كتاب الجنايات
[1545] مسألة: يقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ولا تراجع بينهما في الدّيات، وحكي عن عطاء أن الرجل إذا قتل المرأة خير وليها فإن شاء أخذ ديتها وإن شاء دفع إلى القاتل نصف دية رجل وقتله؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا» فعم، ولأنه شخص قتل مكافئاً له في دينه، فلم يكن له إلا القصاص كالرجلين.
[1546] مسألة: لا يقتل مسلم بكافر، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يقتل المسلم بالذمي؛ لقوله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، وقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكأفأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مسلم بكافر»، ولأنّه ناقص بالكفر
كالحربي والمستأمن، ولأنه حد لا يجب استيفاؤه إلا بالمطالبة، فلم يجب لكافر على مسلم كحدّ القذف.
[1547] مسألة: إذا قتل كافر كافرًا ثم أسلم القاتل لم يسقط القود عنه خلافاً لما يحكى عن الأوزاعي؛ لحديث ابن البيلماني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد مسلماً بكافر، ولا يمكن حمله إلا على هذا الوجه، ولأنه حق لآدمي طريقه الحد، فلم يسقط عنه كسائر الحقوق، ولأن الاعتبار بالحدود حال وجوبها لا حال استيفائها.
[1548] مسألة: لا يقتل حر بعبد، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله: يقتل حر بعبد غيره، ولداود في قوله: يقتل بعبد نفسه وعبد غيره؛ لقوله تعالى: " الحر بالحر والعبد بالعبد "، وروي عن عمرو بن زياد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقتل حر بعبد» وهذا نص، ولأنه ناقص بالرق كما لو كان مملوكاً لقاتله، ولأنه نوع من القصاص فلم يستحقه العبد على
الحر كالأطراف، ولأن حرمة النفس آكد من حرمة الأطراف، ولأنه شخص لا يجب له القصاص من أطراف شخص، فكذلك من نفسه كالمسلم والمستأمن.
[1549] مسألة: إذا قتل الحر العبد فعليه قيمته بكمالها بالغة ما بلغت، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها إن بلغت دية الحر وزادت نقصت عنها عشرة دراهم؛ لقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم "، والمثل تارة من طريق الصورة وتارة من طريق القيمة، وأيهما كان فيجب بحق الظاهر وكماله، ولأنّه مملوك فوجب أن يضمن في إتلافه بكمال قيمته كالسلع، ولأنه متلف يرجع في ضمانه إلى القيمة، فوجب أن يضمن بكمالها كالبهائم، ولأنه سبب يضمن به العبد فوجب أن يضمن بكمال قيمته كاليد والعين، ولأنه متلف لا يتقدر أقل مثله فلم يتقدر أكثره، كسائر المتلفات، ولأنهأ قيمة للمملوك أتلفت، فوجب أن تجب بكمالها، أصله إذا نقصت عن دية الحر.
[1550] مسألة: إذا تعمّد الأب قتل ابنه قتل به، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لعموم الظاهر في إيجاب القصاص، ولأنهما شخصان متساويان في الحرمة والدين فكان القصاص جارياً بينهما كالأجنبيين، ولأنه بالغ عاقل تعمّد قتل حر مسلم غير مستحق الدم ظلمًا، فكان القود مستحقاً عليه كالأجنبي، ولأنه مكافىء لدمه؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم»، فإذا ثبت ذلك فكل شخصين تكافأت دماؤهما فالقصاص جار بينهما كالأجانب، ولأن القصاص حق من حقوق الآدميين فجاز أن يثبت للابن على الأب، أصله سائر الحقوق.
[1551] مسألة: القصاص جار بين الرجل والمرأة في الأطراف من الطرفين، وقال أبو حنيفة: لا يقطع طرف أحدهما بطرف الآخر؛ فدليلنا
قوله تعالى: " والجروح قصاص "، ولأنّ كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس، فكذلك فيما دونها كالرجلين والمرأتين، ولأنه نوع من القصاص كالنفس، ولأن حرمة النفس آكد.
[1552] مسألة: وتقتل الجماعة بالواحد، خلافاً لداود؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «العمد قود كلّه»، وقوله: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا» فعم، ولأنه إجماع الصحابة لأنه روي عن عمر وعلي وابن عباس، ولا مخالف لهم، ولأنّ كل حد وجب للإنسان على غيره إذا انفرد به وجب عليه وإن شارك فيه كحد القذف.
[1553] مسألة: تقطع أطراف الجماعة بطرف الواحد إذا اشتركوا في قطعه، وقال أبو حنيفة: لا تقطع، فدليلنا أنها جناية لو انفرد بها الواحد لزمه القصاص، فإذا أشترك فيها الجماعة جاز أن يلزمهم القصاص كالجناية على النفس، ولأن كل من لم يمنع جريان القصاص في النفس لم يمنع جريانه في الأطراف كالنسب والسن، فكذلك الاشتراك.
[1554] مسألة: ويجب القود من القتل بالمثقل، خلافاً لأبي حنيفة
أنّه لا قود إلا في القتل بالمحدّد؛ لقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " الآية، وقوله تعالى: " فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به "، وسائر الظواهر والأخبار، وروى أنس: أن يهودياً رضخ رأس أنصارية فقيل: أقتلك فلان؟ قالت: لا، فقيل: وفلان؟ إلى أن ذكر لها اليهودي فأشارت: أي نعم، فأخذ فاعترف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين، ولأنها آلة يقصد بها القتل في الغالب فجاز أن يجب القود بها، أصله المحدّد، ولأنه تعمّد قتل مكافىء لدمه ظلماً، فأشبه أن يحرقه بالنار، ولأنّ في إسقاط ذلك ذريعة إلى التسرع إلى القتل.
[1555] مسألة: إذا أكره إنسان على قتل إنسان ظلماً، قتل المكرِه والمكرَه، ولا فصل بين إكراه الحر للحر والسيد لعبده، وقال أبو حنيفة: يجب القود أو الدية على الآمر دون المأمور، وعند الشافعي أن على الآمر القود، وفي المأمور قولان: أحدهما: أن عليه القود، والآخر: أنه لا قود وعليه نصف الدية، وقال زفر: يقتص من المأمور المباشر للقتل ولا شيء على مكرهه، وقال أبو يوسف: لا قود على واحد منهما، وعليهما الدّية.
فدليلنا أن على المأمور القود قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث»، فذكر: «أو قتل نفس»، وسائر الأخبار، ولأنّه قتله ظلماً
لاستبقاء نفسه فلم يسقط عنه القود، أصله إذا خاف التلف بالجوع فقتله ليأكله، ولأنه قتل شخصاً مكافئاً له ظلماً بغير حق، فأشبه المبتدىء بالقتل، ولأن التلف بضرورة الجوع متحقق وبالإكراه مظنون، ثم في أشدّ الضرورتين يجب القود ففي أضعفهما أولى.
ودليلنا على أن على الآمر القود، أنها مباشرة مع سبب ملجىء فوجب أن يتعلّق الحكم بالسبب، كما لو شهد شاهدان على رجل بالقتل فقتله الحاكم فإن الحكم يتعلق بهما.
[1556] مسألة: إذا أمسكه عامدًا على من يعلم أنه يقتله ظلماً عمداً، قتل الممسك والقاتل، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل "، والاستدلال فهذا مفروض في ذابح لا يقتل بالمذبوح، ولأنه أمسكه على من يعلمه قاتلاً له ظلماً بغير حق، فوجب أن يلزمه القود، أصله إذا أمسكه على نار حتى احترق.
[1557] مسألة: في الواجب بقتل العمد روايتان: إحداهما القود، وهو قول أبي حنيفة، والأخرى التخيير بين القود والدية، وهو قول الشافعي.
فوجه الأولى، قوله صلى الله عليه وسلم: «العمد قود كلّه إلا أن يعفو ولي المقتول»، ولأنه معنى موجب للقتل فلم يجب به مال كالزنا مع الإحصان، ولأنه أحد أنواع القتل فوجب أن يتعين موجبه من غير تخيير، أصله قتل الخطأ، ولأنه أحد بدلي النفس، فكان وجوبه مانعًا من وجوب البدل الآخر، أصله الدّية، ولأن الأصول موضوعة على أن كل متلف فإنّما يلزم متلفه مثله، ولا ينتقل إلى غير مثله إلا بالتراضي، أو بتعذر استيفاء المثل، كذلك في مسألتنا.
ووجه التخيير قوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية»، ولأنه قود سقط بالعفو فوجب أن تثبت الديه من غير رضا القاتل، أصله إذا عفا بعض الأولياء، ولأنّه أحد بدلي النفس فلم يقف وجوبه على رضا القاتل، أصله الدّية، ولأنّه مضمون تعذر فيه القود من غير عفو عن المال، فوجب أن يثبت فيه الدّية من غير رضا القاتل مع القدرة على الاستيفاء، كالأب إذا قتل ابنه على وجه الشبهة، ولأنّ الإنسان مأمور بإحياء نفسه منهي عن تعريضها للتلف متى، ولم يجبر على إعطاء الدية كان في ذلك توفية ماله بإهلاك [نفسه].
[1558] مسألة: يرث القود عصبة المقتول دون من ليس بعصبة من النساء وسائر الأقارب، وعنه رواية أخرى: أن لهن مدخلاً في الدم إذا لم يكن في درجتهن عصبة.
فوجه قوله: إنه لا مدخل لهن في الدم، أنّ ولاية الدم مستحقة بالنصرة ولسن من أهلها، فلم يكن لهن مدخل في الولاية المستحقة بها، ولأنهت لما لم يدخلن في العقل عنه فكذلك في ولاية دمه كذوي الأرحام.
ووجه قوله: إن لهن مدخلاً فيه قوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فأهله بخير النظرين» فعم، وقوله: «يحلف خمسون منكم»، ولم يخص،
ولأنّ القصاص مستحق على استحقاق الميراث، فوجب أن يثبت لجميع الورثة كسائر الحقوق.
[1559] مسألة: إذا كان بعض العصبة أصاغر وبعضهم أكابر فولاية الدم للأكابر، خلافاً للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إلا أن يعفو ولي المقتول»، وهذا يفيد كونه من أهل العفو، ولأنها ولاية مستحقة بالتعصيب، فلا مدخل للصغير والمجنون فيها كالإنكاح، ولا يلزم عليه الغائب لأن الغيبة لا تزيل ولايته.
[1560] مسألة: إذا قتل رجل جماعة وجب عليه لجميعهم القود، وقال الشافعي: يقتل لأحدهم وتكون عليه الدية للباقين؛ وهذا مبني على ما قدمناه من أن المستحق بقتل العمد القود دون التخيير، وإن بنيناه على رواية التخيير فكذلك أيضاً، لأنه صلى الله عليه وسلم جعل لهم أخذ الدية في الموضع الذي يمكن استيفاء القود وذلك مع الحياة.
[1561] مسألة: السراية عن القصاص غير مضمونة، خلافاً لأبي حنيفة، لأنها سراية عن قطع مباح غير مجتهد فيه، فلم تكن مضمونة كالإمام إذا حدّ رجلاً أو قطعه في السرقة، ولأنه قطع استحق عليه بسبب كان منه، فلم يضمن سرايته كالقطع في السرقة، ولأن كل فعل كان مضموناً في الابتداء كان ما سرى إليه مضموناً كقطع اليد ابتداء، وكل ما كان غير مضمون في الابتداء كان ما سرى إليه غير مضمون كالقطع في السرقة، فلما تبين أن القطع في القصاص ابتداء لا يضمن، كذلك ما سرى إليه.
[1562] مسألة: إذا مات قاتل العمد سقط حق ولي الدّم، وقال الشافعي: تجب الدّية في ماله؛ فدليلنا أنه حق وجب استيفاؤه من عين فإذا تلفت ابتداء سقط الحق المتعلّق بها، أصله موت السارق قبل قطعه.
[1563] مسألة: إذا اشترك العامد والمخطىء، والكبير والصغير في
القتل، فعلى العامد والبالغ القود، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قود عليه؛ فدليلنا عموم الظاهر، ولأنه قاتل عمد فأشبه المنفرد، ولأنها شركة في قتل، فلم يؤثر في إسقاط الجنس الذي يجب به حال الانفراد، أصله إذا كانوا عامدين أو مخطئين، ولأنهما اشتركا في إتلاف النفس على صفتين مختلفتين، فوجب أن لا تؤثر شركة أحدهما الآخر في سقوط ما كان يجب عليه جنسه لو لم يشاركه، أصله وجوب الدية على المخطىء، ولأنه نوع من القتل فوجب أن تجب به حال الاشتراك الجنس الذي يجب به حال الانفراد، أصله الخطأ، ولأن كل ما لو انفرد بالقتل لزمه القود، فإذا شاركه فيه من لا قود عليه لم يسقط القود عنه، أصله مع الشافعي الأب والأجنبي.
[1564] مسألة: عمد الصغير خطأ، وقال الشافعي: عمده عمد؛ فدليلنا أنه قتل لا يجب به قصاص ولا إثم، فلم يكن له حكم العمد كخطأ الكبير، ولأنه قتل من صغير كالخطأ.
[1565] مسألة: لا يجب أخذ القصاص من جرح إلا بعد الاندمال، خلافاً للشافعي؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد من جرح حتى يندمل، ولأنه قد يؤول إلى النفس فيعاد القود ثانية، وذلك خروج عن المماثلة، ولأن المقتص له قد يموت قبل الجاني وربما تلف وبرىء الجاني فيكون ذلك سلفاً في القصاص، وذلك غير جائز.
[1566] مسألة: لا تؤخذ يمنى بيسرى، خلافاً لابن شبرمة، لأنه طرف يختص باسم لا يفارقه مع اختلاف الصفات عليه، فلم يؤخذ بطرف
لا يشاركه في ذلك الاسم كاليد والرجل.
[1567] مسألة: إذا قطع حر يد عبد لزمه ما نقص، وإن تلف الغرض المقصود منه، كان السيد مخيرًا بين أخذ ما نقص، أو تسليمه وأخذ القيمة كاملة، وقال الشافعي: على الجاني كمال القيمة، ولا يلزم السيد تسليم العبد؛ فدليلنا على أنّه يلزمه ما نقص إذا لم يكن قد أتلف الغرض المقصود منه، أنّها جناية على طرف أو قطع عضو، فلم يجب فيه ما يجب في إتلاف النفس على وجه التقدير، أصله الطرف الواحد، ولأنّ كل مقوم له لو قطع إحدى يديه لم يكن الواجب فيها ما يجب في نفسه، فكذلك إذا قطعت، أصله البهيمة.
[1568] مسأله: الجناية على العبد فيما دون النفس يجب فيها ما نقصه من قيمته فقط، ولا يعتبر بقدرها من قيمة نفسه إلا في الجراح الأربع وهي المأمومة والجائفة والموضحة والمنقلة، وقال الشافعي: في اليد والعين وغير ذلك بقدرها من قيمته؛ فدليلنا أنّها جناية على مملوك يؤثر في نقصان القيمة وعدم المنفعة، فوجب أن يتقدر الواجب فيها بقيمة نفسه إذا تلفت، أصله الجناية على البهائم، ولا يلزم الجراح الأربع لأنها لا تؤثر لا محالة في نقصان القيمة وعدم المنفعة، لأنها قد تبرأ على غير نقص ولا عدم نقص.
[1569] مسألة: إذا قتل عبد حرًا أو عبدًا، فولي الدّم بالخيار إن شاء قتله وإن شاء استرقه، فإن اختار استرقاقه فالسيد بالخيار بين أن يفتكه بأرش الجناية، أو تسليمه فيكون ملكاً لولي الدم، وقال الشافعي: يخير سيد العبد المقتول بين أن يقتل العبد أو يستبقيه، فإن استبقاه خير سيد القاتل بين أن
يفديه بالأرش أو يسلّمه للبيع، وإن كان الثمن بقدر الأرش أو دونه كان لولي الدم، وإن زاد عليه كان له منه بقدر أرش الجناية ويكون الباقي لسيده، ولا يكون لسيد المقتول تمليك، فدليلنا أن الجناية لا تخلو أن تكون متعلّقة برقبة العبد أو بمال السيد، وهذا القسم باطل لأنه يوجب أخذها من كل أموال السيد وأن لا تبطل بتلف العبد وذلك باطل، فيبقى القسم الأول وهو تعلقها برقبة العبد، وذلك يوجب استحقاق الرقبة بدلاً من أرش الجناية، لتعلّقها به، لأنّه ليس معنى [تعلقه] بالرقبة أكثر من أن حق المجني عليه قد انتقل إليها فكان له تملّكها.
[1570] مسألة: إذا جرح رجلاً ثم قتله، أو قتله غيره دخل الجرح في القتل، إلا أن يكون مثل به قاصدًا لذلك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجرح ثم يقتل، إلا أن أبا حنيفة يقول ذلك فيه: إذا جرح رجلاً ثم قتله آخر، ويوافقنا فيه إذا جرح رجلاً فسرى إلى نفسه؛ فدليلنا قوله: «ما دون النفس يدخل في النفس»، لأن القتل يأتي عليه، لأنّ الغرض إما أن يكون للتشفي أو إبطال العضو الذي أبطله وأتلفه على المجروح، وأي ذلك كان محصوله فالقتل أبلغ؛ ومع أبي حنيفة قياسًا عليه إذا سرى إلى النفس، ولا يدخل عليه التمثيل لأنّ هناك غرضًا زائدًا وهو ردعه عمّا فعل.
[1571] مسألة: إذا وجب عليه القتل فقطع ولي الدّم يده ثم عفا أو لم يعف قطعت يده، خلافًا للشافعي؛ لأنّ الولي له أخذ النفس دون العضو فكان متعدياً بأخذه، وتحريره أن يقال: إنه قطع يد مكافىء له في الدم غير مستحق له قطعها فضمنها كالمبتدىء.
[1572] مسألة: في شبه العمد روايتان؛ إحداهما: نفيه، والأخرى: إثباته، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ فوجه النفي أن الله تعالى ذكر أنواع القتل فذكر العمد المحض والخطأ المحض، ولم يذكر زائدًا عليهما، ولأن
العمد معنى، وهو قصد الفاعل إلى الفعل، والخطأ معنى معقول، وهو ما يكون من غير قصد، وذلك ممتنع من الفعل الواحد، لأنهما صفتان متعاندتان.
ووجه الإثبات قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في قتل العمد والخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل، أربعون منها خلفة» 4 فأثبت شبه العمد، ولأن وصفه بذلك يفيد أنّه أخذ شبهاً من العمد، وشبهاً عن الخطأ، فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، وشبهه بالعمد قصد القاتل إلى الضرب بما لا يقتل مثله غالباً، وشبهه بالخطأ أنه لم يقصد القتل، فوجب أن يثبت له حكم منفرد عن حكم يخصهما.
[1573] مسألة: دية العمد المحض أرباع، وقال الشافعي: أثلاث كدية المغلظة؛ فدليلنا قوله: «في النفس مائة من الإبل»، وظاهره يفيد أدنى ما يتناوله الاسم، ولأنه أحد نوعي القتل معتبر بنفسه لا بغيره، فلم يجب في ديته الحوامل كالخطأ.
[1574] مسألة: دية الخطأ أخماس: بنات مخاض، وبنات لبون، وبنو لبون وحقاق وجذاع، وقال أبو حنيفة: إنها أخماس إلا أن خمسًا منها
بنو مخاض دون بني لبون؛ فدليلنا ما روى سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب دية الخطأ أخماساً، فذكر عشرين بني لبون، ولأنه شيء لا يجب في الزكاة أصلاً فلم يجب في الدية كالثنايا، ولأنّه أنقص من بنات مخاض كالفصلان.
[1575] مسألة: دية العمد حالة في مال الجاني، وقال أبو حنيفة: مؤجلّة كدية الخطأ؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدّية» وإطلاق ذلك يقتضي التعجيل، ولأنها دية عمد محض فوجب فيها مال، وكان حالاً كدية الجائفة والمأمومة، ولأن كل حيوان يجب بقطع أطرافه عمدًا أرش معجل، وجب أن يكون البدل الذي يجب في قتله عمدًأ معجلاً كسائر الحيوان من العبيد وغيرهم.
[1576] مسألة: اختلف في الدية المغلظة، فقال ابن القاسم: تكون في مال الأب حالة، وقال أشهب وعبد الملك: تحملها العاقلة؛ فوجه الأول أنه قتل غير خطأ محض، فلم تحمله العاقلة كالعمد، ووجه الثاني أنها دية من قتل لا قود فيه كدية الخطأ.
[1577] مسألة: لا تغلظ دية الخطأ إذا قتل في الحرم أو في الشهر الحرام أو قتل ذا رحم محرم، خلافاً للشافعي؛ لأنه قتل خطأ محض، كالقتل في غير هذه المواضع والأوقات.
[1578] مسألة: إذا قتل في الحل ثم التجأ إلى الحرم اقتص منه في الحرم، وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، ولكن يلجأ إلى أن يخرج منه، ثم يقتص منه؛ فدليلنا عموم الظواهر، ولأنه قصاص وجب عن جناية، لو كان في الحرم لوجب استيفاؤه في الحرم كالجناية على الأطراف، ولأن كل موضع كان محلاً للاقتصاص إذا وجب القصاص فيه، كان محلاً له إذا وجب في غيره كالحل، ولأنّ كل سبب يستحق به القتل والأطراف لم يكن للحرم تأثير في تأخيره لمن التجأ إليه كحقوق الله تعالى من رجم الزاني وقطع السارق.
[1579] مسألة: الدية من الورق اثنا عشر ألف درهم، وقال أبو حنيفة: عشرة آلاف؛ فدليلنا أن عمر قومها اثني عشر ألفاً بمحضرٍ من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، وقد ذكر بعضهم أنه ورد مرفوعاً، ولأنّه تقويم للورق فيما طريقه الحد والإتلاف فوجب أن يكون الدينار باثنى عشر كالقطع.
[1580] مسألة: الواجب على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل
الورق اثنا عشر ألف درهم مقدر لا يتغير ولا يعتبر في ذلك بقيمة الإبل، وقال الشافعي: الواجب من ذلك قيمة الإبل كانت ألف دينار أو أقل أو أكثر، وكذلك في الورق؛ فدليلنا أن عمر قوم الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، ولم يخالف عليه أحد، ولأنه نوع مال يجوز إخراجه في الدية، فكان أصلاً بنفسه كالإبل، ولأن الدّية معنى جعلت الإبل فيه أصلاً، فكان الذهب والورق فيه أصلاً كالزكاة.
[1581] مسألة: ولا يؤخذ في الدية إلا الإبل والذهب والورق، وقال أبو يوسف ومحمّد: يؤخذ من أهل البقر مائتا بقرة، ومن أهل الغنم ألف شاة، ومن أهل الحلل مائتأ حلّة يمانية؛ فدليلنا ما روي أنّه صلى الله عليه وسلم قضى في النفس مائة من الإبل، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم قومت الإبل بالذهب والفضة، ولم يقوموها بغيرهما فسلمناه للإجماع، ولأنه نوع من العروض فأشبه العبيد والعقار.
[1582] مسألة: وعنه في أشراف الإذنين روايتان؛ إحداهما: أن فيهما الدية، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والأخرى: أن فيهما حكومة؛ فوجه الدّيه ما روي: «في الأذن خمسون»، ولأنهما عضوان منهما اثنان في البدن كاليدين، ووجه الحكومة أن نفعهما غير كامل لأن السمع يحصل مع عدمهما، وأكثر ما فيهما أن يحوشا الصوت إلى السمع لأن جمالهما غير ظاهر، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: تغطيهما العمامة
والقلنسوة.
[1583] مسألة: ولا دية في إتلاف شيء من الشعور، وقال أبو حنيفة: تجب في أربعة في اللّحية وشعر الرأس والحاجبين وأهداب العينين؛ فدليلنا أنّه إتلاف شعر فلم يضمن بدية كشعر الصدر، ولأنّه معنى لا تألم بقطعه، فلم يضمن بالدّية كالشارب.
[1584] مسألة: إذا ترامى الجرح إلى إتلاف شيء آخر، فإن كان من جنسه تداخل وكان فيه أرش ما ترامى إليه، مثل الموضحة تصير منقلة، فيكون على الجارح أرش منقلة فقط، وإن تلف به ما ليس منه، مثل أن يقطع يده فيذهب عقله أو عيناه، فله دية اليد ودية العقل، وقال أبو حنيفة والشافعى في القديم: تدخل دية اليد في دية العقل؛ فدليلنا أنّه أتلف عضوًا فيه منفعة كاملة، وذهب بإتلافه منفعة يجب فيها الدّية، أو تلف به ما يجب [فيه] دية منفصل منه، فوجب أن يجتمع له العقلان كما لو قطع ذكره فذهبت عيناه أو شلّت يده.
[1585] مسألة: في كل واحدة من الشفتين نصف الدية، وروي عن زيد بن ثابت أن في العليا ثلث الدية، وفي السفلى ثلثيها؛ فدليلنا أنهما عضوان يجب فيهما دية كاملة، فإذا لم يجب في الباقي منهما الدية كاملة، كان فيه نصف الدّية كاليدين.
[1586] مسألة: في السن خمس من الإبل، ومقدّم الفم والأضراس سواء، وحكي عن عمر رضي الله عنه، أنه قال: في الثنايا خمس من
الإبل، وفي الأضراس بعير؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «وفي السن خمس من الإبل»، والاسم يعم الجميع، وروى بعضهم من طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأصابع والثنية والضرس هن سواء، والأسنان هن سواء، هذه كهذه»، ولم أر له إسنادًا، ولأنه سن يمضغ بها كالثنايا.
[1587] مسألة: إذا ضربت السن فاسودت، ففيها ديتها، وقال الشافعي: حكومة؛ فدليلنا أنّها إذا اسودت فقد بطلت منفعتها، والدّية تجب بذهاب المنفعة، وإن بقي العضو كاليد الشلاء والعين القائمة.
[1588] مسأله: وفي لسان الصبي الدّية، وقال أبو حنيفة: إذا لم تعلم صحته ففيه حكومة؛ فدليلنا قوله: «في اللّسان الدية» فعم، ولأن الأصل الصحة، فوجب البناء عليه.
[1589] مسألة: في عين الأعور الدية كاملة، وقال أبو حنيفة والشافعي: نصف الدية؛ فدليلنا أنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر،
وعلي، وعثمان، وابن عمر، ولا مخالف لهم، ولأن الدّية تجب بذهاب المنفعة أو بذهاب العضو، ووجدنا منفعة البصر تكمل لذي العين الواحدة أو تقارب الكمال له، لأنه يدرك بها ما يدرك بها ذو العينين أو قريباً منه، فإذا تلفت عليه فقد أتلف جميع منفعة البصر فكان كذهاب العينين.
[1590] مسألة: المرأة تساوي الرجل في أرش الجراح فيما دون ثلث الدّية، فإذا بلغ ثلث الدّية كان فيه بحسابه من ديتها، وقال أبو حنيفة والشافعي: في كل جراحها بحسابه من ديتها؛ فدليلنا أن ذلك إجماع أهل المدينة، وقد قال سعيد بن المسيب لربيعة لما عارضه: أعراقي أنت؟ قال: لا، قال: هى السنة، وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وروي مرفوعاً من طريق عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه إتلاف لآدمي موجبة نقص عن ثلث الدّية، فوجب مساواة الأنثى للذكر فيه، أصله دية الجنين، ولأن كل فرض مقدر من المال وجب بالموت، فإن الأنثى تساوي الذكر في اليسير منه، أصله السّدس في حق الأخوة للأم.
[1591] مسألة: في ذكر الخصي حكومة، وقال الشافعي: فيه الدية؛ فدليلنا أنّ منفعته ناقصة، لأنه لا ينزل ووطؤه ناقص، ولزوجته الخيار إذا تزوجته فلم يستحق به كمال الدّية.
[1592] مسألة: في اليد الشلاء حكومة، خلافاً لداود، لأنها مفقودة المنفعة كالعين القائمة، ولأنها ميتة والميت إذا أزيل عن موضعه لم يجب فيه شيء كما لو قطع يد ميت.
[1593] مسألة: لا تقطع اليد الشلاء بالصحيحة، خلافاً لقوم؛ لأنه عضو صحيح فلم يؤخذ بميت لا منفعة فيه كالعين الصحيحة بالقائمة.
[1594] مسألة: دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم، وقال الشافعي: ثلث، وقال أبو حنيفة: مثل دية المسلم؛ فدليلنا على أبي حنيفة أن الدّيات موضوعة على التفاضل في الحرم، فدليلنا أن النساء لما كانت حرمتهن أخفض من حرمة الرجال نقصت دياتهن عن ديات الرجال، والكافر أخفض حرمة من المسلم للنقص المانع من قبول شهادته وموارثته ونكاحه المسلمات والإسهام له في الغنيمة، وغير ذلك، فلذلك يجب أن ينقص عنه في الدّية، ولأنها بدل عن النفس فكان الكفر مؤثرًا في نقصانه
كالقصاص، ولأنّه نقص يؤثر في القصاص فوجب أن يؤثر في نقصان بينه وبين من تكمل ديته كالرق، ولأن نقصان الكافر عن المسلم أكثر من نقص الأنوثية، وإذا كان نقص الأنوثية يمنع التساوي في الدّية فنقص الكافر أولى.
[1595] مسألة: ودليلنا على الشافعي أنّ كل نوع نقص ديته عن دية الحر المسلم الذكر، نقصت إلى النصف أصله النساء، ولأنّه جزء تنقص الدية إليه فلم يجز أن يقصر عن النصف كالربع.
[1596] مسألة: دية المجوسي ثمانمائة درهم، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها كدية المسلم؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم بذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد، وكان يكتب به إلى عمّاله، ولأن كل جنس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم فلا يجب بإتلافهم ما يجب بإتلاف المسلم كالوثني والمرتد.
[1597] مسألة: من لم تبلغه الدعوة إذا قتل قبل أن يعرض عليه الإسلام فيمتنع، قد قال أبو حنيفة: لا يضمن، وقال الشافعي: يضمن ديته، ولست أحفظ فيها شيئاً عن أصحابنا في هذا الوقت، ولكن عندي أنه لا يضمن؛ لأنه على أصل الكفر لم يثبت له عقد ذمة بحقن دمه، فكان كالذي بلغته الدعوة، ولأن عرض الإسلام عليه إنّما هو لدخوله فيها يحقن دمه، فكان كعرض التوبة على المرتد،.
وقد ثبت أن من قتل مرتدًا قبل عرض التوبة عليه أنه لا يضمنه، فكذلك هذا.
[1598] مسألة: إذا قتل الحر عبدًا خطأ فقيمته في ماله دون عاقلته خلافاً للشافعي في قوله: إنها على العاقلة؛ لأنه إتلاف مال فلم تحمله العاقلة كالجناية على البهائم.
[1599] مسألة: جناية أم الولد على سيدها، خلافًا لأبي ثور في قوله: إنّها في ذمتها تتبع بها إذا أعتقت؛ لأن الجناية في الأصل متعلقة برقبتها، والسيد هو السبب في منع تسليمها بوطئه الذي اكتسبت منه حرمة الاستيلاد، فوجب أن يكون أرش الجناية [عليه]، كما لو جنى عبد فأعتقه سيده لكان الأرش على السيد.
[1600] مسألة: إذا اصطدم الفارسان فماتا، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وقال الشافعي: على كل واحد نصف دية صاحبه؛ فدليلنا أن كل واحد قاتل لصاحبه قتل خطأ، فكانت ديته مستحقة على عاقلته كالمفرد.
[1601] مسألة: تجب دية الخطأ على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين، وقال قوم: تجب حالة؛ فدليلنا أنّ ذلك روي عن عمر، وعلي ولا مخالف لهما، ولأنها مواساة للجاني فوجب تخفيف ذلك عمّن يحملها عنه، وكانت في الأصل من الإبل، وقد تكون وقت الوجوب حوامل، ولا يجوز أن يكلفوا إخراج حوامل في السّنة الثانية لوابن، فوجب تأجيلهم لثلاث سنين ليحصل ما تكمل به الدية.
[1602] فصل: وعنه في بعض الدّية روايتان؛ إحداهما: أنها تنجم اعتبارًا بالدية، والأخرى: حالة اعتبارًا بما دون الثلاث.
[1603] مسألة: ويدخل الأب والابن في تحمل العقل، خلافاً للشافعي؛ لأن تحمّل العاقلة عن القاتل لحصول النصرة من جهتهم، بدليل أن ذلك لما امتنع في النساء والصبيان لم يحملوا العقل، والأب والابن أبلغ
في هذا من جميعهم، ولأن العقل معتبر فيه التعصيب وذلك في الأب والابن أقوى منه في غيرهما، وذلك أن كل معنى اعتبر فيه التعصيب دخل فيه الأب والابن كولاية النكاح والميراث.
[1604] مسألة: لا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدًا، ولا خطأ، خلافاً لمن قال: تحمل عنه الخطأ؛ لأنّها جناية منه على نفسه فلم يستحق بها شيء على غيره كالعمد والجناية على المال، ولأن تحمّل العاقلة عنه هو على طريق المواساة والتخفيف عنه فيما يلزم بجنايته لغيره، وذلك ممتنع في الإنسان أن يستحق شيئاً على نفسه بجنايته فتودى عنه.
[1605] مسألة: قال ابن القاسم: والجاني داخل مع العاقلة، وقال أصحابنا: هذا استحباب وليس بقياس، لأنه لا يجب عليه إذا قتل نفسه وعاقلته المسلمون شيء يتحمّله عنه المسلمون، وقال أبو حنيفة: يدخل القاتل مع العاقلة على ظاهر قول ابن القاسم؛ ودليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدّية على العاقلة، وذلك يوجب أن يكون جميعها عليهم، ولا يجوز أن يكون الإنسان عاقلة نفسه، لأن ذلك تناقض، لأن كل عزم وجب بالقتل يستوي قليله وكثيره في تحمله طردًا وعكسًا، ألا ترى أن دية العمد لمّا [لم] تحملها العاقلة حمل الجاني جميعها، وكذلك الثلث وأعلى من دية الخطأ لمّا حملته العاقلة وجب أن تحمل جميعه.
[1606] مسألة: العاقلة العصبة، كانوا أهل ديوان أم لا، وقال أبو حنيفة: أهل الديوان عاقلة مقدّمون على المتناسبين؛ فدليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم
قضى بالدية على العاقلة، وهي العصبة، ولم يكن في وقته ديوان، ولا في عهد أبي بكر، وإنّما دونت الدواوين أيام عمر، فلا يجوز تغيير ما قضى به، ولأنه نسخ، والنسخ بعد موته غير جائز، ولأنّ تحمّل العاقلة إما أن يكون للنصرة أو للموارثة، وأي ذلك كان فلا مدخل للديوان فيه، ولأنه حق يتعلق بالتعصيب مع وجوده كالإرث.
[1607] مسألة: الفقير الذي لا فضل عنده يواسي منه فلا مدخل له في تحمّل العقل، وقال أبو حنيفة: له مدخل فيه؛ فدليلنا أنّ تحمّلها هو على طريق المواساة، فلم يكن للفقير [مدخل] فيها كالزكاة.
[1608] مسألة: قال الشيخ أبو بكر: يجيء على أصولنا أن يعتبر وجوب الدّية على العاقلة من يوم الموت لا من يوم الحكم، وقال أبو حنيفة: من يوم الحكم؛ فدليلنا قوله تعالى: " ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلّمة إلى أهله "، وذلك يوجب أن يكون من يوم القتل، ولأنه غرم لزم بقتل الخطأ فوجب أن يكون من يوم القتل، أصله الكفارة، ولأنه مال يجب بحلول أجل، فوجب أن يكون ابتداء أصله من يوم وجوبه، كالدين المؤجل.
[1609] مسألة: ليس فيما يؤخذ من كل واحد قدر مؤقت، وإنما هو على حسب ما يمكن ويسهل ولا يضر، وقال أبو حنيفة: يسوي بين جميعهم فيؤخذ من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم، وقال الشافعي: يفضل الغني على المتوسط فيكون على الغني نصف دينار وعلى المتوسط ربع
دينار؛ فدليلنا على أبي حنيفة أنّه مال مأخوذ على وجه المواساة، فوجب أن يكون موقوفًا على كثرة المال وقلته اعتبارًا بالزكاة، وعلى الشافعي أنّه لما وجب على الغني دون الفقير ولم يرد نص تقدير فلم يبق إلا الاجتهاد، فصار كنفقة الأبوين وغير ذلك ممّا طريقه المواساة.
[1610] مسألة: إذا مات واحد من العاقلة بعد توظيف الدية وقبل حلول الأجل، قال ابن القاسم: يكون ما وظف عليه في ماله، وهو قول الشافعي إلا أنّه يراعى أن يموت بعد الأجل، وقال أصبغ: يسقط بموته، وهو قول أبي حنيفة؛ ووجه الأول أمه مال مستقر في الذمة فلم يسقط بالموت كالدين، وهذا كالتوظيف قد استقر، وهذا هو دليلنا على أنّه لا اعتبار بموته بعد الأجل.
ووجه الثاني أن وجوبه مراعى غير مستقر، بدليل أنّه لو أعدم بعد التوظيف لم يستحق عليه شيء فكذلك بالموت، ولأنه كان في معنى هبة، أصله لم يقبض جتى مات الواهب أو استحق ماله.
[1611] مسألة: تحمل العاقلة من الدية الثلث فأكثر، وقال الشافعي: تحمل القليل والكثير؛ فدليلنا ما روى ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم عاقل بين قريش والأنصار، فجعل على العاقلة ثلث الدية فصاعدًا، ولأنّ حمل العاقلة لذلك هو على وجه التخفيف والمواساة لئلا يجحف الأداء بمال الجاني، وهذا إنّما يكون في الكثير دون القليل، لأن الدرهمين والدينارين لا مشقة غالبة في تكليفهما، وإذا ثبت ذلك احتيج إلى الفصل بين القليل والكثير، ولا فصل إلا ما قلناه.
ولأنّه قد روي في مواضع كثيرة دون اعتبار نصف العشر على ما
يقوله أبو حنيفة، ولأن ما لا يحتمل ضمانه الأب والابن لا يحتمله الأخ والعم كضمان المال، ولأنها جناية على ذكر سبب للنفس ولا يعادل نفسًا فلا تتحملها العاقلة أصله الجناية على البهيمة.
[1612] مسألة: إذا كان بعض عاقلته معه في بلده وبعضهم في إقليم آخر، لم يعقل عنه من ليس معه في إقليمه، وضم إليه أقرب القبائل إليه ممن يجاور موضعه، وقال أبو حنيفة: يحمل الجميع عنه؛ فدليلنا أن من قرب منه أقرب إلى نصرته ممّن بعد، فكانوا أولى بتحمّل العقل، ولأنّ من بعد منه قد يكونون متفرقين في البلاد يتعذر الوصول إليهم، فيضر ذلك بولي الدم فكانوا في حكم المعدومين كالأولياء، ولأن ذلك يؤدي إلى أن تؤدى الدّية من نوعين من المال وذلك غير جائز.
[1613] مسألة: جناية الذمي على أهل جزيته الذين في كورته، وقال أبو حنيفة: إن كانت لهم معاقل وإلا فهي في مال الجاني، وقال الشافعي: إذا لم ينسبوا إلى أب كانتساب العرب لم يتعاقلوا؛ فدليلنا ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالدّية على العاقلة، وذلك يقتضي أن لا بدّ من عاقلة، فإذا ثبت ذلك لم يبق إلا ما نقوله، ولأنها دية وجبت بقتل خطأ، فلم يستحق في ذمة القاتل كالمسلم، ولأنهم يتناصرون بالجزية ويتوالون بها فكانت كالنسب.
[1614] مسألة: الذي يجيء على أصولنا أن المولى الأسفل لا يعقل، وقال الشافعي: يعقل؛ ودليلنا أنه معنى يعتبر فيه التعصيب فلم يدخل فيه المولى الأسفل كالميراث والولاية في النكاح لأنّ ذوي الأرحام أقرب إلى النصر من المولى الأسفل ولا يدخلون في العقل، فكان هذا أولى بأن لا يدخل فيه.
[1615] مسألة: إذا صال الفحل على إنسان فله دفعه عن نفسه، فإن أدى إلى قتله فلا ضمان عليه، ووافقنا أبو حنيفة في أن له دفعه عن نفسه وخالفنا في الضمان، فقال: يضمن البهيمة، ويضمن من الآدميين من كان غير مكلّف كالصبي والمجنون، عبدين كانا أو حرين، ولا يضمن العبد البالغ المكلّف.
ودليلنا قوله تعالى: " ما على المحسنين من سبيل "، وهذا محسن بالدفع عن نفسه، ولأنه إتلاف أدى إليه دفع مباح فلم يجب به ضمان، أصله إذا صال علمه عبد أو حر فدفعه فتلف.
[1616] مسألة: إذا عض أصبع رجل فجبذ أصبعه من فيه فانقلعت أسنان العاض ضمنها، وقال يحيى بن عمر وغيره: لا يضمنها، وهذا هو النظر، لأنّه إتلاف أدى إليه دفع جائز كصول الفحل، والعلّة فيهما واحدة.
[1617] مسألة: السائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة جناية الدابة إذا كان ذلك بسبب من فعلهم، وإن نفحت بيدها أو رجلها ابتداء، لا بسببهم فلا ضمان عليهم، وقال أبو حنيفة: يضمن السائق على كل حال، وأما القائد والراكب فيضمنان ما أتلفت بفيها أو يدها، ولا يضمنان ما أتلفت برجلها أو ذنبها، وقال الشافعي: جناية الدابة ويد صاحبها عليها كجنايته يضمن على كل حال؛ فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «العجماء جرحها جبار»، ولأنها جناية من بهيمة ابتداء لا صنع لصاحبها فيها ولا وقعت بتفريط منه فلم يلزمه ضمان، أصله إذا أنفرت عن يده؛ وعلى أبي حنيفة عموم الخبر، ولأنها جناية من دابة لسبب منه فلزمه ضمانها كالجناية بالفم واليد.
[1618] مسألة: إذا مال الحائط وخيف وقوعه، فإذا تقدّم إنذار
إلى صاحبه، وأشهد عليه، ضمن ما تلف به، وقال أشهب: إذا بلغ من شدة الخوف إلى ما لا يؤمن معه الإتلاف تعلّق الضمان على صاحبه، أشهد عليه أو لم يشهد وهذا هو الصحيح، وقال الشافعى: لا ضمان عليه على كل وجه؛ فدليلنا أنّه متعدّ بتبقيته لتعرضه للتلف، فأشبه أن يحفر بئرًا أو يضع حجرًا في الطريق فيعثر به الناس أو ينصب حبالة.
[1619] مسألة: من اتخذ في داره كلبًا عقورًا، يعلم أنه يعقر، فتلف به إنسان فهو ضامن، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا ضمان عليه؛ فدليلنا أنّه أمسك سبعًا يعدو على الناس ويفترسهم عالم به، فلزمه ضمان ما تلف به، كالذئب والفهد، ولأنه حيوان يتلف به الناس وأموالهم فكان بإمساكه ضامنًا كالجنايات.
[1620] مسألة: من حفر بئرًا في فنائه، أو أحدث شيئًا له أن يحدثه ثم تلف به إنسان أو بهيمة لم يضمن، وقال أبو حنيفة: يضمن، وحكي أنه فرق بين أن يجلس في آخر المسجد منتظرًا للصلاة وبين أن لا يجلس لانتظار الصلاة، فقال في الأولى: لا يضمن إن عثر به غيره فتلف، وفي الثاني: يضمن؛ فدليلنا أنه لم يحصل منه إتلاف بمباشرة، ولا عن سبب تعدى به فلم يضمن، ولأن هذه أسباب الضمان، ولأنه سبب مباح فلم يضمن به ما تلف، أصله إذا أحدث في ملكه.
[1621] مسألة: إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتاً ففيه دية، خلافاً لمن حكي عنه أنه لا شيء فيه؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة.
[1622] مسألة: إذا ماتت المرأة ثم خرج الجنين بعد موتها من بطنها ميتًا فلا شيء فيه، خلافاً للشافعي في إيجابه الغرة؛ لأن تلف الجنين بتلف الأم، فوجب أن يكون تابعاً لها، وأن لا حكم له كالذكاة، وأن تلفه قبل الانفصال عنها كتلف بعض من أبعاضها، لأنه ما دام معها فهو في حكم الجزء منها فيكون تابعًا لا حكم له.
[1623] مسألة: دية الجنين لجميع ورثته، وحكي عن الليث إن صحّ، أنها للأم وحدها؛ فدليلنا قوله تعالى: " فدية مسلمة إلى أهله "، فعم المقتولين والأهل، ولأنها دية نفس آدمي مقتول، فكانت لجميع ورثته كدية الكبير.
[1624] مسألة: لا كفارة في الجنين إذا سقط ميتًا، خلافًا للشافعي؛ لأنا لا نعلم أنه كان حيًا، بدليل أنّه لا يحكم له بحكم الحي ما دام حملاً، ولو علمنا أنه كان حيًا لأوجبنا فيه الدية كاملة كما نوجبها فيه إذا استهل صارخًا بعد طرحه ثم مات، ولأن الأرش الواجب فيه مقدّر تقدير أرش الأحياء، فلم تجب الكفارة فيه كالعضو.
[1625] مسألة: في جنين الحرة عشر دية أمه، وكذلك في جنين الأمة عشر قيمة أمه إذا كان من غير سيدها، وعند أبي حنيفة أن ما يجب في الجنين معتبر به بنفسه لا بأمه، فإن كان الجنين ذكرًا حرًا ففيه نصف عشر دية نفسه، وإن كان أنثى حرة فعشر ديتها، وإن كان رقًا فنصف عشر قيمته إن كان ذكرًا وعشرها إن كان أنثى، وفي جنين الحرة لا يحصل بيننا وبينه خلاف في المذهب، ولكن نختلف في التعليل، وإنّما الخلاف في الجنين الرق؛ فدليلنا أنه جنين فارق أمه ميتًا بجنايته وهي حية فلم يختلف حكم ضمانه بالذكورية والأنوثية، أصله جنين الحرة.
بسم الله الرحمن الرحيم