الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويصفحات 441-480
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:

صفحات 441-480
عن هذه الطبعة
عَلَم
المرداوي
الكتاب
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
المؤلف
علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الطبعة
الثانية - بدون تاريخ
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ.
فَعَلَيْهِ دَمٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، وَحَكَى وَجْهًا: لَا دَمَ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ اسْتَوْطَنَ آفَاقِيٌّ مَكَّةَ فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ اسْتَوْطَنَ مَكِّيٌّ الشَّامَ أَوْ غَيْرَهَا، ثُمَّ عَادَ مُقِيمًا مُتَمَتِّعًا: لَزِمَهُ الدَّمُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْفُصُولِ: لَا دَمَ عَلَيْهِ كَسَفَرِ غَيْرِ مَكِّيٍّ ثُمَّ عَوْدِهِ.
الشَّرْطِ الثَّانِي: أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّ فِيهِ.
وَالِاعْتِبَارُ عِنْدَنَا بِالشَّهْرِ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ حَلَّ فِي شَوَّالٍ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ جَمَاعَةٌ.
الشَّرْطِ الثَّالِثِ: أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ.
الشَّرْطِ الرَّابِعِ: أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، فَإِنْ سَافَرَ مَسَافَةَ قَصْرٍ، فَأَكْثَرَ.
أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ.
مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ: فَأَحْرَمَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَا: وَلَمْ يُحْرِمْ بِهِ مِنْ مِيقَاتٍ، أَوْ يُسَافِرُ سَفَرَ قَصْرٍ.
وَقَالَ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ: وَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةَ قَصْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ رِوَايَةٌ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالتَّلْخِيصِ: إنْ سَافَرَ إلَيْهِ فَأَحْرَمَ بِهِ، فَوَجْهَانِ، وَنَظِيرُ أَثَرِ الْخِلَافِ فِي " قَرْنٍ " مِيقَاتِ أَهْلِ نَجْدٍ، فَإِنَّهُ أَقَلُّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
أَمَّا مَا عَدَاهُ: فَإِنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةَ قَصْرٍ، عَلَى ظَاهِرِ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ

فِي الْمَوَاقِيتِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ: إنَّ أَقْرَبَهَا ذَاتُ عِرْقٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَلْزَمُهُ [دَمٌ] وَإِنْ رَجَعَ.
الشَّرْطِ الْخَامِسِ: أَنْ يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، يَحِلُّ أَوَّلًا، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ حَلِّهِ مِنْهَا صَارَ قَارِنًا.
الشَّرْطِ السَّادِسِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ، وَالْحَلْوَانِيُّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ: إنْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ قَصْرٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
بَلْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ: يَلْزَمُهُ دَمَانِ: دَمُ الْمُتْعَةِ، وَدَمُ الْإِحْرَامِ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ وَلَمْ يَنْوِهَا بِهِ، وَلَيْسَ بِسَاكِنٍ، وَرَدُّوا مَا قَالَهُ الْقَاضِي، قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَلَوْ أَحْرَمَ الْآفَاقِيُّ بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ، وَاعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ: فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَا: وَفِي نَصِّهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ: تَنْبِيهٌ عَلَى إيجَابِ الدَّمِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
الشَّرْطِ السَّابِعِ: نِيَّةُ الْمُتَمَتِّعِ: فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهَا.
قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَتَبِعَهُ الْأَكْثَرُ.
قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَنْوِي فِي الْأَصَحِّ، وَقَالَ فِي الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَيَنْوِي فِي الْأَظْهَرِ.
وَقِيلَ: لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّمَتُّعِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ.

فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: لَا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ وَاحِدٍ.
ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ.
مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ وَالْمَجْدُ.
قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، فَلَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ، وَحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ اثْنَيْنِ: كَانَ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ.
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ: أَنْ يَكُونَ النُّسُكَانِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ.
إمَّا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ شَخْصَيْنِ: فَلَا تَمَتُّعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِحْرَامِ بِالنُّسُكِ الثَّانِي مِنْ الْمِيقَاتِ.
إذَا كَانَ عَنْ غَيْرِ الْأَوَّلِ، وَالْمُصَنِّفُ يُخَالِفُ صَاحِبَ التَّلْخِيصِ فِي الْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ بَنَى عَلَيْهِمَا.
وَالْمَجْدُ يُوَافِقُهُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ مُخَالَفَتُهُ فِي الْأَوَّلِ.
الثَّانِيَةُ: لَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ يُعْتَبَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ إلَّا الشَّرْطَ السَّادِسَ، فَإِنَّ الْمُتْعَةَ تَصِحُّ مِنْ الْمَكِّيِّ، كَغَيْرِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ كَالْإِفْرَادِ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَيْسَ لِأَهْلِ مَكَّةَ مُتْعَةٌ، قَالَ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ: مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ دَمُ مُتْعَةٍ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ، قُلْت: قَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا مِنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَلَا مُتْعَةَ عَلَيْهِمْ، أَيْ الْحَجُّ كَافِيهِمْ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا.
انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: لَا تَصِحُّ الْمُتْعَةُ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا مُتْعَةَ لَهُمْ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ.

الثَّالِثَةُ: لَا يَسْقُطُ دَمُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ بِإِفْسَادِ نُسُكِهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ يَسْقُطُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قُلْنَا: يَلْزَمُ الْقَارِنَ لِلْإِفْسَادِ دَمَانِ: سَقَطَ دَمُ الْقِرَانِ.
انْتَهَى.

الرَّابِعَةُ: لَا يَسْقُطُ دَمُهُمَا أَيْضًا بِفَوَاتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَسْقُطُ.

الْخَامِسَةُ: إذَا قَضَى الْقَارِنُ قَارِنًا لَزِمَهُ دَمَانِ.
لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ دَمٌ، وَلِقِرَانِهِ الثَّانِي آخَرُ وَفِي دَمِ فَوَاتِهِ الرِّوَايَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يَلْزَمُهُ دَمَانِ، دَمٌ لِقِرَانِهِ، وَدَمٌ لِفَوَاتِهِ.
وَإِذَا قَضَى الْقَارِنُ مُفْرِدًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ لِفَوَاتِهِ الرِّوَايَتَانِ، وَزَادَ فِي الْفُصُولِ: يَلْزَمُهُ دَمٌ ثَالِثٌ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، فَإِذَا فَرَغَ مَنْ قَضَى مُفْرِدًا: أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْأَبْعَدِ.
كَمَنْ فَسَدَ حَجُّهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِذَا قَضَى مُتَمَتِّعًا فَإِذَا تَحَلَّلَ مِنْ الْعُمْرَةِ: أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْأَبْعَدِ.

السَّادِسَةُ: يَلْزَمُ دَمُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَرَدَّ مَا نُقِلَ عَنْهُ خِلَافُهُ إلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَعَنْهُ يَلْزَمُ الدَّمُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَعَنْهُ يَلْزَمُ الدَّمُ بِالْوُقُوفِ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: اخْتِيَارُ الْقَاضِي.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَعَلَّهُ فِي الْمُجَرَّدِ وَأَطْلَقَهَا وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي الْكَافِي، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُمَا.
كَذَا قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ فِي الْوَاضِحِ: يَجِبُ دَمُ الْقِرَانِ بِالْإِحْرَامِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَعَنْهُ يَلْزَمُ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ لِنِيَّةِ التَّمَتُّعِ إذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا مَا إذَا مَاتَ بَعْدَ سَبَبِ الْوُجُوبِ: يَخْرُجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: فَائِدَةُ الرِّوَايَاتِ: إذَا تَعَذَّرَ الدَّمُ، وَأَرَادَ الِانْتِقَالَ إلَى الصَّوْمِ، فَمَتَى يَثْبُتُ الْعُذْرُ؟ فِيهِ الرِّوَايَاتُ.

تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا الْحُكْمُ الْمُتَقَدِّمُ: فِي لُزُومِ الدَّمِ، وَأَمَّا وَقْتُ ذَبْحِهِ: فَجَزَمَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجُوزُ قَبْلَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ.
قَالَ: فَظَاهِرُهُ يَجُوزُ إذَا وَجَبَ لِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] فَلَوْ جَاوَزَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَجَازَ الْحَلْقُ لِوُجُودِ الْغَايَةِ.
قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُحْصَرِ، وَيَنْبَنِي عَلَى عُمُومِ الْمَفْهُومِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَنَحَرَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَصَارَ كَمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، وَكَانَ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ فَعَلَ الْأَفْضَلَ، وَلِمَنْعِ التَّحَلُّلِ بِسَوْقِهِ.
انْتَهَى.
وَقَدْ جَزَمَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ وَقْتَ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ: وَقْتُ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: يَجُوزُ لَهُ نَحْرُهُ بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، وَأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ، وَحَمَلَ رِوَايَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ بِذَبْحِهِ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى وُجُوبِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ، وَمَعَهُ هَدْيٌ يَنْحَرُهُ، لَا يَضِيعُ أَوْ يَمُوتُ أَوْ يُسْرَقُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا ضَعِيفٌ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ نَحَرَهُ، وَإِنْ قَدِمَ بِهِ فِي الْعَشْرِ لَمْ يَنْحَرْهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ بِمِنًى.
اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: هَذَا الْحُكْمُ مَعَ وُجُودِ الْهَدْيِ، لَا مَعَ عَدَمِهِ، وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَثْنَاءِ بَابِ الْفِدْيَةِ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَ إذَا طَافَ وَسَعَى، وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً؛ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) . اعْلَمْ أَنَّ فَسْخَ الْقَارِنِ، وَالْمُفْرِدِ حَجَّهُمَا إلَى الْعُمْرَةِ: مُسْتَحَبٌّ بِشَرْطٍ لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً.
وَعَبَّرَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمْ: بِالْجَوَازِ وَأَرَادُوا فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْمُخَالِفِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
لَكِنْ الْمُصَنِّفُ هُنَا ذَكَرَ الْفَسْخَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ، وَعَنْ ابْنِ عَقِيلٍ: الطَّوَافُ بِنِيَّةِ الْعُمْرَةِ: هُوَ الْفَسْخُ، وَبِهِ حَصَلَ رَفْضُ الْإِحْرَامِ لَا غَيْرُ، فَهَذَا تَحْقِيقُ الْفَسْخِ وَمَا يَنْفَسِخُ بِهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قُلْت: وَهَذَا جَيِّدٌ، وَالْأَحَادِيثُ لَا تَأْبَاهُ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ: لِلْقَارِنِ وَالْمُفْرِدِ أَنْ يَفْسَخَا نُسُكَهُمَا إلَى الْعُمْرَةِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَا وَقَفَا بِعَرَفَةَ، وَلَا سَاقَا هَدْيًا، فَلَمْ يُفْصِحُوا بِوَقْتِ الْفَسْخِ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: جَوَازُ الْفَسْخِ، سَوَاءٌ طَافَا وَسَعَيَا أَوْ لَا، إذَا لَمْ يَقِفَا بِعَرَفَةَ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يَغُرَّنَّك كَلَامُ ابْنِ مُنَجَّى، فَإِنَّهُ قَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ شَرْطٌ فِي اسْتِحْبَابِ الْفَسْخِ.
قَالَ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَقْتَضِي الْفَسْخَ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَافَ وَسَعَى ثُمَّ فَسَخَ: يَحْتَاجُ إلَى طَوَافٍ وَسَعْيٍ لِأَجْلِ الْعُمْرَةِ، وَلَمْ يُرِدْ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ " إذَا " ظَرْفٌ لَأَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَ وَقْتَ طَوَافِهِ.
أَيْ وَقْتَ جَوَازِ طَوَافِهِ.
انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ مُنَجَّى، وَغَفَلَ عَنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ

وَالْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحِ وَكَلَامِ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَأْبَى ذَلِكَ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَطُوفُ طَوَافًا ثَانِيًا.
كَمَا زَعَمَ ابْنُ مُنَجَّى.
انْتَهَى.
قُلْت: قَالَ فِي الْكَافِي: يُسَنُّ لَهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا هَدْيٌ أَنْ يَفْسَخَا نِيَّتَهُمَا بِالْحَجِّ، وَيَنْوِيَا عُمْرَةً، وَيَحِلَّا مِنْ إحْرَامِهِمَا بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَتَقْصِيرٍ؛ لِيَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْنِ.
انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَوْلُ ابْنِ مُنَجَّى " إنَّ الْأَخْبَارَ تَقْتَضِي الْفَسْخَ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ " لَيْسَ كَذَلِكَ.
بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ ظَاهِرَهَا: أَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الطَّوَافِ.
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ، فَإِنَّهُ كَالنَّصِّ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْفَسْخِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ طَوَافِهِمْ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَهُمَا أَنْ يَفْسَخَا نِيَّتَهُمَا بِالْحَجِّ.
زَادَ الْمُصَنِّفُ: إذَا طَافَا وَسَعَيَا.
فَيَنْوِيَانِ بِإِحْرَامِهِمَا ذَلِكَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، فَإِذَا فَرَغَا مِنْهَا وَحَلَّا أَحْرَمَا بِالْحَجِّ، لِيَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْنِ، وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ، وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ: لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ وُجُوبَ الْفَسْخِ لَمْ يَبْعُدْ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجِبُ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ عَدَمَ مَسَاغِهِ.
نَقَلَهُ فِي الْفَائِقِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ هَدْيًا، فَيَكُونُ عَلَى إحْرَامِهِ) . هَذَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ فَسْخِ الْقَارِنِ وَالْمُفْرِدِ حَجَّهُمَا إلَى الْعُمْرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَيَأْتِي حِكَايَةً بَعْدَ هَذَا، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: كَوْنُهُ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ.

قَوْلُهُ (لَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ هَدْيًا: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، فَعَلَى هَذَا: يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إذَا طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ بِالْحَلْقِ، فَإِذَا ذَبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْهُمَا مَعًا، نَصَّ عَلَيْهِ.

نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: الْهَدْيُ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فِي الْعَشْرِ وَغَيْرِهِ.
وَهَذَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَحِلُّ كَمَنْ يُهْدِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى.
قَالَهُ الْقَاضِي وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ أَيْضًا: فِيمَنْ يَعْتَمِرُ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا وَمَعَهُ هَدْيٌ لَهُ أَنْ يُقَصِّرَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ خَاصَّةً، وَعَنْهُ إنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ: نَحَرَ الْهَدْيَ وَحَلَّ، وَنَقَلَ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى فِيمَنْ قَدِمَ مُتَمَتِّعًا مَعَهُ هَدْيٌ: إنْ قَدِمَ فِي شَوَّالٍ نَحْوَهُ وَحَلَّ.
وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ، وَإِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ لَمْ يَحِلَّ، فَقِيلَ لَهُ: خَبَرُ مُعَاوِيَةَ؟ فَقَالَ: إنَّمَا حَلَّ بِمِقْدَارِ التَّقْصِيرِ، قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُهُ يَتَحَلَّلُ قَبْلَ الْعَشْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطُولُ إحْرَامُهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ.
وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، وَيَأْتِي هَذَا أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: حَيْثُ صَحَّ الْفَسْخُ: فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ دَمٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ بِنِيَّةِ الْفَسْخِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يُكْرَهُ ذَلِكَ.
وَاقْتَصَرَ فِي الْفُرُوعِ عَلَى حِكَايَةِ قَوْلِهِمَا.

قَوْلُهُ (وَالْمَرْأَةُ إذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ قَبْلَ فَوْتِ الْحَجِّ: أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَصَارَتْ قَارِنَةً) نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَمْ تَقْضِ طَوَافَ الْقُدُومِ)

وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
كَذَا الْحُكْمُ لَوْ خَافَ غَيْرُهَا فَوَاتَ الْحَجِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ دَمُ الْقِرَانِ، وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْعُمْرَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، بِأَنْ نَوَى نَفْسَ الْإِحْرَامِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا صَحَّ، وَلَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَجْعَلُهُ عُمْرَةً، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: يَجْعَلُهُ عُمْرَةً، وَقَالَ الْقَاضِي: يَجْعَلُهُ عُمْرَةً: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ أَوْلَى كَابْتِدَاءِ إحْرَامِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ شَرَطْنَا تَعْيِينَ مَا أَحْرَمَ بِهِ: بَطَلَ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ: انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ) ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، بِلَا خِلَافٍ فِيهِمَا نَعْلَمُهُ.
ثُمَّ إنْ عَلِمَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ: انْعَقَدَ مِثْلُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ إحْرَامُ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَحْرَمَ هُوَ بِهِ مُطْلَقًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُهُ لَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ إلَى مَا يَصْرِفُهُ إلَيْهِ، وَلَا إلَى مَا كَانَ صَرَفَهُ إلَيْهِ.
وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ احْتِمَالَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: يَعْمَلُ بِقَوْلِهِ، لَا بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ إحْرَامُ مَنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِهِ فَاسِدًا، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ لَنَا فِيمَا إذَا نَذَرَ عِبَادَةً فَاسِدَةً: هَلْ تَنْعَقِدُ صَحِيحَةً أَمْ لَا؟ عَلَى مَا يَأْتِي فِي النَّذْرِ، وَلَوْ جَهِلَ إحْرَامَ الْأَوَّلِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَرِيبًا، وَلَوْ شَكَّ: هَلْ أَحْرَمَ الْأَوَّلُ أَوْ لَا؟ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ

مَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ، فَيَكُونُ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَقَالَ: فَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ لَجَزَمَ بِالْإِحْرَامِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ " إنْ كَانَ مُحْرِمًا فَقَدْ أَحْرَمْت " فَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا.
وَقَالَ فِي الْكَافِي: حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ.

فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ، أَوْ عُمْرَتَيْنِ: انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا) بِلَا نِزَاعٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ مُعَلِّلًا: لِأَنَّ الزَّمَانَ يَصْلُحُ لِوَاحِدَةٍ، فَيَصِحُّ بِهِ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
قَالَ: فَدَلَّ عَلَى خِلَافٍ هُنَا.
كَأَصْلِهِ.
قَالَ: وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي قَوْلٍ، وَقَالَ أَيْضًا: يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ فِي انْعِقَادِهِ بِهِمَا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ: جَعَلَهُ عُمْرَةً) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَنَقَلَهُ أَبُو دَاوُد، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَصْرِفُهُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَحَمَلَ الْقَاضِي نَصَّ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ جَائِزٌ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ فَأُنْسِيهِ، أَوْ أَحْرَمَ بِهِ مُطْلَقًا، ثُمَّ عَيَّنَهُ بِتَمَتُّعٍ أَوْ إفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ: جَازَ، وَسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُهُ إلَّا النَّاسِيَ لِنُسُكِهِ إذَا عَيَّنَهُ بِقِرَانٍ، أَوْ بِتَمَتُّعٍ وَقَدْ سَاقَ الْهَدْيُ، فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ عَنْ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ، وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ وَجْهَيْنِ: هَلْ يَجْعَلُهُ عُمْرَةً أَوْ مَا شَاءَ؟ . فَائِدَةٌ: لَوْ عَيَّنَ الْمَنْسِيُّ بِقِرَانٍ: صَحَّ حَجُّهُ.
وَلَا دَمَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ دَمُ قِرَانٍ احْتِيَاطًا، وَقِيلَ: وَتَصِحُّ عُمْرَتُهُ، بِنَاءً عَلَى إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لِحَاجَةٍ، فَيَلْزَمُهُ دَمُ قِرَانٍ، وَلَوْ عَيَّنَهُ بِتَمَتُّعٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ، وَيَلْزَمُهُ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَيُجْزِيهِ عَنْهُمَا.

وَلَوْ كَانَ شَكُّهُ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ جَعَلَهُ عُمْرَةً؛ لِامْتِنَاعِ إدْخَالِ الْحَجِّ إذَنْ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، فَإِذَا سَعَى وَحَلَقَ: فَمَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ: يُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَيُتَمِّمُهُ وَيُجْزِئُهُ.
وَيَلْزَمُهُ دَمُ الْحَلْقِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَإِنْ كَانَ حَاجًّا وَإِلَّا قَدَّمَ مُتْعَةً، وَلَوْ كَانَ شَكُّهُ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ: وَجَعَلَهُ حَجًّا أَوْ قِرَانًا: تَحَلَّلَ بِفِعْلِ الْحَجِّ.
وَلَمْ يُجْزِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلنُّسُكِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَنْسِيَّ عُمْرَةٌ، فَلَا يَصِحُّ إدْخَالُهُ عَلَيْهَا بَعْدَ طَوَافِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَجٌّ، فَلَا يَصِحُّ إدْخَالُهَا عَلَيْهِ، وَلَا دَمَ، وَلَا قَضَاءَ؛ لِلشَّكِّ فِي سَبَبِهِمَا.

فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ رَجُلَيْنِ: وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) . بِلَا نِزَاعٍ وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ: وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمْ.
وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصْرِفُهُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَعِنْدِي لَهُ صَرْفُهُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: لَوْ طَافَ شَوْطًا، أَوْ سَعَى، أَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ جَعْلِهِ لِأَحَدِهِمَا: تَعَيَّنَ جَعْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَعَنْهُ يَبْطُلُ، كَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَيَضْمَنُ.

فَائِدَةٌ: يُؤَدَّبُ مَنْ أَخَذَ مِنْ اثْنَيْنِ حَجَّتَيْنِ لِيَحُجَّ عَنْهُمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، لِفِعْلِهِ مُحْرِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ.
فَإِنْ اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ فِي عَامٍ فِي نُسُكٍ فَأَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَنَسِيَهُ، أَوْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَتُهُ، فَإِنْ فَرَّطَ أَعَادَ الْحَجَّ عَنْهُمَا، وَإِنْ فَرَّطَ الْمُوصَى إلَيْهِ بِذَلِكَ غَرِمَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمِنْ تَرِكَةِ الْمُوصِيَيْنِ، إنْ كَانَ النَّائِبُ غَيْرَ مُسْتَأْجِرٍ لِذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَاهُ وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَنْسَهُ: صَحَّ، وَلَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ لِلْآخَرِ بَعْدُ، نَصَّ عَلَيْهِ.

قُلْت: قَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُمْكِنُ فِعْلُ حَجَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، بِأَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَطُوفَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ بِيَسِيرٍ.
ثُمَّ يُدْرِكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى) . يَعْنِي إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ.
قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ ابْتِدَاءُ التَّلْبِيَةِ عَقِبَ إحْرَامِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ التَّلْبِيَةُ حِينَ يُحْرِمُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَنَقَلَ حَرْبٌ: يُلَبِّي مَتَى شَاءَ سَاعَةَ يُسَلِّمُ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدُ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ.
اخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ.
الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَبِّيَ عَنْ أَخْرَسَ وَمَرِيضٍ.
نَقَلَهُ ابْنُ إبْرَاهِيمَ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَعَنْ مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ.
زَادَ بَعْضُهُمْ: وَنَائِمٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ: أَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ الْمَفْهُومَةَ كَنُطْقِهِ.
قُلْت: الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ بِالتَّلْبِيَةِ تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ بِهَا، حَيْثُ عَلِمْنَا إرَادَتَهُ لِذَلِكَ.
تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (لَبَّى تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ إلَى آخِرِهِ ") . أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، فَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لَا يُكْرَهُ

عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ: تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: لَهُ الزِّيَادَةُ بَعْدَ فَرَاغِهَا، لَا فِيهَا.
الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا) الْإِطْلَاقُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ لَوْ أَحْرَمَ مِنْ بَلَدِهِ، لَكِنْ الْأَصْحَابُ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إظْهَارُهَا فِي مَسَاجِدِ الْحِلِّ وَأَمْصَارِهَا، وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ: إذَا أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ حَتَّى يَبْرُزَ، فَيَكُونُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَطْلَقَ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ.
وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: لَا يُلَبِّي بِوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ؛ لِعَدَمِ نَقْلِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا) . يَعْنِي يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّلْبِيَةِ بِلَا نِزَاعٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا بَعْدَهَا: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. الثَّانِيَةُ: لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ التَّلْبِيَةِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَ لَهُ الْأَثْرَمُ: مَا شَيْءٌ يَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ؟ يُكَبِّرُونَ دُبُرَ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا.
فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ؟ قُلْت: أَلَيْسَ يُجْزِيهِ مَرَّةٌ؟ قَالَ: بَلَى؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ التَّلْبِيَةُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِتَلْبِيَتِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: تَكْرَارُهُ ثَلَاثًا حَسَنٌ، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.

قَوْلُهُ (وَيُلَبِّي إذَا عَلَا نَشْزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِذَا الْتَقَتْ الرِّفَاقُ) . بِلَا نِزَاعٍ.
وَيُلَبِّي أَيْضًا إذَا سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ أَتَى مَحْظُورًا نَاسِيًا، أَوْ رَكِبَ دَابَّةً.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ نَزَلَ عَنْهَا، وَزَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ، إلَّا بِمِقْدَارِ مَا تَسْمَعُ رَفِيقَتُهَا) السُّنَّةُ: أَنْ لَا تَرْفَعَ صَوْتَهَا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، وَيُكْرَهُ جَهْرُهَا بِهَا أَكْثَرَ مِنْ إسْمَاعِ رَفِيقَتِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَمَنَعَهَا فِي الْوَاضِحِ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ أَذَانٍ أَيْضًا.
هَذَا الْحُكْمُ إذَا قُلْنَا إنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ عَوْرَةٌ، فَإِنَّهَا تُمْنَعُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى إسْمَاعِ نَفْسِهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَفِي كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْمُصَنِّفِ، وَصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ، وَجَمَاعَةٍ: لَا تَجْهَرُ إلَّا بِقَدْرِ مَا تَسْمَعُ رَفِيقَتُهَا.
فَوَائِدُ الْأُولَى: لَا تُشْرَعُ التَّلْبِيَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا.
قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْكُرَ نُسُكَهُ فِي التَّلْبِيَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَنَصَرَاهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ.
وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ، جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَأَطْلَقَهَا فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ ذِكْرُهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.
اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَحَيْثُ ذَكَرَهُ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَارِنِ ذِكْرُ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَذْكُرُ الْحَجَّ قَبْلَ الْعُمْرَةِ فَيَقُولُ " لَبَّيْكَ حَجًّا وَعُمْرَةً ". الثَّالِثَةُ: لَا بَأْسَ بِالتَّلْبِيَةِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ.
قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُ، وَحَكَى الْمُصَنِّفُ: عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يُلَبِّي؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِذِكْرٍ يَخُصُّهُ.

فَعَلَى الْأَوَّلِ: قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُظْهِرُ التَّلْبِيَةَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمْ: لَا يُسْتَحَبُّ إظْهَارُهَا فِيهِ.
وَمَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي: يُكْرَهُ إظْهَارُهَا فِيهِ.
وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ وَجْهًا: يُسَنُّ إظْهَارُهَا فِيهِ.
وَأَمَّا فِي السَّعْيِ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ أَنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ، وَهُوَ مُرَادُ أَصْحَابِنَا.
الرَّابِعَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُلَبِّيَ الْحَلَالُ.
ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يُكْرَهُ؛ لِعَدَمِ نَقْلِهِ.
قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي أَثْنَاءِ التَّلْبِيَةِ وَمُخَاطَبَتَهُ حَتَّى بِسَلَامٍ وَرَدَّهُ مِنْهُ كَالْأَذَانِ.
انْتَهَى.
قُلْت: قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ.
فَإِنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ رَدَّ، وَبَنَى.
تَنْبِيهٌ: هَذِهِ أَحْكَامُ فِعْلِ التَّلْبِيَةِ أَمَّا وَقْتُ قَطْعِهَا: فَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ، فَلْيُعَاوِدْ.

[بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ]

ِ قَوْلُهُ (وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ) . يُمْنَعُ مِنْ إزَالَةِ الشَّعْرِ إجْمَاعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: إنْ أَزَالَ شَعْرَ الْأَنْفِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ لِعَدَمِ التَّرَفُّهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ خِلَافُهُ.
وَهُوَ أَظْهَرُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً: أَنَّ تَقْلِيمَ الْأَظَافِرِ كَحَلْقِ الشَّعْرِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا: لَا شَيْءَ فِي تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَحَكَى الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَبِعَهُ

رِوَايَةً: لَا شَيْءَ فِيهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ [وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ] وَلَمْ أَجِدْهُ لِغَيْرِهِ [وَعِبَارَتُهُ فِي الْمُغْنِي، فِي بَابِ الْفِدْيَةِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِ أَظْفَارِهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِأَخْذِهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ: حَمَّادٍ.
وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ فِدْيَةٌ انْتَهَى.
هَذَا لَفْظُهُ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ قَوْلَهُ " وَعَنْهُ " يَعُودُ إلَى عَطَاءٍ، لَا إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ.
نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ] . قَوْلُهُ (فَمَنْ حَلَقَ، أَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةً: فَعَلَيْهِ دَمٌ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَنَصَرَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّرْحِ، وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ.
(وَعَنْهُ لَا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا فِي أَرْبَعِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا) . نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً: لَا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا فِي خَمْسٍ فَصَاعِدًا.
وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا وَجْهَ لَهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ أَضْعَفُهَا، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي التَّلْخِيصِ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا: لَا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا فِيمَا يُمَاطُ بِهِ الْأَذَى، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْمُخْتَارُ تَعَلُّقُ الدَّمِ بِمِقْدَارِ تَرَفُّهِهِ بِإِزَالَتِهِ.
قَوْلُهُ (وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ

عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَاتِ، وَالْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ: الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَغَيْرِهِمْ.
انْتَهَى.
(وَعَنْهُ قَبْضَةٌ) لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ مِنْ الشَّارِعِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ.
(وَعَنْهُ دِرْهَمٌ، وَعَنْهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ، وَعَنْهُ دِرْهَمٌ أَوْ نِصْفُهُ) ذَكَرَهَا أَصْحَابُ الْقَاضِي، وَخَرَّجَهَا الْقَاضِي مِنْ لَيَالِي مِنًى، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَلْزَمُ عَلَى تَخْرِيجِ الْقَاضِي أَنْ يَخْرُجَ: أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَجِبَ دَمٌ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي لَيَالِي مِنًى، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجًا: يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ أَوْ ظُفُرٍ ثُلُثُ دَمٍ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ حُلِقَ رَأْسُهُ بِإِذْنِهِ: فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ) . يَعْنِي عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَفِي الْفُصُولِ احْتِمَالٌ: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْحَالِقِ إذَا كَانَ مُحْرِمًا، كَشَعْرِ الصَّيْدِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.

فَائِدَةٌ: لَوْ حُلِقَ رَأْسُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ وَلَمْ يَنْهَهُ فَقِيلَ: الْفِدْيَةُ عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ، كَوَدِيعَةٍ.
صَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ الْكَافِي.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنَوِّرِ، وَقِيلَ: عَلَى الْحَالِقِ كَإِتْلَافِهِ مَالَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا، أَوْ نَائِمًا، فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ، وَذَكَرَ فِي الْإِرْشَادِ وَجْهًا: أَنَّ الْقَرَارَ عَلَى الْحَالِقِ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا: أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَيَأْتِي إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْحَلْقِ وَحَلَقَ بِنَفْسِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْفِدْيَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلَالٍ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَفِي الْفُصُولِ احْتِمَالٌ: يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْحَالِقِ.

فَائِدَةٌ لَوْ طَيَّبَ غَيْرَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَالِقِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ قُلْت: لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْمُطَيِّبِ الْمُحْرِمِ: لَكَانَ مُتَّجَهًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ لَا يَسْلَمُ مِنْ الرَّائِحَةِ.
بِخِلَافِ الْحَلْقِ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: أَوْ أَلْبَسَ غَيْرَهُ.
فَكَالْحَالِقِ.
قَوْلُهُ (وَقَطْعُ الشَّعْرِ وَنَتْفُهُ كَحَلْقِهِ) وَكَذَا قَطْعُ بَعْضِ الظُّفُرِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا: يَجِبُ عَلَيْهِ بِنِسْبَتِهِ، كَأُنْمُلَةِ إصْبَعٍ.
وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِأَبِي حَكِيمٍ.
ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
وَذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ قَوْلًا.
قَوْلُهُ (وَشَعْرُ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهَادِي.
وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ مُنْفَرِدٌ.
نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي

وَابْنُ عَقِيلٍ، وَجَمَاعَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: إنْ أَزَالَ شَعْرَ الْأَنْفِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ لِعَدَمِ التَّرَفُّهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الرِّوَايَتَيْنِ: لَوْ قَطَعَ مِنْ رَأْسِهِ شَعْرَتَيْنِ، وَمِنْ بَدَنِهِ شَعْرَتَيْنِ: فَيَجِبُ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ.

فَائِدَةٌ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ: أَنَّ فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً وَاحِدَةً، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي اللُّبْسِ، وَتَبِعَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَا: أَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ (وَإِنْ خَرَجَ فِي عَيْنَيْهِ شَعْرٌ فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعْرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ فَقَصَّهُ، أَوْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ) . يَعْنِي: قَصَّ مَا احْتَاجَ إلَى قَصِّهِ (أَوْ قَطَعَ جِلْدًا عَلَيْهِ شَعْرٌ: فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) وَكَذَا لَوْ افْتَصَدَ فَزَالَ الشَّعْرُ؛ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يُضْمَنُ.
أَوْ حَجَمَ، أَوْ احْتَجَمَ وَلَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي الْفَصْدِ مِثْلُهُ.
وَالْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: إنْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَآذَاهُ: قَطَعَهُ وَفَدَى.

[فَوَائِدُ]

ُ الْأُولَى: لَوْ حَصَلَ لَهُ أَذًى مِنْ غَيْرِ الشَّعْرِ، كَشِدَّةِ حَرٍّ وَقُرُوحٍ وَصُدَاعٍ: أَزَالَهُ، وَفَدَى، كَأَكْلِ صَيْدٍ لِضَرُورَةٍ.

الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لَهُ تَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ، وَلَا فِدْيَةَ بِقَطْعِهِ بِلَا تَعَمُّدٍ.
نَقَلَهُ ابْنُ إبْرَاهِيمَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إنْ بَانَ بِمُشْطٍ أَوْ تَخْلِيلٍ: فَدَى.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنْ خَلَّلَهَا فَسَقَطَ شَعْرٌ، أَوْ كَانَ مَيِّتًا: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ لَهُ حَكُّ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ بِرِفْقٍ، نَصَّ عَلَيْهِ.
مَا لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا، وَقِيلَ: غَيْرُ الْجُنُبِ لَا يَحُكُّهُمَا بِيَدَيْهِ وَلَا يَحُكُّهُمَا بِمُشْطٍ وَلَا ظُفْرٍ.
الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ غَسْلُهُ فِي حَمَّامٍ وَغَيْرِهِ بِلَا تَسْرِيحٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ قَوْلُ: إنَّ تَرْكَ غَطْسِهِ فِي الْمَاءِ وَتَغْيِيبَ رَأْسِهِ أَوْلَى، أَوْ الْجَزْمُ بِهِ.
الْخَامِسَةُ: يَجُوزُ لَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ وَيَفْدِي.
نَقَلَ صَالِحٌ: قَدَّ رَجُلٌ شَعْرَهُ، وَلَعَلَّهُ يَقْطَعُهُ مِنْ الْغَسْلِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ: حَكَى صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمَا فِي الْفِدْيَةِ: رِوَايَتَيْنِ، وَقَدَّمُوا مَذْهَبَ الْوُجُوبِ.
وَقِيلَ: الرِّوَايَتَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَحْرُمُ فَدَى، وَإِلَّا فَلَا.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
كَالِاسْتِظْلَالِ بِالْمَحْمَلِ عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ احْتَاجَ إلَى قَطْعِهِ بِحِجَامَةٍ أَوْ غَسْلٍ: لَمْ يَضُرَّهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.

تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (الثَّالِثُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ) ، تَقَدَّمَ فِي بَابِ السِّوَاكِ: أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ.

وَأَنَّ مَا فَوْقَهُمَا مِنْ الْبَيَاضِ مِنْ الرَّأْسِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ: مَا هُوَ مِنْ الرَّأْسِ، وَمَا هُوَ مِنْ الْوَجْهِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى، فَمَا كَانَ مِنْ الرَّأْسِ حَرُمَ تَغْطِيَتُهُ هُنَا، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
قَوْلُهُ (فَمَتَى غَطَّاهُ بِعِمَامَةٍ، أَوْ خِرْقَةٍ، أَوْ قِرْطَاسٍ فِيهِ دَوَاءٌ، أَوْ غَيْرِهِ أَوْ عَصَبَهُ وَلَوْ بِسَيْرٍ، أَوْ طَيَّنَهُ بِطِينٍ، أَوْ حِنَّاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ بِنَوْرَةٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) .

فَائِدَةٌ فِعْلُ بَعْضِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَفِعْلِهِ كُلِّهِ فِي التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ اسْتَظَلَّ بِالْمَحْمَلِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) ، وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ، كَالْهَوْدَجِ، وَالْعِمَادِيَّةِ، وَالْمِحَفَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِظْلَالِ.
وَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
. إحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ، وَهُوَ [الصَّحِيحُ مِنْ] الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمُخْتَارُ لِأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ.
حَتَّى إنَّ الْقَاضِيَ فِي التَّعْلِيقِ وَفِي غَيْرِهِ، وَابْنَ الزَّاغُونِيِّ، وَصَاحِبَ الْعُقُودِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَجَمَاعَةً: لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ، وَالرَّاوِيَةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ، اخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَا: هِيَ الظَّاهِرُ عَنْهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ.
وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ.
قَالَ الْقَاضِي مُوَفَّقُ الدِّينِ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُحَرَّرِ [وَالْفُرُوعِ] وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِفِعْلِ ذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ " فَمَتَى فَعَلَ كَذَا كَذَا، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ اسْتَظَلَّ بِالْمَحْمَلِ: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ". فَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ مُنَجَّى، وَفِيهَا رِوَايَاتٌ.
إحْدَاهَا: لَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِفِعْلِ ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ.
قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ.
قَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَلَا يَسْتَظِلُّ بِمَحْمَلٍ فِي رِوَايَةٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، عَلَى مَا اصْطَلَحْنَا عَلَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِفِعْلِ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْإِفَادَاتِ، وَتَذْكِرَةُ ابْنِ عَقِيلٍ، وَعُقُودُ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْإِيضَاحُ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْفُصُولِ.
وَالْمُبْهِجِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: إنْ كَثُرَ الِاسْتِظْلَالُ: وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.
تَنْبِيهٌ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَحَلِّ الرِّوَايَتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ: فَعِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدِ، وَالشَّارِحِ، وَابْنِ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُمَا مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِظْلَالِ وَعَدَمِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا يَحْرُمُ: وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ حَمْدَانَ، وَعِنْدَ الْقَاضِي، وَصَاحِبِ الْمُبْهِجِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُمَا مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ فِي الِاسْتِظْلَالِ.

إذْ لَا جَوَازَ عِنْدَهُمْ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَثْنِي الْيَسِيرَ فَيُبِيحُهُ، وَلَا يُوجِبُ فِيهِ فِدْيَةً كَمَا تَقَدَّمَ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: وَكَذَا الْخِلَافُ وَالْحُكْمُ إذَا اسْتَظَلَّ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ نَازِلًا وَرَاكِبًا.
قَالَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
الثَّانِيَةُ: لَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ وَعَدَمِهِ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ، وَفِيمَا لَا فِدْيَةَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ قَصَدَ بِهِ السَّتْرَ فَدَى، مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ بِحَمْلِ شَيْءٍ عَلَى رَأْسِهِ السَّتْرَ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ تَلْبِيدُ رَأْسِهِ بِغَسْلٍ أَوْ صَمْغٍ وَنَحْوِهِ؛ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ غُبَارٌ أَوْ دَبِيبٌ وَلَا يُصِيبَهُ شُعْثٌ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا، أَوْ نَصَبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا، أَوْ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ، أَوْ شَجَرَةٍ، أَوْ بَيْتٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ، وَلَوْ قَصَدَ بِهِ السَّتْرَ.
لَمْ يَسْتَثْنِ ابْنُ عَقِيلٍ إذَا حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا وَقَصَدَ السَّتْرَ بِهِ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ.
قَوْلُهُ (وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ رِوَايَتَانِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.
إحْدَاهُمَا: يُبَاحُ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.

قُلْت: مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَجَامِعِهِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْجَوَازُ أَصَحُّ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُصُولِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَتَمَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا وَغَيْرِهِمَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِتَغْطِيَتِهِ.
نَقَلَهَا الْأَكْثَرُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُبْهِجِ.

قَوْلُهُ (الرَّابِعُ: لُبْسُ الْمَخِيطِ وَالْخُفَّيْنِ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إزَارًا.
فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ، أَوْ نَعْلَيْنِ، فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ.
وَلَا يَقْطَعَهُمَا، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ إنْ لَمْ يَقْطَعْ الْخُفَّيْنِ إلَى دُونِ الْكَعْبَيْنِ: فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَجَبُ مِنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَذَا يَعْنِي فِي قَوْلِهِ " بِعَدَمِ الْقَطْعِ " فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ، وَقُلْت: سُنَّةً لَمْ تَبْلُغْهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قُلْت: وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ الْخَطَّابِيِّ فِي تَوَهُّمِهِ عَنْ أَحْمَدَ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ، أَوْ خَفَائِهَا.
وَقَدْ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: احْتَجَجْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقُلْت: هُوَ زِيَادَةٌ فِي الْخَبَرِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ، وَذَاكَ حَدِيثٌ، فَقَدْ اطَّلَعَ عَلَى السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ نَظَرًا لَا يَنْظُرُهُ إلَّا الْفُقَهَاءُ الْمُتَبَصِّرُونَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَتِهِ فِي الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ.
انْتَهَى.

وَفِي الِانْتِصَارِ احْتِمَالٌ: يَلْبَسُ سَرَاوِيلَ لِلْعَوْرَةِ فَقَطْ.
وَيَأْتِي فِي أَوَّلِ جَزَاءِ الصَّيْدِ: إذَا لَبِسَ مُكْرَهًا.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَلَا يَقْطَعَهُمَا) . أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ إفْسَادٌ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا بِالنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَجَوَّزَ الْقَطْعَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَنَّ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ: كَرَاهَتُهُ لِغَيْرِ إحْرَامٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى قَطْعُهُمَا، عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَخُرُوجًا عَنْ حَالِهِمَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ.
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: الرَّانُ.
كَالْخُفِّ فِيمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ لَبِسَ مَقْطُوعًا، دُونَ الْكَعْبَيْنِ، مَعَ وُجُودِ نَعْلٍ: لَمْ يَجُزْ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ.
وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخُفٍّ، فَلُبْسُ اللَّالَكَةِ وَالْجُمْجُمِ وَنَحْوِهِمَا: يَجُوزُ، عَلَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ، وَقَالَ

الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَقِيَاسُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي اللَّالَكَةِ وَالْجُمْجُمِ: عَدَمُ لُبْسِهِمَا.
لَا مَعَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ وَجَدَ نَعْلًا لَا يُمْكِنُهُ لُبْسُهَا: لَبِسَ الْخُفَّ، وَلَا فِدْيَةَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ بِلُبْسِ الْخُفِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
قُلْت: هَذَا الْمَذْهَبُ.
الرَّابِعَةُ: يُبَاحُ النَّعْلُ كَيْفَمَا كَانَتْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
لِإِطْلَاقِ إبَاحَتِهَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَعَنْهُ تَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي عَقِبِ النَّعْلِ أَوْ قَيْدِهَا.
وَهُوَ السَّيْرُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الزِّمَامِ، وَذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ، وَقَالَ الْقَاضِي: مُرَادُهُ الْعَرِيضَيْنِ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فِيهَا.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ " لَبِسَ الْمَخِيطَ " مَا عُمِلَ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ، وَهَذَا إجْمَاعٌ، وَلَوْ كَانَ دِرْعًا مَنْسُوجًا، أَوْ لِبْدًا مَعْقُودًا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: بِمَا عُمِلَ عَلَى قَدْرِهِ وَقُصِدَ بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَادٍ، كَجَوْرَبٍ فِي كَفٍّ، وَخُفٍّ فِي رَأْسٍ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
فَائِدَتَانِ.
الْأُولَى: لَا يُشْتَرَطُ فِي اللُّبْسِ أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا، بَلْ الْكَثِيرُ وَالْقَلِيلُ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً، وَلَا رِدَاءً، وَلَا غَيْرَهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْكِمَهُ بِشَوْكَةٍ، أَوْ إبْرَةٍ، أَوْ خَيْطٍ، وَلَا يَزُرَّهُ فِي عُرْوَتِهِ وَلَا يَغْرِزَهُ فِي إزَارِهِ، فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَفَدَى.

الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ شَدُّ وَسَطِهِ بِمِنْدِيلٍ وَحَبْلٍ وَنَحْوِهِمَا إذَا لَمْ يَعْقِدْهُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُحْرِمٍ حَزَمَ عِمَامَتَهُ عَلَى وَسَطِهِ لَا يَعْقِدُهَا، وَيَدْخُلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ لَهُ شَدُّ وَسَطِهِ بِحَبْلٍ وَعِمَامَةٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَبِرِدَاءٍ لِحَاجَةٍ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَعْقِدَ عَلَيْهِ مِنْطَقَةً) . اعْلَمْ أَنَّ الْمِنْطَقَةَ لَا تَخْلُو: إمَّا أَنْ تَكُونَ فِيهَا نَفَقَتُهُ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا نَفَقَتُهُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْهِمْيَانِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَفَقَتُهُ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَلْبَسَهَا لِوَجَعٍ أَوْ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ لَبِسَهَا لِوَجَعٍ أَوْ لِحَاجَةٍ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَفْدِي، وَكَذَا لَوْ لَبِسَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّرْغِيبِ رِوَايَةٌ: أَنَّ الْمِنْطَقَةَ كَالْهِمْيَانِ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ حَامِدٍ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا النَّفَقَةُ وَعَدَمُهَا، وَإِلَّا فَهُمَا سَوَاءٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ.
قَوْلُهُ (إلَّا إزَارَهُ وَهِمْيَانَهُ الَّذِي فِيهِ نَفَقَتُهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِالْعَقْدِ) أَمَّا الْإِزَارُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِالْعَقْدِ: فَلَهُ أَنْ يَعْقِدَهُ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَمَّا الْهِمْيَانُ: فَلَهُ أَيْضًا أَنْ يَعْقِدَهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِالْعَقْدِ إذَا كَانَتْ نَفَقَتُهُ فِيهِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَفِي رَوْضَةِ الْفِقْهِ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ وَلَمْ يُعْلَمْ مَنْ هُوَ مُصَنِّفُهَا: لَا يَعْقِدُ سُيُورَ الْهِمْيَانِ.
وَقِيلَ: لَا بَأْسَ، احْتِيَاطًا عَلَى النَّفَقَةِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ قَبَاءً فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
قُلْت: مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ.

وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
صَحَّحَهَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ وَغَيْرِهِمَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: إذَا طَرَحَ الْقَبَاءَ عَلَى كَتِفَيْهِ، وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَإِنْ أَدْخَلَ يَدَيْهِ: فَفِي الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ.
قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ سَهَا، وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: إنْ أَدْخَلَ إحْدَى يَدَيْهِ فَدَى.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَيَتَقَلَّدَ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) أَنَّهُ لَا يَتَقَلَّدُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ يَتَقَلَّدُ بِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ حَمْلَ السِّلَاحِ فِيهَا لَا يَجُوزُ إلَّا لِحَاجَةٍ.
نَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا يَتَقَلَّدُ بِمَكَّةَ إلَّا لِخَوْفٍ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى اللُّبْسِ عِنْدَهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: وَالْقِيَاسُ إبَاحَتُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَلْبُوسِ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُبَاحُ عِنْدَهُ فِي الْحَرَمِ.
انْتَهَى.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَا أَرَادَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ جَوَازَ التَّقَلُّدِ بِهِ لِلْمُحْرِمِ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي الْجُمْلَةِ.
أَمَّا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فِي مَكَّةَ: فَلَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا، وَكَذَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَكَذَا الرِّوَايَةُ.

فَائِدَةٌ: الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ، أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ وَجَسَدَهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ فِدْيَةٌ لِلشَّكِّ، وَإِنْ غَطَّى وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ: فَدَى؛ لِأَنَّهُ إمَّا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ.
قَدَّمَهُ فِي

الْفُرُوعِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُغَطِّي رَأْسَهُ وَيَفْدِي.
وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.

قَوْلُهُ (الْخَامِسُ: شَمُّ الْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبَةِ وَالِادِّهَانُ بِهَا) . يَحْرُمُ الِادِّهَانُ بِدُهْنٍ مُطَيِّبٍ، وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَذَكَرَ فِي الْوَاضِحِ رِوَايَةً: لَا فِدْيَةَ بِذَلِكَ.
وَيَأْتِي قَرِيبًا حُكْمُ الْأَدْهَانِ غَيْرِ الْمُطَيِّبَةِ.
قَوْلُهُ (وَأَكْلُ مَا فِيهِ طِيبٌ يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ) . إذَا أَكَلَ مَا فِيهِ طِيبٌ يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ فَدَى، وَلَوْ كَانَ مَطْبُوخًا أَوْ مَسَّتْهُ النَّارُ.
بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ رَائِحَتُهُ ذَهَبَتْ وَبَقِيَ طَعْمُهُ، فَالْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ يَحْرُمُ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَيَأْتِي إذَا اشْتَرَى طِيبًا وَحَمَلَهُ وَقَلَبَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ شَمَّهُ، عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ ".

قَوْلُهُ (وَإِنْ مَسَّ مِنْ الطِّيبِ مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) بِلَا نِزَاعٍ.
كَمِسْكٍ غَيْرِ مَسْحُوقٍ.
وَقِطَعِ كَافُورٍ، وَعَنْبَرٍ وَنَحْوِهِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ إذَا عَلِقَ بِيَدِهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ كَغَالِيَةٍ وَمَاءِ وَرْدٍ، وَقِيلَ: أَوْ جَهِلَ ذَلِكَ، كَمِسْكٍ مَسْحُوقٍ.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَيَأْتِي فِي بَابِ الْفِدْيَةِ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَإِنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ ": " لَوْ مَسَّ طِيبًا يَظُنُّهُ يَابِسًا فَبَانَ رَطْبًا: هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ أَمْ لَا "؟ .

فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَلَهُ شَمُّ الْعُودِ وَالْفَوَاكِهِ وَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى) . بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَا كُلُّ نَبَاتِ الصَّحْرَاءِ، وَمَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ لَا لِقَصْدِ الطِّيبِ كَالْحِنَّاءِ وَالْعُصْفُرِ.
وَكَذَا الْقُرُنْفُلُ وَالدَّارَصِينِيُّ وَنَحْوُهَا.
قَوْلُهُ (وَفِي شَمِّ الرَّيْحَانِ وَالنِّرْجِسِ وَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْبُرَمِ وَنَحْوِهَا وَالِادِّهَانُ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ فِي رَأْسِهِ: رِوَايَتَانِ) . شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَيْئَيْنِ.
أَحَدَهُمَا: الِادِّهَانَ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ، وَالثَّانِيَ: شَمَّ مَا عَدَا ذَلِكَ.
مِمَّا ذَكَرَهُ وَنَحْوُهُ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ.
أَحَدِهِمَا: مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ لِلطِّيبِ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، كَالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ، وَالنَّمَّامِ، وَالْبُرَمِ، وَالنِّرْجِسِ، وَالْمَرْزَجُوشِ وَنَحْوِهَا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُبَاحُ شَمُّهُ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ.
وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ.
وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ شَمُّهُ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ.
وَصَحَّحَ فِي التَّصْحِيحِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي شَمِّ الرَّيْحَانِ.
وَأَوْجَبَ الْفِدْيَةَ فِي شَمِّ النِّرْجِسِ، وَالْبُرَمِ، وَهُوَ غَرِيبٌ أَعْنِي التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الرَّيْحَانِ وَغَيْرِهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ: لَا فِدْيَةَ فِيهِ، وَأَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ " لَيْسَ مِنْ آلَةِ الْمُحْرِمِ " لِلْكَرَاهِيَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَيْضًا: رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ يَحْرُمُ شَمُّ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يُنْبَتُ لِلطِّيبِ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ،

وَالْخَيْرِيِّ وَهُوَ الْمَنْثُورُ وَاللِّينُوفَرِ، وَالْيَاسَمِينِ.
وَهُوَ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الزِّئْبَقُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ شَمُّهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إنْ شَمَّهُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَالْكَافِي، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَابْنُ الْبَنَّا فِي عُقُودِهِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُبَاحُ شَمُّهُ، وَلَا فِدْيَةَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
تَنْبِيهَانِ.
الْأَوَّلُ: مُرَادُهُ بِالرَّيْحَانِ: الرَّيْحَانُ الْفَارِسِيُّ، صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ: وَلَهُ شَمُّ رَيْحَانٍ، وَعَنْهُ بَرِّيٌّ.
الثَّانِي: تَابَعَ الْمُصَنِّفُ أَبَا الْخَطَّابِ فِي حِكَايَةِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَتَابَعَ أَبَا الْخَطَّابِ أَيْضًا: صَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ، وَحَكَى الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي فِي الرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ: الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي سَائِرِ النَّبَاتِ الطَّيِّبِ الرَّائِحَةِ، الَّذِي لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ: وَجْهَانِ.
قِيَاسًا عَلَى الرَّيْحَانِ، وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ: أَنَّ جَمِيعَ الْقِسْمَيْنِ فِيهِ وَجْهَانِ: فِي الرَّيْحَانِ وَغَيْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ: فِي الْجَمِيعِ الرِّوَايَتَانِ.
انْتَهَى.
فَتَلَخَّصَ لِلْأَصْحَابِ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ: ثَلَاثُ طُرُقٍ [فَائِدَةٌ: الرَّيْحَانُ وَغَيْرُهُ وَنَحْوُهُ كَأَصْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَفِي الْفُصُولِ احْتِمَالٌ بِالْمَنْعِ كَمَاءِ وَرْدٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ انْتَهَى] أَمَّا الِادِّهَانُ بِدُهْنٍ لَا طِيبَ فِيهِ، كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ، وَدُهْنِ الْبَانِ السَّاذَجِ

وَنَحْوِهَا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ: جَوَازُ ذَلِكَ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ.
أَوْ يَدَّهِنُ فِي رَأْسِهِ بِالشَّيْرَجِ أَوْ زَيْتِ الْمَنْصُوصِ لَا مَنْ خَرَجَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْبَنَّا فِي عُقُودِهِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَدَمُ الْجَوَازِ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ.
قُلْت: قَالَ الْخِرَقِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: لَا يَدَّهِنُ بِمَا فِيهِ طِيبٌ، وَلَا مَا لَا طِيبَ فِيهِ، فَعَطَفَهُ عَلَى مَا فِيهِ الْفِدْيَةُ، وَالظَّاهِرُ: التَّسَاوِي.
وَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ.
الثَّالِثُ: قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرِّوَايَةُ نَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَالشَّرْحِ، وَلَكِنْ إنَّمَا حَكَى الْخِلَافَ فِي التَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ.
لَا فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ.
تَنْبِيهَاتٌ.
الْأَوَّلُ: شَمِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " الِادِّهَانَ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ " الزَّيْتَ وَالشَّيْرَجَ، وَالسَّمْنَ وَالشَّحْمَ، وَالْبَانَ السَّاذَجَ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَاقْتَصَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ عَلَى الزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَنَّ السَّمْنَ كَالزَّيْتِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فِي رَأْسِهِ " أَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِالرَّأْسِ فَقَطْ، وَفِي غَيْرِهِ: يَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحِ، وَتَبِعَهُمَا ابْنُ مُنَجَّى، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ.
كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ " وَالْوَجْهُ " وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا

فِي دَهْنِ شَعْرِهِ " فَلَمْ يَخُصَّ الرَّأْسَ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الرِّوَايَتَانِ فِي رَأْسِهِ وَيَدَيْهِ.
قُلْت: وَعَلَى هَذَا الْأَكْثَرُ، كَالْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي، وَصَاحِبِ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِينَ.
قُلْت: وَرَدَ النَّصُّ عَنْ أَحْمَدَ بِالْمَنْعِ فِي الرَّأْسِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ أَجْرَى الْخِلَافَ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ: نَظَرَ إلَى تَعْلِيلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِالشُّعْثِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْبَدَنِ، وَفِي الرَّأْسِ أَكْثَرُ.
الثَّالِثُ: حَيْثُ قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ، فَإِنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
قَالَ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ، وَاخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ.
انْتَهَى.
قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَلَمْ يُوجِبْ الْمُصَنِّفُ الْفِدْيَةَ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَيْضًا فِي تَعْلِيقِهِ، لَكِنَّهُ جَعَلَ الْمَنْعَ مِنْ أَحْمَدَ بِمَعْنَى الْكَرَاهَةِ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ لِيَشُمَّ الطِّيبَ فَشَمَّهُ) مِثْلَ مَنْ قَصَدَ الْكَعْبَةَ حَالَ تَجْمِيرِهَا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَمَتَى قَصَدَ شَمَّ الطِّيبِ: حَرُمَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إذَا شَمَّ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: يُبَاحُ ذَلِكَ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ لِمُشْتَرِي الطِّيبِ حَمْلُهُ وَنَقْلُهُ، إذَا لَمْ يَشُمَّهُ وَلَوْ ظَهَرَ رِيحُهُ.
لِأَنَّهُ

لَمْ يَقْصِدْ الطِّيبَ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَيَتَوَجَّهُ وَلَوْ عَلِقَ بِيَدِهِ، لِعَدَمِ الْقَصْدِ، وَلِحَاجَةِ التِّجَارَةِ، وَعَنْ ابْنِ عَقِيلٍ: إنْ حَمَلَهُ مَعَ ظُهُورِ رِيحِهِ: لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَصْلُحُ لِلْعَطَّارِ يَحْمِلُهُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا مَا لَا رِيحَ لَهُ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ، أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ جَاهِلًا، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ جَاهِلًا، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي لِخَصْمِهِ: يَجِبُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (السَّادِسُ: قَتْلُ الصَّيْدِ، وَاصْطِيَادُهُ، وَهُوَ مَا كَانَ وَحْشِيًّا مَأْكُولًا) ، وَهَذَا فِي قَتْلِهِ الْجَزَاءُ إجْمَاعًا، مَعَ تَحْرِيمِهِ.
إلَّا أَنَّ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ رِوَايَةً: لَا جَزَاءَ فِيهَا، عَلَى مَا يَأْتِي.
وَيَأْتِي إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا فِي بَابِ الْفِدْيَةِ.
قَوْلُهُ (أَوْ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ) شَمِلَ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مُتَوَلِّدٌ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ، وَقِسْمٌ مُتَوَلِّدٌ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ.
وَكِلَاهُمَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ.
قَوْلًا وَاحِدًا، وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: مَا أُكِلَ أَبَوَاهُ، فُدِيَ، وَحَرُمَ قَتْلُهُ، وَكَذَا مَا أُكِلَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ دُونَهُ، وَقِيلَ: لَا يُفْدَى، كَمُحَرَّمِ الْأَبَوَيْنِ.
انْتَهَى.
وَفِي الْفُرُوعِ هُنَا سَهْوٌ فِي النَّقْلِ مِنْ الرِّعَايَةِ.
تَنْبِيهٌ: يَأْتِي حُكْمُ غَيْرِ الْوَحْشِيِّ، وَمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَرَمِ وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ ". انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَيَضْمَنُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ إبْرَاهِيمَ، وَأَبُو الْحَارِثِ فِي الدَّالِّ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ فِي الْمُشِيرِ، وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ فِي الْمُشِيرِ وَفِي الَّذِي يُغَيِّرُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ

الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: إنْ كَانَتْ الدَّلَالَةُ لَهُ مُلْجِئَةً: لَزِمَهُ الْجَزَاءُ لِلْمُحْرِمِ.
كَقَوْلِهِ " دَخَلَ الصَّيْدُ فِي هَذِهِ الْمَفَازَةِ " وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُلْجِئَةٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ.
كَقَوْلِهِ " ذَهَبَ إلَى تِلْكَ الْبَرِيَّةِ " لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالسَّبَبِ مَعَ الْمُبَاشَرَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُلْجِئًا.
لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْقَاتِلِ وَالدَّافِعِ، دُونَ الْمُمْسِكِ وَالْحَافِرِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ، وَالْمُخْتَارِ: تَحْرِيمُ الدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ، دُونَ لُزُومِ الضَّمَانِ بِهِمَا، وَقَالَ أَبُو حَكِيمٍ فِي شَرْحِهِ: إذَا أَمْسَكَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا حَتَّى قَتَلَهُ الْحَلَالُ: لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْحَلَالِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُمْسِكْهُ لِيَقْتُلَهُ، بَلْ أَمْسَكَهُ لِلتَّمَلُّكِ، فَقَتَلَهُ الْحَلَالُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ عَلَى الضَّمَانِ بِقَتْلِهِ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: لَا ضَمَانَ عَلَى دَالٍّ وَمُشِيرٍ إذَا كَانَ قَدْ رَآهُ مَنْ يُرِيدُ صَيْدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مِنْ الْمُحْرِمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ ضَحِكٌ أَوْ اسْتِشْرَافٌ فَفَطِنَ لَهُ غَيْرُهُ فَصَادَهُ، أَوْ أَعَارَهُ آلَةً لِغَيْرِ الصَّيْدِ، فَاسْتَعْمَلَهَا فِيهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: لَوْ دَلَّهُ فَكَذَّبَهُ: لَمْ يَضْمَنْ.
الثَّانِيَةُ: لَا يَحْرُمُ دَلَالَةٌ عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُمَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالسَّبَبِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى الصَّيْدِ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ مُخْتَصٌّ، وَهُوَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَالْإِثْمِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً، ثُمَّ أَحْرَمَ، أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ، كَدَارِهِ، أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقٍ وَاسِعٍ: لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا ضَمِنَ، كَالْآدَمِيِّ إذَا تَلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَطْلَقَ فِي الِانْتِصَارِ ضَمَانَهُ، وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ قَتْلٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا لَمْ يَتَحَيَّلْ فَالْمَذْهَبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِذَا يَتَحَيَّلُ: فَالْخِلَافُ.
قَالَ: وَعَدَمُهُ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ.

وَقَالَ فِي الْفُصُولِ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ: فِي دِبْقٍ قَبْلَ إحْرَامِهِ لَا يَضْمَنُ بِهِ.
بَلْ بَعْدَهُ.
كَنَصْبِ أُحْبُولَةٍ، وَحَفْرِ بِئْرٍ، وَرَمْيٍ، اعْتِبَارًا بِحَالَةِ النَّصْبِ وَالرَّمْيِ، وَيُحْتَمَلُ الضَّمَانُ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِصَابَةِ، وَقَالَ أَيْضًا: يَتَصَدَّقُ مَنْ آذَاهُ أَوْ أَفْزَعَهُ بِحَسَبِ أَذِيَّتِهِ اسْتِحْسَانًا.
قَالَ: وَتَقْرِيبُهُ كَلْبًا مِنْ مَكَانِ الصَّيْدِ جِنَايَةٌ، كَتَقْرِيبِهِ الصَّيْدَ مِنْ مُهْلِكَةٍ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا، فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ بَيْنَهُمَا) . يَعْنِي إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا وَالْمُتَسَبِّبُ فِي قَتْلِهِ مُحْرِمًا، فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّ الْجَزَاءَ بَيْنَهُمَا.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَإِحْدَى الرِّوَايَاتِ، اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْهِدَايَةِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْوَجِيزِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَحَكَاهُمَا فِي الْمَذْهَبِ وَجْهَيْنِ.
وَأَطْلَقَهُمَا، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: عَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمًا، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَوْمٌ تَامٌّ.
[وَلَوْ أَهْدَى وَاحِدٌ، وَصَامَ الْآخَرُ، فَعَلَى الْمُهْدِي بِحِصَّتِهِ، وَعَلَى الصَّائِمِ صَوْمٌ تَامٌّ] . نَقَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: الْجَمَاعَةُ، وَنَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: عَلَيْهَا الْأَكْثَرُ، وَقَدَّمَهَا فِي الْمُبْهِجِ، وَقَالَ: هِيَ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: لَا جَزَاءَ عَلَى مُحْرِمٍ مُمْسِكٍ مَعَ مُحْرِمٍ قَاتِلٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: لَا يَلْزَمُ مُتَسَبِّبًا مَعَ مُبَاشِرٍ.
قَالَ: وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ.
لَا سِيَّمَا إذَا أَمْسَكَهُ لِيَمْلِكَهُ، فَقَتَلَ مُحِلٌّ.
انْتَهَى.
وَقِيلَ: الْقَرَارُ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ جَعَلَ فِعْلَ الْمُمْسِكِ [عِلَّةً.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ:

وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ، وَجَزَمَ ابْنُ شِهَابٍ: أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى الْمُمْسِكِ] لِتَأَكُّدِهِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْمَالَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ ". فَوَائِدُ.
الْأُولَى: وَكَذَا الْحُكْمُ وَالْخِلَافُ لَوْ كَانَ الشَّرِيكُ سَبُعًا، فَإِنْ سَبَقَ حَلَالٌ أَوْ سَبُعٌ، فَجَرَحَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ.
فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهَا مَجْرُوحًا، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ فَجَرَحَهُ، وَقَتَلَهُ أَحَدُهُمَا، فَعَلَى الْمُحْرِمِ أَرْشُ جُرْحِهِ، فَلَوْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ: ضَمِنَ الْجَارِحُ نَقْصَهُ، وَضَمِنَ الْقَاتِلُ قِيمَةَ الْجَزَاءِ.
وَلَوْ جَرَحَ الْمُحِلُّ وَالْمُحْرِمُ مَعًا.
قِيلَ: عَلَى الْمُحْرِمِ بِقِسْطِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ جَزَاءٌ كَامِلٌ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَالشَّارِحُ.
وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي.
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ الدَّالُّ وَالشَّرِيكُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَالْمُحِلِّ مَعَ الْمُحْرِمِ: فَالْجَزَاءُ جَمِيعُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِي الْأَشْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَنَصَرَاهُ، وَقَالَا: هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ: إطْلَاقُ الْقَوْلِ.
لَمْ يُبَيِّنْ، قَالَ الْقَاضِي: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَهُ، وَيُحْتَمَلُ بِحِصَّتِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ.
فَغَلَبَ الْإِيجَابُ، قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: مُقْتَضَى الْفِقْهِ عِنْدِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْجَزَاءِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ، فَهِيَ كَمَا لَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ.
قَالَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ

وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا ضَمَانَ عَلَى دَالٍّ فِي حِلٍّ.
بَلْ عَلَى الْمَدْلُولِ وَحْدِهِ كَحَلَالٍ دَلَّ مُحْرِمًا.
وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ بَابِ صَيْدِ الْحَرَمِ.

قَوْلُهُ (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَكْلُ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْأَكْلُ مِنْ كُلِّ صَيْدٍ صَادَهُ أَوْ ذَبَحَهُ إجْمَاعًا، وَكَذَا إنْ دَلَّ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، أَوْ أَعَانَهُ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ إنْ أَكَلَهُ.
وَإِنْ أَكَلَ بَعْضَهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ مِنْ اللَّحْمِ.
وَفِي الِانْتِصَارِ: احْتِمَالٌ بِجَوَازِ أَكْلِ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: مَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إعَانَةٍ أَوْ صِيدَ لَهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقِيلَ: يَحْرُمُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا ثُمَّ أَكَلَهُ.
ضَمِنَهُ لِقَتْلِهِ لَا لِأَكْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِالدَّلَالَةِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِشَارَةِ، فَأَكَلَ مِنْهُ: لَمْ يَضْمَنْ لِلْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ مَرَّةً، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ جَزَاءٌ ثَانٍ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ) . لَوْ ذَبَحَ مُحِلٌّ صَيْدًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَذْبُوحِ لَهُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ أَوْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَفَسَدَ.
فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ) . إذَا أَتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ بِفِعْلِهِ، أَوْ بِنَقْلٍ وَنَحْوِهِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّيْدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ " أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ.
كَالْمَذَرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْمَذَرِ بَيْضُ النَّعَامِ، فَإِنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا: لِقِشْرِ بَيْضِهِ قِيمَةٌ، وَعَنْهُ لَا شَيْءَ فِي قِشْرِهِ أَيْضًا.
اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي الْمُوجِزِ: إنْ تُصَوِّرَ وَتُخُلِّقَ الْفَرْخُ فِي بَيْضَتِهِ: فَفِيهِ مَا فِي جَنِينِ صَيْدٍ سَقَطَ بِالضَّرْبَةِ مَيِّتًا.
انْتَهَى.
وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَهُ فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ فَعَاشَ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنَهُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ مِنْ الْخَارِجِ إلَى أَنْ يَنْهَضَ فَيَطِيرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا.
بَلْ تَرَكَهُ عَلَى صِفَتِهِ.
انْتَهَى.
وَيَأْتِي إذَا قَتَلَ حَامِلًا فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِغَيْرِ الْإِرْثِ) لَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ ابْتِدَاءً بِشِرَاءٍ، وَلَا بِاتِّهَابٍ، وَلَا بِاصْطِيَادٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يَمْلِكُ صَيْدًا بِاصْطِيَادِهِ بِحَالٍ وَلَا بِشِرَاءٍ، وَلَا بِاتِّهَابٍ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا، فَحَكَى وَجْهًا بِصِحَّةِ الْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ وَالِاتِّهَابِ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي الرِّعَايَةِ يُمْلَكُ بِشِرَاءٍ أَوْ اتِّهَابٍ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ سَقَطَ لَفْظُ " قَوْلُ "، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ قَبَضَهُ ثُمَّ تَلِفَ.
فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمُعَيَّنِ لِمَالِكِهِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا شَيْءَ لِوَاهِبِهِ.
انْتَهَى.

وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ قَبَضَهُ رَهْنًا فَتَلِفَ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِمَالِكِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَيَرُدُّ الْمَبِيعَ وَلَا يُرْسِلُهُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ إرْسَالُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَيَرُدُّ الْمَوْهُوبَ عَلَى وَاهِبِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْمَبِيعِ، فَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ رَدِّهِ فَهَدَرٌ، وَقَبْلَ الرَّدِّ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَا يَتَوَكَّلُ لِمُحْرِمٍ خَرَجَ بِهِ إلَى الْحِلِّ فِي بَيْعِ الصَّيْدِ وَلَا شِرَائِهِ، فَلَوْ خَالَفَ لَمْ يَصِحَّ عَقْدُهُ.
وَلَا يَسْتَرِدُّ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ الَّذِي بَاعَهُ وَهُوَ حَلَالٌ بِخِيَارٍ وَلَا عَيْبٍ فِي ثَمَنِهِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ، وَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِخِيَارٍ أَوْ عَيْبٍ فَلَهُ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ الْمُحْرِمَ إرْسَالُهُ، وَأَمَّا مِلْكُهُ بِالْإِرْثِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ بِهِ أَيْضًا عَلَيْهِ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ، فَيَمْلِكُهُ إذَا حَلَّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَاعِدَةِ الْخَمْسِينَ [وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ] .

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتَّى تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ، أَوْ ذَبَحَهُ: ضَمِنَهُ وَكَانَ مَيْتَةً) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا أَبَا الْخَطَّابِ.
فَإِنَّهُ قَالَ: لَهُ أَكْلُهُ، وَيَضْمَنُ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ.
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ أَمْسَكَ صَيْدَ الْحَرَمِ وَخَرَجَ بِهِ إلَى الْحِلِّ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ جَلَبَ الصَّيْدَ بَعْدَ إخْرَاجِهِ إلَى الْحِلِّ، أَوْ بَعْدَ حِلِّهِ: ضَمِنَهُ

فصول الكتاب · 4 فصل · 570 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي · 570 صفحة
المقدمة
ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
بَابِ الرَّهْنِ:
ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
جارٍ التحميل