الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويصفحات 203-242
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابِ الرَّهْنِ:

صفحات 203-242
عن هذه الطبعة
عَلَم
المرداوي
الكتاب
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
المؤلف
علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الطبعة
الثانية - بدون تاريخ
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ: إذَا وَلَدَتْ الْمَقْبُوضَةُ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ فِي يَدِ الْقَابِضِ فَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: حُكْمُهُ حُكْمُ أَصْلِهِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُخَرَّجَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ كَوَلَدِ الْعَارِيَّةِ.
وَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ الْعَارِيَّةِ: حُكْمُ وَلَدِ الْمُعَارَةِ، وَالْمُؤَجَّرَةِ، وَوَلَدِ الْوَدِيعَةِ.
وَيَأْتِي حُكْمُ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ فِي بَابَيْهِمَا.

فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: إذَا طُولِبَ الضَّامِنُ بِالدَّيْنِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَ بِإِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ ضَمِنَهُ بِإِذْنِهِ: فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِتَخْلِيصِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَقِيلَ: لَيْسَ لِلضَّامِنِ مُطَالَبَتُهُ بِتَخْلِيصِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ.
وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ الضَّامِنَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِتَخْلِيصِهِ.
مِنْ الْمَضْمُونِ لَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ.
وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالتَّلْخِيصِ.
وَإِنْ كَانَ ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِتَخْلِيصِهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ إذَا طَالَبَهُ.

الثَّانِيَةُ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَوْ تَغَيَّبَ مَضْمُونٌ عَنْهُ أَطْلَقَهُ فِي مَوْضِعٍ وَقَيَّدَهُ فِي آخَرَ: بِقَادِرٍ عَلَى الْوَفَاءِ فَأَمْسَكَ الضَّامِنُ، وَغَرِمَ شَيْئًا بِسَبَبِ ذَلِكَ وَأَنْفَقَهُ فِي حَبْسٍ: رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.

قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ.
وَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ بَابِ الْحَجْرِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ مُتَبَرِّعًا: لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ وَكَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ: مِمَّا قَضَى، أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ) . إنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَقْضِيَهُ مُتَبَرِّعًا أَوْ لَا.
فَإِنْ قَضَاهُ مُتَبَرِّعًا: لَمْ يَرْجِعْ بِلَا نِزَاعٍ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هَذِهِ هِبَةٌ، تَحْتَاجُ قَبُولًا وَقَبْضًا وَرِضًى، وَالْحَوَالَةُ بِمَا وَجَبَ قَضَاءٌ.
وَإِنْ قَضَاهُ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ، أَوْ يَذْهَلَ عَنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ: فَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ، شَمَلَهَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَضْمَنَ بِإِذْنِهِ، وَيَقْضِيَ بِإِذْنِهِ.
فَيَرْجِعُ أَيْضًا بِلَا نِزَاعٍ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَضْمَنَ بِإِذْنِهِ، وَيَقْضِيَ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
فَيَرْجِعُ أَيْضًا بِلَا نِزَاعٍ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَضْمَنَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَيَقْضِيَ بِإِذْنِهِ.
فَيَرْجِعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَضْمَنَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَيَقْضِيَ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
فَهَذِهِ فِيهَا الرِّوَايَتَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
إحْدَاهُمَا: يَرْجِعُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، بِلَا رَيْبٍ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالتِّسْعِينَ: يَرْجِعُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَالْأَكْثَرِينَ.
انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالشَّرِيفِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيِّ، وَابْنِ الْبَنَّا، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ.
وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ.
وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ.
وَيُشْهِدَ عَلَى نِيَّتِهِ عِنْدَ الْأَدَاءِ.
فَلَوْ نَوَى التَّبَرُّعَ، أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ.
وَاشْتَرَطَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمَدْيُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْأَدَاءِ.
وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى أَنْ لَا رُجُوعَ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ إذْنِهِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْأَكْثَرِينَ.
انْتَهَى.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَرْجِعُ.
اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَظْهَرُ فِيهَا كَذَبْحِ أُضْحِيَّةِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ فِي مَنْعِ الضَّمَانِ وَالرُّجُوعِ.
لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا إبْرَاءٌ، كَتَحْصِيلِ الْأَجْرِ بِالذَّبْحِ.
انْتَهَى.
وَإِنْ قَضَاهُ، وَلَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ وَلَا التَّبَرُّعَ، بَلْ ذَهِلَ عَنْ قَصْدِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْقَوَاعِدِ.
فَإِنَّهُ جَعَلَ النِّيَّةَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ أَصْلًا لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى أَسِيرًا حُرًّا مُسْلِمًا.
وَقِيلَ: يَرْجِعُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.

فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا وَاجِبًا بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ وَالْخِلَافِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ الْقَضَاءَ وَحَلَفَ: لَمْ يَرْجِعْ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ، أَوْ كَذَّبَهُ) . إذَا ادَّعَى الضَّامِنُ الْقَضَاءَ، وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، أَوْ يُكَذِّبَهُ.
فَإِنْ كَذَّبَهُ: لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِالْقَضَاءِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ.
فَلِلْمَضْمُونِ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَصِيلِ وَالضَّامِنِ.
فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ الضَّامِنُ ثَانِيًا، فَهَلْ يَرْجِعُ الضَّامِنُ بِالْأَوَّلِ لِلْبَرَاءَةِ بِهِ بَاطِنًا، أَوْ بِالثَّانِي؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِمَا قَضَاهُ ثَانِيًا.
قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
وَقَالَا: هُوَ أَرْجَحُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
وَالثَّانِي: يَرْجِعُ بِمَا قَضَاهُ أَوَّلًا، وَهُمَا طَرِيقَةٌ مُوجَزَةٌ فِي الرِّعَايَةِ.
وَالثَّانِي قَدَّمَهُ فِيهَا أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِقَدْرِ الدَّيْنِ.
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الطَّرِيقَتَيْنِ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ قَضَاهُ بِإِشْهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَضَاهُ بِإِشْهَادٍ صَحِيحٍ، رَجَعَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ غَائِبَةً أَوْ مَيِّتَةً.
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الرَّهْنِ.
وَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ.
لَكِنْ لَوْ رُدَّتْ الشَّهَادَةُ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ كَالْفِسْقِ بَاطِنًا أَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا كَشَهَادَةِ الْعَبِيدِ، أَوْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَانَ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا فَهَلْ يَرْجِعُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
قَطَعَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ فِي الْكُبْرَى، قُلْت: بَلَى، وَيَحْلِفُ مَعَهُ.
فَلَوْ ادَّعَى الْإِشْهَادَ وَأَنْكَرَهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ.
فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إشْهَادٍ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ بِحَضْرَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، أَوْ فِي غَيْبَتِهِ.
فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ: رَجَعَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
صَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمَا.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي.
وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ فِي غَيْبَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، قَوْلًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْقَضَاءِ) أَيْ الْمَضْمُونُ لَهُ (فَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ: لَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِق، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: رَجَعَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الْأَصَحُّ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: رَجَعَ فِي الْأَصَحِّ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: لَا يَرْجِعُ.
وَهُوَ احْتِمَالُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ.

فَائِدَتَانِ: الْأُولَى: لَوْ قَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ " بَرِئْت إلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ " فَهُوَ مُقِرٌّ بِقَبْضِهِ.
وَلَوْ قَالَ " بَرِئْت " وَلَمْ يَقُلْ " إلَيَّ " لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالْقَبْضِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
وَصَحَّحَهُ.
وَقِيلَ: يَكُونُ مُقِرًّا بِهِ.
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي.
قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
قَالَ فِي الْمُنَوِّرِ: وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْحَقِّ لِلضَّامِنِ " بَرِئْت إلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ " فَهُوَ مُقِرٌّ بِقَبْضِهِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.

وَلَوْ قَالَ " أَبْرَأْتُك " لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالْقَبْضِ، قَوْلًا وَاحِدًا.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ " وَهَبْتُك الْحَقَّ " فَهُوَ تَمْلِيكٌ.
فَيَرْجِعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: بَلْ هُوَ إبْرَاءٌ.
فَلَا رُجُوعَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، أَوْ الضَّامِنُ، فَهَلْ يَحِلُّ الدَّيْنُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى.
إحْدَاهُمَا: لَا يَحِلُّ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَحِلُّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ قَبْلَ مَحِلِّ الدَّيْنِ مُفْلِسًا بِهِ: لَمْ يَكُنْ لِلْمَضْمُونِ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ قَبْلَ مَحِلِّهِ.
وَإِنْ خَلَفَ وَفَاءً بِالْحَقِّ فَهَلْ يَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
إحْدَاهُمَا: يَحِلُّ، وَالْأُخْرَى: لَا يَحِلُّ إذَا وَثِقَ الْوَرَثَةُ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا.
وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ، وَابْنِ مُنَجَّى.
وَقِيلَ: مَحَلُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا مَاتَا مَعًا.
وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
فَجَزَمُوا بِعَدَمِ الْحُلُولِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا.
وَأَطْلَقُوا الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا مَاتَا مَعًا.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ مَاتَا مَعًا وَقِيلَ: أَوْ الْمَدْيُونُ وَحْدَهُ: حَلَّ.
فَجَزَمَ بِالْحُلُولِ إذَا مَاتَا مَعًا.

قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا) . بِلَا نِزَاعٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
فَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْحَالِّ، دُونَ الضَّامِنِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حَالًّا: لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلَ أَجَلِهِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: يَلْزَمُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ.
تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صِحَّةَ ضَمَانِ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ.

تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (فِي الْكَفَالَةِ: وَهِيَ الْتِزَامُ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ) . إنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، بِإِذْنِهِ.
بِلَا نِزَاعٍ، وَبِغَيْرِ إذْنِهِ.
عَلَى خِلَافٍ يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَرِيبًا.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ كَفَالَةُ الْمَدْيُونِ إلَّا بِإِذْنِهِ.

الثَّانِي: قَوْلُهُ (وَتَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) . يَعْنِي: بِبَدَنِ كُلِّ مَنْ يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِدَيْنٍ لَازِمٍ مُطْلَقًا يَصِحُّ ضَمَانُهُ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ (وَبِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ) . يَعْنِي يَصِحُّ أَنْ يَكْفُلَهَا، بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ إحْضَارُهَا يَضْمَنُهَا، إلَّا أَنْ تَتْلَفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
عَلَى مَا يَأْتِي.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فِي صِحَّةِ كَفَالَةِ الْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ وَجْهَانِ.
وَلَمْ أَرَ الْخِلَافَ لِغَيْرِهِ.

فَائِدَةٌ: تَنْعَقِدُ الْكَفَالَةُ بِأَلْفَاظِ الضَّمَانِ الْمُتَقَدِّمَةِ كُلِّهَا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ " حَمِيلٌ.
وَقَبِيلٌ " اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.

قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تَصِحُّ.
وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ " شَمَلَ سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ، كَحَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَنَحْوِهِمَا.
أَوْ لِآدَمِيٍّ، كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ.
وَكَوْنُ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ لَا تَصِحُّ كَفَالَتُهُ: مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ الْكَفَالَةُ لِأَخْذِ مَالٍ، كَالدِّيَةِ وَغُرْمِ السَّرِقَةِ.
الثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِزَوْجٍ وَشَاهِدٍ.
قَوْلُهُ (وَلَا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَأَحَدِ هَذَيْنِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ.
فَهُوَ كَالْإِعَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ.
ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إنْسَانٍ كَثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ،

وَالْمُنَوِّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ قَوْلُهُ (أَوْ عُضْوٍ) صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
إذَا تَكَفَّلَ بِعُضْوٍ مِنْ إنْسَانٍ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِوَجْهِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ بِوَجْهِهِ: صَحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ بِبَعْضِ الْبَدَنِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قُلْت: لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْقَوْلِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
اسْتَحَبُّوا الْخِلَافَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِعُضْوٍ غَيْرِ وَجْهِهِ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الْأَظْهَرُ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.
وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْحَيَاةُ تَبْقَى مَعَهُ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَنَحْوِهِمَا لَمْ تَصِحَّ.
وَإِنْ

كَانَتْ لَا تَبْقَى مَعَهُ كَرَأْسِهِ وَكَبِدِهِ وَنَحْوِهِمَا صَحَّ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: قَالَ غَيْرُ الْقَاضِي: إنْ كَفَلَ بِعُضْوٍ لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِدُونِهِ كَالرَّأْسِ وَالْقَلْبِ وَالظَّهْرِ صَحَّ.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهَا كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ فَوَجْهَانِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ، عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أَوْ ضَامِنٌ مَا عَلَيْهِ: صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.
وَظَاهِرُ الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: الْإِطْلَاقُ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ.
وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا الصِّحَّةَ فِي كَفِيلٍ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ.

فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ قَالَ: كَفَلْت بِبَدَنِ فُلَانٍ عَلَى أَنْ تُبْرِئَ فُلَانًا الْكَفِيلَ: فَسَدَ الشَّرْطُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: لَا يَفْسُدُ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَفْسُدُ الْعَقْدُ أَيْضًا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ لَا يَفْسُدُ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ: ضَمِنْت لَك هَذَا الدَّيْنَ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الدَّيْنِ الْآخَرِ.
قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَأَنَا كَفِيلٌ بِبَدَنِ فُلَانٍ، أَوْ وَإِلَّا فَأَنَا ضَامِنٌ مَا لَك عَلَى فُلَانٍ، أَوْ قَالَ: إنْ جَاءَ زَيْدٌ فَأَنَا ضَامِنٌ لَك مَا عَلَيْهِ.

أَوْ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَأَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ شَهْرًا.
فَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ.
وَهُوَ أَقْيَسُ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: تَصِحُّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يَنْزِعُ إلَى تَعْلِيقِ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ وَتَوْقِيتِهَا، بَلْ هِيَ مِنْ جُمْلَتِهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي صِحَّةِ تَعْلِيقِ ضَمَانٍ وَكَفَالَةٍ بِغَيْرِ سَبَبِ الْحَقِّ، وَتَوْقِيتِهَا: وَجْهَانِ.
فَلَوْ تَكَفَّلَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِغَيْرِهِ، أَوْ كَفِيلٌ بِهِ، أَوْ كَفَلَهُ شَهْرًا فَوَجْهَانِ.
انْتَهَى.
وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: صِحَّةَ تَعْلِيقِ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ بِالشَّرْطِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُمْ.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ عَلَّقَ الضَّمَانَ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ صَحَّ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إلَّا بِسَبَبِ الْحَقِّ، كَالْعُهْدَةِ، وَالدَّرَكِ، وَمَا لَمْ يَجِبْ وَلَمْ يُوجَدْ بِسَبَبِهِ، وَيَصِحُّ تَوْقِيتُهُ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ.
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ عَدَمُهُ.
وَهُوَ أَقْيَسُ.
لِأَنَّهُ وَعْدٌ.
انْتَهَى.

فَائِدَةٌ: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: إنْ كَفَلَ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ: لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ فِيهِ.
وَهَكَذَا الضَّمَانُ.
وَإِنْ جَعَلَهُ إلَى الْحَصَادِ وَالْجَدَادِ وَالْعَطَاءِ.
وَخُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْأَجَلِ فِي الْبَيْعِ.
وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ هُنَا.
انْتَهَيَا.

قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِرِضَى الْكَفِيلِ) . بِلَا نِزَاعٍ.
وَفِي رِضَى الْمَكْفُولِ بِهِ وَهُوَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا

فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ رِضَاهُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: يُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى: هَذَا أَوْلَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ

قَوْلُهُ (وَمَتَى أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ وَسَلَّمَهُ: بَرِئَ، إلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ) . إذَا أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ وَسَلَّمَهُ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ: بَرِئَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمَةٌ.
قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ بَرِئْت إلَيْك مِنْهُ، أَوْ قَدْ سَلَّمْته إلَيْك، أَوْ قَدْ أَخْرَجْت نَفْسِي مِنْ كَفَالَتِهِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهِ أَشْهَدَ عَلَى امْتِنَاعِهِ رَجُلَيْنِ وَبَرِئَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَرْفَعُهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إحْضَارِهِ وَامْتِنَاعِ الْمَكْفُولِ لَهُ مِنْ قَبُولِهِ.
تَنْبِيهٌ: حُكْمُ مَا إذَا أَحْضَرَهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ: حُكْمُ مَا إذَا أَحْضَرَهُ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

فَائِدَةٌ: يَتَعَيَّنُ إحْضَارُهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ فِيهِ إنْ حَصَلَ ضَرَرٌ فِي غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقِيلَ: يَبْرَأُ بِبَقِيَّةِ الْبَلَدِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي.
قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
وَعِنْدَ غَيْرِهِ إذَا كَانَ فِيهِ سُلْطَانٌ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنْ كَانَ الْمَكْفُولُ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ، فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فِيهِ بَرِئَ.
وَلَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُهُ مِنْهُ إلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
وَيُمَكِّنُهُ الْحَاكِمُ مِنْ الْإِخْرَاجِ لِيُحَاكِمَ غَرِيمَهُ، ثُمَّ يَرُدَّهُ.
هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ، كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: وَإِنْ قِيلَ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِعْلَامُهُ بِمَكَانِهِ لَا يُعَدُّ تَسْلِيمًا.
قُلْنَا: بَلْ يُعَدُّ.
وَلِهَذَا إذَا دَلَّ عَلَى الصَّيْدِ مُحْرِمًا كَفَّرَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ: بَرِئَ الْكَفِيلُ) . إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ بَرِئَ الْكَفِيلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ تَوَانَى الْكَفِيلُ فِي تَسْلِيمِهِ، حَتَّى مَاتَ أَوْ لَا.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَبْرَأُ مُطْلَقًا.
فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ.
وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفَائِقِ.
وَقِيلَ: إنْ تَوَانَى فِي تَسْلِيمِهِ حَتَّى مَاتَ: لَمْ يَبْرَأْ، وَإِلَّا بَرِئَ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ.
فَإِنْ اشْتَرَطَ الْكَفِيلُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ

إنْ مَاتَ بَرِئَ بِمَوْتِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْكَفِيلَ يَبْرَأُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
وَقِيلَ: لَا يَبْرَأُ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ لَا مَالَ عَلَيْهِ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَكْفُولِ بِهَا.
فَإِنْ اشْتَرَطَ بَرِئَ، قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوْتِ.
الثَّانِي: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى " قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ.
صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا إذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ فِي مَحِلِّهِ: فَإِنَّ الْكَفِيلَ يَبْرَأُ قَوْلًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ، مَعَ بَقَائِهِ: لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ، أَوْ عِوَضُ الْعَيْنِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَفِي الْمُبْهِجِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَلْزَمُهُ، إنْ امْتَنَعَ بِسُلْطَانٍ.
وَأَلْحَقَ بِهِ مُعْسِرًا أَوْ مَحْبُوسًا وَنَحْوَهُمَا، لِاسْتِوَاءِ الْمَعْنَى.
وَكَوْنُ الْكَفِيلِ يَضْمَنُ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ إذَا لَمْ يُسَلِّمْهُ: مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: السَّجَّانُ كَالْكَفِيلِ.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ غَابَ أُمْهِلَ الْكَفِيلُ بِقَدْرِ مَا يَمْضِي فَيُحْضِرُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ: ضَمِنَ) .

إذَا مَضَى الْكَفِيلُ لِيُحْضِرَ الْمَكْفُولَ بِهِ، وَتَعَذَّرَ إحْضَارُهُ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ.
عَلَى مَا تَقَدَّمَ خِلَافًا وَمَذْهَبًا.

قَوْلُهُ (وَإِذَا طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مُدَّةً: لَزِمَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ، أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ، وَطَالَبَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ بِحُضُورِهِ.
فَائِدَةٌ: حَيْثُ أَدَّى الْكَفِيلُ مَا لَزِمَهُ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ كَالضَّامِنِ، وَأَنَّهُ لَا يُسَلِّمُهُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ.
بِخِلَافِ مَغْصُوبٍ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ، لِامْتِنَاعِ بَيْعِهِ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا كَفَلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ، فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ) هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
مِنْهُمْ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: أَشْهَرُ الْوَجْهَيْنِ: لَا يَبْرَأُ.
وَقِيلَ: يَبْرَأُ الْآخَرُ.
وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْكَافِي.
وَنَصَرَهُ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ السَّامِرِيِّ فِي فُرُوقِهِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ، وَقَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا إنْ كَفَلَا كَفَالَةَ اشْتِرَاكٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَا " كَفَلْنَا لَك زَيْدًا نُسَلِّمُهُ إلَيْك " فَإِذَا سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَ الْآخَرُ.
لِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُلْتَزَمَ وَاحِدٌ.
فَهُوَ كَأَدَاءِ أَحَدِ الضَّامِنَيْنِ لِلْمَالِ.

وَإِنْ كَفَلَا كَفَالَةَ انْفِرَادٍ وَاشْتِرَاكٍ، بِأَنْ قَالَا " كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا كَفِيلٌ لَك بِزَيْدٍ " فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُلْتَزِمٌ لَهُ إحْضَارَهُ، فَلَا يَبْرَأُ بِدُونِهِ، مَا دَامَ الْحَقُّ بَاقِيًا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ.
فَهُوَ كَمَا لَوْ كَفَلَا فِي عَقْدَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ.
وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي فِي ضَمَانِ الرَّجُلَيْنِ الدَّيْنَ.
انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: لَوْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ: بَرِئَ الِاثْنَانِ.
وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَفَلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ، فَأَبْرَأهُ أَحَدُهُمَا: لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ) . بِلَا نِزَاعٍ.

فَوَائِدُ إحْدَاهَا: يَصِحُّ أَنْ يَكْفُلَ الْكَفِيلُ كَفِيلًا آخَرَ.
فَإِنْ بَرِئَ الْأَوَّلُ بَرِئَ الثَّانِي، وَلَا عَكْسَ.
وَإِنْ كَفَلَ الثَّانِيَ ثَالِثٌ: بَرِئَ بِبَرَاءَةِ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ، وَلَا عَكْسَ.
فَلَوْ كَفَلَ اثْنَانِ وَاحِدًا، وَكَفَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ آخَرُ، فَأَحْضَرَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَ هُوَ وَمَنْ تَكَفَّلَ بِهِ، وَبَقِيَ الْآخَرُ وَمَنْ كَفَلَ بِهِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ ضَمِنَ اثْنَانِ دَيْنَ رَجُلٍ لِغَرِيمِهِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا " أَنَا ضَامِنٌ لَك الْأَلْفَ " أَوْ يُطْلِقَ.
فَإِنْ قَالَا " كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك الْأَلْفَ " فَهُوَ ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ فِي انْفِرَادٍ.
فَلَهُ مُطَالَبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْأَلْفِ إنْ شَاءَ.
وَلَهُ مُطَالَبَتُهُمَا.
وَإِنْ قَضَاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ إلَّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ.
وَإِنْ أَطْلَقَا الضَّمَانَ، بِأَنْ قَالَا " ضَمِنَّا لَك الْأَلْفَ " فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ.
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِحِصَّتِهِ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْخِلَافِ، وَالْمُصَنِّفِ، وَقَطَعَ بِهِ الشَّارِحُ.
وَقِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ لِلْجَمِيعِ، كَالْأَوَّلِ.
نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا.
وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.

وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهَا احْتِمَالَيْنِ.
وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْقَوَاعِدِ.
وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الضَّامِنَيْنِ، فَيَصِيرُ الضَّمَانُ مُوَزَّعًا عَلَيْهِمَا.
وَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ الْمَضْمُونُ دَيْنًا مُتَسَاوِيًا عَلَى رَجُلَيْنِ.
فَهَلْ يُقَالُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِنِصْفِ الدَّيْنَيْنِ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِأَحَدِهِمَا بِانْفِرَادِهِ؟ إذَا قُلْنَا: يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُبْهَمِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ عَلَى اثْنَيْنِ مِائَةٌ لِآخَرَ، فَضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ.
فَقَضَاهُ أَحَدُهُمَا نِصْفَ الْمِائَةِ أَوْ أَبْرَأهُ مِنْهُ وَلَا نِيَّةَ.
فَقِيلَ: إنْ شَاءَ صَرَفَهُ إلَى الَّذِي عَلَيْهِ بِالْأَصَالَةِ، وَإِنْ شَاءَ صَرَفَهُ إلَى الَّذِي عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الضَّمَانِ.
قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي الرَّهْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ رَهَنَهُ رَجُلَانِ شَيْئًا فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا ". وَقِيلَ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ أَحَالَ عَلَيْهِمَا لِيَقْبِضَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ: صَحَّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجْهًا لَا يَصِحُّ كَحَوَالَتِهِ عَلَى اثْنَيْنِ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ أَبْرَأَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْمِائَةِ، بَقِيَ عَلَى الْآخَرِ خَمْسُونَ أَصَالَةً.
السَّادِسَةُ: لَوْ ضَمِنَ ثَالِثٌ عَنْ أَحَدِهِمَا الْمِائَةَ بِأَمْرِهِ، وَقَضَاهَا: رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِهَا.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْآخَرِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ كَضَامِنِ الضَّامِنِ.

السَّابِعَةُ: لَوْ ضَمِنَ مَعْرِفَتَهُ: أُخِذَ بِهِ.
نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ.
الثَّامِنَةُ: لَوْ أَحَالَ رَبُّ الْحَقِّ، أَوْ أُحِيلَ، أَوْ زَالَ الْعَقْدُ: بَرِئَ الْكَفِيلُ.
وَبَطَلَ الرَّهْنُ.
وَيَثْبُتُ لِوَارِثِهِ.
ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ.
وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي الصُّورَةِ الْأُولَى احْتِمَالَ وَجْهَيْنِ فِي بَقَاءِ الضَّمَانِ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا فِيهَا: يَبْرَأُ، وَأَنَّهُ إنْ عَجَزَ مُكَاتَبٌ رَقَّ.
وَسَقَطَ الضَّمَانُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لَوْ أَقَالَهُ فِي سَلَمٍ بِهِ رَهْنٌ حَبَسَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ.
جَعَلَهُ أَصْلًا، كَحَبْسِ رَهْنٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ بِالْمُتْعَةِ.

التَّاسِعَةُ: لَوْ خِيفَ مِنْ غَرَقِ السَّفِينَةِ، فَأَلْقَى بَعْضُ مَنْ فِيهَا مَتَاعَهُ فِي الْبَحْرِ لِتَخِفَّ: لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، سَوَاءٌ نَوَى الرُّجُوعَ أَوْ لَا؟ وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مِنْ عِنْدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا نَوَى الرُّجُوعَ.
وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ.
انْتَهَى.
وَيَجِبُ الْإِلْقَاءُ إنْ خِيفَ تَلَفُ الرُّكَّابِ بِالْغَرَقِ.
وَلَوْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ السَّفِينَةِ: أَلْقِ مَتَاعَك.
فَأَلْقَاهُ.
فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآمِرِ.
وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ وَأَنَا ضَامِنُهُ، ضَمِنَ الْجَمِيعَ.
قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَمَنْ بَعْدَهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: وَأَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ، وَأَطْلَقَ.
ضَمِنَ وَحْدَهُ بِالْحِصَّةِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَا الشَّارِحُ، وَلَا الْحَارِثِيُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَضْمَنُهُ الْقَائِلُ وَحْدَهُ.
إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَقِيَّتُهُمْ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا ضَمَانُ حِصَّتِهِ.
وَإِنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ وَانْفِرَادٍ بِأَنْ يَقُولَ " كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك مَتَاعَك،

أَوْ قِيمَتَهُ " ضَمِنَ الْقَائِلُ ضَمَانَ الْجَمِيعِ.
سَوَاءٌ كَانُوا يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ فَسَكَتُوا أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا.
انْتَهَى.
قَالَ الْحَارِثِيُّ، فِي آخِرِ الْغَصْبِ: وَهُوَ الْحَقُّ.
وَإِنْ رَضُوا بِمَا قَالَ: لَزِمَهُمْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ الْوَجْهَانِ.
وَإِنْ قَالُوا " ضَمِنَّاهُ لَك " ضَمِنُوا بِالْحِصَّةِ.
وَإِنْ قَالُوا " كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنُهُ " ضَمِنَ الْجَمِيعُ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَمَنْ بَعْدَهُمَا.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي ضَمَانِهِمْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ.
وَيَأْتِي فِي آخِرِ الْغَصْبِ بَعْضُ هَذَا، وَمَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا.
فَلْيُرَاجَعْ.

الْعَاشِرَةُ: لَوْ قَالَ لِزَيْدٍ " طَلِّقْ زَوْجَتَك.
وَعَلَيَّ أَلْفٌ، أَوْ مَهْرُهَا " لَزِمَهُ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَوْ قَالَ " بِعْ عَبْدَك مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ وَعَلَيَّ مِائَةٌ أُخْرَى " لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَفِيهِ احْتِمَالٌ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْحَوَالَةِ]

ِ فَوَائِدُ إحْدَاهَا: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ.
لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ الْحَقَّ وَتَنْقُلُهُ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ.
فَإِنَّ " التَّحَوُّلَ " مُطَاوِعٌ " لِلتَّحْوِيلِ " يُقَالُ: حَوَّلْته فَتَحَوَّلَ.
الثَّانِيَةُ: " الْحَوَالَةُ " عَقْدُ إرْفَاقٍ.
تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
لِجَوَازِهَا بَيْنَ الدَّيْنَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ جِنْسًا وَصِفَةً.
وَالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
اخْتِصَاصِهَا بِجِنْسٍ وَاحِدٍ، وَاسْمٍ خَاصٍّ، وَلُزُومِهَا.
وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَبِيعِ.
لِعَدَمِ الْعَيْنِ فِيهَا.
وَهَذَا الصَّوَابُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ أَشْبَهُ بِكَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ: " الْحَوَالَةُ " هَلْ هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ، أَوْ تَقْبِيضٌ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا بَيْعٌ.
فَإِنَّ الْمُحِيلَ يَشْتَرِي مَا فِي ذِمَّتِهِ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَجَازَ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ رُخْصَةً.
لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الرِّفْقِ.
فَيَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَوَالَةَ تُشْبِهُ " الْمُعَاوَضَةَ " مِنْ حَيْثُ إنَّهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ.
وَتُشْبِهُ " الِاسْتِيفَاءَ " مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبْرِئُ الْمُحِيلَ، وَيَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ إذَا أَحَالَ بِالثَّمَنِ.
وَلِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ ذَلِكَ: أَلْحَقَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِالْمُعَاوَضَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَلْحَقَهَا بَعْضُهُمْ بِالِاسْتِيفَاءِ.

الثَّالِثَةُ: نَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ بَعَثَ رَجُلًا إلَى رَجُلٍ لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ.
فَقَالَ لَهُ: خُذْ مِنْهُ دِينَارًا.
فَأَخَذَ مِنْهُ أَكْثَرَ قَالَ: الضَّمَانُ عَلَى الْمُرْسِلِ، لِتَغْرِيرِهِ.
وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الرَّسُولِ: ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ.

قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ.
فَإِنْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوْ السَّلَمِ، أَوْ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) . وَكَذَا لَوْ أَحَالَ عَلَى الْأُجْرَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ (لَمْ تَصِحَّ.
وَإِنْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ، أَوْ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ: صَحَّ) وَكَذَا لَوْ أَحَالَ بِالْأُجْرَةِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْحَوَالَةَ تَارَةً تَكُونُ عَلَى مَالٍ.
وَتَارَةً تَكُونُ بِمَالٍ.
فَإِنْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ عَلَى مَالٍ: فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ بَعْدَ حُلُولِهِ.
وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ، لِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ، وَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ وَبِهِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يَظْهَرُ لِي مَنْعُ الْحَوَالَةِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ: صِحَّةُ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَعَلَى الْأُجْرَةِ بِالْعَقْدِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِمَالٍ: لَمْ يُشْتَرَطْ اسْتِقْرَارُهُ.
وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْكَافِي، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الزَّرْكَشِيّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ.
وَقَدَّمَهُ فِي غَيْرِهِ.
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ.
ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ عَلَى مَا يَأْتِي.

وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُحَالِ بِهِ مُسْتَقِرًّا، كَالْمُحَالِ عَلَيْهِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
وَجَزَمَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا أَنْ تَكُونَ بِدَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، وَعَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ.
قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ، يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، مُسْتَقِرًّا عَلَى مُسْتَقِرٍّ.
قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: إنَّمَا تَصِحُّ بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، مُسْتَقِرًّا فِي الْأَشْهَرِ، عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَتَخْتَصُّ بِدَيْنٍ يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ.
وَيُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُهُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، عَلَى مُسْتَقِرٍّ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا عَلَى غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ.
فَلَا تَصِحُّ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَا فِي الْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا فِي الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَكَذَلِكَ دَيْنُ الْكِتَابَةِ.
عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: تَصِحُّ حَوَالَةُ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَيَبْرَأُ الْعَبْدُ وَيُعْتَقُ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ.
انْتَهَى وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ: الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَوَالَةِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَهْرِ، وَالْأُجْرَةِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، فِي الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَهْرِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ: الدُّيُونُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: دَيْنُ سَلَمٍ، وَدَيْنُ كِتَابَةٍ، وَمَا عَدَاهُمَا.
وَهُوَ قِسْمَانِ: مُسْتَقِرٌّ، وَغَيْرُ مُسْتَقِرٍّ.
كَثَمَنِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَنَحْوِهِ.
فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِدَيْنِ السَّلَمِ، وَلَا عَلَيْهِ.
وَتَصِحُّ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ، دُونَ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ.
وَيَصِحَّانِ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ مُسْتَقِرِّهَا وَغَيْرِ مُسْتَقِرِّهَا.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ بِحَالٍ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.

وَقِيلَ: وَلَا بِمَا لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
وَتَبِعَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالسَّامِرِيُّ.
انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ مِنْ الْمَالِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَالْمُحَالِ بِهِ: دَيْنُ السَّلَمِ.
فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ وَلَا بِهِ، عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، إلَّا مَا تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي طَرِيقَتِهِ، وَكَلَامِ الزَّرْكَشِيّ.

فَائِدَةٌ: فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَعَلَيْهِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِهِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ الْقَبْضِ وَالضَّمَانِ مِنْ الْبُيُوعِ.
فَقَالَ: لَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ فَسْخِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ بِحَوَالَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا.
وَقِيلَ: يَصِحُّ.
انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ السَّلَمِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.

تَنْبِيهٌ: خَرَجَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: لَوْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى حَوَالَةً، بَلْ هُوَ وَكَالَةٌ فِي الْقَبْضِ.
وَلَوْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ: فَهُوَ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ، لَا حَوَالَةٌ.
وَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ: فَهُوَ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ أَيْضًا.
فَلَا يُصَارِفُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الْمُوجَزِ، وَالتَّبْصِرَةِ: إنْ رَضِيَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بِالْحَوَالَةِ: صَارَ ضَامِنًا، يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ.

فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (الثَّانِي: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ) . بِلَا نِزَاعٍ فِي الْجُمْلَةِ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: عِلْمُ الْمَالِ، وَأَنْ يَكُونَ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ.
وَفِي

غَيْرِ الْمِثْلِيِّ كَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنَّمَا تَصِحُّ بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ، يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
وَأَطْلَقَا فِي إبِلِ الدِّيَةِ الْوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ فِي الْمَعْدُودِ، وَالْمَذْرُوعِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِكُلِّ مَا صَحَّ السَّلَمُ فِيهِ، وَهُوَ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مِثْلٌ كَالْأَدْهَانِ، وَالْحُبُوبِ، وَالثِّمَارِ أَوْ لَا مِثْلَ لَهُ، كَالْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ.
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
قَالَ النَّاظِمُ: تَصِحُّ فِيمَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَرَّجَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا يُقْضَى بِهِ قَرْضُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ.
انْتَهَى.
وَأَمَّا الْإِبِلُ: فَقَالَ الشَّارِحُ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ الدِّيَةِ، وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِثْلُهَا فِي السِّنِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِي السِّنِّ وَالْقِيمَةِ، وَسَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَصِحُّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ دِيَةٍ، وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِثْلُهَا قَرْضًا، فَأَحَالَهُ.
فَإِنْ قُلْنَا يُرَدُّ فِي الْقَرْضِ قِيمَتُهَا: لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ.
لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
وَإِنْ قُلْنَا يُرَدُّ مِثْلُهَا: اقْتَضَى قَوْلُ الْقَاضِي: صِحَّةَ الْحَوَالَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ، فَأَحَالَ الْمُقْرِضُ بِإِبِلٍ: لَمْ يَصِحَّ.
انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ) كَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَنَحْوِهِمَا.
وَالصِّفَةِ، كَالصِّحَاحِ بِالصِّحَاحِ وَعَكْسِهِ.

فَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ دِمَشْقِيَّةٌ بِدَرَاهِمَ عُثْمَانِيَّةٍ: لَمْ تَصِحَّ.
قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ عِنْدَ مَنْ أَلْحَقَهَا بِالْمُعَاوَضَةِ.
إذْ اشْتِرَاطُ التَّفَاوُتِ فِيهِمَا مُمْتَنِعٌ كَالْقَرْضِ.
وَأَمَّا مَنْ أَلْحَقَهَا بِالِاسْتِيفَاءِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ تَفَاوُتًا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ عِنْدَ بَذْلِهِ، كَالْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ: صَحَّتْ.
وَإِلَّا فَلَا.
انْتَهَى.

قَوْلُهُ (وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ.
وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَا رِضَى الْمُحْتَالِ، إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا) . لَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحْتَالِ إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيئًا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
فَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا.
وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ رِضَاهُ.
ذَكَرَهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ وَمَنْ بَعْدَهُ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: فَسَّرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَلِيءَ، فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ مَلِيئًا بِمَالِهِ وَقَوْلِهِ وَبَدَنِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: أَوْ فِعْلِهِ.
وَزَادَ فِي الْكُبْرَى عَلَيْهِمَا: وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَدَاءِ.
وَقِيلَ: هُوَ الْمَلِيءُ بِالْقَوْلِ وَالْأَمَانَةِ، وَإِمْكَانِ الْأَدَاءِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ تَفْسِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَلِيءَ بِالْمَالِ: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْوَفَاءِ، وَالْقَوْلِ: أَنْ لَا يَكُونَ مُمَاطِلًا.
وَالْبَدَنِ: أَنْ يُمْكِنَ حُضُورُهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
الثَّانِيَةُ: يَبْرَأُ الْمُحِيلُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ.
وَلَوْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، أَوْ جَحَدَ، أَوْ مَاتَ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي يَعْقُوبُ.

قَالَ النَّاظِمُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّاظِمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِرِضَى الْمُحْتَالِ.
فَإِنْ أَبَى: أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ.
لَكِنْ تَنْقَطِعُ الْمُطَالَبَةُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ.
وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ لَا يَبْرَأُ مُطْلَقًا.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَتُفِيدُ الْإِلْزَامَ فَقَطْ.
ذَكَرَهَا فِي النُّكَتِ.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
انْتَهَى.
فَهَذِهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، قَلَّ مَنْ ذَكَرَهَا.
وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ: وَمَبْنَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ هَلْ هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ أَوْ تَقْبِيضٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ نَقْلٌ لِلْحَقِّ، لَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا قَبُولٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ تَقْبِيضٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ قَبُولُهَا.
فَيُجْبَرُ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ.
انْتَهَى.
فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ لِلْمُحْتَالِ مُطَالَبَةَ الْمُحِيلِ قَبْلَ إجْبَارِ الْحَاكِمِ.
وَذَكَرَ أَبُو حَازِمٍ، وَابْنُهُ أَبُو يَعْلَى: لَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ، كَتَعْيِينِهِ كِيسًا فَيُرِيدُ غَيْرَهُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ ظَنَّهُ مَلِيئًا.
فَبَانَ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ: رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا) . هُنَا مَسَائِلُ.
الْأُولَى: لَوْ رَضِيَ الْمُحْتَالُ بِالْحَوَالَةِ مُطْلَقًا بَرِئَ الْمُحِيلُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُفْلِسٌ، مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا رِضًى مِنْ الْمُحْتَالِ وَهِيَ إحْدَى مَسْأَلَتَيْ الْمُصَنِّفِ رَجَعَ بِلَا نِزَاعٍ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ رَضِيَ بِالْحَوَالَةِ.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْيَسَارَ وَجَهِلَهُ، أَوْ ظَنَّهُ مَلِيئًا، فَبَانَ مُفْلِسًا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ الثَّانِيَةُ: بَرِئَ الْمُحِيلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ: وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَجْهًا.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ، وَنَظْمِهَا.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي النَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقِيلَ: الْخِلَافُ وَجْهَانِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ الْبَنَّا.
الرَّابِعَةُ: لَوْ شَرَطَ الْمُحِيلُ: أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مَلِيءٌ.
ثُمَّ تَبَيَّنَ عُسْرَتُهُ: رَجَعَ الْمُحْتَالُ عَلَى الْمُحِيلِ.
بِلَا نِزَاعٍ.
وَتَقَدَّمَ إذَا أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، أَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِهِ.
فَبَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ) بِلَا نِزَاعٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ: لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ) . إذَا فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ، أَوْ إقَالَةٍ، أَوْ خِيَارٍ، أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَنَحْوِهَا، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ قَبْضِ الْمُحْتَالِ مَالَ الْحَوَالَةِ أَوْ قَبْلَهُ.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ.
قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَهُ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا، وَغَيْرُهُمْ.
فَعَلَى هَذَا: لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ، فِي مَسْأَلَتَيْ حَوَالَتِهِ وَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، لَا عَلَى مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَلَا عَلَى مَنْ أُحِيلَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ: لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ أَيْضًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
سَوَاءٌ أُحِيلَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِ الْمَبِيعِ، أَوْ أَحَالَ بِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَى الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَرْضًا.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالْحُكْمُ عَلَى هَذَا كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى.
وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَائِعِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ.
وَهُوَ وَجْهٌ.
كَمَا لَوْ بَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ اتِّفَاقِهِمَا.
وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ.
وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ وَنَظْمِهَا.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالنَّظْمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِهِ لَا عَلَيْهِ، لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ.
وَجَزَمَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَغَيْرِهِمْ: بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَهِيَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَأَطْلَقُوا الْوَجْهَيْنِ فِي بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ بِهِ.
وَهِيَ الصُّورَةُ الْأُولَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
إلَّا فِي الْكَافِي.
فَإِنَّهُ قَدَّمَ بُطْلَانَ الْحَوَالَةِ.
وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: هَلْ يَبْطُلُ إذْنُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَالثَّانِي: لَا يَبْطُلُ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَعَلَى وَجْهِ بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَبْضُ.
فَإِنْ فَعَلَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَقَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ انْفَسَخَتْ.
فَبَطَلَ الْإِذْنُ الَّذِي كَانَ ضِمْنَهَا.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَقَعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ وَرَدَ عَلَى خُصُوصِ جِهَةِ الْحَوَالَةِ، دُونَ مَا تَضَمَّنَّهُ الْإِذْنُ.
فَيُضَاهِي تَرَدُّدَ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَمْرِ إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ: هَلْ يَبْقَى الْجَوَازُ؟ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بَقَاؤُهُ.
وَإِذَا صَلَّى الْفَرْضَ قَبْلَ وَقْتِهِ انْعَقَدَ نَفْلًا.
انْتَهَى.
قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا بَطَلَ الْوَصْفُ: هَلْ يَبْطُلُ الْأَصْلُ، أَوْ يَبْطُلُ الْوَصْفُ فَقَطْ؟ .

وَيَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ.
وَهِيَ إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ: هَلْ يَبْطُلُ الْعُمُومُ؟ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
ذَكَرَهَا فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَحَلْتُك.
قَالَ: بَلْ وَكَّلْتنِي.
أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك.
قَالَ: بَلْ أَحَلْتنِي.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي.
وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ.

قَوْله (وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَالَ: أَحَلْتُك، وَادَّعَى أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ: فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْوَجِيزِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ.
وَصَحَّحَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ: لَوْ قَالَ " أَحَلْتُك بِدَيْنِي " وَادَّعَى أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالَةُ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.

وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي هَذِهِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَالَ " أَحَلْتُك بِالْمَالِ الَّذِي قِبَلَ فُلَانٍ " ثُمَّ اخْتَلَفَا.
فَقَالَ الْمُحِيلُ: إنَّمَا وَكَّلْتُك فِي الْقَبْضِ لِي.
وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ أَحَلْتنِي بِدَيْنِي.
فَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ.
وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ.
لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ.
وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
وَيَأْتِي عَكْسُهَا.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَحْلِفُ الْمُحِيلُ.
وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ: لَا يَقْبِضُ الْمُحْتَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، لِعَزْلِهِ بِالْإِنْكَارِ.
وَفِي طَلَبِ دَيْنِهِ مِنْ الْمُحِيلِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
وَالْفُرُوعِ.
وَقَالَ: لِأَنَّ دَعْوَاهُ الْحَوَالَةَ بَرَاءَةٌ.
أَحَدُهُمَا: لَهُ طَلَبُهُ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَحْلِفُ الْمُحْتَالُ.
وَيَثْبُتُ حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَيَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ.
وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُحِيلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ الْمُحْتَالُ قَدْ قَبَضَ الْحَقَّ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَقَدْ بَرِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ.
وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمُحِيلُ طَلَبَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَ أَخْذَهُ مِنْهُ، وَيَمْلِكَ مُطَالَبَتَهُ بِدَيْنِهِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَمَا قَبَضَهُ الْمُحْتَالُ، وَلَمْ يَتْلَفْ: فَلِلْمُحِيلِ أَخْذُهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.

وَقِيلَ: يَمْلِكُ الْمُحِيلُ أَخْذَهُ مِنْهُ.
وَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ الْمُطَالَبَةَ بِدَيْنِهِ، لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَةِ الْمُحِيلِ مِنْهُ بِالْحَوَالَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
انْتَهَيَا.
وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِالْعَكْسِ، بِأَنْ قَالَ الْمُحِيلُ " أَحَلْتُك بِدَيْنِك.
فَقَالَ: بَلْ وَكَّلْتنِي " فَفِيهَا الْوَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ، فَحَلَفَ: بَرِئَ مِنْ حَقِّ الْمُحْتَالِ.
وَلِلْمُحْتَالِ قَبْضُ الْمَالِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحْتَالِ، فَحَلَفَ: كَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ، وَمُطَالَبَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ قَبْلَ أَخْذِهِ مِنْ الْمُحِيلِ، فَلَهُ أَخْذُ مَا قَبَضَ لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ اسْتَوْفَى مِنْ الْمُحِيلِ دُونَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ: رَجَعَ الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا أَصَحُّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
وَإِنْ كَانَ قَبَضَ الْحَوَالَةَ، فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِتَفْرِيطٍ، أَوْ أَتْلَفَهَا: سَقَطَ حَقُّهُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ.
فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَسْقُطُ حَقُّهُ أَيْضًا.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ.
وَلَيْسَ لِلْمُحِيلِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَحَلْتُك بِدَيْنِك.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ وَجْهًا وَاحِدًا) .

يَعْنِي: إذَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَادَّعَى أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْوَكَالَةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ.
لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.

فَائِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَوَالَةُ عَلَى مَالِهِ فِي الدِّيوَانِ إذْنٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ.
وَلِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ وَمُطَالَبَةُ مُحِيلِهِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ مَسْأَلَةَ الْمُقَاصَّةِ هُنَا.
وَذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ فِي آخِرِ السَّلَمِ.
وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ، وَذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي آخِرِ بَابِ السَّلَمِ فَلْيُعَاوَدْ.

[بَابُ الصُّلْحِ]

ِ فَائِدَةٌ: " الصُّلْحُ " عِبَارَةٌ عَنْ مُعَاقَدَةٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى إصْلَاحٍ بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: هُوَ الْمُوَافَقَةُ بَعْدَ الْمُنَازَعَةِ.
انْتَهَى.
وَ " الصُّلْحُ " أَنْوَاعٌ: صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ.
وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.
وَصُلْحٌ بَيْنَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْعَدْلِ.
وَيَأْتِي.
وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا، أَوْ خَافَتْ الزَّوْجَةُ إعْرَاضَ زَوْجِهَا عَنْهَا.
وَيَأْتِي أَيْضًا.
وَبَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فِي غَيْرِ الْمَالِ، أَوْ فِي الْمَالِ.
وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
وَهُوَ قِسْمَانِ: صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَصُلْحٌ عَلَى الْإِنْكَارِ.
وَقِسْمٌ بِالْمَالِ.
وَهُوَ الصُّلْحُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ فِي صُلْحِ الْإِقْرَارِ (أَحَدُهُمَا: الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ، مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنٍ.
فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَيْنٍ.
فَيَهَبُ لَهُ بَعْضَهَا، وَيَأْخُذَ الْبَاقِي.
فَيَصِحُّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ.
مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ، أَوْ يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ) . إذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ بِعَيْنٍ، فَوَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ وَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا، وَمِنْ غَيْرِ شَرْطٍ: فَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إبْرَاءٌ.
وَالثَّانِيَ هِبَةٌ بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ بِلَفْظِ " الصُّلْحِ " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ.
قَالَ فِي الْفَرْعِ: لَا بِلَفْظِ " الصُّلْحِ " عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ.
وَهُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَنْ اعْتَرَفَ بِحَقٍّ فَصَالَحَ عَلَى بَعْضِهِ، لَمْ يَكُنْ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ.
وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ.
وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى.
انْتَهَى.
وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
وَعَنْهُ يَصِحُّ بِلَفْظِ " الصُّلْحِ " وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُوجَزِ، وَالتَّبْصِرَةِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا فِي خِصَالِهِ.
فَائِدَةٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِقْرَارِ لَا يُسَمَّى صُلْحًا.
وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
وَسَمَّاهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ صُلْحًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: وَالْخِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى: فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَصُورَتُهُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَهُمْ: أَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِعَيْنٍ، فَيُعَاوِضُهُ عَنْهَا، أَوْ يَهَبَهُ بَعْضَهَا، أَوْ بِدَيْنٍ.
فَيُبْرِئَهُ مِنْ بَعْضِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَيَصِحُّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، وَلَا امْتِنَاعَ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ بِدُونِهِ.
انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ " إنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ " لَهُ صُورَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ.
فَالصُّلْحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: بَاطِلٌ، قَوْلًا وَاحِدًا.

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِيَ أَوْ كَذَا.
وَمَا أَشْبَهَهُ.
فَالصُّلْحُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَاطِلٌ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ.

قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، كَالْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ وَنَحْوِهِمَا) إلَّا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ.
بِلَا نِزَاعٍ فِيهِمَا.
وَقَوْلُهُ (وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، إلَّا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ) . هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ أَيْضًا.
قَطَعَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ.
فَائِدَةٌ: يَصِحُّ الصُّلْحُ عَمَّا ادَّعَى عَلَى مُوَلِّيهِ، وَبِهِ بَيِّنَةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ (وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا: لَمْ يَصِحَّ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُبْهِجِ: رِوَايَةٌ يَصِحُّ.
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ هُنَا.
وَكَدَيْنِ الْكِتَابَةِ.
جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ.
وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الْحَالِّ، وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ: صَحَّ الْإِسْقَاطُ دُونَ التَّأْجِيلِ) .

أَمَّا الْإِسْقَاطُ: فَيَصِحُّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الْإِسْقَاطُ.
وَأَمَّا التَّأْجِيلُ: فَلَا يَصِحُّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ.
وَعَنْهُ يَصِحُّ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةً: بِتَأْجِيلِ الْحَالِّ فِي الْمُعَاوَضَةِ، لَا التَّبَرُّعِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ.
وَأَطْلَقَ فِي التَّلْخِيصِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ الصُّلْحِ.
ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ: فِي الْبَرَاءَةِ.
وَهُوَ الْإِسْقَاطُ.
فَأَمَّا الْأَجَلُ فِي الْبَاقِي: فَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ.
انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ قَالُوا: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ.
فَقَالَ: وَالدَّيْنُ إنْ يُوصَفْ بِالْحُلُولِ ... فَالصُّلْحُ لَا يَصِحُّ فِي الْمَنْقُولِ عَلَيْهِ بِالْبَعْضِ مَعَ التَّأْجِيلِ ... رَجَّحَهُ الْجُمْهُورُ بِالدَّلِيلِ وَقَالَ بِالْجَزْمِ بِهِ فِي الْكَافِي ... وَفَصَّلَ الْمُقْنِعُ لِلْخِلَافِ فَصَحِّحْ الْإِسْقَاطَ دُونَ الْأَجَلِ ... وَذَاكَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ يَنْجَلِي انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: مِثْلُ ذَلِكَ خِلَافًا وَمَذْهَبًا: لَوْ صَالَحَهُ عَنْ مِائَةِ صِحَاحٍ بِخَمْسِينَ مُكَسَّرَةً، هَلْ هُوَ: إبْرَاءٌ مِنْ الْخَمْسِينَ.
أَوْ وَعْدٌ فِي الْأُخْرَى؟

قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَ عَنْ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَإِ، أَوْ عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا: لَمْ يَصِحَّ) .

وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الصِّحَّةَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَعِوَضٍ وَكَالْمِثْلِيِّ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ تَأْجِيلُ الْقِيمَةِ.
قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا: رِوَايَةً بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا صَالَحَ عَنْ الْمِائَةِ الثَّابِتَةِ الْإِتْلَافِ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَهُ بِعَرَضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا: صَحَّ فِيهِمَا) . بِلَا نِزَاعٍ.
فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلِيًّا، مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ.
وَإِنْ صَالَحَ عَنْ قِيمَةِ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا: جَازَ.
قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ، كَكَلَامِ الْمُصَنِّفِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَ إنْسَانًا لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، أَوْ امْرَأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ: لَمْ يَصِحَّ) . بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَإِنْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةَ إلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ: صَحَّ) . أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ دَفَعَتْ مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ عَلَيْهَا الزَّوْجِيَّةَ: لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَكَلَامُهُمْ كَكَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ.
وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَغَيْرِهِ.

وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَمَتَى صَالَحَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ ثَبَتَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِإِقْرَارِهَا، أَوْ بِبَيِّنَةٍ.
فَإِنْ قُلْنَا: الصُّلْحُ بَاطِلٌ.
فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ صَحِيحٌ.
احْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ تَبِينَ مِنْهُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نِكَاحِهَا، فَكَانَ خُلْعًا.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ.
فَائِدَةٌ: لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، أَوْ أَقَلَّ، فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ، لِتَتْرُكَ دَعْوَاهَا: لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ دَفَعَتْ إلَيْهِ مَالًا لِيُقِرَّ بِطَلَاقِهَا: لَمْ يَجُزْ.
فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
قُلْت: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَفِي الْآخَرِ: يَجُوزُ كَمَا لَوْ بَذَلَتْهُ لِيُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا.
قُلْت: يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ.
وَيَحْرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.

تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ الْحَقِّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ.
فَإِنْ كَانَ بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ، فَهُوَ صَرْفٌ) . يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّرْفِ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْأَثْمَانِ فَهُوَ بَيْعٌ) . أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ بِلَفْظِ " الصُّلْحِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ.
وَقَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ.
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَفِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِلَفْظِ الصُّلْحِ تَرَدُّدٌ.
يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ.
وَعَلَّلَهُمَا.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ الصُّلْحُ عَنْ دَيْنٍ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُطْلَقًا.
وَيَحْرُمُ بِجِنْسِهِ بِأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ صَالَحَ بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ: حَرُمَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَهُ بِمَنْفَعَةٍ، كَسُكْنَى دَارٍ.
فَهُوَ إجَارَةٌ.
تَبْطُلُ بِتَلَفِ الدَّارِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ) . قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ، وَالْمُحَرَّرِ: لَوْ صَالَحَ الْوَرَثَةُ مَنْ وُصِّيَ لَهُ بِخِدْمَةٍ أَوْ سُكْنَى، أَوْ حَمْلِ أَمَةٍ، بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ: جَازَ لَا بَيْعًا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ صَالَحَتْ الْمَرْأَةُ بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا: صَحَّ.
فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيْبٍ فِي مَبِيعِهَا.
فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ: رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ لَا بِمَهْرِهَا) . وَهَكَذَا رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ قُرِئَتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَالْمُصَنِّفُ مُمْسِكٌ لِلْأَصْلِ، وَعَلَيْهَا خَطُّهُ.
وَكَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ " فَبَانَ صَحِيحًا ". وَفِي مُنَوَّرِ الْأَدَمِيِّ وَمُنْتَخَبِهِ " فَبَانَ أَنْ لَا عَيْبَ ". وَفِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ " فَبَانَ بِخِلَافِهِ " وَعَلَيْهَا شَرْحُ الشَّارِحِ فَمَفْهُومُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ حَقِيقَةً، ثُمَّ زَالَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْوَجِيزِ: بِلَا خِلَافٍ.
وَوُجِدَ فِي نُسَخٍ " فَزَالَ، أَيْ الْعَيْبُ " وَكَذَا فِي الْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
فَظَاهِرُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ: أَنَّهُ إنْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ حَقِيقَةً.
ثُمَّ زَالَ، كَالْحُمَّى مَثَلًا، وَالْمَرَضِ، وَنَحْوِهِمَا.

لَكِنْ أَوَّلَهُ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ.
وَقَالَ: مَعْنَى " زَالَ " تَبَيَّنَ.
وَذَكَرَ أَنَّهُ لِمَصْلَحَةٍ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي إصْلَاحِهِ، كَالنُّسْخَةِ الْأُولَى.
وَمَثَّلَهُ: بِمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ أَمَةً ظَنَّهَا حَامِلًا لِانْتِفَاخِ بَطْنِهَا.
ثُمَّ زَالَ.
وَقَالَ: صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ.
ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا: إنْ كَانَ مَوْجُودًا أَيْ: الْعَيْبُ عِنْدَ الْعَقْدِ، ثُمَّ زَالَ.
كَمَبِيعِ طَيْرٍ مَرِيضًا.
فَتَعَافَى: لَا شَيْءَ لَهَا.
وَزَوَالُ الْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ حَالَ الْعَقْدِ: لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَرْشِ.
لَكِنَّ تَأْوِيلَهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالنَّظْمِ.
فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الصُّورَتَيْنِ.
وَجَعَلُوا حُكْمَهُمَا وَاحِدًا.
إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ.
فَهُنَا صُورَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ.
فَهَذِهِ لَا نِزَاعَ فِيهَا فِي رَدِّ الْأَرْشِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ الْعَيْبُ مَوْجُودًا ثُمَّ زَالَ.
فَهَذِهِ مَحَلُّ الْكَلَامِ وَالْخِلَافِ.
فَحَكَى فِي الرِّعَايَتَيْنِ فِيهَا وَجْهَيْنِ.
وَزَادَ فِي الْكُبْرَى قَوْلًا ثَالِثًا.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَيْثُ زَالَ يُرَدُّ الْأَرْشُ.
وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْكَافِي، وَالْفُرُوعِ.
لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ " فَزَالَ ". وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَرْشَ قَدْ اسْتَقَرَّ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَلَوْ زَالَ الْعَيْبُ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُقْنِعِ فِي نُسْخَةٍ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ.
لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ " فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ " اخْتَارَهُ ابْنُ مُنَجَّى.
وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَكَأَنَّهُ مَا اطَّلَعَ عَلَى كَلَامِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَلَنَا قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ: اخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الْكُبْرَى.

فَقَالَ، قُلْت: إنْ زَالَ الْعَيْبُ وَالْعَقْدُ جَائِزٌ أَخَذَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
انْتَهَى.
قُلْت: وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
وَيُزَادُ " إذَا زَالَ سَرِيعًا عُرْفًا " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَعْدَهُ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ الرَّدِّ.
وَالْقَوْلُ بِالرَّدِّ مُطْلَقًا إذَا زَالَ الْعَيْبُ بَعِيدٌ.
إذْ لَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ يُرَدُّ فِيهِ.
ثُمَّ وَجَدْته فِي النَّظْمِ قَالَ " إذَا زَالَ سَرِيعًا " فَحَمِدْت اللَّهَ عَلَى مُوَافَقَةِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْمَجْهُولِ بِمَعْلُومٍ، إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ لِلْحَاجَةِ) . سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، أَوْ كَانَ الْجَهْلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ مِمَّنْ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَغَيْرِهِمَا: عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي صُلْحِ الْمَجْهُولِ، وَالْإِنْكَارَ مِنْ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ.
وَخَرَّجَهُ فِي التَّبْصِرَةِ مِنْ الْإِبْرَاءِ مِنْ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمَاهُ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ عَنْ أَعْيَانٍ مَجْهُولَةٍ.
لِكَوْنِهِ إبْرَاءً.
وَهِيَ لَا تَقْبَلُهُ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ.
وَاخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَقَالَ: قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ الْكَبِيرِ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْمَجْهُولِ: لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْهُ.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ كَالْبَيْعِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَغَيْرِهِ.
وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ كَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَقَدْ نَزَّلَ أَصْحَابُنَا الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ الْمُقَرِّ بِهِ بِمَعْلُومٍ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ.
فَيَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِقَطْعِ النِّزَاعِ.

فصول الكتاب · 4 فصل · 570 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي · 570 صفحة
المقدمة
ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
بَابِ الرَّهْنِ:
ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
جارٍ التحميل