسهم للخيل للفرس سهمين وللفارس سهماً، ولأنّ الفارس إنّما زيد على الراجل لكثرة مؤنته فكانت مؤنة الفرس أكثر من مؤنة فارسه فوجب أن يزاد له أيضاً بمثل ما له زيد فارسه على الراجل.
[1888] مسألة: لا يسهم إلا لفرس واحد، وقال أبو يوسف: يسهم لفرسين ولا يزاد عليهما؛ فدليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم إلا لواحد في حروبه كلها، وكذلك الأئمة بعده، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد، وما زاد على ذلك رفاهة وزيادة عدة، وذلك لا يؤثر في زيادة السهمين كزيادة السلاح قياساً على الثالث والرابع.
[1889] مسألة: ما جلا عنه أهله فأخذ بغير قتال فهو للإمام لا يخمس، وقال أبو حنيفة فيه: أنه يخمّس؛ ودليلنا قوله تعالى: "وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء"، فأخبر بأن استحقاقهم أنفسهم لا يكون بإيجافهم، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لمّا نزل على بني النضير فزعوا وجعلوا ينقبون الحصون ويهربون وحاز هو صلى الله عليه وسلم الديار بما فيها فانتظر المسلمون أن يقسم بينهم
فنزلت هذه الآية.
[1890] مسألة: أمان العبد جائز في القتال، أذن له سيده أم لم يأذن، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن لم يأذن له لم يجز أمانه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ويسعى بذمتهم أدناهم»، وروي: «يجير عليهم أدناهم»، ولأن صحة الأمان لا تتعلق بالإذن في القتال كالحر إذا لم يأذن له الإمام في القتال.
[1891] مسألة: إذا ارتهن المسلمون من المشركين رهائن فأسلموا في أيدينا رددناهم ولم يجز لنا حبسهم، خلافاً لمن أبى ذلك؛ لأن في منع ردهم غدراً بهم، وذلك غير جائز، ولأنه صلى الله عليه وسلم صالح المشركين يوم الحديبية على من أتاه منهم رده إليهم، ومن أتاهم منا لم يرده، ولأنا إذا لم نردهم لم نأمن غدرهم للمسلمين، لأنهم إنما يهيمون في الرهائن ما داموا على دينهم، ومراعاة العامة أولى من مراعاة الواحد والاثنين، ولأنه صلى الله عليه وسلم رد أبا رافع وجاءه
رسولاً منهم فأسلم، وقال: «ارجع إليهم»، ورد أبا جندل وأبا بصير يمشيان في قيودهما مسلمين، وقال: «سيجعل الله لكما فرجاً ومخرجاً».
[1892] مسألة: الأرض لا تقسم وتترك وقفاً للمسلمين، وقال الشافعي: تقسم؛ فدليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسم إلا خيبر، فإنه قسم بعضها، ولقوله تعالى: "والذين جاءوا من بعدهم"، وبذلك احتجَّ
عمر لمّا طولب بقسمة الأرض وقال: أرى هذه الآية مستوعبة لجميع المسلمين حتى الراعي بعدن، ولم ينكر عليه أحد، وتلاه عثمان وعلي بمثل ذلك.