الإشراف على نكت مسائل الخلافكتاب الإيلاء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[1390] مسألة: الإيلاء الشرعي الذي يتعلق به الوقف أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر فأقل فليس بمول إيلاء يوجب وقفه، وحكي عن ابن عباس أنه لا يكون مولياً إلا بأن يحلف على التأبيد أو يطلق من غير أن يوقت بمدة، وعن الحسن وابن أبي ليلى أنه يكون مولياً بأن يعين وقتاً ما وإن قل، وقال أبو حنيفة يكون مولياً إذا حلف على أربعة أشهر، ولا يحتاج إلى زيادة عليها.
فدليلنا على ابن عباس قوله تعالى: " للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر" فعمَّ، ولأنه ممتنع من وطء زوجته زيادة على مدة التربص بيمين منعقدة كالحالف على التأبيد.

[1391] فصل: ودليلنا على الحسن وابن أبي ليلى أنه إذا حلف على يوم يصير بعد مضيه ممتنعاً بغير يمين فكان كالمبتدىء للامتناع بغير يمين.

[1392] فصل: فأما أبو حنيفة فالخلاف معه في موضعين: أحدهما أن الأربعة مضروبة له عندنا وليست بمحل يوجب الفيء، وعنده أنه محل للمعنى، والثاني أن بعد مضيها لا تبين إلا بعد أن يوقف، فإما فاء أو طلق، وعنده أنها تطلق بنفس مضي المدة؟ ودليلنا على الموضعين قوله تعالى: (للذين يولون من نسائهم " الآية، ففيها أدلة: أحدها: أنه تعالى أضاف مدة التربص إلى الزوج وجعلها حقاً له، وما كان حقاً للإنسان لم يكن محلاً لوجوب حق عليه، كالآجال في الديون وغيرها.
والثاني: أن الله تعالى أضاف الفيء وجعل الطلاق إلى المولي، فقال: " وإن عزموا الطلاق " فدل أنهما متعلقان بفعله، وعندهم لا تأثير لفعله في وقوع الطلاق حتى لو نسي الفيء وانقضت المدة لوقع الطلاق.
والثالث: قوله تعالى: " وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم " فاقتضى ذلك أن تكون عزيمة الطلاق واقعة على وجه يسمع، وعندهم أن عزيمة الطلاق ترك الوطء مدة التربص، وذلك لا يتأتى فيه السماع، ولأنها يمين بالله فلم يلزم بها الطلاق، أصله إذا حلف على أقل من أربعة أشهر فلا بد من تعيين ما يحلف به، ولأنه لفظ لا يقع به ولا ببعضه طلاق معجل فلم يقع به طلاق مؤجل، أصله إذا حلف: لا وطئها شهرًا، ولأنها مدة ضربت بالشرع لم يتقدمها فرقة، فلم يكن مضيها بينونة، أصله مدة العنة.

[1393] مسألة: لا معتبر في الأجل بالنساء، وقال أبو حنيفة يضرب للمولي من الحرة أربعة أشهر، وللمولي من الأمة شهران؛ ودليلنا أن مدة التربص حق للزوج على ما بيناه، والحقوق معتبرة بمن جعلت له كالطلاق

وغيره، وتحريره أن يقال: لأنه معنى وضع حقاً للشخص [فليس] للرق تأثير في نقصانه فكان الاعتبار لمن هو حق له، كالطلاق، ولأنه أجل مضروب للزوج لدفع الضرر المتعلق بالوطء عن زوجته، فلم يعتبر في مقداره بالنساء، أصله مدة العنة.

[1394] مسألة: أجل العبد في الإيلاء شهران، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي: لأنه معنى يتعلق به حكم البينونة فوجب نقصانه عن الحر فيه، كالطلاق، فإنها مدة مضروبة متعلقة بالنكاح تتعلق بها البينونة فوجب أن يؤثر الرق على نقصانها كالعدة.

[1395] مسألة: كل يمين لزمه بها حكم أو دخل عليه بالحنث فيها ضرر فالإيلاء يصح بها، خلافًا للشافعي في قوله لا يكون مولياً إلا في الحلف بالله؛ لقوله تعالى: " للذين يولون من نسائهم "، والإيلاء الحلف، والظاهر عام، ولأنها يمين يلزمه بها حكم أو يلحقه فيها ضرر كاليمين بالله تعالى.

[1396] مسألة: إذا وقف بعد مضي المدة فامتنع من الفيء والطلاق، طلق الحاكم عليه، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يطلق الحاكم عليه ولكن يحبسه ويضيق عليه حتى يطلق بنفسه؛ فدليلنا أنها مدة يرفعها الوطء يتعلق بها الفرقة فكان للحاكم مدخل في تلك الفرقة، أصله مدة العنة، ولأنه طلاق مستحق عليه لإزالة ضرر، فجاز أن يليه الحاكم عند امتناعه منه، أصله طلاق المعسر بالنفقة، ولأنه حق تدخله النيابة يثبت لمعنى يتعلق به إزالة ضرر فإذا امتنع منه جاز أن ينفذه الحاكم كقضاء الدين.

[1397] مسألة: إذا طلق بنفسه أو طلق الحاكم عليه، فإن الطلاق رجعي، ما لم يكن بعدمه، ما لم يكمل الثلاث، وقال أبو ثور يقع بائناً؛

فدليلنا أنه طلاق مجرد صادف اعتدادًا قبل استيفاء العدد، فكان رجعياً، أصله غير المولي.

[1398] مسألة: لا تملك المرأة أن تطلق نفسها بعد مضي المدة، خلافاً لقوم؛ لقوله تعالى: " فإن عزموا الطلاق " فأضافه إلى الأزواج، ولأن المرأة ليست تملك الطلاق، وإنما تملكه بتمليك، ومضي المدة لا يقع به تمليك.

[1399] مسألة: رجعة المولي معتبرة بالوطء، فإن وطء صحت، وإن لم يطأ حتى انقضت المدة بانت منه، ولا يضرب له أجل ثان؛ وقال الشافعي يضرب له أجل ثان ودليلنا قوله تعالى: " تربص أربعة أشهر "، فأوجب وقفاً واحدًا ومدة محصورة، ولأنه إنما طلق عليه لإزالة الضرر فيجب أن يعتبر الرجعة بما يزول به الضرر، ولو كان له أن يرجع ولا يطأ أو يضرب له مدة ثانية لكان الإضرار باقياً، وذلك لا سبيل له إليه، ألا ترى إلى الخلع يقع فيه الطلاق بائناً، لأن الغرض ببذل العوض انقطاع العصمة، فلو كان له الرجعة لم يستفد ببذله شيئاً.

[1400] مسألة: إذا حنث بالوطء في مدة التربص فعليه الكفارة إن كانت يمينه تكفر، وقال الشافعي في القديم لا كفارة عليه، فدليلنا أن يمينه لما تناولت بأن لا يطأ فيها صار بوطئه فيها حانثاً، أصله إذا حلف ألا يطأ يوماً، ولأن الحلف بما يأثم به لا ينفي عنه الكفارة، أصله إذا حلف ألا يصلي ولا يصوم.

[1401] مسألة: إذا حلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها لم يكن مولياً،

وقال أبو حنيفة يكون مولياً إذا كان بينه وبين الفطام أربعة أشهر، وعند الشافعي أنه يكون مولياً أيضاً على اختلاف بين أصحابه في تخريج المسألة على قوليه؛ ودليلنا أن الإيلاء هو الامتناع من وطء الزوجة على وجه الضرر وقصد منع حقها، لا لغرض سواه، فإذا بان له قصد صلاح الولد خرج عن أن يكون قاصدًا للضرر كما لو حلف ألا يطأها وهي مريضة حتى تبرأ.

[1402] مسألة: إذا آلى من صغيرة لا يوطأ مثلها مدة تنقضي قبل بلوغها حد الوطء فلا حكم لإيلائه، وقال أبو حنيفة تضرب له المدة في وقت اليمين فإن فاء فيها بالقول سقط عنه حكم الإيلاء، وإلا بانت منه بعد انقضائها؛ فدليلنا أن المولي هو الممتنع من وطء الزوجة على وجه الإضرار ومنعها، وذلك ممتنع في الصغيرة التي لم تبلغ الوطء، فلم يلزمه فيها حكم الإيلاء.

[1403] مسألة: إذا ترك وطء الزوجة مضارًا، ودام ذلك ولكن بغير يمين، كان له حكم المولي، خلافا لأكثرهم؛ لقوله تعالى: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف "، وقوله: " ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا "، ولأن الذي لأجله وجب ضرب المدة للحالف ووقفه بعدها هو امتناعه من وطئها المدة التي هي غاية ما يصبر النساء عن الوطء في مثلها مع قصد الإضرار وانتفاء الأعذار، وهذا موجود في مسألتنا، فوجب حسم الباب بإجرائه مجرى الحالف.

[1404] مسألة: إيلاء الخصي أو الذي قد بقي من ذكره ما لا يقدر أن يطأ به، أو الشيخ الفاني، كل ذلك لا حكم له، وللشافعي قولان: أحدهما أن الإيلاء منهم ينعقد ويصح؛ ودليلنا ما قدمناه أن المولي هو الذي يقصد الإضرار بزوجته بالامتناع من وطئها بعقد يمين أو بغير عقد يمين بعد

أن يعلم ضرره، وهذا معدوم في العاجز عن الوطء، فلم يتعلق به حكم الإيلاء.

[1405] مسألة: إذا قال أنت طالق لأفعلن كذا، أو إن لم أفعل كذا، فيمنع من وطئها حتى يفعل، فإن لم يفعل على وجه يعلم به قصد الإضرار، وأنه لا عذر له في تركه دخل عليه الإيلاء، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يدخل عليه الإيلاء، ولا يمنع من وطئها؛ فدليلنا على كونه مولياً مبني على منعه من الوطء، ووجه ذلك أنه في الظاهر على حنث، لأن الحنث هو مخالفة اليمين، واليمين هي بأن يفعل، فالمخالفة ألا يفعل، وهو في الحال غير فاعل فكان حانثاً إلأ أنه لا يتحقق عليه الحنث ما دام الفعل ممكنًا، لكن منع الوطء لجواز أن لا يبر فيتبين أنه كان في الحال حانثاً، فإذا صح ذلك تعلق الإيلاء بامتناعه، لأن الموجب لامتناعه هو اليمين الذي يحنث فيها متى لم يفعل المحلوف عليه، فإذا تبين ضرره بالامتناع وجب وقفه، وثبت عليه حكم الإيلاء.

[1406] مسألة: يصح الإيلاء من الأجنبية ولا يفتقر إلى شرط التزويج، فإن تزوجها وقد بقي من مدته أكثر من أربعة أشهر وقف لها، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يصح الإيلاء في الأجنبية؛ ودليلنا قوله تعالى: " للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر "، وهذا مول من امرأته، والطاهر لم يفرق بين الإيلاء بعقد قبل الزوجية أو بعدها، ولأنه ممنوع من وطء زوجة زيادة على أربعة أشهر بيمين يتعلق عليه بها حكم شرعي، فكان بذلك موليًا، أصله مع أبي حنيفة إذا أضاف إلى حال الزوجية، ومع الشافعي إذا آلى منها بعد العقد.

[1407] مسألة: إذا ظاهر من زوجته ولم يكفر على وجه الإضرار دخل عليه الإيلاء، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه حصل ممتنعًا من وطء

من يتوقف لها، بيمين لا يتخلص منها إلا بالكفارة أكثر من أربعة أشهر، فوجب أن يكون مولياً، أصله إذا ابتدأ الإيلاء من غير ظهار.

[1408] مسألة: لا يصح إيلاء الكافر، وفائدة ذلك أنه لا يؤاخذ بعد إسلامه بوقف ولا بكفارة إن حنث، وقال أبو حنيفة والشافعي يصح، ودليلنا قوله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف "، وقوله صلى الله عليه وسلم: " الإسلام يجب ما قبله "، ولأنه ممن لا يصح منه التقرب بالإعتاق، فلم يصح منه الإيلاء كالمجنون، ولأن أنكحتهم فاسدة عندنا، والوطء في النكاح الفاسد غير مستحق عليه، فلم يجب وقفه لأجله.


فصول الكتاب · 57 فصل · 1030 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإشراف على نكت مسائل الخلاف · 1030 صفحة
المقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك في الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والمرافقكتاب الحوالةكتاب الضمان والكفالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريّةكتاب الوديعةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة وكراء الأرضكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الحبس والوقف والهباتكتاب اللقطةكتاب اللقيط
كتاب النكاح
كتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب القسامةكتاب الحدود [الزنا]كتاب القذفكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب الضحاياكتاب الذكاةكتاب الصيدكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الجهادكتاب القطع [في السرقة]كتاب الأقضية والشهاداتكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الوصاياكتاب المواريث والفرائض
جارٍ التحميل