الإشراف على نكت مسائل الخلافصفحات 561-575
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بيع ملك الغير

[917] مسألة: إذا باع ملك غيره من غير إذنه، انعقد البيع ووقف ذلك على إجازة المالك، وكذلك الشراء، وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع ولا ينعقد الشراء، وقال الشافعي: لا ينعقد في الموضعين، ودليلنا حديث حكيم بن حزام أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أعطاه ديناراً ليبتاع له شاةً، فابتاع له شاةً ثم باعها بدينارين ثم ابتاع بأحدهما شاةً وجاء بالشاة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ودينارٍ"، ومثله في حديث عروة البارقي، فأخذها ودعا له بالبركة في صفقته، ولأنه عقد تمليكٍ يفتقر إلى إجازةٍ، فجاز أن يوقف كالوصية؛ ولأنه عقد على عينٍ لو وقع من المالك لجاز، فجاز أن يقع موقوفاً على إذنه، أصله التصدق باللقطة؛ ولأن الإجازة أحد موجبي الخيار فصح أن يقف العقد عليها كالفسخ؛ ولأن الإيجاب والقبول قد وجد بين اثنين في عقدٍ له مالكٌ فصح أن ينعقد، أصله إذا وقع من المالك؛ ولأن أحد طرفي العقد يقف على الإجازة فجميعه أولى،

ودليلنا على أبي حنيفة، اعتباراً بالبيع بعلة أنها معاوضةٌ له بغير أمره.

اجتماع الحلال والحرام في صفقة واحدة

[918] مسألة: إذا جمعت الصفقة حلالاً وحراماً، لم يجز شيءً منها أصلاً إذا كان المنع لحق الله عز وجل، فإن جمعت ما يجوز وما لا يجوز لحق الغير، جاز منها الجائز، ووقف حق الغير على إجازته، ودليلنا أنه عقد معاوضةٍ جمعت صفقةً جائزاً ومحرماً لحق الله عز وجل فلم يصح، أصله إذا عقد عقداً واحداً لنكاح أمةٍ أو أجنبيةٍ أو امرأةٍ وبنتها.

بيع ما لا يمكن أخذه

[919] مسألة: السمك في غديرٍ أو بركةٍ، لا يجوز بيعه إذا كان لا يمكن أخذه إلا بكلفةٍ وصيدٍ، خلافاً لأبي حنيفة لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر، وهذا منه، ولأنه لا يمكن تسليمه بعد العقد؛ لأنه إذا كان في غديرٍ أو بركةٍ فإنه يتوارى في زواياها حيث يتعذر الوصول إليه، ولا يعرف قدره؛ ولأنه باع ما يصاد قبل أخذه ونقله عن حاله، فأشبه الطائر إذا خلاه عن برجه.

بيع الكلب

[920] مسألة: اختلف أصحابنا في بيع الكلب المأذون في اتخاذه والانتفاع به، فمنهم من قال مكروه ويصح، ومنهم من قال لا يجوز، فوجه الجواز ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيدٍ أو زرعٍ أو ماشية"؛ ولأنه جارحٌ يصاد به كالبازي؛ ولأنه حيوانٌ

يملك بالأخذ، فجاز أن يملك بالبيع كالصيد؛ ولأنه حيوانٌ يملك بالوصية كسائر الحيوان.
ووجه المنع نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب؛ ولأنه حيوانٌ منهيٌ عن اتخاذه في الجملة كالسباع والأول أظهر.

[921] مسألة: ومن قتل لرجلٍ كلباً لصيدٍ أو لزرعٍِ أو ماشية فعليه قيمته على الوجهين جميعاً في بيعه، خلافاً للشافعي؛ لأنه عينٌ مأذونٌ في اتخاذها للانتفاع بها، فوجب إذا تلف على صاحبها أن يلزم القيمة متلفها كسائر الأعيان؛ ولأنه حيوانٌ تصح الوصية به، كالخيل والبغال؛ ولأنه حيوانٌ مأذون في الانتفاع به كسائر الحيوان؛ ولأنها بهيمةٌ يجوز الاصطياد بها كالبازي؛ ولأن إجارته جائزةً على أصح وجهي أصحاب الشافعي، وما صحت إجارته جاز وجوب القيمة على متلفه كسائر البهائم.

بيع الآبق

[922] مسألة: بيع الآبق غير جائز خلافاً لقومٍ؛ لأنه غرر لا يدري هل هو سالمٌ أم تالفٌ؟ وهل هو على صفته أو قد تغيرت؟ ولأنه لا يقدر على تسليمه.

[923] فصل: فإذا حصل عند إنسانٍ وعرف صفته وعلم بذلك سيده جاز بيعه منه، خلافاً للشافعي؛ لأنه باع ملكاً له عارفاً بصفته مقدوراً على تسليمه لا حق لغيره فيه، فجاز ذلك كما لو باعه بعد قبضه.

عهدة الرقيق

[924] مسألة: عهدة الرقيق ثلاثة أيامٍ، وبعدها عهدة السنة، من الجنون والجذام والبرص، وهذا كان بالمدينة، وأما الخلاف فيه اليوم فعلى تقدير أنه إن اتفق عليه أهل بلدٍ وتصالحوا عليه هل يلزم بينهم من لم يشترطه ودخل على البيع المطلق أم لا، هاهنا يتصور الخلاف، فعندنا يلزمه، وعند أبي حنيفة والشافعي، لا يلزم، ودليلنا حديث الحسن عن عقبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" عهدة الرقيق ثلاثة أيامٍ"؛ ولأن ذلك إجماع أهل المدينة من طريق النقل.

بيع العبد بشرط العتق

[925] مسألة: يجوز بيع العبد بشرط العتق، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن البيع باطلٌ؛ لأن عائشة رضي الله عنها، ابتاعت بريرة بشرط أن تعتق ويكون الولاء لهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما الولاء لمن أعتق، فجاز البيع بشرط العتق، ومنع اشتراط الولاء فقط؛ ولأنها قربةٌ مبينةٌ على التغليظ بدليل أن البيع يجب لأجله في بعض المواضع فجاز اشتراطه لحرمته.

قرض الحيوان

[926] مسألة: قرض الحيوان سوى الإماء جائزٌ، خلافاً لأبي حنيفة؛

لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استقرض بكراً فقضى رباعياً فقال خياركم أحسنكم قضاء؛ ولأن كل عينٍ صح أن تثبت في الذمة مهراً صح أن تثبت في الذمة قرضاً كالثياب.

قرض الإماء

[927] مسألة: وقرض الإماء غير جائزٍ، خلافاً لمن أجازه؛ لأنه استمتاع كالعارية فلم تستبح بالقرض كالاستمتاع بأمهات الأولاد؛ ولأنها متعةٌ لا تستباح بالعارية فلم تستبح بالقرض كوطء الزوجة؛ ولأن الاقتراض عقد إرفاقٍ لا يقطع حق المرفق به، فلم يستبح به الوطء كالعارية؛ ولأن الوطء إنما يستباح بملكٍ تامٍ بدليل أن الأمة بين شريكين لا يستبيح كل واحدٍ منهما وطأها، وملك المقترض غير تامٍ؛ لأن للمقترض الرجوع عليه في أخذها، ونكتة المسألة أن المقترض يطؤها ثم يردها فيكون في ذلك ذريعةً إلى إعارة الفرج وإلى استباحتها بغير عقد نكاحٍ ولا ملك يمينٍ وذلك غير جائزٍ.

تعلق دين بالعبد

[928] مسألة: إذا اتجر العبد بغير إذن سيده، أو بإذنه فلحقه دينٌ، تعلق في ذمته دون رقبته، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه حقٌ لزمه لرضا صاحبه، فلم يتعلق برقبته كما لو كان بغير إذن سيده؛ ولأنه حقٌ لزم العبد فكان محله من المأذون محله من غير المأذون كأرش الجناية.

إقرار العبد على نفسه

[929] مسألة: إقرار العبد على نفسه بما يلحقه به عقوبةٌ في بدنه كالقتل والقصاص وغير ذلك يقبل، خلافاً لمحمد بن الحسن وداود لقوله - صلى الله عليه وسلم -:من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله عز وجل.
ولم يفرق؛ ولأنه مكلفٌ أقر على نفسه بعقوبةٍ تلحقه في بدنه فقبل منه إقراره كالحر.

[930] مسألة: وإذا أقر بسرقة عينٍ في يده وادعاها السيد قطع، وكان عليه غرمها يتبع بها إذا عتق، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يلزمه تسليم العين إلى المقر له؛ لأن العبد ملك للسيد وما معه ملكٌ له إذا ادعاه، أصله الدابة إذا كان عليها سرج فقال العبد هو لأجنبيٍ.

[الكافر يشتري عبدًا مسلماً]

[931] مسألة: إذا ابتاع الكافر عبداً مسلماً ففيه روايتان: إحداهما: أن العقد لا يصح، والأخر: أنه يصح ويجبر على بيعه فوجه الأولى قوله عز وجل: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾.
وهذا ينفي ملكهم له؛ ولأن كل عقدٍ منع الكافر من استدامته بحرمة الإسلام منع ابتداء، أصله نكاح المسلمة.
ووجه الثانية: هو أن المنع من ذلك لخوف الإذلال والامتهان، وذلك لا ينفي الابتداء، وإنما ينفي الاستدامة، بدليل طريان الإسلام على ملك الذمي للعبد، وأنه قد يرتد، وإنما قلنا: يجبر على إزالة ملكه متى اشتراه لهذا المعنى.

بيع السلم

[932] مسألة: يجوز السلم في معدوم حال العقد إذا كان يوجد عند المحل، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا بد أن يكون موجوداً حال العقد، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: من أسلم فليسلم في كيل معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ ولم يفرق؛ ولأن كل وقت لم يجعل وقتاً للقبض المُسْلَم فيه لم يكن وجوده شرطاً في صحة العقد، أصله ما بعد المحل؛ ولأنه يضبط بالصفة ويوجد عند المحل فجاز السلم فيه، أصله إذا اتصل وجوده من حين العقد إلى حين المحل.

[933] مسألة: الصحيح من المذهب أنه لا يجوز السلم الحال، خلافاً للشافعي؛ لقوله عليه السلام: في كيل معلومٍ ووزن معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ؛ ولأن السلم إنما جوز ارتفاقاً للمتعاقدين؛ لأن المسلم يقدم الثمن للارتخاص، والمسلم إليه يرغب في ارتخاص الثمن للرفق الذي له في استعجال الانتفاع به وفي الصبر والتأخير، وإذا زال الرفق زال الجواز فكان كالقرض لما كان للرفق بالمقترض كان ما أخرجه عن ذلك يبطله؛ ولأن السلم مشتقٌ من اسمه الذي هو السلف، وهو أن يتقدم رأس المال ويتأخر المسلم فيه، فوجب منع ما أخرجه عن ذلك؛ ولأنه بدل في السلم فوجب أن يقع على وجهٍ واحدٍ اعتباراً برأس المال.

[934] مسألة: يجوز أن يسلم في شيءٍ واحدٍ إلى أجلين، وفي شيئين إلى أجلٍ واحدٍ، خلافاً للشافعي في أحد قوليه.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: إلى أجلٍ

معلومٍ ولم يفرق؛ ولأن كل ما جاز أن يكون في الذمة إلى أجلٍ جاز أن يكون إلى أجلين كالأثمان؛ ولأنه سلم فيما يضبط صفته مما يجوز أن يسلم فيه إلى وقتٍ معلومٍ يوجد فيه، فأشبه السلم في الشيء الواحد إلى الأجل الواحد.

[935] مسألة: يجوز السلم إلى الحصاد والجذاذ والموسم، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، لقوله: إلى أجلٍ معلومٍ؛ ولأنه أجلٌ معلومٌ بوقتٍ من الزمان يعرف في العادة لايتفاوت اختلافه اختلافاً شديداً، كما لو قال النيروز والمهرجان.

[936] مسألة: إذا تأخر قبض رأس مال السلم يومين وثلاثة وأكثر جاز ما لم يكن عن شرطٍ، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لعموم الخبر؛ ولأنه عقد معاوضةٍ لا يخرج بتأخيره عن أن يكون سلماً فأشبه التأخير للتشاغل بالقبض.

[937] مسألة: معرفة مقدار رأس المال شرطٌ في السلم فيما يتعلق علمه على مقدار، خلافاً لأبي يوسف ومحمد؛ لأنه أحد بدلي السلم كالمسلم فيه؛ ولأن ما يطرأ على السلم مما يوجب جهالةً في نفس المعقود عليه معتبرٌ في العقد بدليل منع السلم في ملء إناءٍ بعينه لجواز هلاك الإناء وحصول السلم في مجهولٍ، ولا نأمن أن يطرأ على عقد السلم ما يوجب فسخه فيحصل رأس المال مجهولاً لا يمكن رده، فيجب أن يكون ذلك معتبراً في العقد.

[938] مسألة: يجوز السلم في الحيوان، خلافاً لأبي حنيفة.
والكلام في ذلك في ثلاثة فصولٍ: أحدها: جواز السلم فيه، والثاني: كونه مما يضبط بالصفة، والثالث: كونه يثبت في الذمة.

فأما جواز السلم فيه فلما روي عن عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهز جيشاً فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين والأبعرة إلى خروج المصدق بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا سلم وليس بقرضٍ.
ولنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن صفة المرأة لزوجها حتى كأنه يراها" فأقام الصفة مقام الرؤية في الحيوان؛ ولأن الإبل تثبت على قاتل العمد في الذمة أرباعاً، وعلى عاقلة الخطأ أخماساً، حتى لو أتى بها خلاف الصفة لم يلزم قبولها؛ ولأن حكم العبيد والحيوان والدواب وحكم سائر العروض واحدٌ في ضبطه بالصفة والسن والهيئة والقدر والبياض والسمرة والسمن والرقة وتصوير العينين والأنف والطول والقصر وغير ذلك، وأما ثبوته في الذمة، فلأنه - صلى الله عليه وسلم - استقرض بكراً فقضى رباعياً؛ ولأن ما جاز أن يثبت في الذمة ثمناً جاز أن يثبت فيها سلماً كالثياب؛ ولأن كل نوعٍ من الأعيان صح أن يكون بدلاً في النكاح والخلع والكتابة صح أن يثبت في الذمة سلما كسائر العروض؛ ولأنه عقد معاوضةٍ فجاز أن يكون الحيوان فيه عوضاً في الذمة أصله في النكاح؛ ولأنه قد ثبت أن الحيوان يكون بدلاً عن متلفٍ في الشرع، أعني الصيد، فجاز أن يثبت في الذمة كالطعام في الكفارة.

[939] مسألة: يجوز السلم في الدنانير والدراهم، خلافاً لأبي حنيفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ؛ ولأن كل ما جاز أن يكون في الذمة ثمناً جاز أن يكون سلماً أصله الثياب.
ولأن ضبطها بالصفة ممكنٌ بذكر نوع فضتها وسكتها ووزنها.

[940] مسألة: السَّلم في اللحم جائزٌ، خلافاً لأبي حنيفة لعموم الخبر؛ ولأنه يضبط بالصفة من جنس الحيوان ونوعه وسماته ومواضع أخذه فهو كسائر العروض؛ ولأنه طعامٌ فأشبه البر.

[941] مسألة: السلم في الرؤوس والأكارع جائزٌ، وقال أبو حنيفة لا يجوز ولأصحاب الشافعي وجهان فدليلنا الخبر؛ ولأنه يمكنه ضبطه بالصفة بذكر نوع الحيوان والسمن والكبر واللطافة وغير ذلك.

[942] مسألة: لا يجوز أن يقيل من بعض ما أسلم فيه فيأخذ بعضه وبعض رأس ماله، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه ذريعةٌ إلى البيع والسلف، وإلى بيع الطعام قبل قبضه.
والذرائع على أصلنا ممنوعةٌ.

الإقالة

[943] مسألة: الإقالة بيعٌ وليست بفسخٍ على ظاهر المذهب وقال الشافعي هي فسخٌ، فدليلنا أن البائع قام مقام المشتري في نقل الملك الذي نقله إليه مختاراً على وجه البدل فوجب أن يقضى للعقد الثاني بما يقتضيه العقد الأول؛ ولأن الفسخ في العقود ما كان عن غلبة دون ما وقع من اختيارٍ وتراضٍ دليله سائر العقود؛ ولأن الفسخ لا يستحق معه الدلال الأجرة فعلم أنها بيعٌ.

بيع النجس

[944] مسألة: لا يجوز بيع الزيت النجس، ولا السمن النجس، خلافاً

لأبي حنيفة؛ لأنه مائع نجس كالخمر والدم؛ ولأنه مائعٌ لا يحل شربه فلم يجز بيعه كالخل النجس واللبن.

بيع شاة من غنم بدون تعيين

[945] مسألة: إذا باعه عبداً من جملة أعبدٍ، وثوباً من جملة أثوابٍ، وشاةٍ من جملة غنم وكلها صنفٌ متقاربُ الصفة غير متفاوتٍ جاز إذا كان الخيار للمشتري.
وقال أبو حنيفة ذلك في العبدين والثوبين والثلاثة، ولا يجوز في الأربعة وقال الشافعي لا يجوز جملةً فدلينا سائر الظواهر في إباحة البيع؛ ولأن الثياب إذا كانت صفاته متقاربةً غير متفاوتةٍ وكانت جنساً واحداً، فالغرر يسير يغفرُ عن مثله؛ ولأن البائع قد علم أن المشتري إنما يختار أعلاها.
وأجودها، فقد دخلا في أمر معلومٍ بالعادة.

بيع الصوف على ظهور الغنم

[946] مسألة: يجوز بيع الصوف على ظهور الغنم.
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي للظاهر؛ ولأنه مبيعٌ مملوكٌ مرئيٌ يجوز بيعه قبل تناوله كالثمار؛ ولأنه ثابتٌ ظاهرٌ مملوكٌ يمكن تناوله من منبته كالقطع، فجاز بيعه في منبته كالقصيل والبقول؛ ولأن كل ما جاز بيعه مع أصله أو مقطوعاً منه جاز بيعه في منبته كسائر المبيعات.

[بيع لبن الغنم أياماً معلومة]

[947] مسألة: يجوز بيع لبن الغنم أياماً معلومةً إذا عرف قدر حلابها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن قدره إذا علم بالعادة، وصفته، جاز كسائر المبيعات؛ ولأن ذلك مبنيٌ على بيع اللبن في الأضراع فنقول: لأنه لبنٌ موصوفٌ بصفته وقدره، فجاز بيعه في الضرع مدةً معلومةً كلبن الظئر.

بيع النجش

[948] مسألة: بيع النجش مفسوخٌ خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع النجش؛ ولأنه بيع تدليسٍ وغررٍ؛ لأن العادة من الناس الركون إلى مزايدة التجار وأنهم لا يعطون بالسلعة إلا ما تساوي، فإذا كان على وجه النجش ليغتر به المشتري لم يلزم؛ ولأن في منع ذلك مصلحةٌ عامةٌ، وما يتعلق بالمصلحة العامة جاز أن يحكم بفساده كتلقي السلع وغيره.

بيع الدراهم والدنانير جزافاً

[949] مسألة: الظاهر من المذهب منع بيع الدراهم والدنانير جزافاً تحريماً، ومن شيوخنا من يقول إنه كراهيةٌ.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ودليلينا نهيه عن بيع الغرر، وأصل الجزاف غررٌ؛ ولأن ماله بالٍ وخطرٌ لا يشق عدده ولا وزنه فإن بيعه لا يجوز جزافاً، كالرقيق والثياب، ولا ينتقض بالحلي؛ لأن المشقة في كسره، وقد يكون في الحشو والجوهر، ولا بالنقار والتبر؛ لأن التشاح فيهما ليس كالمضروب.

بيع الصبرة كيلاً

[950] مسألة: إذا قال بعتك هذه الصبرة كل قفيزٍ بدرهمٍ، فالبيع

صحيحٌ، ويلزم في جميعها، وقال أبو حنيفة: يلزم في قفيزٍ واحدٍ.
ودليلنا أن الثمن والمثمن معلومان؛ لأن المبيع معلومٌ بالمشاهدة، والثمن معلومٌ بمقدارٍ فأشبه أن يقول: بعتك هذه الصبرة بعشرة دنانير، وليس يضر أن لا يعلم في الحال جملة الثمن؛ لأنه معلومٌ في الجملة؛ لأنه بحساب التقسيط.
إذا قال بعتك هذه الصبرة كل قفيزٍ بدرهم، أو هذه الثياب كل ثوبين بدرهمٍ، أو هؤلاء العبيد كل عبدين بدينارٍ صح، ولزم في الجميع، وأجازه أبو حنيفة في الصبرة ومنعه في الثياب والعبيد، ودليلنا أنه مثمنٌ معلومٌ بثمنٍ معلومٍ فجاز، أصله إذا قال كل ثوبٍ بدرهمٍ، واعتباراً بالصبرة.

[951] مسألة: إذا كان البائع يعلم كيل الصبرة فباعها جزافاً لم يجز إلا بعد أن يعلم المبتاع بكيلها، فإن لم يبين له كان للمبتاع الرد.
وقال أبو حنيفة، والشافعي البيع جائزٌ ولا يلزم إعلام المشتري، فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -:" من غشنا فليس منا ". وهذا غش؛ لأن المبتاع دخل على أن البائع بمثابته في الجهل بمقدار المبيع.
وروى الأوزاعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:" من علم كيل طعامٍ فلا يبعه جزافاً حتى يبين"؛ ولأنه باع جزافاً ما يعلم قدر كيله فلم يجز، أصله إذا قال بعتك ملء هذه الغرارة والبائع يعلم قدر ما تسعه.

الاختلاف في مقدار الثمن

[952] مسألة: إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن.
فعن مالكٍ رحمة الله عليه ثلاث روايات: إحداها: أنهما يتحالفان ويتفاسخان على أي وجهٍ كان، سواءٌ كانت في يد البائع أو المشتري باقيةً أو تالفةً.
وهو قول أشهب والشافعي.
والثانية: أن السلعة إن كانت لم تقبض تحالفا وتفاسخا،

وإن كانت قد قبضت فالقول قول المشتري مع يمينه.
والثالثة: اعتبار البقاء والفوات وهو قول أبي حنيفة.
فوجه الأولى قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا اختلف المتبائعان فالقول قول البائع أو يترادان) وروي: ........ " يتحالفان ويتفاسخان" وروي:"فالقول قول البائع"؛ ولأن حصول الاختلاف في ثمن المبيع يوجب التحالف، أصله قبل القبض وبعده مع بقاء السلعة؛ ولأن الاختلاف إذا وقع في كيفية زوال الملك بين المتعاقدين لم يجعل القول قول مدعي الملك عند تلف السلعة كما لو اختلفا فقال أحدهما: بعتكها وقال الآخر: وهبتنيها.
ووجه اعتبار التلف قوله - صلى الله عليه وسلم -:" إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع فإن استهلكت فالقول قول المشتري" وروي:" والسلعة قائمة تحالفا وترادا"؛ ولأنا وجدنا التحالف يوجب الفسخ بينهما إذا لم يتصادقا

بعد التحالف، والسلعة بعد التلف لا يتأتى فيها الفسخ ولا معنى للتحالف؛ ولأن التحالف سببٌ يثبت به الفسخ، فسقط بتلف المبيع، أصله الإقالة؛ ولأن العقد على الاعيان كالعقد على منافعها، وقد ثبت أن مدة الإجارة إذا انقضت، ثم تنازعا فيما عقدا به من المقدار، لم يتحالفا لتعذر الفسخ بعد تلف المنافع كذلك في المبيع؛ ولأن هلاك العين المستحق بذلها على الضمان يكون القول قول من تلف في يده لا مقدار ما يستحق بها، أصله الغصب؛ ولأنا لو أوجبنا التحالف لكنا قد أوجبنا على المشتري القيمة وربما كانت أضعافاً مما يدعيه البائع.
ووجه اعتبار القبض وهو الصحيح أن اليمين في الأموال تجب على أقوى المتداعيين سبباً، والمشتري قد صار بالقبض أقوى سبباً من البائع؛ لأنه لما دفع إليه السلعة ائتمنه عليها إذا لم يتوثق منه، فوجب أن يكون القول قوله.

بيع الحر على أنه عبد

[953] مسألة: إذا جاء رجلٌ بعبدٍ إلى رجل فقال: اشتره مني فإنه رقيقٌ لي، وأقر العبد بذلك، ثم بان له أنه حرٌ، فالضمان على البائع.
وقال أبو حنيفة إن كان البائع حاضراً أو غائباً غيبةً يرجى عوده منها، فالضمان عليه وإن كان غائباً لا يرجى عوده فالضمان على العبد.
فدليلنا أن ما وجد منه إن كان يتعلق به الضمان لم يفرق في الحكم بين الغيبة والحضور اعتباراً بسائر ما يضمن.
تم الباب والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمدٍ وسلم تسليما.

فصول الكتاب · 57 فصل · 1030 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإشراف على نكت مسائل الخلاف · 1030 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك في الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والمرافقكتاب الحوالةكتاب الضمان والكفالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريّةكتاب الوديعةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة وكراء الأرضكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الحبس والوقف والهباتكتاب اللقطةكتاب اللقيط
كتاب النكاح
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب القسامةكتاب الحدود [الزنا]كتاب القذفكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب الضحاياكتاب الذكاةكتاب الصيدكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الجهادكتاب القطع [في السرقة]كتاب الأقضية والشهاداتكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الوصاياكتاب المواريث والفرائض
جارٍ التحميل