الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويصفحات 9-48
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:

صفحات 9-48
عن هذه الطبعة
عَلَم
المرداوي
الكتاب
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
المؤلف
علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الطبعة
الثانية - بدون تاريخ
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَالدَّارُ فِي حُدُودِ الْبَيْتِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: يَجُوزُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي النُّسَخِ.
وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمَكِّيِّ، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّافِلَةِ: فَمُسْتَحَبَّةٌ فِيهِ، وَأَمَّا الْفَرْضُ: فَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: لَمْ أَرَ بِهِ نَقْلًا وَالظَّاهِرُ: أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ.
انْتَهَى.
قُلْت: يُتَوَجَّهُ الصِّحَّةُ فِيهِ، وَإِنْ مَنَعْنَا الصِّحَّةَ فِيهَا.

قَوْلُهُ (وَإِصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ.
وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: عَلَى هَذَا كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ فَعَلَيْهَا يُعْفَى عَنْ الِانْحِرَافِ قَلِيلًا قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ: فَعَلَيْهَا لَا يَضُرُّ التَّيَامُنُ وَالتَّيَاسُرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا.
وَعَنْهُ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ إلَى عَيْنِهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَعَلَيْهَا يَضُرُّ التَّيَامُنُ وَالتَّيَاسُرُ عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي اُجْتُهِدَ إلَيْهَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إنْ رَفَعَ وَجْهَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، فَخَرَجَ بِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ: مُنِعَ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي كِتَابِ الْمُهَذَّبِ: إنَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْفَرْضَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ: هَلْ هُوَ الْعَيْنُ أَوْ الْجِهَةُ؟ إنْ قُلْنَا: الْعَيْنُ، فَمَتَى رَفَعَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ حَتَّى خَرَجَ وَجْهُهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
انْتَهَى.
وَنُقِلَ مِنْهَا وَغَيْرُهُ: إذَا تَجَشَّأَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ وَجْهَهُ إلَى فَوْقٍ لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ: يَسْتَدِيرُ الصَّفَّ الطَّوِيلَ، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي فَتَاوِيهِ: فِي اسْتِدَارَةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَا يَسْتَدِيرُ لِخَفَائِهِ وَعُسْرِ اعْتِبَارِهِ.
الثَّانِيَةُ: يَنْحَرِفُ طَرْفَ الصَّفِّ يَسِيرًا، يَجْمَعُ بِهِ تَوَجُّهَ الْكُلِّ إلَى الْعَيْنِ.

فَائِدَةٌ: الْبُعْدُ هُنَا: هُوَ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُعَايَنَةِ، وَلَا عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبُعْدِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَلَا بِالْقُرْبِ دُونَهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْهُمْ ذَكَرُوا هُنَا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ، أَوْ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ: لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُخْبِرِ: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَنْ يَكُونَ بَالِغًا جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَصَحَّحَهُ، وَقِيلَ: وَيَكْفِي مَسْتُورُ الْحَالِ أَيْضًا صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: يَكْفِي أَيْضًا خَبَرُ الْمُمَيِّزِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْفَاسِقِ فِي الْقِبْلَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَى قِبْلَتِهِ فِي بَيْتِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْإِشَارَاتِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت: وَإِنْ كَانَ هُوَ عَمِلَهَا فَهُوَ كَإِخْبَارِهِ بِهَا.
قَوْلُهُ (عَنْ يَقِينٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ إلَّا إذَا أَخْبَرَهُ عَنْ يَقِينٍ، فَلَوْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَمْ يُقَلِّدْهُ، وَاجْتَهَدَ فِي الْأَظْهَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَلَا، وَذَكَرَهُ

الْقَاضِي ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي آخِرِ التَّمْهِيدِ: يُصَلِّيهَا حَسَبَ حَالِهِ ثُمَّ يُعِيدُ إذَا قَدَرَ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى التَّقْلِيدِ كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ يُصَلِّي وَيُعِيدُ.
قَوْلُهُ (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الثِّقَةِ إذَا كَانَ عَنْ يَقِينٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَيْسَ لِلْعَالِمِ تَقْلِيدُهُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ (أَوْ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ: لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ.
فَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْقِبْلَةِ، وَسَوَاءٌ كَانُوا عُدُولًا أَوْ فُسَّاقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَجْتَهِدُ إلَّا إذَا كَانَ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَعَنْهُ يَجْتَهِدُ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ، عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، ذَكَرَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْوَجِيزِ.
قُلْت: وَهُمَا ضَعِيفَانِ جِدًّا وَقَطَعَ الزَّرْكَشِيُّ بِعَدَمِ الِاجْتِهَادِ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَحُكِيَ الْخِلَافُ فِي غَيْرِهِمَا.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " أَوْ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِغَيْرِ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِمَحَارِيبِ الْكُفَّارِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ قِبْلَتَهُمْ، كَالنَّصَارَى.
وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا يَجْتَهِدُ فِي مِحْرَابٍ لَمْ يُعْرَفْ بِمَطْعَنٍ بِقَرْيَةٍ مَطْرُوقَةٍ قَالَ: وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ: وَلَا يَنْحَرِفُ؛ لِأَنَّ دَوَامَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كَالْقَطْعِ، كَالْحَرَمَيْنِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا بِالدَّلَائِلِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ: اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا فَمَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ جِهَةُ الْقِبْلَةِ صَلَّى إلَيْهَا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يَجْتَهِدُ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ، وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ، مِنْ مَنْصُوصِهِ فِي الثِّيَابِ الْمُشْتَبِهَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي التَّبْصِرَةِ قَوْلُهُ (وَأَثْبَتَهَا: الْقُطْبُ إذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَنْحَرِفُ فِي دِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الْمَغْرِبِ كَانَ انْحِرَافُهُ أَكْثَرَ.
وَيَنْحَرِفُ بِالْعِرَاقِ وَمَا قَارَبَهُ إلَى الْمَغْرِبِ قَلِيلًا، وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الشَّرْقِ كَانَ انْحِرَافُهُ أَكْثَرَ.
تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " إذَا جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ " إذَا كَانَ بِالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَحَرَّانَ وَسَائِرِ الْجَزِيرَةِ وَمَا حَاذَى ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ فَلَا تَتَفَاوَتُ هَذِهِ الْبُلْدَانُ فِي ذَلِكَ إلَّا تَفَاوُتًا يَسِيرًا مَعْفُوًّا عَنْهُ.

قَوْلُهُ (وَالرِّيَاحُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الرِّيَاحَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ، عَلَى صِفَةٍ مَا، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الِاسْتِدْلَال بِالرِّيحِ ضَعِيفٌ.
فَوَائِدُ.
الْأَوْلَى: " الْجَنُوبُ " تَهُبُّ بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْرِقِ، وَ " الشَّمَالُ " تُقَابِلُهَا وَ " الدَّبُورُ " تَهُبُّ بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَغْرِبِ، وَ " الصَّبَا " تُقَابِلُهَا، وَتُسَمَّى الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ بَابَ الْكَعْبَةِ يُقَابِلُهُ.
وَعَادَةُ أَبْوَابِ الْعَرَبِ إلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ فَتُقَابِلُهُمْ، وَمِنْهُ: سُمِّيَتْ الْقِبْلَةُ قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: وَالرِّيَاحُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ دَلَائِلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.

فَأَمَّا قِبْلَةُ الشَّامِ: فَهِيَ مُشْرِقَةٌ عَنْ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ فَيَكُونُ مَهَبُّ الْجَنُوبِ لِأَهْلِ الشَّامِ قِبْلَةً.
وَهُوَ مِنْ مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ، وَ " الشَّمَالُ " مُقَابِلَتُهَا تَهُبُّ مِنْ ظَهْرِ الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّ مَهَبَّهَا مِنْ الْقُطْبِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ.
وَالصَّبَا تَهُبُّ عَنْ يَسْرَةِ الْمُتَوَجِّهِ إلَى قِبْلَةِ الشَّامِ، لِأَنَّ مَهَبَّهَا مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ إلَى مَطْلَعِ " الْعَيُّوقِ "، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَ " الدَّبُّورُ " مُقَابِلَتُهَا.

الثَّانِيَةُ: مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ: الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ غَيْرُ الْمَحْدُودَةِ.
فَكُلُّهَا بِخِلْقَةِ الْأَصْلِ تَجْرِي مِنْ مَهَبِّ الشَّمَالِ مِنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ عَلَى انْحِرَافٍ قَلِيلٍ، إلَّا نَهْرًا بِخُرَاسَانَ وَنَهَرًا بِالشَّامِ عَكْسُ ذَلِكَ فَلِهَذَا سُمِّيَ الْأَوَّلُ " الْمَقْلُوبُ " وَالثَّانِي " الْعَاصِي "، وَمِمَّنْ قَالَ يُسْتَدَلُّ بِالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ: صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ.

وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْقِبْلَةِ: الْجِبَالُ فَكُلُّ جَبَلٍ لَهُ وَجْهٌ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ يَعْرِفُهُ أَهْلُهُ وَمَنْ مَرَّ بِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ.

وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْقِبْلَةِ: الْمَجَرَّةُ فِي السَّمَاءِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فَتَكُونُ مُمْتَدَّةً عَلَى كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ إلَى الْقِبْلَةِ [فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ] ، وَفِي آخِرِهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْمَنِ فِي الصَّيْفِ، وَفِي الشِّتَاءِ تَكُونُ أَوَّلَ اللَّيْلِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ إلَى نَحْوِ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَفِي آخِرِهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْمَنِ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الصَّيْفِ.

الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ عَكْسُهُ لِنُدْرَتِهِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: فَإِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَخَفِيَتْ الْقِبْلَةُ عَلَيْهِ لَزِمَهُ، قَوْلًا وَاحِدًا، لِقِصَرِ زَمَنِهِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَيُقَلِّدُ لِضِيقِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ يَجُوزُ تَرْكُهَا لِلضَّرُورَةِ قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَيَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ مَعَ سَعَةِ

الْوَقْتِ، وَمَعَ ضِيقِهِ يُصَلِّي أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: فَإِنْ أَمْكَنَ التَّعَلُّمُ فِي الْوَقْتِ لَزِمَهُ، وَقِيلَ: بَلْ يُصَلِّي أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) إذَا اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدَانِ لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ قَطْعًا، بِحَيْثُ إنَّهُ يَنْحَرِفُ إلَى جِهَتِهِ، وَأَمَّا اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ: فَتَارَةً يَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ، بِأَنْ يَمِيلَ أَحَدُهُمَا يَمِينًا وَالْآخَرُ شِمَالًا، وَتَارَةً يَكُونُ فِي جِهَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَصِحُّ ائْتِمَامُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ حَتَّى قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَتَيْنِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ قَوْلًا وَقَالَ: كَإِمَامَةِ لَابِسِ جُلُودِ الثَّعَالِبِ وَلَامِسِ ذَكَرِهِ، وَقَدْ نَصَّ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ قُلْت: يَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ أَعْنِي: إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ، وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إذَا اقْتَدَى بِهِ صَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ صَلَاتِهِمَا جَمِيعًا وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَصِحُّ ائْتِمَامُهُ بِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ.
فَائِدَتَانِ الْأُولَى: لَوْ اتَّفَقَ اجْتِهَادُهُمَا فَأَتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَمَنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ انْحَرَفَ وَأَتَمَّ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْمُفَارَقَةَ لِلْعُذْرِ وَيُتِمُّ، وَيَتْبَعُهُ مَنْ قَلَّدَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ الثَّانِيَةُ: لَوْ اجْتَهَدَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَجْتَهِدْ الْآخَرُ لَمْ يَتْبَعْهُ، عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ

الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَتْبَعُهُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَلَا.
جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي، وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ.

قَوْلُهُ (وَيَتْبَعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ تَقْلِيدِ الْأَوْثَقِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ لِلْجَاهِلِ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ وَالْأَعْمَى، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَ فِي التَّبْصِرَةِ لَا يَجِبُ.
وَاخْتَارَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ، فَيُخَيَّرُ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي الْفُرُوعِ كَعَامِّيٍّ فِي الْفُتْيَا، عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ وَالْآخَرُ أَدْيَنَ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: مَتَى أَمْكَنَ الْأَعْمَى الِاجْتِهَادُ، كَمَعْرِفَتِهِ مَهَبَّ الرِّيحِ، أَوْ بِالشَّمْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ تَسَاوَى عِنْدَهُ اثْنَانِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي جِهَتَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ خُيِّرَ فِي اتِّبَاعِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ فِي جِهَتَيْنِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُصَلِّي إلَى الْجِهَتَيْنِ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ فَأَخْطَأَ، أَوْ صَلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ: أَعَادَ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْبَصِيرَ إذَا صَلَّى فِي الْحَضَرِ فَأَخْطَأَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ إذَا كَانَ عَنْ اجْتِهَادٍ.
احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَضِيَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ الزَّاغُونِيِّ حَكَى رِوَايَةً: أَنَّهُ يَجْتَهِدُ وَلَوْ فِي الْحَضَرِ.

تَنْبِيهَاتٌ.
الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّ الْبَصِيرَ إذَا صَلَّى فِي الْحَضَرِ وَلَمْ يُخْطِئْ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يُعِيدُ، لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَهُ، وَهُوَ السُّؤَالُ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَغَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ.
وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: وَمَكِّيٌّ كَغَيْرِهِ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ " قَدْ تَحَرَّى " فَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِي الْإِجْزَاءِ وُجُودَ التَّحَرِّي، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَكِّيِّ، وَعَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا عَلِمَ بِالْخَطَأِ فَهُوَ رَاجِعٌ مِنْ اجْتِهَادٍ إلَى يَقِينٍ.
فَيُنْقَضُ اجْتِهَادُهُ كَالْحَاكِمِ إذَا اجْتَهَدَ ثُمَّ وَجَدَ النَّصَّ، وَفِي الِانْتِصَارِ: لَا نُسَلِّمُهُ، وَالَأَصَحُّ تَسْلِيمُهُ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الْبَصِيرُ مَحْبُوسًا لَا يَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ تَحَرَّى وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ، قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَيَأْتِي كَلَامُ أَبِي بَكْرٍ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْأَعْمَى مَنْ يُقَلِّدُهُ صَلَّى، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ) وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَعَلَيْهَا جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُعِيدُ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ التَّحَرِّي، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ النَّظْمِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ.

وَالثَّانِي: يُعِيدُ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ أَخْطَأَ أَعَادَ، وَإِنْ أَصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّا إذَا قُلْنَا لَا يُعِيدُ: لَا بُدَّ مِنْ التَّحَرِّي.
فَلَوْ لَمْ يَتَحَرَّ وَصَلَّى أَعَادَ إنْ أَخْطَأَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَذَا إنْ أَصَابَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يُعِيدُ إنْ أَصَابَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ تَحَرَّى الْمُجْتَهِدُ أَوْ الْمُقَلِّدُ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ، أَوْ تَعَذَّرَ التَّحَرِّي عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ كَانَ بِهِ مَا يَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ، أَوْ تَفَاوَتَتْ عِنْدَهُ الْأَمَارَاتُ، أَوْ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ زَمَنٍ يَجْتَهِدُ فِيهِ: صَلَّى وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا، حَضَرًا أَوْ سَفَرًا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ يُعِيدُ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي ابْنِ تَمِيمٍ فِي الْمُجْتَهِد، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْمَحْبُوسُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ جِهَةً يُصَلِّي إلَيْهَا صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَلَا يُعِيدُ، إنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَرِوَايَتَانِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ التَّمِيمِيِّ وَالشَّارِحِ فِي الْمَحْبُوسِ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ (وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، سَوَاءٌ كَانَ خَطَؤُهُ يَقِينًا أَوْ عَنْ اجْتِهَادٍ.
وَخَرَّجَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ رِوَايَةً يُعِيدُ مِنْ مَسْأَلَةِ " لَوْ بَانَ الْفَقِيرُ غَنِيًّا " وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ إنْ بَانَ خَطَؤُهُ يَقِينًا، وَلَا إعَادَةَ إنْ كَانَ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَبَيْنَ الْوَقْتِ وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّكَاةِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْيَقِينُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِأَنْ يُؤَخِّرَ وَفِي الزَّكَاةِ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى الْإِمَامِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ) . اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، فَتَارَةً يَكُونُ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَتَارَةً يَكُونُ وَهُوَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ اجْتَهَدَ لِلصَّلَاةِ قَطْعًا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَهُوَ فِيهَا فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنْ يَعْمَلَ بِالثَّانِي وَيَبْنِيَ.
نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَبْطُلُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ جِهَتُهُ الْأُولَى اخْتَارَهُ ابْنُ مُوسَى وَالْآمِدِيُّ لِئَلَّا يُنْقَضَ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ.

فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: لَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادٍ، ثُمَّ شَكَّ: لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَبَنَى كَذَا إنْ زَالَ ظَنُّهُ وَلَمْ يَبِنْ لَهُ الْخَطَأُ، وَلَا ظَهَرَ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى، وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَأُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا، وَلَمْ يَظُنَّ جِهَةً غَيْرَهَا: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا.
وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ بَانَ لَهُ صِحَّةُ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَطُلْ زَمَنُهُ اسْتَمَرَّ، وَصَحَّتْ.
وَإِنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا بَنَى، وَقِيلَ: إنْ أَبْصَرَ فِيهَا مَنْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ، وَفَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ، وَلَمْ يَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى صَوَابِهِ بَطَلَتْ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَأُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا، وَظَنَّ الْقِبْلَةَ فِي جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ: اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ وَبَنَى، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَدَّمُوا أَحَدَهُمْ، ثُمَّ بَانَ لَهُمْ الْخَطَأُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ: اسْتَدَارُوا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ، وَإِنْ بَانَ لِلْإِمَامِ وَحْدَهُ، أَوْ لِلْمَأْمُومِينَ أَوْ لِبَعْضِهِمْ: اسْتَدَارَ مَنْ بَانَ لَهُ الصَّوَابُ، وَنَوَى بَعْضُهُمْ مُفَارَقَةَ بَعْضٍ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِهَةِ

وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُقَلِّدٌ تَبِعَ مَنْ قَلَّدَهُ وَانْحَرَفَ بِانْحِرَافِهِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ أُخْبِرَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِالْخَطَأِ يَقِينًا: لَزِمَ قَبُولُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إلَّا إنْ كَانَ الثَّانِي يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ، فَيَكُونُ كَمَنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ صَلَّى مَنْ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ، ثُمَّ بَانَ مُصِيبًا: لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ.

[بَابُ النِّيَّةِ]

ِ قَوْلُهُ (وَهِيَ الشَّرْطُ السَّادِسُ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَعَنْهُ فَرْضٌ.
وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفُرُوعِ، وَوَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: شَرَائِطُهَا خَمْسَةٌ، فَنَقَصُوا مِنْهَا النِّيَّةَ وَعَدُّوهَا رُكْنًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَهِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ، وَفِيهَا رُكْنٌ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَيَلْزَمُهُمْ مِثْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، ذَكَرَهُ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ (وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِلَّا أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَعَامَّةِ الْأَصْحَابِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَعَنْهُ لَا يَجِبُ التَّعْيِينُ لَهُمَا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَأَبْطَلَهُ الْمَجْدُ بِمَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَصَلَّى أَرْبَعًا يَنْوِيهَا مِمَّا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إجْمَاعًا فَلَوْلَا اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ أَجْزَأَهُمْ كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ

لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شِيَاهٌ عَنْ إبِلٍ أَوْ غَنَمٍ، أَوْ آصُعَ طَعَامٍ مِنْ عُشْرٍ وَزَكَاةِ فِطْرٍ، فَأَخْرَجَ شَاةً أَوْ صَاعًا يَنْوِيهِ مِمَّا عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ، لَمَّا لَمْ يَكُنْ التَّعْيِينُ شَرْطًا.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ لَا فَرْقَ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إنْ لَمْ تَصِحَّ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يَجِبُ التَّعْيِينُ لِلْفَرْضِ فَلَا يَجِبُ فِي نَفْلٍ مُعَيَّنٍ.
انْتَهَى.
وَقِيلَ: مَتَى نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ لَا يَعْلَمُ هَلْ هِيَ ظُهْرٌ أَوْ عَصْرٌ؟ فَصَلَّى أَرْبَعًا يَنْوِي الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَجْزَأَهُ.
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَيْضًا، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي قَوْلُهُ (وَإِلَّا أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ) يَعْنِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ مُعَيَّنَةً، مِثْلُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُهَا، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ.

قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ، وَنِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْفَرْضِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَجْهَانِ، وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ أَمَّا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ.
أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَجِبُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْإِفَادَاتِ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ: مَا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْوُجُوبِ

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ وَابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَهُ فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ [وَالْمُنَوِّرِ] وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ حَاضِرَةٌ وَفَائِتَةٌ فَصَلَّاهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَرْطًا فِي إحْدَاهُمَا لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا: لَزِمَهُ ظُهْرَانِ، حَاضِرَةٌ وَمَقْضِيَّةٌ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يُجْزِئُهُ ظُهْرٌ وَاحِدَةٌ، يَنْوِي بِهَا مَا عَلَيْهِ.
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: لَوْ نَوَى مَنْ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ فَائِتَتَانِ ظُهْرًا مِنْهَا لَمْ يُجْزِهِ عَنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُعَيِّنَ السَّابِقَةَ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِيهِ كَصَلَاةِ نَذْرٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ هُنَا فِي التَّرْتِيبِ كَإِخْرَاجِ نِصْفِ دِينَارٍ عَنْ أَحَدِ نِصَابَيْنِ، أَوْ كَفَّارَةٍ عَنْ إحْدَى أَيْمَانٍ حَنِثَ فِيهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ وَاحْتِمَالٌ يُعَيِّنُ السَّابِقَةَ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ ظُهْرِ الْيَوْمِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْحَاضِرَةِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ فِي وَقْتِهِ، وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ لَمْ يُجْزِهِ عَنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَخَرَّجَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَجَعَلَهَا ابْنُ تَمِيمٍ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ، وَجَهِلَ عَيْنَهَا، أَوْ نَسِيَ ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ.

الرَّابِعَةُ: يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ إذَا كَانَ خِلَافَ ظَنِّهِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ

قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَلَا إعَادَةَ، وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ ابْنُ مُوسَى: أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ، وَلَا بِالْعَكْسِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ مَعَ الْعِلْمِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْفَرْضِ: فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ وَالزَّرْكَشِيُّ إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَجِبُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ لِلْفَرْضِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الْحَاضِرَةَ فَرْضًا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ حَامِدٍ لَا يَلْزَمُهُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَأَمَّا نِيَّةُ الْفَرْضِ لِلْمَكْتُوبَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَدَاءٌ إلَّا بِنِيَّةِ التَّعْيِينِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَا: هُوَ أَوْلَى وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ [وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ] وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرُهُمْ.
قُلْت: الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ

فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: اشْتِرَاطُ نِيَّةِ الْأَدَاءِ لِلْحَاضِرَةِ كَاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ لِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ وَنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ لِلْفَرْضِ خِلَافًا وَمَذْهَبًا.

الثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ إضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَصْحَابُنَا فِي النِّيَّةِ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ أَبِي الْفَهْمِ: الْأَشْبَهُ اشْتِرَاطُهُ.

قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا، دُونَ الطَّهَارَةِ وَالتَّيَمُّمِ قَوْلُهُ (فَإِنْ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَازَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: يَجُوزُ، مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ أَيْضًا، مَا لَمْ يَفْسَخْهَا.
نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ " إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَهُوَ نِيَّةٌ.
أَتُرَاهُ كَبَّرَ وَهُوَ لَا يَنْوِي الصَّلَاةَ؟ " وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا مُطْلَقًا قُلْت: وَفِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّقْدِيمِ: لَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَهَا وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: تَبْطُلُ كَمَا لَوْ كَفَرَ.
تَنْبِيهٌ: اشْتَرَطَ الْخِرَقِيُّ فِي التَّقْدِيمِ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ.
وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَوَلَدُهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَصَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَغَيْرِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إمَّا لِإِهْمَالِهِمْ لَهُ، أَوْ اعْتِمَادًا عَلَى الْغَالِبِ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْفَائِقِ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ قَالَ الْقَاضِي: وَقَبْلَ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ.
انْتَهَى.
قُلْت: الْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِمْ الْجَوَازُ، لَكِنْ لَمْ أَرَ بِالْجَوَازِ تَصْرِيحًا.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَقَدُّمِهَا عَدَمُ فَسْخِهَا وَبَقَاءُ إسْلَامِهِ قَالَ الْقَاضِي

فِي التَّعْلِيقِ، وَالْوَسِيلَةِ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي، وَغَيْرُهُمْ: أَوْ يَشْتَغِلُ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ مِثْلِ عَمَلِ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ، أَوْ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ، عَلَى مَا يَأْتِي، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الرِّعَايَةِ، أَوْ أَعْرَضَ عَنْهَا بِمَا يُلْهِيهِ، وَقَطْعِ جَمَاعَةٍ، أَوْ بِتَعَمُّدِ حَدَثٍ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ التَّبْصِرَةِ.
الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ نِيَّةُ الْفَرْضِ مِنْ الْقَاعِدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.

وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَوْ نَوَى فَرْضًا وَهُوَ قَاعِدٌ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ يَنْعَقِدْ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ نَفْلًا قَوْلُهُ (فَإِنْ قَطَعَهَا فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقِيلَ: إنْ نَوَى قَرِيبًا لَمْ تَبْطُلْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَشَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَغَيْرِهِمْ.
أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَنَصَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ عَزَمَ عَلَى فَسْخِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا، خِلَافًا وَمَذْهَبًا، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِالْعَزْمِ وَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِالتَّرَدُّدِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى،

وَالْحَاوِي، وَقَالَ فِي الْكُبْرَى: إنْ عَزَمَ عَلَى قَطْعِهَا أَوْ تَرَدَّدَ فَأَوْجُهٌ الثَّالِثُ: تَبْطُلُ مَعَ الْعَزْمِ دُونَ التَّرَدُّدِ، وَقَالَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ: وَإِنْ قَطَعَهَا أَوْ عَزَمَ عَلَى قَطْعِهَا عَاجِلًا بَطَلَتْ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ، أَوْ تَوَقَّفَ، أَوْ نَوَى أَنَّهُ سَيَقْطَعُهَا، أَوْ عَلَّقَ قَطْعَهَا عَلَى شَرْطٍ: فَوَجْهَانِ، وَالْوَجْهَانِ أَيْضًا: إذَا شَكَّ هَلْ نَوَى فَعَمِلَ مَعَهُمْ أَيْ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا ثُمَّ ذَكَرَ.
فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَبْنِي؛ لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ حُكْمَ النِّيَّةِ.
فَجَازَ لَهُ الْبِنَاءُ كَمَا لَوْ لَمْ يُحْدِثْ عَمَلًا، وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ، لِخُلُوِّهِ عَنْ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ قَالَ الْمَجْدُ أَيْضًا: إنْ كَانَ الْعَمَلُ قَوْلًا لَمْ تَبْطُلْ لِتَعَمُّدِ زِيَادَتِهِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِعْلًا بَطَلَتْ، لِعَدَمِ جَوَازِهِ كَتَعَمُّدِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: إنَّمَا قَالَ الْأَصْحَابُ عَمَلًا وَالْقِرَاءَةُ لَيْسَتْ عَمَلًا عَلَى أَصْلِنَا.
وَلِهَذَا لَوْ نَوَى قَطْعَ الْقِرَاءَةِ، وَلَمْ يَقْطَعْهَا، لَمْ تَبْطُلْ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَ الْآمِدِيُّ: وَإِنْ قَطَعَهَا بَطَلَتْ بِقَطْعِهِ لَا نِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ.
قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَوْ كَانَ عَمَلًا لَاحْتَاجَتْ إلَى نِيَّةٍ كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْعِبَادَاتِ قَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: وَمَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ فِي خِلَافِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَالْقِرَاءَةُ عِبَادَةٌ تُعْتَبَرُ لَهَا النِّيَّةُ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكَذَا شَكُّهُ هَلْ أَحْرَمَ بِظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ، وَذَكَرَ فِيهَا، يَعْنِي هَلْ تَبْطُلُ أَوْ لَا؟ وَقِيلَ: يُتِمُّهَا نَفْلًا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
كَشَكِّهِ هَلْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ؟ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ إمَامٍ صَلَّى بِقَوْمٍ الْعَصْرَ فَظَنَّهَا الظُّهْرَ فَطَوَّلَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ، فَقَالَ: يُعِيدُ، وَإِعَادَتُهُمْ عَلَى اقْتِدَاءِ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّارِحُ: وَإِنْ شَكَّ هَلْ نَوَى فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ أَتَمَّهَا

نَفْلًا، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ عَمَلًا فَيُتِمُّهَا فَرْضًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ عَمَلًا خُرِّجَ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
انْتَهَى.
قَالَ الْمَجْدُ: وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ فَرْضِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: إنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ رُبَاعِيَّةٍ، ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَظُنُّهَا جُمُعَةً أَوْ فَجْرًا أَوْ التَّرَاوِيحَ، ثُمَّ ذَكَرَ: بَطَلَ فَرْضُهُ وَلَمْ يَبْنِ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ عَالِمًا قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ وَتَخْرِيجٌ يَبْنِي كَظَنِّهِ تَمَامَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَحْرُمُ خُرُوجُهُ بِشَكِّهِ فِي النِّيَّةِ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَا دَخَلَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَكَشَكِّهِ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا؟ .

قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ: انْقَلَبَ نَفْلًا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، لِبَقَاءِ أَصْلِ النِّيَّةِ، وَعَنْهُ لَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ [قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَخَرَّجَ الْآمِدِيُّ رِوَايَةً: أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ أَصْلًا وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا] كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ عَالِمًا بِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَائِدَةٌ: مِثْلُ هَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَائِتَةٍ فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ [أَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ وَقْتِهِ مَعَ عِلْمِهِ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ] .

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ، ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا جَازَ) إذَا أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا فَتَارَةً يَكُونُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَتَارَةً يَكُونُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَلَا يَصِحُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ

وَأَمَّا إذَا قَلَبَهُ نَفْلًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، مِثْلُ أَنْ يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَتَصِحُّ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَأَكْثَرُهُمْ جَزَمَ بِهِ، وَلَوْ صَلَّى ثَلَاثَةً مِنْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ، لَكِنْ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُذْهَبِ: إنْ كَانَتْ فَجْرًا أَتَمَّهَا فَرِيضَةً؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ عَنْ النَّفْلِ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ فِعْلُهُ أَفْضَلُ أَمْ تَرْكُهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهُ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ لَكَانَ أَوْلَى، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ فَضِيلَةٍ.

تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ بَطَلَتْ الصَّلَاتَانِ) تَسَاهُلٌ.
إذْ الثَّانِيَةُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا حَتَّى تَبْطُلَ، بَلْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِالْكُلِّيَّةِ.
الثَّانِي: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ بَطَلَ فَرْضُهُ، وَالْمُرَادُ وَلَمْ يَنْوِ الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلِهِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي.
فَائِدَةٌ: إذَا بَطَلَ الْفَرْضُ الَّذِي انْتَقَلَ مِنْهُ، فَفِي صِحَّةِ نَفْلِهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ فَقَطْ.
إذَا وُجِدَ فِيهِ، كَتَرْكِ الْقِيَامِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، وَالِائْتِمَامِ بِمُتَنَفِّلٍ، إذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ، وَالِائْتِمَامِ بِصَبِيٍّ إنْ اُعْتُقِدَ جَوَازَهُ، صَحَّ نَفْلًا فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ، وَهِيَ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ.

قَوْلُهُ (وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا) أَمَّا الْمَأْمُومُ: فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَا الْإِمَامُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مِنْ

الْمُفْرَدَاتِ.
وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِي الْإِمَامِ فِي سِوَى الْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ امْرَأَةً لَمْ يَصِحَّ ائْتِمَامُهَا بِهِ حَتَّى يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ إذَا وَقَفَتْ بِجَنْبِهِ، وَنَحْنُ نَمْنَعُهُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمَأْمُومُ مِثْلُهُ، وَلَا يَنْوِي كَوْنَهَا مَعَهُ فِي الْجَمَاعَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِالْفَرْقِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ بِرَجُلٍ صَحَّ ائْتِمَامُ الْمَرْأَةِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا كَالْعَكْسِ وَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ: لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا وَصَلَّى خَلْفَهُ، وَنَوَى مِنْ صَلَّى خَلْفَهُ الِائْتِمَامَ: صَحَّ وَحَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ فَيُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ: مُقْتَدٍ وَمُقْتَدًى بِهِ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لِلْمُقْتَدِي دُونَ الْمُقْتَدَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدَى بِهِ نَوَى مُنْفَرِدًا وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، وَالْمُقْتَدِي نَوَى الِاقْتِدَاءَ، وَقَدْ صَحَّحْنَاهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَعِنْدَ أَبِي الْفَرَجِ: يَنْوِي الْمُنْفَرِدُ.

فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ، أَوْ مَأْمُومُهُ: لَمْ تَصِحَّ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: تَصِحُّ فُرَادَى فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ فُرَادَى إذَا نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَأْمُومُ الْآخَرِ فَقَطْ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ وَجْهٌ إذَا اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ فَصَلَاتُهُمَا صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّةُ الْإِمَامِ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ فُرَادَى فِيمَا إذَا نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ.
وَكَذَا إذَا نَوَى إمَامَةَ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ، كَامْرَأَةٍ تَؤُمُّ رَجُلًا، لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ فِي الْأَشْهُرِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ، وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ أَمَّ أُمِّيٌّ قَارِئًا.

الثَّانِيَةُ: لَوْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا لَمْ تَصِحَّ، لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا تَصِحُّ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ.

قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ لَمْ يَصِحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ وَيُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ يَصِحُّ.
وَفِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَانِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَتَى فَرَغَ قَبْلَ إمَامِهِ فَارَقَهُ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ جَازَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ صَحَّ فِي النَّفْلِ) يَعْنِي: إذَا أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الْإِمَامَةَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ.
وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْهِدَايَةِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (وَلَمْ تَصِحَّ فِي الْفَرْضِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ

وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ: يَصِحُّ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِمَامَةِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ نَوَى الْمُنْفَرِدُ الْمُفْتَرِضُ إمَامَةَ مَنْ لَحِقَهُ قَبْلَ رُكُوعِهِ، فَوَجْهَانِ فِي الصِّحَّةِ.
وَقِيلَ: رِوَايَتَانِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ فَقَطْ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ إنْ رَضِيَ الْمُفْتَرِضُ مَجِيءَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ أَوَّلَ رَكْعَةٍ، فَجَاءَ وَرَكَعَ مَعَهُ صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ، وَقِيلَ: إنْ صَلَّى وَحْدَهُ رَكْعَةً لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ أَحَدٌ قَبْلَ رُكُوعِهِ فَرِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يَرْكَعْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَإِلَّا صَلَّى وَحْدَهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ ذَلِكَ مِمَّنْ عَادَتُهُ الْإِمَامَةُ.
انْتَهَى.

فَوَائِدُ.
الْأُولَى: لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ ظَانًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ: صَحَّ، وَإِنْ شَكَّ لَمْ يَصِحَّ فَلَوْ ظَنَّ حُضُورَهُ فَلَمْ يَحْضُرْ، أَوْ أَحْرَمَ بِحَاضِرٍ فَانْصَرَفَ قَبْلَ إحْرَامِهِ، أَوْ عَيَّنَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، وَقِيلَ: إنْ ظَنَّهُمَا وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا فِي الْأَصَحِّ فَأَخْطَأَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مُنْفَرِدًا كَانْصِرَافِ الْحَاضِرِ بَعْدَ دُخُولِهِ مَعَهُ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَإِنْ عَيَّنَ جِنَازَةً فَأَخْطَأَ فَوَجْهَانِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ عَيَّنَ وَقَصْدُهُ خَلْفَ مَنْ حَضَرَ، وَعَلَى مَنْ حَضَرَ: صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.
الثَّانِيَةُ: إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ أَتَمَّهَا إمَامُهُ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّهَا لَا هِيَ مِنْهَا وَلَا مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا، بِدَلِيلِ السَّهْوِ، وَعِلْمِهِ بِحَدَثِهِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ، وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي قِيَاسَ الْمَذْهَبِ الثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ

مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَيْهَا يُتِمُّونَهَا فُرَادَى وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ وَالْأَشْهَرُ أَوْ جَمَاعَةً، وَكَذَا جَمَاعَتَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ بِتَرْكِ فَرْضٍ مِنْ الْإِمَامِ، وَفِي مُنْهًى عَنْهُ، كَحَدَثٍ: عَنْهُ رِوَايَتَانِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: تَبْطُلُ بِتَرْكِ شَرْطٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ رُكْنٍ، أَوْ تَعَمُّدِ مُفْسِدٍ، وَإِلَّا فَلَا، عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ

قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا ثُمَّ نَوَى الِانْفِرَادَ لِعُذْرٍ جَازَ) بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ اسْتَثْنَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ مَسْأَلَةً، وَصُورَتُهَا: مَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ يُعَجِّلُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَتَمَيَّزُ انْفِرَادُهُ عَنْهُ بِنَوْعِ تَعْجِيلٍ.
فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ انْفِرَادُ الْمَأْمُومِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الِانْفِرَادَ إذْ اسْتَفَادَ بِهِ تَعْجِيلَ لُحُوقِهِ لِحَاجَتِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ خِلَافَهُ، فَيُعَايَى بِهَا.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي كَلَامِهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا " لِعُذْرٍ " وَهُنَا لَيْسَ هَذَا بِعُذْرٍ فَلَا يَجُوزُ الِانْفِرَادُ.
فَائِدَةٌ: الْعُذْرُ مِثْلُ تَطْوِيلِ إمَامِهِ، أَوْ مَرَضٍ أَوْ خَوْفِ نُعَاسٍ، أَوْ شَيْءٍ، يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، أَوْ عَلَى مَالٍ، أَوْ أَهْلٍ، أَوْ فَوَاتِ رُفْقَةٍ وَنَحْوِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ: الْعُذْرُ مَا يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَابْنُ تَمِيمٍ: لَمْ يَجُزْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَنَصَرَهُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، وَإِلَيْهَا مَيْلُ الشَّارِحِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ

فَوَائِدُ.
مِنْهَا: مَتَى زَالَ الْعُذْرُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَهُ الدُّخُولُ مَعَ الْإِمَامِ، وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ فَارَقَهُ فِي الْقِيَامِ أَتَى بِبَقِيَّةِ الْقِرَاءَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فَلَهُ أَنْ يَرْكَعَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ ظَنَّ فِي صَلَاةِ السِّرِّ أَنَّ الْإِمَامَ قَرَأَ: لَمْ يَقْرَأْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَعَنْهُ يَقْرَأُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الرُّكُوعَ، وَمِنْهَا: لَوْ فَارَقَهُ الْعُذْرُ، وَقَدْ صَلَّى مَعَهُ رَكْعَةً فِي الْجُمُعَةِ: أَتَمَّهَا جُمُعَةً بِرَكْعَةٍ أُخْرَى كَمَسْبُوقٍ، وَإِنْ فَارَقَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَزْحُومِ فِي الْجُمُعَةِ حَتَّى تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الظُّهْرُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَتَمَّ نَفْلًا فَقَطْ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ فَارَقَهُ فِي الْأُولَى فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُتِمُّهَا جُمُعَةً، وَالثَّانِي: يُصَلِّيهَا ظُهْرًا، وَهَلْ يَسْتَأْنِفُ أَوْ يَبْنِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ الظُّهْرُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فِيهِمَا فَيُتِمُّهَا نَفْلًا، سَوَاءٌ فَارَقَهُ فِي الْأُولَى أَوْ بَعْدَهَا.
انْتَهَى.
وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ: أَنَّهُ إذَا فَارَقَهُ فِي الْأُولَى لِعُذْرٍ يُتِمُّهَا جُمُعَةً.

قَوْلُهُ (وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ لَهُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ صَحَّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَتَعَمُّدِهِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، وَيَبْنِي إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ مُطْلَقًا فَيَبْنِي إذَا تَطَهَّرَ اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ رِوَايَةَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالِاسْتِئْنَافِ

وَأَمَّا الْمَأْمُومُ: فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ اخْتَارَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فَحَيْثُ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ: فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي، وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ وَصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ: فَحُكْمُهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى صِحَّتِهَا وَالْأَشْهَرِ، وَبُطْلَانٍ نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ هَانِئٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُذْهَبِ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ: هَذَا الْأَشْهَرُ قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ هُنَا، وَإِنْ جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ مَا إذَا قُلْنَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يَسْتَخْلِفُ، فَاسْتَخْلَفَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَحَضَرَ، ثُمَّ صَارَ إمَامًا: فَعَنْهُ يَصِحُّ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، وَعَنْهُ يَسْتَأْنِفُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
قُلْت: الصَّوَابُ الصِّحَّةُ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا أَحْرَمَ لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ ثُمَّ حَضَرَ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ تَطَهَّرَ يَعْنِي الْإِمَامُ قَرِيبًا، ثُمَّ عَادَ فَائْتَمَّ بِهِمْ جَازَ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: صَحَّ فِي الْمَذْهَبِ.
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَسْبُوقًا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُ الْمَسْبُوقِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَأْتِي بِمَا عَلَيْهِ فَتَكُونُ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِثَلَاثَةِ أَئِمَّةٍ

قَالَ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ وَسَلَّمُوا مُنْفَرِدِينَ أَوْ انْتَظَرُوهُ حَتَّى سَلَّمَ بِهِمْ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ كُلِّهِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ: يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ بِهِمْ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ سَلَامُهُمْ قَبْلَهُ وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ: يَسْتَخْلِفُ أُمِّيًّا فِي تَشَهُّدٍ أَخِيرٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ هُنَا.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَعَلَى الْمَنْصُوصِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ مُرَتَّبًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ وَاسْتَخْلَفَهُ فِيهَا جَلَسَ عَقِيبَهَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ تَرْتِيبِ إمَامِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ، فَيَجْلِسَ عَقِيبَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاتِهِ، وَهِيَ ثَالِثَةٌ لِلْمَأْمُومَيْنِ وَيَتْبَعُونَهُ فِي ذَلِكَ.
وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي الثَّانِيَةِ، وَهِيَ اسْتِخْلَافُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فِي الْمَسْبُوقِ الَّذِي دَخَلَ مَعَهُ، وَقَالَ فِي الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ: الْأَظْهَرُ فِيهِ التَّخْيِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْمُتَابَعَةَ ابْتِدَاءً.
الثَّانِيَةُ: يَبْنِي الْخَلِيفَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، وَأَمَّا الْخَلِيفَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إذَا قُلْنَا يَبْنِي عَلَى تَرْتِيبِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ الْأَوَّلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ سِرًّا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَهِيَ عَجِيبٌ مِنْهُ

قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَقْرَأُ سِرًّا مَا فَاتَهُ مِنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى قِرَاءَةِ الْأَوَّلِ جَهْرًا إنْ كَانَتْ صَلَاةَ جَهْرٍ.
وَقَالَ عَنْ الْمَنْصُوصِ: لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي، إلَّا أَنْ يَقُولَ مَعَهُ بِأَنَّ هَذِهِ الرَّكْعَةَ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهَا بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَأْمُومًا بِحَالٍ، أَوْ يَقُولُ: إنَّ الْفَاتِحَةَ لَا تَتَعَيَّنُ فَيَسْقُطُ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ بِمَا يَقْرَؤُهُ.
انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَلَا يَبْنِي عَلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَتَحَمَّلْ الْقِرَاءَةَ هُنَا.
الثَّالِثَةُ: مَنْ اسْتَخْلَفَ فِيمَا لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ: اعْتَدَّ بِهِ لِلْمَأْمُومِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَوْ اسْتَخْلَفَ مَسْبُوقًا فِي الرُّكُوعِ لَغَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ، قَرَأَ لِنَفْسِهِ وَانْتَظَرَهُ الْمَأْمُومُ ثُمَّ رَكَعَ وَلَحِقَ الْمَأْمُومَ.

الرَّابِعَةُ: لَوْ أَدَّى الْإِمَامُ جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ، مِثْلُ أَنْ يُحْدِثَ رَاكِعًا فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " أَوْ حَدَثَ سَاجِدًا فَرَفَعَ وَقَالَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، إنْ قُلْنَا يَبْنِي ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَبْطُلُ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ أَدَاءَ رُكْنٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاشْتَبَهَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى بَعْضِهِمْ فَزَادَ وَنَقَصَ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ الْإِمَامُ وَصَلُّوا وُحْدَانًا: صَحَّ، وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا طُعِنَ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانًا، وَإِنْ اسْتَخْلَفُوا لِأَنْفُسِهِمْ صَحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ اسْتَخْلَفَ كُلُّ طَائِفَةٍ رَجُلًا، أَوْ اسْتَخْلَفَ بَعْضُهُمْ وَصَلَّى الْبَاقُونَ فُرَادَى فَلَا بَأْسَ.

السَّادِسَةُ: حُكْمُ مَنْ حَصَلَ لَهُ مَرَضٌ أَوْ خَوْفٌ، أَوْ حَصْرٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ أَوْ قَصْرٌ وَنَحْوُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ، وَجُنُونٌ وَإِغْمَاءٌ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي الْإِغْمَاءِ وَالْمَوْتِ، وَالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ: أَوْ بِلَا عُذْرٍ حُكْمُ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الِاسْتِخْلَافِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ سُبِقَ اثْنَانِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ رِوَايَتَيْنِ مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ.
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمْ، لَمَّا حَكَوْا الْخِلَافَ هُنَا: بِنَاءً عَلَى الِاسْتِخْلَافِ، وَتَقَدَّمَ جَوَازُ الِاسْتِخْلَافِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِالْجَوَازِ هُنَا فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ هُنَا.
وَإِنْ جَوَّزْنَا الِاسْتِخْلَافَ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِخْلَافِ مِنْ وَجْهَيْنِ.

فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ وَالْخِلَافُ وَالْمَذْهَبُ: لَوْ أَمَّ مُقِيمٌ مِثْلَهُ إذَا سَلَّمَ مُسَافِرٌ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ: الْمَسْبُوقَ فِي الْجُمُعَةِ.
فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ائْتِمَامُ مَسْبُوقٍ بِمَسْبُوقٍ فِيهَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهَا إذَا أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ مَرَّةً لَمْ تُقَمْ فِيهِ ثَانِيَةً، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا فِي شَرْحِ الْمُجَرَّدِ: أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الْجُمُعَةِ أَيْضًا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَبِلَا عُذْرِ السَّبْقِ كَاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ بِلَا عُذْرٍ قَالَ فِي النُّكَتِ: صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تُخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْلَافِ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَلَامُهُ فِي الْمُقْنِعِ عَقِيبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ يَصِحَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَسْأَلَةِ الِاسْتِخْلَافِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْمُغْنِي وَاحِدَةٌ.
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِخْلَافِ لِغَيْرِ عُذْرٍ رِوَايَتَيْنِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ: وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَمْ يَصِحَّ إذَا انْتَقَلَ عَنْ إمَامِهِ إلَى إمَامٍ آخَرَ فَائْتَمَّ بِهِ أَوْ صَارَ الْمَأْمُومُ إمَامًا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ، ثُمَّ حَضَرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَأَحْرَمَ بِهِمْ، وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، فَصَارَ الْإِمَامُ مَأْمُومًا فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالْفَائِقِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ قَالَ فِي الْفُصُولِ: هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ شَيْخِنَا أَبِي يَعْلَى، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ مِنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ.
تَنْبِيهٌ: حَكَى الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ هُنَا أَوْجُهًا، وَكَذَا حَكَاهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَابْنُ مُنَجَّى، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

وَحَكَاهُ رِوَايَاتٍ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ مَنْصُوصَةٌ وَتَقَدَّمَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَاسْتَخْلَفَ ثُمَّ صَارَ إمَامًا.
فَائِدَتَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ كَالْخِلَافِ فِي الصِّحَّةِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَاتُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَرَضِهِ بَعْدَ دُخُولِ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ كَانَ إمَامًا لِأَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ إمَامًا لِلنَّاسِ " وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ بِإِمَامَيْنِ، وَصَرَّجَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بِذَلِكَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَقِيلَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَامَ أَبِي بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ إمَامَ النَّاسِ، وَقِيلَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إمَامًا، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّ وَرَاءَهُمَا صَفًّا، وَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ.
انْتَهَى.
وَيَأْتِي الْخِلَافُ إذَا كَانَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ وَخَلْفَهُ صَفٌّ فِي الْمَوْقِفِ.

[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]

ِ تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (السُّنَّةُ: أَنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) أَنَّهُ يَقُومُ عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ، سَوَاءٌ رَأَى الْإِمَامَ أَوْ لَمْ يَرَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ،

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُومُ حَتَّى يَرَى الْإِمَامَ إذَا كَانَ غَائِبًا.
وَتَقَدَّمَ غَيْرُهَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، سَوَاءٌ رَآهُ أَوْ لَمْ يَرَهُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، قَامُوا عِنْدَ ذِكْرِ الْإِقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا قُرْبَهُ لَمْ يَقُومُوا حَتَّى يَرَوْهُ، وَقِيلَ: لَا يَقُومُونَ إذْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى يَرَوْهُ، وَذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَحْمَدَ، وَقِيَامُ الْمَأْمُومِ عِنْدَ قَوْلِهِ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يُسَوِّي الْإِمَامُ الصُّفُوفَ) هَكَذَا عِبَارَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي كُتُبِهِمْ.
وَقَالَ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالتَّسْهِيلِ: وَيُسَوِّي الْإِمَامُ صَفَّهُ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ أَنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ سُنَّةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وُجُوبُهُ، وَقَالَ: مُرَادُ مَنْ حَكَاهُ إجْمَاعًا اسْتِحْبَابُهُ لَا نَفْيُ وُجُوبِهِ، وَذَكَرَ فِي النُّكَتِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ وَعَلَى هَذَا: بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِهِ مَحَلُّ نَظَرٍ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْنَعَ الصِّحَّةَ، وَيُحْتَمَلُ لَا.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ

فَوَائِدُ.
الْأُولَى: التَّسْوِيَةُ الْمَسْنُونَةُ فِي الصُّفُوفِ: هِيَ مُحَاذَاةُ الْمَنَاكِبِ وَالْأَكْعُبِ دُونَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ

الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ تَرَاصُّ الصُّفُوفِ، وَسَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي فِيهَا، وَتَكْمِيلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلُ فَلَوْ تَرَكَ الْأَوَّلَ كُرِهَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ فِي النُّكَتِ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَهُوَ أَوْلَى، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: لَا يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَطَوُّعُ الْإِمَامِ فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ.
وَقَاسَهُ عَلَى تَرْكِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِلْمَأْمُومِينَ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكَرَاهَةِ فِي الْفُرُوعِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي النُّكَتِ: يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ كَلَامِهِمْ: لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إذَا مَشَى إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ، وَإِنْ صَلَّى فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ لَمْ تَفُتْهُ قَالَ: لَكِنْ هِيَ فِي صُورَةٍ نَادِرَةٍ، وَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا مَشَى إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ.
وَقَدْ يُقَالُ: يُحَافِظُ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا: لَا يَسْعَى إذَا أَتَى الصَّلَاةَ، لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ.
قَالَ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ: فَإِنْ أَدْرَكَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ، مَا لَمْ يَكُنْ عَجَّلَ لِفَتْحٍ قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يُعَجِّلُ لِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ لَكِنْ هَلْ يُقَيَّدُ الْمَسْأَلَتَانِ بِتَعَذُّرِ الْجَمَاعَةِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يُحَافِظُ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَإِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّكْعَةِ مِنْ نَصِّهِ " يُسْرِعُ إلَى التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى " قَالَ: وَالْمُرَادُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ إذَا لَمْ تَفُتْهُ الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، وَإِلَّا حَافَظَ عَلَيْهَا، فَيُسْرِعُ لَهَا.
انْتَهَى.

الرَّابِعَةُ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَيَمِينُ كُلِّ صَفٍّ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَكَذَا قُرْبُ الْأَفْضَلِ وَالصَّفُّ مِنْهُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّ بُعْدَ يَمِينِهِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْ قُرْبِ يَسَارِهِ قَالَ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ.

الْخَامِسَةُ: قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الْمَفْضُولِ وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: يُؤَخَّرُ الصِّبْيَانُ نَصَّ عَلَيْهِ (وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي الْإِيثَارِ بِمَكَانِهِ، وَفِيمَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَوْقِفِ.

السَّادِسَةُ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ: هُوَ مَا يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَغَيْرِهِمَا: الْمِنْبَرُ لَا يَقْطَعُ الصَّفَّ، وَعَنْهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ: هُوَ الَّذِي يَلِي الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَقْطَعْهُ.
حَكَى هَذَا الْخِلَافَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي يَلِي الْمَقْصُورَةَ، وَمَا تَقْطَعُهُ الْمَقْصُورَةُ فَلَيْسَ بِأَوَّلٍ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَرَجَّحَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ بِكُلِّ حَالٍ قَالَ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِأَحْمَدَ بِهِ.
انْتَهَى.
مَعَ أَنَّهُ اخْتَارَهُ.

السَّابِعَةُ: لَيْسَ بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ دُعَاءٌ مَسْنُونٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بَيْنَهُمَا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ " اللَّهُ أَكْبَرُ " لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا) يَعْنِي لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ، وَيَكُونُ مُرَتَّبًا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ اللَّهُ الْأَكْبَرُ، وَاَللَّهُ الْأَعْظَمُ " جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَجَزَمَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ بِالْإِجْزَاءِ فِي " اللَّهُ الْأَكْبَرُ " وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ " الْأَكْبَرُ اللَّهُ، أَوْ الْكَبِيرُ اللَّهُ، أَوْ اللَّهُ الْكَبِيرُ " ذَكَرَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ فِي التَّعْلِيقِ " أَكْبَرُ " كَالْكَبِيرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ أَبْلَغَ إذَا قِيلَ: أَكْبَرُ مِنْ كَذَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.

تَنْبِيهٌ: مِنْ شَرْطِ الْإِتْيَانِ بِقَوْلِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " أَنْ يَأْتِيَ بِهِ قَائِمًا، إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فَلَوْ أَتَى بِبَعْضِهِ رَاكِعًا، أَوْ أَتَى بِهِ كُلِّهِ رَاكِعًا، أَوْ كَبَّرَ قَاعِدًا، أَوْ أَتَمَّهُ قَائِمًا: لَمْ تَنْعَقِدْ فَرْضًا، وَتَنْعَقِدُ نَفْلًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ مِمَّنْ كَمَّلَهَا رَاكِعًا فَقَطْ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي نَفْلٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
وَيَأْتِي حُكْمُ مَا لَوْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ سَمَّعَ أَوْ حَمِدَ قَبْلَ انْتِقَالِهِ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَ انْتِهَائِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ " ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا ".

فَائِدَةٌ: لَوْ زَادَ عَلَى التَّكْبِيرِ، كَقَوْلِهِ " اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ، أَوْ وَأَجَلُّ " وَنَحْوِهِ كُرِهَ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُمْ: لَمْ يُسْتَحَبَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالزِّيَادَةُ عَلَى التَّكْبِيرِ، قِيلَ: يَجُوزُ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا) بِلَا نِزَاعٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَعَلُّمُهَا فِي مَكَانِهِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ فَقَطْ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ وَلَوْ كَانَ بَادِيًا بَعِيدًا فَيَقْصِدُ الْبَلَدَ لِتَعَلُّمِهَا فِيهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ) ، وَكَذَا إنْ عَجَزَ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَعَنْهُ لَا يُكَبِّرُ بِلُغَتِهِ.
ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ.

وَكَذَا حُكْمُ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَالدُّعَاءِ، قَالَهُ فِي

الْقَاعِدَةَ الْعَاشِرَةَ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ قَوْلًا، وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا فَعَلَيْهِ: يَحْرُمُ بِلُغَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ كَانَ يَعْرِفُ لُغَاتٍ، فَقَالَ فِي الْمُنَوِّرِ: يُقَدَّمُ السُّرْيَانِيُّ، ثُمَّ الْفَارِسِيُّ، ثُمَّ التُّرْكِيُّ، وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ مَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ التُّرْكِيِّ وَالْهِنْدِيِّ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: فَإِنْ عَرَفَ لِسَانًا فَارِسِيًّا وَسُرْيَانِيًّا فَأَوْجَهُ.
الثَّالِثُ: يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَدَّمَانِ عَلَى التُّرْكِيِّ وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ التُّرْكِيِّ وَالْهِنْدِيِّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: إنْ لَمْ يُقَدَّمَا عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ: ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
قُلْت: وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ، بَلْ أَطْلَقُوا فَيُجْزِيهِ التَّكْبِيرُ بِأَيِّ لُغَةٍ أَرَادَ.

فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ مَقْطُوعَ اللِّسَانِ كَبَّرَ بِقَلْبِهِ، وَلَا يُحَرِّكْ لِسَانَهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ قِيلَ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ كَانَ أَقْوَى، وَقِيلَ: يَجِبُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْإِفَادَاتِ فَإِنْ عَجَزَ أَشَارَ بِقَلْبِهِ، وَكَذَا حُكْمُ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: لَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ إلَّا فِي التَّكْبِيرِ فَقَطْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ، يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ.

الثَّانِيَةُ: الْحُكْمُ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ التَّعَلُّمِ بِالْعَرَبِيَّةِ فِي كُلِّ ذِكْرٍ مَفْرُوضٍ كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَالسَّلَامِ وَنَحْوِهِ كَالْحُكْمِ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ بِلُغَتِهِ، وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ: فَلَا يُتَرْجِمُ عَنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُحْسِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَتَى بِهِ بِلُغَتِهِ.

تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ، وَيُسِرُّ غَيْرُهُ بِهِ) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ الْجَهْرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ لَا يُكْرَهُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَغَيْرِ إذْنِهِ وَبِالتَّحْمِيدِ.

قَوْلُهُ (وَبِالْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ) يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ السِّرِّ وَفِي التَّكْبِيرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الِاكْتِفَاءَ بِالْإِتْيَانِ بِالْحُرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَذَكَرَهُ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ قُلْت: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ، وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ سَمَاعَ مَنْ بِقُرْبِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَطَلَاقٍ وَغَيْرِهِ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ " إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَانِعٌ، كَطَرَشٍ أَوْ أَصْوَاتٍ يَسْمَعُهَا تَمْنَعُهُ مِنْ سَمَاعِ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَانِعٌ أَتَى بِهِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ.

قَوْلُهُ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَرْفَعُهَا قَبْلَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَيُخْفِضُهُمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلُهُ (مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ، مَضْمُومًا بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ مُفَرَّقَةً.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِبُطُونِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ الْقِبْلَةَ حَالَ التَّكْبِيرِ، عَلَى

الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ: قَائِمَةً حَالَ الرَّفْعِ وَالْحَطِّ، وَذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ النَّاظِمُ: وَلِلْبَيْتِ لَا لِلْأُذُنِ وَاجِهْ بِأَجْوَدَ قَوْلُهُ (إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ وَإِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ، يَعْنِي أَنَّهُ يُخَيَّرُ.
وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْكَافِي، وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالشَّرْحِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَابْنُ رَزِينٍ وَقَالَ: لَا خِلَافَ فِيهِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَشْهَرُ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَعَنْهُ: يَرْفَعُهُمَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ فَقَطْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالتَّسْهِيلِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَنَظْمِ النِّهَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَعَنْهُ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُذْهَبِ، وَعَنْهُ إلَى صَدْرِهِ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: يُجَاوِزُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِبْهَامَيْهِ عِنْدَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ وَقَالَ: أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُحَاذِيَ بِمَنْكِبَيْهِ كُوعَيْهِ، وَبِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَبِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فُرُوعَ أُذُنَيْهِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ: أَنْ تَكُونَا فِي حَالِ الرَّفْعِ مَكْشُوفَتَانِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ هُنَا وَفِي الدُّعَاءِ.

الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ إشَارَةٌ إلَى رَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ كَمَا أَنَّ السَّبَّابَةَ إشَارَةٌ إلَى الْوَحْدَانِيَّةِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى) . هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: ثُمَّ يُرْسِلُهُمَا، ثُمَّ يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَضَعُ بَعْضَ يَدِهِ عَلَى الْكَفِّ وَبَعْضَهَا عَلَى الذِّرَاعِ، وَجَزَمَ بِمِثْلِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَزَادَ: وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ قَالَ: وَيَقْبِضُ بِأَصَابِعِهِ عَلَى الرُّسْغِ، وَفَعَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
فَائِدَةٌ: مَعْنَى ذَلِكَ: ذُلٌّ بَيْنَ يَدَيْ عِزٍّ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الرَّقِّيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
قَوْلُهُ (وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَجْعَلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَعَنْهُ يُرْسِلُهُمَا مُطْلَقًا إلَى جَانِبَيْهِ، وَعَنْهُ يُرْسِلُهُمَا فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ فِي الرِّوَايَةِ: الْجِنَازَةُ مَعَ النَّفْلِ، وَنُقِلَ عَنْ الْخَلَّالِ: أَنَّهُ أَرْسَلَ يَدَيْهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ.

قَوْلُهُ (وَيَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ النَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ حَالَاتِ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، إلَّا حَالَ إشَارَتِهِ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى سَبَّابَتِهِ.

فَائِدَةٌ: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ مُرَادَ مَنْ أَطْلَقَ فِي هَذَا الْبَابِ: غَيْرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إلَى الْعَدُوِّ، وَكَذَا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، أَوْ كَانَ خَائِفًا مِنْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ فَوْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، أَوْ ضَيَاعِ مَالِهِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ ضَرَرٌ إذَا نَظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، بَلْ لَا يُسْتَحَبُّ، وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لَكَانَ قَوِيًّا، بَلْ لَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ، وَهَذَا فِي النَّظَرِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَالنَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يَتْرُكُ الْوَاجِبَ لِأَمْرٍ مُسْتَحَبٍّ، وَهُوَ وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَتَبَارَكَ اسْمُك، وَتَعَالَى جَدُّك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك) هَذَا الِاسْتِفْتَاحُ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ الِاسْتِفْتَاحَ بِخَبَرِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كُلِّهِ، وَهُوَ وَجَّهْتُ وَجْهِي إلَى آخِرِهِ " وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَمْعَهُمَا وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: أَنَّهُ يَقُولُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا أُخْرَى.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ، وَكَيْفَمَا تَعَوَّذَ مِنْ الْوَارِدِ كَانَ لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَعِيذُ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَعَنْهُ يَقُولُ مَعَ ذَلِكَ " إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَعَنْهُ يَقُولُ " أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " جَزَمَ بِهِ فِي

الْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْفَائِقِ.
وَعَنْهُ يَزِيدُ مَعَهُ إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعَنْهُ أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ.
اخْتَارَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هِيَ قُرْآنٌ، وَهِيَ آيَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سِوَى بَرَاءَةٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشْعَارٌ بِذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: " ثُمَّ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". وَعَنْهُ لَيْسَتْ قُرْآنًا مُطْلَقًا، بَلْ هِيَ ذِكْرٌ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ: وَفِي ثُبُوتِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ نَظَرٌ.

فَائِدَةٌ.
لَيْسَتْ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى الْفَاتِحَةِ بِلَا نِزَاعٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا خِلَافَ عَنْهُ نَعْلَمُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً مِنْ أَوَّلِ سُورَةٍ إلَّا فِي الْفَاتِحَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَلَا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ سَوَاءٌ قُلْنَا هِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ لَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: الرِّوَايَةُ لَا تَخْتَلِفُ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ، وَإِنْ قُلْنَا هِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ.
وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ [وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ] وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمُوهُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
فَيُعَايَى بِهَا

فصول الكتاب · 4 فصل · 570 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي · 570 صفحة
المقدمة
ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
بَابِ الرَّهْنِ:
ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
جارٍ التحميل