الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويصفحات 401-440
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:

صفحات 401-440
عن هذه الطبعة
عَلَم
المرداوي
الكتاب
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
المؤلف
علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الطبعة
الثانية - بدون تاريخ
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الرَّابِعَةُ: لَيْسَ لِوَلِيِّ السَّفِيهِ الْمُبَذِّرِ مَنْعُهُ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَلَكِنْ يَدْفَعُ نَفَقَتَهُ إلَى ثِقَةٍ لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ وَزَادَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفَقَةِ الْحَجِّ: وَلَمْ يَكْتَسِبْ الزَّائِدَ، فَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَبْدِ إذَا أَحْرَمَ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، وَصَحَّحَ فِي النَّظْمِ أَنَّهُ يَمْنَعُهُ.
ذَكَرَهُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجْرِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَلَهُ فِي الْأَصَحِّ مَنْعُهُ مِنْهُ، وَتَحْلِيلُهُ بِصَوْمٍ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، فَإِنْ مَنَعَهُ فَأَحْرَمَ: فَهُوَ كَمَنْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ.

قَوْلُهُ (الْخَامِسُ: الِاسْتِطَاعَةُ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً) . هَذَا الْمَذْهَبُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ فِي حَقِّ مَنْ يَحْتَاجُهُمَا، فَأَمَّا مَنْ أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ وَالتَّكَسُّبُ بِالصَّنْعَةِ: فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَلِيمِ وَلَدُ الْمَجْدِ وَوَالِدُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي الْقُدْرَةِ بِالتَّكَسُّبِ.
وَقَالَ: هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِنَا، فَإِنَّ عِنْدَنَا يُجْبَرُ الْمُفْلِسُ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ قَالَ: وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ: كَانَ مُتَوَجِّهًا عَلَى أَصْلِنَا، وَقَالَ الْقَاضِي: مَا قَالَهُ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ، وَزَادَ فَقَالَ: تُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِصَنْعَةٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ إذَا كَانَتْ عَادَتَهُ.
انْتَهَى.
وَقِيلَ: مَنْ قَدَرَ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ مَكَّةَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ: لَزِمَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ، فَيَدْخُلُ فِي الْآيَةِ.
ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُسْتَحَبُّ الْحَجُّ لِمَنْ أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ وَالتَّكَسُّبُ بِالصَّنْعَةِ، وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَهُ حِرْفَةٌ الْمَسْأَلَةُ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي قَوْلِ أَحْمَدَ " لَا أُحِبُّ كَذَا " هَلْ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ الْكَرَاهَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
عَلَى مَا يَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: يُشْتَرَطُ الزَّادُ، سَوَاءٌ قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: الْحَجُّ

بَدَنِيٌّ مَحْضٌ، وَلَا يَجُوزُ دَعْوَى أَنَّ الْمَالَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَحْصُلُ الْمَشْرُوطُ بِدُونِهِ، وَهُوَ الْمُصَحَّح لِلْمَشْرُوطِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَكِّيَّ يَلْزَمُهُ، وَلَا مَالَ لَهُ.
انْتَهَى.
وَيُشْتَرَطُ مِلْكُ الزَّادِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَنَازِلِ لَزِمَهُ حَمْلُهُ.
وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الْمَنَازِلِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ إنْ كَانَ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ بِزِيَادَةٍ: فَفِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: حُكْمُهُ حُكْمُ شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ إذَا عُدِمَ.
عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْفُرُوعِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ هُنَا بَذْلُ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ وَإِنْ مَنَعْنَاهُ فِي شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَبَيْنَ هَذَا بِأَنَّ الْمَاءَ يَتَكَرَّرُ عَدَمُهُ، وَالْحَجُّ الْتَزَمَ فِيهِ الْمَشَاقَّ.
فَكَذَا الزِّيَادَةُ فِي ثَمَنِهِ إنْ كَانَتْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ.
لِئَلَّا يَفُوتَ.
نَقَلَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: الْقُدْرَةُ عَلَى وِعَاءِ الزَّادِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَأَمَّا الرَّاحِلَةُ: فَيُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا مَعَ الْبُعْدِ، وَقَدْرُهُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَقَطْ، إلَّا مَعَ الْعَجْزِ، كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ، وَأَمْكَنَهُ الْحَبْوُ لَمْ يَلْزَمْهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُرَادُ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ فِي الرَّاحِلَةِ (صَالِحَةٌ لِمِثْلِهِ) . يَعْنِي: فِي الْعَادَةِ؛ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الرَّاحِلَةِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْمَشْيِ؛ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ بَعْضُهُمْ؛ لِظَاهِرِ النَّصِّ، وَاعْتَبَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ إمْكَانَ الرُّكُوبِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ " رَاحِلَةٌ تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ " تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ عَنْ الرَّاحِلَةِ " تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ " أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الزَّادِ.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي الزَّادِ يَلْزَمُهُ؛ لِظَاهِرِ

النَّصِّ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَرْكِ الْحَجِّ، بِخِلَافِ الرَّاحِلَةِ.
قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّهُ كَالرَّاحِلَةِ.
انْتَهَى.
قُلْت: قَطَعَ بِذَلِكَ فِي الْوَجِيزِ، فَقَالَ " وَوَجَدَ زَادًا وَمَرْكُوبًا صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِ " وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِالزَّادِ: أَنْ لَا يَحْصُلَ مَعَهُ ضَرَرٌ لِرَدَاءَتِهِ.
فَائِدَةٌ: إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خِدْمَةِ نَفْسِهِ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ: اعْتَبَرَ مَنْ يَخْدُمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهِ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُهُ: عَادَةُ مِثْلِهِ فِي الزَّادِ، وَيَلْزَمُهُ لَوْ أَمْكَنَهُ لَزِمَهُ، عَمَلًا بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي: أَنَّهُ كَالرَّاحِلَةِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ.
قَوْلُهُ (فَاضِلًا عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ) . اعْلَمْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كِفَايَتُهُ وَكِفَايَةُ عِيَالِهِ إلَى أَنْ يَعُودَ، بِلَا خِلَافٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إذَا رَجَعَ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ، مِنْ عَقَارٍ أَوْ بِضَاعَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَمُحَرَّرِهِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ؛ لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ، وَالْكَافِي: يُعْتَبَرُ كِفَايَةُ عِيَالِهِ إلَى أَنْ يَعُودَ فَقَطْ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ إذَا كَانَ مَعَهُ نَفَقَةٌ تُبَلِّغُهُ مَكَّةَ وَيَرْجِعُ وَيَخْلُفُ نَفَقَةً لِأَهْلِهِ حَتَّى يَرْجِعَ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَاضِلًا عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ) أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَسَوَاءٌ كَانَ لِآدَمِيٍّ أَوْ لِلَّهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: وَأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ يُطَالَبُ بِهِ، بِحَيْثُ لَوْ قَضَاهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى كَمَالِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.
انْتَهَى.

فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا، أَوْ كَانَ حَالًّا، وَلَكِنْ لَا يُطَالَبُ بِهِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: عَدَمُ الْوُجُوبِ.

فَائِدَةٌ: إذَا خَافَ الْعَنَتَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ: قَدَّمَ النِّكَاحَ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ لِوُجُوبِهِ إذَنْ، وَحَكَاهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا، لَكِنْ نُوزِعَ فِي ادِّعَاءِ الْإِجْمَاعِ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْحَجَّ، اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ.
كَمَا لَوْ لَمْ يَخَفْهُ إجْمَاعًا.
قَوْلُهُ (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ) . وَكَذَا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ.
فَائِدَةٌ: لَوْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ مَا يَحُجُّ بِهِ بَعْدَ شِرَائِهِ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ: لَزِمَهُ الْحَجُّ قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَى كُتُبِهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُهَا، فَلَوْ اسْتَغْنَى بِإِحْدَى النُّسْخَتَيْنِ لِكِتَابٍ بَاعَ الْأُخْرَى.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْفِطْرَةِ.
قَوْلُهُ (فَمَنْ كَمُلَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، بِلَا رَيْبٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ.
ذَكَرَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَازِمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا.
زَادَ الْمَجْدُ: مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْغَصْبِ: إذَا حَجَّ بِمَالِ غَصْبٍ.

فَائِدَةٌ: لَوْ أَيْسَرَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْحَجِّ فَهَلْ يَجِبُ قَضَاءُ الْحَجِّ عَنْهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ.
قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهِ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ عَنْهُ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ مِنْ بَلَدِهِ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ عُوفِيَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعُوا بِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ: لَوْ اعْتَدَّتْ مِنْ رَفْعِ حَيْضِهَا بِسَنَةٍ: لَمْ تَبْطُلْ عِدَّتُهَا بِعَوْدِ حَيْضِهَا.
قَالَ الْمَجْدُ: وَهِيَ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا.
يَعْنِي: إذَا اسْتَنَابَ الْعَاجِزُ ثُمَّ عُوفِيَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى خِلَافٍ هُنَا لِلْخِلَافِ هُنَاكَ.
فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِ النَّائِبِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ أَيْضًا وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَصَحُّ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ.
وَهُوَ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ.
وَأَمَّا إذَا بَرِئَ قَبْلَ إحْرَامِ النَّائِبِ: فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ قَوْلًا وَاحِدًا.
الثَّانِيَةُ: أَلْحَقَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِالْعَاجِزِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ: مَنْ كَانَ نِضْوَ الْخِلْقَةِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ثَقِيلَةً لَا يَقْدِرُ مِثْلُهَا أَنْ يَرْكَبَ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ عَدَمَ الْقُدْرَةِ.
قَوْلُهُ " لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ عَنْهُ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ " يَعْنِي: يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْقُدْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ " مِنْ بَلَدِهِ " هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.

وَقِيلَ: يُجْزِئُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ.
وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ.

فَوَائِدُ.
مِنْهَا: لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى نَفَقَةِ رَاجِلٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: قِيلَ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ هُوَ اللُّزُومُ، وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ قَادِرًا وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا، فَفِي وُجُوبِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى إمْكَانِ السَّيْرِ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا.
قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَزَادَ: فَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ كَانَ الْمَالُ الْمُشْتَرَطُ فِي الْإِيجَابِ عَلَى الْمَغْصُوبِ بِقَدْرِ مَا نُوجِبُهُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، إذَا لَمْ يَجِدْ نَائِبًا: اشْتَرَطَ لِلْمَالِ الْمُوجَبِ عَلَيْهِ: أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ لِلنَّائِبِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ النَّائِبُ بَاذِلًا لِلطَّاعَةِ فِي الْبَعْضِ، وَهُوَ غَيْرُ مُوجِبٍ عَلَى أَصْلِنَا.
كَبَذْلِ الطَّاعَةِ فِي الْكُلِّ.

، وَمِنْهَا: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنُوبَ عَنْ الرَّجُلِ، وَلَا إسَاءَةَ وَلَا كَرَاهَةَ فِي نِيَابَتِهَا عَنْهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: يُكْرَهُ لِفَوَاتِ رَمَلٍ وَحَلْقٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ وَتَلْبِيَةٍ وَنَحْوِهَا.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ رُجِيَ زَوَالُ عِلَّتِهِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ وَهُوَ صَحِيحٌ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِئْهُ.
بِلَا نِزَاعٍ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إلَيْهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا لَا خَفَارَةَ فِيهِ، يُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ) يُشْتَرَطُ فِي الطَّرِيقِ: أَنْ يَكُونَ آمِنًا، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الْمُعْتَادِ، إذَا أَمْكَنَ سُلُوكُهُ، بَرًّا كَانَ أَوْ بَحْرًا.
لَكِنَّ الْبَحْرَ تَارَةً يَكُونُ فِيهِ السَّلَامَةُ، وَتَارَةً يَكُونُ فِيهِ الْهَلَاكُ، وَتَارَةً يَسْتَوِي فِيهِ الْأَمْرَانِ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ: لَزِمَهُ سُلُوكُهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ الْهَلَاكَ: لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ إجْمَاعًا، وَإِنْ سَلِمَ فِيهِ قَوْمٌ وَهَلَكَ فِيهِ

آخَرُونَ، فَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ.
وَلَمْ يُخَالِفْهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالنَّظْمِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْعَاقِلُ إذَا أَرَادَ سُلُوكَ طَرِيقٍ يَسْتَوِي فِيهِ احْتِمَالُ السَّلَامَةِ وَالْهَلَاكِ: وَجَبَ الْكَفُّ عَنْ سُلُوكِهَا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ شَهِيدًا، وَظَاهِرُ الْفُرُوعِ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ، وَيُشْتَرَطُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ خَفَارَةٌ.
فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَفَارَةٌ: لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَتْ الْخَفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ: لَزِمَهُ بَذْلُهَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ.
وَقَيَّدَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: بِالْيَسِيرَةِ.
زَادَ الْمَجْدُ: إذَا أَمِنَ الْغَدْرَ مِنْ الْمَبْذُولِ لَهُ.
انْتَهَى.
قُلْت: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ، بَلْ يَتَعَيَّنُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْخَفَارَةُ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنْ الْمُخْفَرِ، وَلَا تَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا كَمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنْ الرَّعَايَا.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " يُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ " لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُ ذَلِكَ لِكُلِّ سَفَرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِمَشَقَّتِهِ، عَادَةً، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُهُ حَمْلُ عَلَفِ الْبَهَائِمِ إنْ أَمْكَنَهُ كَالزَّادِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَظُنُّ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ " وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إلَيْهِ: لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ، وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا ". قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ إمْكَانَ الْمَسِيرِ، وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ: مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ ظَاهِرُ

كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا.
وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَعَنْهُ أَنَّ إمْكَانَ الْمَسِيرِ وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ: مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْمُحْرِمِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَشَرْحِ الْمَجْدِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ إذَا قَدَرَ؟ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَعْزِمْ.
كَمَا نَقُولُ فِي طَرَيَان الْحَيْضِ، وَتَلَفِ الزَّكَاةِ قَبْلَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ.
وَالْعَزْمُ فِي الْعِبَادَاتِ مَعَ الْعَجْزِ يَقُومُ مَقَامَ الْأَدَاءِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ الَّذِي فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَوْ حَجَّ وَقْتَ وُجُوبِهِ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ: تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ كَمُلَتْ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ: حَجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَإِنْ أَعْسَرَ قَبْلَ وُجُودِهِمَا: بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ قَبْلَ وُجُودِهِمَا.
فَائِدَةٌ: يَلْزَمُ الْأَعْمَى أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ قَائِدٌ.
كَبَصِيرٍ يَجْهَلُ الطَّرِيقَ، وَالْقَائِدُ لِلْأَعْمَى كَالْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ.
ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَأَطْلَقُوا الْقَائِدَ، وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: يُشْتَرَطُ لِلْأَدَاءِ قَائِدٌ يُلَائِمُهُ.
أَيْ يُوَافِقُهُ، وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْقَائِدِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: وَزِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ، وَقِيلَ: وَغَيْرُ مُجْحِفَةٍ، وَلَوْ تَبَرَّعَ الْقَائِدُ لَمْ يَلْزَمْهُ لِلْمِنَّةِ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ: أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) بِلَا نِزَاعٍ، وَسَوَاءٌ فَرَّطَ أَوْ لَا، وَيَكُونُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مِنْ أَقْرَبِ وَطَنَيْهِ لِيَتَخَيَّرَ الْمَنُوبَ عَنْهُ، وَقِيلَ: مَنْ لَزِمَهُ بِخُرَاسَانَ فَمَاتَ بِبَغْدَادَ حَجَّ مِنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ كَحَيَاتِهِ، وَقِيلَ: هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، لَكِنْ احْتَسَبَ لَهُ بِسَفَرِهِ مِنْ بَلَدِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
لِأَنَّهُ مُتَّجَهٌ لَوْ سَافَرَ لِلْحَجِّ، قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: وَيَلْزَمُ الْوَرَثَةَ أَنْ يَحُجُّوا مِنْ أَصْلِ مَالِ الْمَيِّتِ عَنْهُ، حَتَّى يُخْرِجُوا هَذَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِالْوَصِيَّةِ، وَلَا تُجْزِئُ مِنْ مِيقَاتَيْهِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ، وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ حَجَّ عَنْهُ خَارِجًا عَنْ بَلَدِ الْمَيِّتِ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْقَرِيبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ: لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ، وَيَكُونُ مُسِيئًا.
كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَأَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ.
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِيمَا إذَا حَجَّ عَنْ الْمَعْضُوبِ، وَتَقَدَّمَ إذَا أَيْسَرَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ.

فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: الصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُ الْوَلِيِّ بِإِذْنِهِ وَبِدُونِهِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُصُولِهِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
ذَكَرَهُ فِي بَابِ حُكْمِ قَضَاءِ الصَّوْمِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ آخِرُ مَا بَيَّضَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ مَاتَ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ فِي الطَّرِيقِ: حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ فِيمَا بَقِيَ مَسَافَةً قَوْلًا وَفِعْلًا.
قَوْلُهُ (فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ: أُخِذَ لِلْحَجِّ بِحِصَّتِهِ، وَحُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَسْقُطُ الْحَجُّ سَوَاءٌ عُيِّنَ فَاعِلُهُ أَوْ لَا، وَعَنْهُ يُقَدَّمُ الدَّيْنُ لِتَأَكُّدِهِ.
وَهُوَ قَوْلٌ فِي شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ.

فَائِدَةٌ: لَوْ وَصَّى بِحَجِّ نَفْلٍ، أَوْ أَطْلَقَ: جَازَ مِنْ الْمِيقَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
مَا لَمْ تَمْنَعْ قَرِينَةٌ، وَقِيلَ: مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي التَّرْغِيبِ كَحَجٍّ وَاجِبٍ.
وَمَعْنَاهُ لِلْمُصَنِّفِ، وَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْمُوصَى بِهِ.

قَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ: وُجُودُ مَحْرَمِهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
يَعْنِي: أَنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، كَالِاسْتِطَاعَةِ وَغَيْرِهَا.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ

الْخِرَقِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْعُمْدَةِ، وَالْإِفَادَاتِ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ أَنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ، فَعَلَيْهَا: يُحَجُّ عَنْهَا لَوْ مَاتَتْ، أَوْ مَرِضَتْ مَرَضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَيَلْزَمُهَا أَنْ تُوصِيَ بِهِ.
وَهِيَ أَيْضًا مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.، وَعَلَى الْمَذْهَبُ: لَمْ تَسْتَكْمِلْ شُرُوطَ الْوُجُوبِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ إلَّا فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مَعَ النِّسَاءِ وَمَعَ كُلِّ مَنْ أَمِنَتْهُ، وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ فِي الْقَوَاعِدِ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يُخْشَى مِنْهُنَّ وَلَا عَلَيْهِنَّ فِتْنَةٌ.
ذَكَرَهَا الْمَجْدُ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ صَاحِبُ الْفُرُوعِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَحُجُّ كُلُّ امْرَأَةٍ آمِنَةٍ مَعَ عَدَمِ الْمَحْرَمِ.
وَقَالَ: هَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي كُلِّ سَفَرِ طَاعَةٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ [وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْخُنْثَى كَالرَّجُلِ] . فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ دُونَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَسِعَةِ الْوَقْتِ.
حَيْثُ شَرَطَهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُمَا، وَظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي الْخَطَّابِ: يَقْتَضِي رِوَايَةً بِالْعَكْسِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَطَعَ بِأَنَّهُمَا شَرْطَانِ

لِلْوُجُوبِ، وَذَكَرَ فِي الْمُحَرَّرِ: رِوَايَةً بِأَنَّهُ شَرْطُ لُزُومٍ.
قَالَ: وَالتَّفْرِقَةُ عَلَى كِلَا الطَّرِيقَيْنِ مُشْكِلَةٌ، وَالصَّحِيحُ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ، إمَّا نَفْيًا، وَإِمَّا إثْبَاتًا.
انْتَهَى.
قُلْت: مِمَّنْ سَوَّى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ: الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ فِيهِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْوَجِيزِ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ، وَأَشَارَ ابْنُ عَقِيلٍ إلَى أَنَّهَا تُزَادُ لِلْحِفْظِ وَالرَّاحَةِ لِنَفْسِ السَّعْيِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَا قَالَهُ الْمَجْدُ صَحِيحٌ، وَذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَقِيلٍ.
انْتَهَى.
وَمِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَحْرَمِ، وَسِعَةِ الْوَقْتِ، وَأَمْنِ الطَّرِيقِ: الْمُصَنِّفُ فِي الْمُقْنِعِ، وَالْكَافِي.
فَإِنَّهُ قَدَّمَ فِيهِمَا: أَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ اللُّزُومِ، وَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ النَّاظِمُ، وَتَبِعَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ صَاحِبَ الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكَ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةَ، وَالْهِدَايَةَ، فَقَطَعُوا بِأَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَأَطْلَقُوا فِي الْمَحْرَمِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَطَعَ فِي الْإِيضَاحِ: أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، وَأَطْلَقَ فِيهِمَا رِوَايَتَيْنِ عَكْسَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَقَدَّمَ فِي التَّلْخِيصِ: أَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ اللُّزُومِ كَالْمُصَنِّفِ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ التَّفْرِقَةُ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فِيهِمَا الرِّوَايَتَيْنِ " مِنْهُ وَعَنْهُ " وَقَالَ: اخْتَارَ الْأَكْثَرُ أَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ.
وَقَدَّمَ أَنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، فَمُوَافَقَتُهُ لِلْمَجْدِ تُنَافِي مَا اصْطَلَحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَظَهَرَ أَنَّ لِلْمُصَنِّفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَ طُرُقٍ فِي كُتُبِهِ: الْكَافِي، وَالْمُقْنِعِ.
وَالْهَادِي.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: دَخَلَ فِي عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ (وَهُوَ زَوْجُهَا أَوْ مَنْ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ، أَوْ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ) رَابُّهَا وَهُوَ زَوْجُ أُمِّهَا وَرَبِيبُهَا وَهُوَ ابْنُ زَوْجِهَا وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِمَا.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ فِي أُمِّ امْرَأَتِهِ: يَكُونُ مَحْرَمًا لَهَا فِي حَجِّ الْفَرْضِ فَقَطْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] الْآيَةَ، وَعَنْهُ الْوَقْفُ فِي نَظَرِ شَعْرِهَا، وَشَعْرِ الرَّبِيبَةِ؛ لِعَدَمِ ذِكْرِهِمَا فِي الْآيَةِ، وَهِيَ أَيْضًا مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ (نَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ) يُحْتَرَزُ مِنْهُ عَنْ السَّبَبِ غَيْرِ الْمُبَاحِ.
كَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا، فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِأُمِّ الْمَوْطُوءَةِ وَابْنَتِهَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مُبَاحٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: كَالتَّحْرِيمِ بِاللِّعَانِ وَأَوْلَى، وَعَنْهُ بَلَى.
يَكُونُ مَحْرَمًا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ لَا الزِّنَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي التَّلْخِيصِ، فَإِنَّهُ قَالَ: بِسَبَبٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِثُبُوتِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، فَيَدْخُلُ فِي الْآيَةِ، بِخِلَافِ الزِّنَا.
الثَّالِثُ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالشُّبْهَةِ مَا جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ: أَنَّهُ الْوَطْءُ الْحَرَامُ مَعَ الشُّبْهَةِ، كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَنَحْوِهَا.
لَكِنْ ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، فِي مَسْأَلَةِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ: أَنَّ الْوَطْءَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ كَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ.
الرَّابِعُ " ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَجَمَاعَةٍ: أَنَّ الْمُلَاعِنَ يَكُونُ مَحْرَمًا لِلْمُلَاعَنَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ.
وَلَا أَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا، فَلِهَذَا قَالَ الْأَدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ: بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ.
الْخَامِسُ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ، دُونَ الْمَحْرَمِيَّةِ.
انْتَهَى.

فَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامِ مَنْ أَطْلَقَ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: الْمَحْرَمُ زَوْجُهَا، أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا.
لَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيمِهَا بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًا، فَقِيلَ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ: لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ، عَلَى الْمُسْلِمِ أَبَدًا بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَلَيْسُوا بِمَحَارِمَ لَهُنَّ، فَقِيلَ: كَانَ يَجِبُ اسْتِثْنَاؤُهُنَّ كَمَا اسْتَثْنَى الْمَزْنِيَّ بِهَا.
فَأُجِيبُ: لِانْقِطَاعِ حُكْمِهِنَّ، فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْمُلَاعَنَةَ، وَلَا جَوَابَ عَنْهُ.
السَّادِسُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِسَيِّدَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
انْتَهَى.
[قَالَ الْقَاضِي مُوَفَّقُ الدِّينِ فِي شَرْحِ مَنَاسِكِ الْمُقْنِعِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ أَمْرُهُ] وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ أَيْضًا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّظَرِ الْمَحْرَمِيَّةُ، وَعَنْهُ هُوَ مَحْرَمٌ لَهَا، قَالَ الْمَجْدُ: لِأَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَحْرَمٌ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
[السَّابِعُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: دُخُولُ الْعَبْدِ إذَا كَانَ قَرِيبًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَشَرَطَ كَوْنَ الْمَحْرَمِ ذَكَرًا مُكَلَّفًا مُسْلِمًا، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَغَيْرِهِ: وَاشْتَرَطَ الْحُرِّيَّةَ فِي الْمَحْرَمِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَجَزَمَ بِهِ] . فَوَائِدُ.
الْأُولَى: قَوْلُهُ (إذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا) . بِلَا نِزَاعٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ

أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ نَاظِمُهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمُسْلِمِ أَمِينًا عَلَيْهَا، قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ فِي النَّظَرِ.
قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ إنْ أَمِنَ عَلَيْهَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الذِّمِّيَّ الْكِتَابِيَّ مَحْرَمٌ لِابْنَتِهِ الْمُسْلِمَةِ، إنْ قُلْنَا: يَلِي نِكَاحَهَا كَالْمُسْلِمِ.
انْتَهَى، قُلْت: يُشْكِلُ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: إنَّهُمْ يَمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِهِ الْحَرَمَ، لَكِنْ لَنَا هُنَاكَ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ لِلضَّرُورَةِ، أَوْ لِلْحَاجَةِ، أَوْ مُطْلَقًا، فَيَتَمَشَّى هَذَا الِاحْتِمَالُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ.
الثَّانِيَةُ: نَفَقَةُ الْمَحْرَمِ تَجِبُ عَلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ تَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَهَا وَلَهُ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ بَذَلَتْ النَّفَقَةَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْ الْمَحْرَمَ غَيْرَ عَبْدِهَا السَّفَرُ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَزِمَهُ.
الرَّابِعَةُ: مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ لَوْ أَرَادَ أُجْرَةً لَا تَلْزَمُهَا، قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهَا كَنَفَقَتِهِ كَمَا فِي التَّغْرِيبِ فِي الزِّنَا، وَفِي قَائِدِ الْأَعْمَى، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ لَمْ يَلْزَمْهَا لِلْمِنَّةِ.
قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَجِبَ لِلْمَحْرَمِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لَا النَّفَقَةُ كَقَائِدِ الْأَعْمَى، وَلَا دَلِيلَ يَخُصُّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ.
الْخَامِسَةُ: إذَا أَيِسَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْمَحْرَمِ، وَقُلْنَا: يُشْتَرَطُ لِلُّزُومِ السَّعْيِ، أَوْ كَانَ وَوُجِدَ، وَفَرَّطَتْ بِالتَّأْخِيرِ حَتَّى عُدِمَ: فَعَنْهُ تُجَهِّزُ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهَا، قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى كَالْمَغْصُوبِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، قَالَ الْمَجْدُ: يُمْكِنُ حَمْلُ الْمَنْعِ عَلَى أَنَّ تَزَوُّجَهَا لَا يَبْعُدُ عَادَةً، وَالْجَوَازُ عَلَى مَنْ أَيِسَتْ ظَاهِرًا أَوْ عَادَةً، لِزِيَادَةِ سِنٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهَا عَدَمُهُ.

ثُمَّ إنْ تَزَوَّجَتْ أَوْ اسْتَنَابَتْ مَنْ لَهَا مَحْرَمٌ، ثُمَّ فُقِدَ، فَهِيَ كَالْمَعْضُوبِ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمٌ سَقَطَ فَرْضُ الْحَجِّ بِبَدَنِهَا، وَوَجَبَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهَا غَيْرُهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيَاسِ.
قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: إنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا فَرِوَايَتَانِ؛ لِتَرَدُّدِ النَّظَرِ فِي حُصُولِ الْإِيَاسِ مِنْهُ.

قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا نَذْرَهُ وَلَا نَافِلَةً، فَإِنْ فَعَلَ انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) . اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَأَرَادَ الْحَجَّ: فَتَارَةً يُرِيدُ الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَتَارَةً يُرِيدُ الْحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَرَادَ الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ: لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ: انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ حَجُّ الْغَيْرِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَوْ نَذْرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْغَيْرُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا.
هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَقَعُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ.
ثُمَّ يَقْلِبُهُ الْحَاجُّ عَنْ نَفْسِهِ.
نَقَلَ إسْمَاعِيلُ الشَّالَنْجِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ.
لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ قَالَ لِمَنْ لَبَّى عَنْ غَيْرِهِ " اجْعَلْهَا عَنْ نَفْسِك "، وَعَنْهُ يَقَعُ بَاطِلًا.
نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْهُ يَجُوزُ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَقَعُ عَنْهُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرٌ.
نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مَاهَانَ: وَفِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةٌ: يَقَعُ عَمَّا نَوَاهُ بِشَرْطِ عَجْزِهِ عَنْ حَجِّهِ لِنَفْسِهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَنُوبُ مَنْ لَمْ يُسْقِطْ فَرْضَ نَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ مَا قِيلَ: يَنُوبُ فِي نَفْلٍ عَبْدٌ وَصَبِيٌّ، وَيَحْرُمُ

وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَرَجَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْمَنْعَ، وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ نَذْرًا أَوْ نَافِلَةً، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَيَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَقَعُ مَا نَوَاهُ، وَعَنْهُ يَقَعُ بَاطِلًا، وَلَمْ يَذْكُرْهَا بَعْضُهُمْ هُنَا.
مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُمْ، وَحَكَوْهَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا تُجْزِئُ عَنْ الْمَنْذُورَةِ، مَعَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مَعًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: تُجْزِئُ عَنْهُمَا، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ.

فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: لَوْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ مَنْ عَلَيْهِ نَذْرٌ: فَفِيهِ الرِّوَايَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ نَقْلًا وَمَذْهَبًا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ هَذَا وَغَيْرَهُ الْأَشْهَرُ فِي أَنَّهُ يَسْلُكُ فِي النَّذْرِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ لَا النَّفْلِ.
الثَّانِيَةُ: الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ أَتَى بِوَاجِبِ أَحَدِهِمَا: فَلَهُ فِعْلُ نَذْرِهِ وَنَفْلِهِ قَبْلَ إتْيَانِهِ بِالْآخَرِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِوُجُوبِهِمَا عَلَى الْفَوْرِ.

الرَّابِعَةُ: لَوْ حَجَّ عَنْ نَذْرِهِ، أَوْ عَنْ نَفْلِهِ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ وَقَعَتْ عَنْ الْقَضَاءِ دُونَ مَا نَوَاهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ.

الْخَامِسَةُ: النَّائِبُ كَالْمَنُوبِ عَنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
فَلَوْ أَحْرَمَ النَّائِبُ بِنَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ عَمَّنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ: وَقَعَ عَنْهَا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ اسْتَنَابَ عَنْهُ، أَوْ عَنْ مَيِّتٍ وَاحِدًا فِي فَرْضِهِ، وَآخَرَ فِي نَذْرِهِ فِي سَنَةٍ: جَازَ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّأْجِيرِ؛ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ

كَذَا قَالَ، فَيَلْزَمُهُ وُجُوبُهُ إذًا، وَيُحْرِمُ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْآخَرِ، وَأَيُّهُمَا أَحْرَمَ بِهِ أَوَّلًا: فَعَنْ، حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ الْأُخْرَى عَنْ النَّذْرِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُحْتَمَلُ الْإِجْزَاءُ.
لِأَنَّهُ قَدْ يُعْفَى عَنْ التَّعْيِينِ فِي بَابِ الْحَجِّ، وَيَنْعَقِدُ بِهِمَا، ثُمَّ يُعَيِّنُ.
قَالَ، وَهُوَ أَشْبَهُ، وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ، لِاعْتِبَارِ تَعْيِينِهِ، بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ (وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ: أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالصَّرْصَرِيُّ فِي نَظْمِهِ.
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَيَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، وَلَا يَصِحُّ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ إذَا كَانَ عَاجِزًا يُرْجَى مَعَهُ زَوَالُ عِلَّتِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ.
وَتَابَعَهُ الشَّارِحُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْقَادِرِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْخِلَافِ، كَمَا تَقَدَّمَ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ.

فَوَائِدُ.
مِنْهَا: حُكْمُ الْمَحْبُوسِ: حُكْمُ الْمَرِيضِ الْمَرْجُوُّ بُرْؤُهُ.
قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.

وَمِنْهَا: يَصِحُّ الِاسْتِنَابَةُ عَنْ الْمَعْضُوبِ وَالْمَيِّتِ فِي النَّفْلِ، إذَا كَانَا قَدْ حَجَّا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَمِنْهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ.
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: إنْ لَمْ يَحُجَّا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُمَا وَعَنْ غَيْرِهِمَا.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْأُمَّ، وَيُقَدِّمَ وَاجِبَ أَبِيهِ عَلَى نَفْلِ أُمِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ طَاعَةِ وَالِدَيْهِ فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ وَالنَّفَلِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ ".

، وَمِنْهَا: فِي أَحْكَامِ النِّيَابَةِ، فَنَقُولُ: مَنْ أَعْطَى مَالًا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ شَخْصٍ بِلَا إجَارَةٍ وَلَا جَعَالَةٍ: جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ كَالْغَزْوِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ وَيَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ لِلْإِجَارَةِ، أَوْ: أَحُجُّ حَجَّةً بِكَذَا، وَالنَّائِبُ أَمِينٌ، يَرْكَبُ وَيُنْفِقُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْهُ، أَوْ مِمَّا اقْتَرَضَهُ أَوْ اسْتَدَانَهُ لِعُذْرٍ عَلَى رَبِّهِ، أَوْ يُنْفِقُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَنْوِي رُجُوعَهُ بِهِ، وَتَرَكَهُ وَأَنْفَقَ مِنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا يَضْمَنُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
انْتَهَى.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَضْمَنُ مَا زَادَ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بَلْ أَبَاحَهُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ، وَلَوْ أَحْرَمَ، ثُمَّ مَاتَ مُسْتَنِيبُهُ: أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ، وَضَمِنَ مَا أَنْفَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ لَا؛ لِلُزُومِ مَا أَذِنَ فِيهِ.
قَالَ فِي الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ " حُجَّ عَنِّي بِهَذَا فَمَا فَضَلَ فَلَكَ " لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ تِجَارَةً قَبْلَ حَجِّهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَجُوزُ لَهُ صَرْفُ نَقْدٍ بِآخَرَ لِمَصْلَحَتِهِ، وَشِرَاءُ مَاءٍ لِلطَّهَارَةِ بِهِ، وَتَدَاوِي، وَدُخُولُ حَمَّامٍ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ ضَلَّ أَوْ صُدَّ أَوْ مَرِضَ أَوْ تَلِفَ بِلَا تَفْرِيطٍ أَوْ أَعْوَزَ بَعْدَهُ: لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ كَلَامِهِمْ: يُصَدَّقُ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَمْرًا ظَاهِرًا، فَبِبَيِّنَةٍ.

وَلَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ إنْ رَجَعَ لِمَرَضٍ: رَدَّ مَا أَخَذَ، كَرُجُوعِهِ لِخَوْفِهِ مَرَضًا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ احْتِمَالٌ، وَإِنْ سَلَكَ طَرِيقًا يُمْكِنُهُ سُلُوكُ أَقْرَبَ مِنْهُ بِلَا ضَرَرٍ: ضَمِنَ مَا زَادَ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: أَوْ تَعَجَّلَ عَجَلَةً يُمْكِنُهُ تَرْكُهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: وَيَضْمَنُ مَا زَادَ عَلَى أَمْرٍ بِسُلُوكِهِ، وَلَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُحِلًّا.
ثُمَّ رَجَعَ لِيُحْرِمَ: ضَمِنَ نَفَقَةَ تَجَاوُزِهِ وَرُجُوعِهِ، وَإِنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَوْقَ مُدَّةِ قَصْرٍ بِلَا عُذْرٍ فَمِنْ مَالِهِ، وَلَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ.
خِلَافًا لِلرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، إلَّا أَنْ يَتَّخِذَهَا دَارًا، وَلَوْ سَاعَةً وَاحِدَةً فَلَا، وَهَلْ الْوَحْدَةُ عُذْرٌ أَمْ لَا؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: مُخْتَلِفٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ عُذْرٌ، وَمَعْنَاهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِ لِلنَّهْيِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ: إنْ شَرَطَ الْمُؤَجِّرُ عَلَى أَجِيرِهِ: أَنَّهُ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْقَافِلَةِ، أَوْ لَا يَسِيرُ فِي آخِرِهَا، أَوْ وَقْتَ الْقَائِلَةِ، أَوْ لَيْلًا، فَخَالَفَ: ضَمِنَ.
فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِلَا شَرْطٍ، وَالْمُرَادُ مَعَ الْأَمْنِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَتَى وَجَبَ الْقَضَاءُ فَمِنْهُ، عَنْ الْمُسْتَنِيبِ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّةَ لَمْ تَقَعْ عَنْ مُسْتَنِيبِهِ كَجِنَايَتِهِ.
كَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَكَذَا فِي الرِّعَايَةِ: نَفَقَةُ الْفَاسِدِ وَالْقَضَاءُ عَلَى النَّائِبِ.
وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ الْمُسْتَوْعِبِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنْ حَجَّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ: أَجْزَأَهُ، وَمَعَ عُذْرٍ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ إنْ فَاتَ بِلَا تَفْرِيطٍ احْتَسَبَ لَهُ النَّفَقَةَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْقَضَاءُ فَعَلَيْهِ؛ لِدُخُولِهِ فِي حَجٍّ ظَنَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ.
وَفَاتَهُ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إنْ فَاتَ بِلَا تَفْرِيطٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا: إلَّا وَاجِبًا عَلَى مُسْتَنِيبٍ، فَيُؤَدِّي عَنْهُ بِوُجُوبٍ سَابِقٍ، وَالدِّمَاءُ عَلَيْهِ، وَالْمَنْصُوصُ: وَدَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ كَنَهْيِهِ: عَلَى مُسْتَنِيبِهِ إنْ أَذِنَ.
كَدَمِ إحْصَارٍ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي دَمِ إحْصَارٍ وَجْهَيْنِ.

وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إنْ أَمَرَ مَرِيضٌ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ، فَنَسِيَ الْمَأْمُورُ: أَسَاءَ، وَالدَّمُ عَلَى الْآمِرِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ مَا سَبَقَ مِنْ نَفَقَةِ تَجَاوُزِهِ وَرُجُوعِهِ وَالدَّمِ مَعَ عُذْرٍ: عَلَى مُسْتَنِيبِهِ.
كَمَا ذَكَرُوهُ فِي النَّفَقَةِ فِي فَوَاتِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ.
انْتَهَى.
وَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الدَّمَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِهِ: لَمْ يَصِحَّ شَرْطٌ.
كَأَجْنَبِيٍّ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ إنْ شَرَطَ عَلَى نَائِبٍ لَمْ يَصِحَّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الرِّعَايَةِ.
فَيُؤْخَذُ مِنْهُ: يَصِحُّ عَكْسُهُ، وَفِي صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ لِحَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ: رِوَايَتَا الْإِجَارَةِ عَلَى قُرْبَةٍ.
يَأْتِيَانِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْإِجَارَةِ.
وَالْمَذْهَبُ: عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَيَلْزَمُ مَنْ اسْتَنَابَهُ إجَارَةٌ بِدَلِيلِ اسْتِنَابَةِ قَاضٍ، وَفِي عَمَلٍ مَجْهُولٍ، وَمُحْدِثٍ فِي صَلَاةٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالُوا، وَاخْتَارَ ابْنُ شَاقِلَا تَصِحُّ، وَذُكِرَ فِي الْوَسِيلَةِ الصِّحَّةُ عَنْهُ، وَعَنْ الْخِرَقِيِّ، فَعَلَى هَذَا: تُعْتَبَرُ شُرُوطُ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ عَيْنَهُ لَمْ يَسْتَنِبْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ كَتَوْكِيلٍ، وَأَنْ يَسْتَنِيبَ لِعُذْرٍ، وَإِنْ أَلْزَمَ ذِمَّتَهُ بِتَحْصِيلِ حَجَّةٍ لَهُ اسْتَنَابَ، فَإِنْ قَالَ " بِنَفْسِك " قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ فِي بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ تَرَدُّدٌ، فَإِنْ صَحَّتْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِيبَ.
انْتَهَى.

[وَلَا يَسْتَنِيبُ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ، وَيَجُوزُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ، فَإِنْ قَالَ بِنَفْسِك: لَمْ يَجُزْ فِي وَجْهٍ، وَفِي آخَرَ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ] ، قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ، فَقَالَ: تَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِ كَذَا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَقُولَ: تُحْرِمُ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِ كَذَا، وَإِلَّا فَمَجْهُولَةٌ، فَإِذَا وَقَّتَ مَكَانًا يُحْرِمُ مِنْهُ، فَأَحْرَمَ قَبْلَهُ فَمَاتَ: فَلَا أُجْرَةَ، وَالْأُجْرَةُ مِنْ إحْرَامِهِ مِمَّا عَيَّنَهُ إلَى فَرَاغِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ لَا جَهَالَةَ، وَيُحْمَلُ عَلَى عَادَةِ ذَلِكَ الْبَلَدِ غَالِبًا، وَمَعْنَاهُ

كَلَامُ أَصْحَابِنَا وَمُرَادُهُمْ.
قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَلَدِ إلَّا مِيقَاتٌ وَاحِدٌ جَازَ.
فَعَلَى قَوْلِهِ: يَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَيُعْتَبَرُ تَعْيِينُ النُّسُكِ وَانْفِسَاخُهَا بِتَأْخِيرٍ، وَيَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ، فَإِنْ قَدِمَ فَيَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ لِمَصْلَحَتِهِ، وَعَدَمُهُ لِعَدَمِهَا، وَإِلَّا فَاحْتِمَالَانِ، أَظْهَرُهُمَا: يَجُوزُ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: يَجُوزُ، وَأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا.
وَيَمْلِكُ مَا يَأْخُذُهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ، وَلَوْ أُحْصِرَ، أَوْ ضَلَّ أَوْ تَلِفَ مَا أَخَذَهُ، فَرَّطَ أَوْ لَا، وَلَا يَحْتَسِبُ لَهُ بِشَيْءٍ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: وَلَا يَضْمَنُ بِلَا تَفْرِيطٍ.
وَالدِّمَاءُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَفْسَدَهُ كَفَّرَ، وَمَضَى فِيهِ وَقَضَاهُ، وَتُحْسَبُ أُجْرَةُ مُسَافِرٍ قَبْلَ إحْرَامِهِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا.
وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ قِسْطُ مَا سَارَهُ، لَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
خِلَافًا لِصَاحِبِ الرِّعَايَةِ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ رُكْنٍ لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْبَاقِي، وَمَنْ ضَمِنَ الْحَجَّةَ بِأُجْرَةٍ أَوْ جُعْلٍ: فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِلَا تَفْرِيطٍ كَمَا سَبَقَ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مِيقَاتٍ فَمَاتَ قَبْلَهُ فَلَا، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ: اُحْتُسِبَ مِنْهُ إلَى مَوْتِهِ، وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْ مَيِّتٍ، فَهَلْ تَصِحُّ الْإِقَالَةُ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمَيِّتِ، يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَانِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: الْأَوْلَى الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، فَهُوَ كَالشَّرِيكِ، وَالْمُضَارِبِ، وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ الْإِقَالَةِ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي الشَّرِكَةِ، وَعَلَى الثَّانِي: يُعَايَى بِهَا.

وَمَنْ أُمِرَ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يَرُدُّ كُلَّ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ.
وَنَصِّ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: إنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مِيقَاتٍ فَلَا، وَمِنْ مَكَّةَ: يَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ مَا بَيْنَهُمَا

وَمَنْ أُمِرَ بِإِفْرَادٍ فَقَرَنَ لَمْ يَضْمَنْ كَتَمَتُّعِهِ، وَفِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يُعْذَرُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَمَنْ أُمِرَ بِتَمَتُّعٍ فَقَرَنَ: لَمْ يَضْمَنْ، وَفِي الرِّعَايَةِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ، وَعُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ كَإِفْرَادِهِ وَلَوْ اعْتَمَرَ.
لِأَنَّهُ أَحَلَّ فِيهَا مِنْ الْمِيقَاتِ، وَمَنْ أُمِرَ بِقِرَانٍ فَتَمَتَّعَ وَأَفْرَدَ فَلِلْآمِرِ، وَيَرُدُّ نَفَقَةً قَدْرَ مَا يَتْرُكُهُ مِنْ إحْرَامِ النُّسُكِ الْمَتْرُوكِ مِنْ الْمِيقَاتِ.
ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهَا: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ، وَإِنْ مِنْ تَمَتُّعٍ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا.

، وَإِنْ اسْتَنَابَ شَخْصًا فِي حَجَّةٍ وَاسْتَنَابَهُ آخَرُ فِي عُمْرَةٍ فَقَرَنَ، وَلَمْ يَأْذَنَا لَهُ: صَحَّا لَهُ، وَضَمِنَ الْجَمِيعَ كَمَنْ أُمِرَ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ أَوْ عَكْسَهُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: يَقَعُ عَنْهُمَا، وَيَرُدُّ نِصْفَ نَفَقَةِ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي صِفَتِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي الْقَوْلَيْنِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ تُشْبِهُ مَنْ أُمِرَ بِالتَّمَتُّعِ فَقَرَنَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْهُمَا لَا ضَمَانَ هُنَا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ عَدَّدَ أَفْعَالَ النُّسُكَيْنِ، وَإِلَّا فَاحْتِمَالَانِ.
انْتَهَى، قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الصِّحَّةِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَضَمَانُ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ أُمِرَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَقَرَنَ لِنَفْسِهِ: فَالْخِلَافُ، وَإِنْ فَرَّغَهُ ثُمَّ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ صَحَّ، وَلَمْ يَضْمَنْ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ نَفْسِهِ مُدَّةَ مَقَامِهِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ أُمِرَ بِإِحْرَامٍ مِنْ مِيقَاتٍ، فَأَحْرَمَ قَبْلَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ بَلَدِهِ، فَأَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتٍ، أَوْ فِي عَامٍ، أَوْ فِي شَهْرٍ، فَخَالَفَ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَسَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ: يَجُوزُ؛ لِإِذْنِهِ فِيهِ بِالْجُمْلَةِ، وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: وَلَوْ نَوَاهُ بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ بِهِ: وَجَبَ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، وَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْإِحْرَامِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ بَعْضُ أَحْكَامِ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ.

[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]

ِ فَوَائِدُ.
الْأُولَى: قَوْلُهُ (وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
وَأَهْلِ الشَّامِ، وَمِصْرَ، وَالْمَغْرِبِ: مِنْ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ، وَأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنٌ، وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ) . اعْلَمْ أَنَّ بَيْنَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، أَوْ تِسْعَةٌ، وَهُوَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ فَرْسَخًا، وَقِيلَ: مِائَتَا مِيلٍ إلَّا مِيلَيْنِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِيلٌ.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ، وَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ كَبِيرٌ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ.
وَرَأَيْت مَنْ وَهَّمَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّ بَيْنَهُمَا مِيلًا.
وَيَلِيهِ فِي الْبُعْدِ: الْجُحْفَةُ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ، وَقِيلَ: خَمْسُ مَرَاحِلَ أَوْ سِتَّةٌ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: ثَلَاثٌ، وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ.
وَقِيلَ: أَقْرَبُهَا ذَاتُ عِرْقٍ.
حَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ.، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ " قَرْنٌ " عَنْ مَكَّةَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
وَ " يَلَمْلَمُ " لَيْلَتَانِ، وَرَأَيْت فِي شَرْحِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ: أَنَّ بَيْنَ يَلَمْلَمُ وَبَيْنَ مَكَّةَ: مَرْحَلَتَيْنِ ثَلَاثُونَ مِيلًا، وَبَيْنَ ذَاتِ عِرْقٍ، وَبَيْنَ مَكَّةَ: مَرْحَلَتَانِ.
وَالْمَسَافَةُ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا فَقَرْنٌ: لِأَهْلِ نَجْدٍ، وَهِيَ الْيَمَنُ، وَنَجْدُ الْحِجَازُ وَالطَّائِفُ.
وَذَاتُ عِرْقٍ: لِلْمَشْرِقِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ.
الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ كُلُّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَأَوْمَأَ أَحْمَدُ أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ خَفِيَ النَّصُّ فَوَافَقَهُ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلصَّوَابِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ وَمَنْ سَأَلَهُ لَمْ

يَعْلَمُوا بِتَوْقِيتِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ذَاتَ عِرْقٍ، فَقَالَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، فَأَصَابَ فَقَدْ كَانَ مُوَفَّقًا لِلصَّوَابِ.
انْتَهَى.
قُلْت: يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، وَمِنْ الْمُحَالِ: أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُوَقِّتَ لَهُمْ.

الثَّالِثَةُ: الْأَوْلَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ آخِرِهِ جَازَ، ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، فَلَوْ مَرَّ أَهْلُ الشَّامِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ عَلَى غَيْرِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُجَاوَزَتُهُ إلَّا مُحْرِمِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى الْجُحْفَةِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَجَعَلَهُ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا مِنْ عِنْدِهِ، وَقَوَّاهُ وَمَالَ إلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَمَالِكٍ

قَوْلُهُ (وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ: فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ) بِلَا نِزَاعٍ.
لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْرَبِهِمَا إلَى الْبَيْتِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْبَعِيدِ أَوْلَى، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ (وَأَهْلُ مَكَّةَ إذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ: فَمِنْ الْحِلِّ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَسَوَاءٌ كَانَ فِي مَكَّةَ أَوْ فِي الْحَرَمِ.
هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَكُلَّمَا تَبَاعَدَ كَانَ أَفْضَلَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، إذَا أَرَادَ عُمْرَةً وَاجِبَةً: فَمِنْ الْمِيقَاتِ، فَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ: لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْلًا: فَمِنْ أَدْنَى الْحِلِّ.
وَعَنْهُ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
أَطْلَقَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَزَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ فِيهَا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
وَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ بِسُقُوطِ دَمِ الْمُتْعَةِ عَنْ الْآفَاقِيِّ وَبِخُرُوجِهِ إلَى الْمِيقَاتِ.

وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ: أَنَّ الْعُمْرَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ أَفْضَلُ، وَبَعْدَهَا إذَا أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ بِهَا، وَفِعْلُ الْعُمْرَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَتَكْرَارُهَا.
قَوْلُهُ (وَإِذَا أَرَادُوا الْحَجَّ: فَمِنْ مَكَّةَ) هَذَا الْمَذْهَبُ.
سَوَاءٌ كَانَ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَ مَكِّيٍّ.
إذَا كَانَ فِيهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَا تَرْجِيحَ.
يَعْنِي أَنَّ إحْرَامَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: وَيَحْرُمُ مِنْ الْمَسْجِدِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ خِلَافَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ إلَّا فِي الْإِيضَاحِ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُحْرِمُ بِهِ مِنْ الْمِيزَابِ، قُلْت: وَكَذَا قَالَ فِي الْمُبْهِجِ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ لَهُمْ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحَرَمِ وَالْحِلِّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعَنْهُ إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ، فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْرَامِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ.
بِخِلَافِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ، صَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَالنَّاظِمِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ: إنْ مَرَّ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ مُضِيِّهِ إلَى عَرَفَةَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: يُهِلُّ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ.
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ: الْمُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ عَنْ غَيْرِهِ إذَا قَضَى نُسُكَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا، أَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ غَيْرِهِ، أَوْ عَنْ إنْسَانٍ، ثُمَّ عَنْ آخَرَ: يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا خِلَافَ فِيهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ،

وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَرُوِيَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، لَكِنْ بَعْضُهُمْ تَأَوَّلَهُ، وَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتِ، فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إلَيْهِ: أَحْرَمَ) ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ.
لَكِنْ يُسْتَحَبُّ الِاحْتِيَاطُ.
فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ: فَمِنْ أَبْعَدِهِمَا عَنْ مَكَّةَ، وَأَطْلَقَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّ مِيقَاتَ مَنْ خَرَجَ عَنْ الْمَوَاقِيتِ: إذَا حَاذَاهَا.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَمَنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا: أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ بِقَدْرِ مَرْحَلَتَيْنِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَّجَهٌ.

قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ.
نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَرَادَ نُسُكًا أَوْ مَكَّةَ، وَكَذَا لَوْ أَرَادَ الْحَرَمَ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ، إلَّا أَنْ يُرِدْ نُسُكًا.
ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، لِلْخَبَرِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَظَاهِرُ النَّصِّ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ) مُرَادُهُ: إذَا كَانَ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا حُرًّا.
فَلَوْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ كَافِرٌ، أَوْ عَبْدٌ.
أَوْ صَبِيٌّ.
ثُمَّ لَزِمَهُمْ، بِأَنْ أَسْلَمَ، أَوْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ: أَحْرَمُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ مِنْ غَيْرِ دَمٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ.
مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَالْمُذْهَبِ: لَا دَمَ عَلَى الْكَافِرِ عِنْدَ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.

قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَعَنْهُ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ: يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ كَالْمُسْلِمِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْمَانِعِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: يَتَخَرَّجُ فِي الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي، وَالْفَائِقِ، بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَةِ، وَهُمَا: مِثْلُهُ، وَقَالَ فِي [الرِّعَايَةِ] الْكُبْرَى، وَغَيْرُهُ مِثْلُهُ وَأَوْلَى.
انْتَهَى.
قُلْت: لَوْ قِيلَ بِالدَّمِ عَلَيْهِمَا دُونَ الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ: لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ؛ لِصِحَّتِهِ مِنْهُمَا مِنْ الْمِيقَاتِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ وَالْمَجْنُونِ، وَمَنَعَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ التَّخْرِيجِ، وَقَالَ: الرِّوَايَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْكَافِرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ.
انْتَهَى، وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَبَنَى بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ فِي الْكَافِرِ عَلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ، وَعَنْهُ يَلْزَمُ الْجَمِيعَ دَمٌ إنْ لَمْ يُحْرِمُوا مِنْ الْمِيقَاتِ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ، إذَا أَفَاقَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ: فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِ إفَاقَتِهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.

فَائِدَةٌ: لَوْ تَجَاوَزَ الْمُحْرِمُ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ الْمِيقَاتَ، بِلَا إحْرَامٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْإِحْرَامِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُسْتَوْعِبِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْإِحْرَامِ الْوَاجِبِ فِي الْأَصَحِّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَصْحَابُهُ: يَقْضِيهِ، وَأَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَيْهِ.
كَنَذْرِ الْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ (إلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ.
كَالْحَطَّابِ) ، وَالْفَيْجِ، وَنَقْلِ الْمِيرَةِ، وَالصَّيْدِ وَالِاحْتِشَاشِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَا تَرَدُّدُ الْمَكِّيِّ إلَى قَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ.
وَيَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الْحُدُودِ: هَلْ يَجُوزُ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ إنْ بَدَا لَهُ النُّسُكُ: أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ (وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ: رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ) يَعْنِي يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
لَكِنْ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْحَجِّ أَوْ غَيْرَهُ.
بِلَا نِزَاعٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَةِ فِي وُجُوبِ الرُّجُوعِ وَجْهَيْنِ، وَظَاهِرُ الْمُسْتَوْعِبِ: أَنَّهُمَا بَعْدَ إحْرَامِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ.
انْتَهَى.
قُلْت: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِي وُجُوبِ رُجُوعِهِ مُحِلًّا لِيُحْرِمَ مِنْهُ مَعَ أَمْنِ عَدُوٍّ، وَفَوْتِ [وَقْتِ] حَجٍّ وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِحَالٍ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَخَفْ عَدُوًّا وَلَا فَوْتًا: لَزِمَهُ الرُّجُوعُ وَالْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ.
انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ، فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ قَبْلَ إحْرَامِهِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَحُكِيَ وَجْهٌ: عَلَيْهِ دَمٌ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ: فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ يَسْقُطُ الدَّمُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: الْجَاهِلُ وَالنَّاسِي: كَالْعَالِمِ الْعَامِدِ.
بِلَا نِزَاعٍ، وَالْمُكْرَهُ كَالْمُطِيعِ.

عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُكْرَهِ: قَالَ وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا دَمَ عَلَى مُكْرَهٍ، أَوْ أَنَّهُ كَإِتْلَافٍ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: قُلْت: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُكْرَهَ دَمٌ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ هَذَا: لَمْ يَسْقُطْ دَمُ الْمُجَاوِزِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا: يَسْقُطُ بِقَضَائِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَالِاخْتِيَارُ: أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ) . أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، لَكِنَّهُ لَوْ فَعَلَ غَيْرَ الِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ: مِنْ الْمِيقَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، فَيَكُونُ مُبَاحًا، وَنَقَلَ صَالِحٌ: إنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ.

قَوْلُهُ (وَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ) . يَعْنِي أَنَّ هَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ.
لَكِنْ يُكْرَهُ وَيَصِحُّ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَسِنْدِيٌّ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، إلَّا أَنْ يُرِدْ فَسْخَهُ بِعُمْرَةٍ.
فَلَهُ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي: بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ، وَعَنْهُ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً.
اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَعَلَّهَا أَظْهَرُ.
وَقَالَ: وَقَدْ يُبْنَى الْخِلَافُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْإِحْرَامِ، فَإِنْ قُلْنَا: شَرْطٌ.
صَحَّ كَالْوُضُوءِ، وَإِنْ قُلْنَا: رُكْنٌ.
لَمْ يَصِحَّ، وَقَدْ يُقَالُ عَلَى الْقَوْلِ بِالشَّرْطِيَّةِ: لَا يَصِحُّ أَيْضًا.
انْتَهَى.
وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: يَجْعَلُهُ عُمْرَةً، ذَكَرَهُ الْقَاضِي مُوَافِقًا لِلْأَوَّلِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ: إنْ صَرَفَهُ إلَى عُمْرَةٍ أَجْزَأَ عَنْهَا، وَإِلَّا تَحَلَّلَ بِعَمَلِهَا وَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا.

وَقَوْلُهُ " تَحَلَّلَ بِعَمَلِهَا، وَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا " وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَيُكْرَهُ.
قَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ رِوَايَةً لَا يَجُوزُ.

قَوْلُهُ (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) فَيَكُونُ يَوْمُ النَّحْرِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: آخِرُهُ لَهُ النَّحْرُ.
وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ، شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ كَامِلًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ: تَعَلُّقُ الْحِنْثِ بِهِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ: يَتَوَجَّهُ أَنَّهُ جَوَازُ الْإِحْرَامِ فِيهَا، عَلَى خِلَافِ مَا سَبَقَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَعَلُّقُ الدَّمِ بِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْهَا، وَقَالَ الْمَوْلَى مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: لَا فَائِدَةَ فِيهِ إلَّا فِي كَرَاهَةِ الْعُمْرَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِيهَا، وَنَقَلَ فِي الْفَائِقِ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: فَائِدَةُ الْخِلَافِ خُرُوجُ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ بِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ.
وَلُزُومُ الدَّمِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَتَأْتِي أَحْكَامُ الْعُمْرَةِ فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ.

[بَابُ الْإِحْرَامِ]

ِ فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: " الْإِحْرَامُ " هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ، وَهِيَ كَافِيَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةً: أَنَّ نِيَّةَ النُّسُكِ كَافِيَةٌ مَعَ التَّلْبِيَةِ، أَوْ سَوْقِ الْهَدْيِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ أَحْرَمَ حَالَ وَطْئِهِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ.
صَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ [وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ

وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ: لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ، فَيَكُونُ بَاطِلًا.
ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمَنَاسِكِ: هَلْ يَبْطُلُ الْإِحْرَامُ بِالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ؟ . تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَغْتَسِلَ) الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، وَهُوَ صَحِيحٌ.
بِلَا نِزَاعٍ.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَقَلَهُ صَالِحٌ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْغُسْلِ: وَيَتَيَمَّمُ فِي الْأَصَحِّ لِحَاجَةٍ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: تَيَمَّمَ فِي الْأَشْهَرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّيَمُّمُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
قَوْلُهُ (وَيَتَطَيَّبُ) يَعْنِي فِي بَدَنِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ جِرْمٌ أَوْ لَا، فَأَمَّا تَطْيِيبُ ثَوْبِهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَحْرُمُ، وَقِيلَ: تَطْيِيبُ ثَوْبِهِ كَتَطْيِيبِ بَدَنِهِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَدْ شَمِلَهُ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَيَأْتِي: هَلْ لَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِهِ؟ فِي آخِرِ بَابِ الْفِدْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ ".

فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَيَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ: إزَارًا وَرِدَاءً) فَالرِّدَاءُ: يَضَعُهُ عَلَى كَتِفَيْهِ.
وَالْإِزَارُ فِي وَسَطِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ: إخْرَاجَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ الرِّدَاءِ أَوْلَى.

الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ إحْرَامُهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ.
قَوْلُهُ (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُحْرِمُ عَقِيبَهُمَا) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ عَقِبَ صَلَاةٍ، إمَّا مَكْتُوبَةٍ أَوْ نَفْلٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ عَقِيبَ مَكْتُوبَةٍ فَقَطْ، وَإِذَا رَكِبَ وَإِذَا سَارَ سَوَاءٌ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ عَقِيبَ فَرْضٍ إنْ كَانَ وَقْتَهُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ.
فَائِدَةٌ: لَا يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ فِي وَقْتِ نَهْيٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، وَقَدْ مَرَّ، وَلَا يُصَلِّيهِمَا أَيْضًا مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ.

تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ (وَيَنْوِي الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالنِّيَّةِ) قَالَ ابْنُ مُنَجَّى: إنْ قِيلَ: الْإِحْرَامُ مَا هُوَ؟ فَإِنْ قِيلَ: النِّيَّةُ.
قِيلَ: فَكَيْفَ يَنْوِي النِّيَّةَ؟ وَنِيَّةُ النِّيَّةِ لَا تَجِبُ لَمَا فِيهِ مِنْ التَّسَلْسُلِ، وَإِنْ قِيلَ: التَّجَرُّدُ، فَالتَّجَرُّدُ لَيْسَ رُكْنًا فِي الْحَجِّ، وَلَا شَرْطًا وِفَاقًا، وَالْإِحْرَامُ، قِيلَ: إنَّهُ أَحَدُهُمَا، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِحْرَامَ النِّيَّةُ، وَالتَّجَرُّدُ هَيْئَةٌ لَهَا، وَالنِّيَّةُ لَا تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ هُنَا " وَيَنْوِي الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ " مَعْنَاهُ: يَنْوِي بِنِيَّتِهِ نُسُكًا

مُعَيَّنًا، وَالْأَشْبَهُ: أَنَّهُ شَرْطٌ.
كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
كَنِيَّةِ الْوُضُوءِ انْتَهَى.
الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَيُشْتَرَطُ) أَيْ يُسْتَحَبُّ (فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ إلَى آخِرِهِ) . أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ، أَوْ بِمَا فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، فَلَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ بِقَلْبِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِحْرَامِ، وَيَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ.
فَكَذَا الِاشْتِرَاطُ، وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
وَاسْتَحَبَّ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الِاشْتِرَاطَ لِلْخَائِفِ فَقَطْ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: إنْ اُشْتُرِطَ فَلَا بَأْسَ.
فَائِدَةٌ: الِاشْتِرَاطُ يُفِيدُ شَيْئَيْنِ.
أَحَدَهُمَا: إذَا عَاقَهُ عَدُوٌّ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ ذَهَابُ نَفَقَةٍ، أَوْ نَحْوُهُ: جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ.
الثَّانِيَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالتَّحَلُّلِ، وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ.
لَكِنْ قَوْلُنَا " جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ " هُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَأَبِي الْبَرَكَاتِ: أَنَّهُ يُحِلُّ بِمُجَرَّدِ الْحَصْرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ (وَأَفْضَلُهَا: التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الْإِفْرَادُ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ مِرَارًا كَثِيرَةً، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَصَالِحٍ: يَخْتَارُ التَّمَتُّعَ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: إنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ.
رَوَاهَا الْمَرُّوذِيُّ، وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ: وَإِنْ اعْتَمَرَ وَحَجَّ فِي سَفْرَتَيْنِ، أَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَغَيْرِهِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الثَّانِيَةِ.

نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْفَائِقِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى.
فَائِدَةٌ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَسَبِ الْمَذَاهِبِ حَتَّى اخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ: هَلْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ أَحْمَدَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ [كَانَ] قَارِنًا، وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَعَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو الصَّحَابَةِ.

قَوْلُهُ (وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَفِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ.
وَأَطْلَقَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ، وَأَطْلَقُوا.
مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ (وَيَفْرُغَ مِنْهَا) هَكَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَفْرُغَ مِنْهَا، قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالْمُذْهَبِ [وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ] وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْخِرَقِيِّ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَيَتَحَلَّلُ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ.
قَالَ: وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخَانِ إلَى ذَلِكَ، فَقَالَا.
حَقِيقَةُ التَّمَتُّعِ ذَلِكَ.
قَالَ: وَلَا يَغُرَّنَّك مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ: مِنْ أَنَّ التَّمَتُّعَ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي

أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ إلَخْ.
فَإِنَّ هَذَا التَّمَتُّعُ الْمُوجِبُ لِلدَّمِ، وَمِنْ هُنَا قُلْنَا: إنَّ تَمَتُّعَ حَاضِرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: فَالتَّمَتُّعُ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
وَلَمْ يَقُولُوا " وَيَفْرُغَ مِنْهَا " وَيَأْتِي أَيْضًا فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ عَلَى التَّمَتُّعِ: هَلْ النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي التَّمَتُّعِ أَمْ لَا؟ ، قُلْت: مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَا يَرُدُّ عَلَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي قَوْلِهِمْ " وَيَفْرُغَ مِنْهَا " إذْ الْفَرَاغُ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى كُلِّ مُتَمَتِّعٍ، سَوَاءٌ كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مَكِّيًّا.
إذْ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ فَرَاغِ الْعُمْرَةِ لَكَانَ قَارِنًا، لَا دَمَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ تَمَتُّعِهِ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ التَّمَتُّعِ إلَى الْقِرَانِ، فَلِذَلِكَ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ دَمَ الْقِرَانِ، كَمَا يَأْتِي فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَقَالَهُ هُوَ فِي الشُّرُوطِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَلَا يَلْزَمُ مِمَّا ادَّعَاهُ عَدَمُ صِحَّةِ عُمْرَةِ الْمَكِّيِّ، فَإِنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا " يَفْرُغَ مِنْهَا " وَقَالُوا " يَصِحُّ تَمَتُّعُ الْمَكِّيِّ " فَإِذَا تَمَتَّعَ الْمَكِّيُّ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ فَرَاغِهِ مِنْهَا، وَإِلَّا صَارَ قَارِنًا، فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّمَتُّعِ إلَّا بِفَرَاغِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِلْمَكِّيِّ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ: هَلْ يَحِلُّ الْمُتَمَتِّعُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ إذَا كَانَ مُلَبَّدًا أَمْ لَا؟ . [وَيَأْتِي أَيْضًا فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ هَلْ النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي التَّمَتُّعِ أَمْ لَا؟] . قَوْلُهُ (ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا فِي عَامِهِ) هَكَذَا زَادَ جَمَاعَةٌ.
مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَنَقَلَهُ حَرْبٌ، وَأَبُو دَاوُد، يَعْنِي: أَنَّهُمْ قَالُوا " مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا " وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْوَجِيزِ، لَكِنْ قَيَّدَ الْقُرْبَ بِالْحَرَمِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُحْرِمُ

فِي عَامِهِ، وَلَمْ يَقُولُوا " مِنْ مَكَّةَ " وَلَا " مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا " وَنَسَبَهُ فِي الْفُرُوعِ إلَى الْأَصْحَابِ.
مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَزَادَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، فَقَالَ: يُحْرِمُ فِي عَامِهِ مِنْ مَكَّةَ.
وَلَمْ يَذْكُرْ " قَرِيبًا مِنْهَا " مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْكَافِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ.

قَوْلُهُ (وَالْإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا) هَذَا بِلَا نِزَاعٍ، وَلَكِنْ يَعْتَمِرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقُوا، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: هُوَ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعْتَمِرَ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، وَكَذَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَالْإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ، زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ: وَعَنْهُ بَلْ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَهُوَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ: الْإِفْرَادُ أَنْ لَا يَأْتِيَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِغَيْرِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَجْوَدُ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلَوْ تَحَلَّلَ مِنْهُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ ثُمَّ أَحْرَمَ فِيهِ بِعُمْرَةٍ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ فِي ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ: لَيْسَ عَلَى مُعْتَمِرٍ بَعْدَ الْحَجِّ هَدْيٌ.
لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَا لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِهِ، بِدَلِيلِ فَوَاتِ الْحَجِّ فِيهِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْ الْأَوَّلِ صَحَّ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: الْإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ، فَإِذَا تَحَلَّلَ مِنْهُ: أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ.

قَوْلُهُ (وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا) . هَكَذَا أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ.
مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ، وَالْمُحَرَّرِ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَالْقِرَانُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مُدَّةِ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُحْرِمُ بِهِمَا جَمِيعًا مِنْ الْمِيقَاتِ.

مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ.
قَوْلُهُ (أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ) . أَطْلَقَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: مِنْ مَكَّةَ، أَوْ قُرْبِهَا.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ: الْإِحْرَامُ بِهِ فِي أَشْهُرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ شَرَعَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ: لَمْ يَصِحَّ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ سَعَى، إلَّا لِمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَصِيرُ قَارِنًا، بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ، مِنْ أَنَّ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ هُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَعَنْ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يُسْتَحَبُّ ذِكْرُ مَا أَحْرَمَ بِهِ.
نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ.

قَوْلُهُ (وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ.
ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ: لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ بِهَا، وَلَمْ يَصِرْ قَارِنًا) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالْإِحْرَامِ الثَّانِي شَيْءٌ فِيهِ خِلَافٌ وَقِيلَ: يَجُوزُ إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ضَرُورَةً، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفُضَهَا لِتَأَكُّدِ الْحَجِّ بِفِعْلِ بَعْضِهِ، وَعَلَيْهِ بِرَفْضِهَا دَمٌ وَيَقْضِيهَا.
فَائِدَةٌ: مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ عَمَلَ الْقَارِنِ كَالْمُفْرِدِ فِي الْإِجْزَاءِ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.

وَيَسْقُطُ تَرْتِيبُ الْعُمْرَةِ، وَيَصِيرُ التَّرْتِيبُ لِلْحَجِّ كَمَا يَتَأَخَّرُ الْحِلَاقِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَوَطْؤُهُ قَبْلَ طَوَافِهِ لَا يُفْسِدُ عُمْرَتَهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ عَلَى الْقَارِنِ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ، وَعَنْهُ عَلَى الْقَارِنِ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَأَبُو حَفْصٍ لِعَدَمِ طَوَافِهَا، وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْحَجِّ: أَنَّ عَمْرَةَ الْقَارِنِ تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يُقَدِّمُ الْقَارِنُ فِعْلَ الْعُمْرَةِ عَلَى فِعْلِ الْحَجِّ كَمُتَمَتِّعٍ سَاقَ هَدْيًا فَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ لَهَا، فَقِيلَ: تُنْتَقَضُ عُمْرَتُهُ وَيَصِيرُ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ ثُمَّ يَعْتَمِرُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: لَا تُنْتَقَضُ عُمْرَتُهُ.
فَإِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ طَافَ لَهَا ثُمَّ سَعَى.
ثُمَّ طَافَ لِلْحَجِّ، ثُمَّ سَعَى، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
وَيَأْتِي: هَلْ لِلْقِرَانِ إحْرَامَانِ أَوْ إحْرَامٌ وَاحِدٌ؟ فِي آخِرِ بَابِ الْفِدْيَةِ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ ".

قَوْلُهُ (وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ دَمُ نُسُكٍ) ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا: دَمُ نُسُكٍ، لَا دَمُ جُبْرَانَ.
أَمَّا الْقَارِنُ: فَيَلْزَمُهُ دَمٌ.
كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَلَيْسَ كَالْمُتَمَتِّعِ.
إنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ هَدْيًا فِي كِتَابِهِ، وَالْقَارِنُ إنَّمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلصَّبِيِّ " اذْبَحْ تَيْسًا "، وَسَأَلَهُ ابْنُ مُشَيْشٍ: الْقَارِنُ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ وُجُوبًا؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبًا؟ وَإِنَّمَا شَبَّهُوهُ بِالْمُتَمَتِّعِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَتَتَوَجَّهُ مِنْهُ رِوَايَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَكُونُ الدَّمُ دَمَ نُسُكٍ.
كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ

الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ، وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ: لَيْسَ بِدَمِ نُسُكٍ.
يَعْنِيَانِ: بَلْ دَمُ جُبْرَانَ.
فَائِدَةٌ: لَا يَلْزَمُ الدَّمُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ وَالْقِيَاسُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ سَافَرَ سَفَرَ قَصْرٍ أَوْ إلَى الْمِيقَاتِ، إنْ قُلْنَا بِهِ كَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي لُزُومَهُ، لِأَنَّ اسْمَ " الْقِرَانِ " بَاقٍ بَعْدَ السَّفَرِ، بِخِلَافِ التَّمَتُّعِ.
انْتَهَى.

، وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ: فَيَجِبُ الدَّمُ عَلَيْهِ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ.
أَحَدِهَا: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَهُوَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهَذَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ إجْمَاعًا.
وَفَسَّرَ الْمُصَنِّفُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ كَانَ مِنْهَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّ ابْتِدَاءَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ نَفْسِ مَكَّةَ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَقَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَسَافَةِ الْقَصْرِ: مِنْ آخِرِ الْحَرَمِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: مَنْ لَهُ مَنْزِلٌ قَرِيبٌ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَمَنْزِلٌ بَعِيدٌ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ: لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْقَرِيبِ.
وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إقَامَتَهُ أَكْثَرَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِمَالِهِ، ثُمَّ بِبَنِيهِ.
ثُمَّ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ دَخَلَ آفَاقِيٌّ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا الْإِقَامَةَ بِهَا بَعْدَ فَرَاغِ نُسُكِهِ، أَوْ نَوَاهَا

فصول الكتاب · 4 فصل · 570 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي · 570 صفحة
المقدمة
ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
بَابِ الرَّهْنِ:
ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
جارٍ التحميل