بَابِ الرَّهْنِ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المرداوي
- الكتاب
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
- المؤلف
- علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
- الناشر
- دار إحياء التراث العربي
- الطبعة
- الثانية - بدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَكَذَا لَوْ قَالَ " عَبْدِي حُرٌّ لِأَنَّهُ أَسْوَدُ " لَمْ يَعْتِقْ غَيْرُهُ مِنْ الْعَبِيدِ.
وَلَوْ قَالَ اللَّهُ " حَرَّمْت الْمُسْكِرَ.
لِأَنَّهُ حُلْوٌ " عَمَّ جَمِيعَ الْحَلَاوَاتِ.
وَكَذَا إذَا قَالَ " اعْتِقْ عَبْدَك لِأَنَّهُ أَسْوَدُ " عَمَّ.
انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا لِمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْعِلَّةَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي هُنَا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ: وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَطَعُوا بِهِ.
وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيَحْتَمِلُ جَوَازَ الْمُفَاضَلَةِ فِيمَا يُقْصَدُ فِيهِ تَمْيِيزٌ.
كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَهَاءِ.
قُلْت: هَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ.
وَعَنْهُ: إنْ وَصَّى فِي سَكَنِهِ، وَهُمْ أَهْلُ دُرْبَةٍ: جَازَ التَّفْضِيلُ لِحَاجَةٍ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: الْأَوْلَى جَوَازُ التَّفْضِيلِ لِلْحَاجَةِ، فِيمَا قُصِدَ بِهِ سَدُّ الْخَلَّةِ.
كَالْمَوْقُوفِ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِهِ.
انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَقِيَاسُهُ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ.
وَعَنْهُ: فِيمَنْ أَوْصَى فِي فُقَرَاءِ مَكَّةَ يُنْظَرُ أَحْوَجُهُمْ.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا وَقَفَ عَلَى مَدَارِسَ وَفُقَهَاءَ: هَلْ يُسَوَّى بَيْنَهُمْ، أَوْ يَتَفَاضَلُونَ؟ فِي أَحْكَامِ النَّاظِرِ.
تَنْبِيهٌ:
الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ هَذَا: إذَا لَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ.
فَإِنْ كَانَ قَرِينَةٌ: جَازَ التَّفَاضُلُ.
بِلَا نِزَاعٍ.
وَلَهَا نَظَائِرُ.
تَقَدَّمَ حُكْمُهَا.
فَائِدَةٌ:
لَوْ كَانَ الْوَقْفُ فِي ابْتِدَائِهِ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ، فَصَارَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ كَوَقْفِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْمِيمُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا.
قَوْلُهُ (وَإِلَّا جَازَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ) . يَعْنِي: إذَا لَمْ يُمْكِنْ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ.
كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَصْنَافِ الزَّكَاةِ، أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ الِاقْتِصَارِ عَلَى وَاحِدٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
(وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزِيَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ) . وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا فِي الزَّكَاةِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ.
وَقِيلَ: فِي إجْزَاءِ الْوَاحِدِ رِوَايَتَانِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَصْنَافِ الزَّكَاةِ، أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ: جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى صِنْفٍ مِنْهُمْ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ذَكَرَهُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ.
وَقَالَا فِي الثَّانِيَةِ: لَا بُدَّ مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ جَوَازُ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ.
وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ: يَجِبُ الْجَمْعُ.
وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى صِنْفٍ، بِنَاءً عَلَى الزَّكَاةِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقِيلَ: لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ الثُّمُنُ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَقَطْ: جَازَ إعْطَاءُ الصِّنْفِ الْآخَرِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: لَا يَجُوزُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ الْمُوصَى لَهُ.
وَلَوْ افْتَقَرَ الْوَاقِفُ: اسْتَحَقَّ مِنْ الْوَقْفِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: شَمِلَهُ فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ.
وَقِيلَ: لَا يَشْمَلُهُ.
فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْهُ.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ " الثَّالِثُ: أَنْ يَقِفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ ".
قَوْلُهُ (وَلَا يُدْفَعُ إلَى وَاحِدٍ أَكْثَرُ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ، إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَابْنُ عَقِيلٍ: زِيَادَةَ الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ عَلَى خَمْسِينَ دِرْهَمًا.
وَإِنْ مَنَعْنَاهُ مِنْهَا فِي الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ (وَالْوَصِيَّةُ كَالْوَقْفِ فِي هَذَا الْفَصْلِ) . هَذَا صَحِيحٌ، لَكِنَّ الْوَصِيَّةَ أَعَمُّ مِنْ الْوَقْفِ، عَلَى مَا يَأْتِي.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى أَقْرَبِ قَرَابَتِهِ اسْتِوَاءَ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ.
ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ.
وَذَكَرَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اخْتَارَ فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ دُخُولَ وَلَدِ الْوَلَدِ فِي الْوَقْفِ دُونَ الْوَصِيَّةِ.
وَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُ نَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ: إذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ.
قَوْلُهُ (وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ.
لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا وَقَفَ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ.
فَهَلْ يُبَاعُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ؟ . فِيهِ خِلَافٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيْرِهِ، وَمَنْعُهُ قَوِيٌّ.
قَالَ جَامِعُ اخْتِيَارَاتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ: وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَادِثًا بَعْدَ الْمَوْتِ.
انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَيْسَ هَذَا بِأَبْلَغَ مِنْ التَّدْبِيرِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بَاعَهُ فِي الدَّيْنِ.
وَتَقَدَّمَ " إذَا وَقَفَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَصَحَّحْنَاهُ: هَلْ يَقَعُ لَازِمًا.
فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، أَوْ لَا يَقَعُ لَازِمًا.
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ؟ " فَلْيُعَاوَدْ.
فَائِدَةٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْوَقْفَ يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَإِخْرَاجِ الْوَقْفِ عَنْ يَدِهِ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْحَارِثِيُّ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَلَا يُشْتَرَطُ إخْرَاجُ الْوَقْفِ عَنْ يَدِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ " فَلْيُعَاوَدْ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ.
فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ، إذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ: بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ وَعَنْهُ: لَا يُبَاعُ الْمَسَاجِدُ.
لَكِنْ تُنْقَلُ آلَتُهَا إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ آلَتِهِ وَصَرْفُهَا فِي عِمَارَتِهِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ أَوْ لَا.
فَإِنْ لَمْ تَتَعَطَّلْ مَنَافِعُهُ: لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَلَا الْمُنَاقَلَةُ بِهِ مُطْلَقًا.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ.
قَالَ: لَا يَسْتَبْدِلُ بِهِ وَلَا يَبِيعُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يُغَيَّرُ عَنْ حَالِهِ.
وَلَا يُبَاعُ، إلَّا أَنْ لَا يُنْتَفَعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَجَوَّزَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ.
وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ الْهَدْيِ.
وَذَكَرَهُ وَجْهًا فِي الْمُنَاقَلَةِ.
وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَنَقَلَ صَالِحٌ: يَجُوزُ نَقْلُ الْمَسْجِدِ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ.
وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْفَائِقِ.
وَحَكَمَ بِهِ نَائِبًا عَنْ الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ الْمُسْلَاتِيِّ.
فَعَارَضَهُ الْقَاضِي جَمَالُ الْمِرْدَاوِيُّ صَاحِبُ الِانْتِصَارِ وَقَالَ: حُكْمُهُ بَاطِلٌ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ.
وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفًا رَدَّ فِيهِ عَلَى الْحَاكِمِ.
سَمَّاهُ " الْوَاضِحُ الْجَلِيُّ فِي نَقْضِ حُكْمِ ابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ الْحَنْبَلِيِّ " وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ عَلَى ذَلِكَ.
وَصَنَّفَ صَاحِبُ الْفَائِقِ مُصَنَّفًا فِي جَوَازِ الْمُنَاقَلَةِ لِلْمَصْلَحَةِ.
سَمَّاهُ " الْمُنَاقَلَةُ بِالْأَوْقَافِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ وَالْخِلَافِ " وَأَجَادَ فِيهِ.
وَوَافَقَهُ عَلَى جَوَازِهَا الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ، وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ حَمْزَةُ بْنُ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ.
وَصَنَّفَ فِيهِ مُصَنَّفًا سَمَّاهُ (رَفْعُ الْمُثَاقَلَةِ فِي مَنْعِ الْمُنَاقَلَةِ) . وَوَافَقَهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ فِي عَصْرِهِ.
وَكُلُّهُمْ تَبَعٌ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ.
وَأَطْلَقَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ فِي جَوَازِ إبْدَالِ الْوَقْفِ مَعَ عِمَارَتِهِ: رِوَايَتَيْنِ.
فَائِدَةٌ:
نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى جَوَازِ تَجْدِيدِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ لِمَصْلَحَتِهِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِرِضَى جِيرَانِهِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ شِرَاءُ دُورِ مَكَّةَ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ هُنَا مِثْلُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: جَوَّزَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تَغْيِيرَ صُورَتِهِ لِمَصْلَحَةٍ، كَجَعْلِ الدُّورِ حَوَانِيتَ، وَالْحُكُورَةُ الْمَشْهُورَةُ.
فَلَا فَرْقَ بَيْنَ بِنَاءٍ بِبِنَاءٍ وَعَرْصَةٍ بِعَرْصَةٍ.
هَذَا صَرِيحُ لَفْظِهِ.
وَقَالَ أَيْضًا فِيمَنْ وَقَفَ كُرُومًا عَلَى الْفُقَرَاءِ يَحْصُلُ عَلَى جِيرَانِهَا بِهِ ضَرَرٌ يُعَوَّضُ عَنْهُ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْجِيرَانِ.
وَيَعُودُ الْأَوَّلُ مِلْكًا، وَالثَّانِي وَقْفًا.
انْتَهَى وَيَجُوزُ نَقْصُ مَنَارَتِهِ، وَجَعْلُهَا فِي حَائِطِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسْجِدٍ فِيهِ خَشَبَتَانِ، لَهُمَا ثَمَنٌ، تَشَعَّثَ، وَخَافُوا سُقُوطَهُ أَيُبَاعَانِ وَيُنْفَقَانِ عَلَى الْمَسْجِدِ، وَيُبْدَلُ مَكَانَهُمَا جِذْعَيْنِ؟ قَالَ: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
انْتَهَى.
وَأَمَّا إذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُبَاعُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ: لَا تُبَاعُ الْمَسَاجِدُ.
لَكِنْ تُنْقَلُ آلَتُهَا إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ.
اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَالْحَارِثِيُّ، وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مُوسَى.
وَعَنْهُ: لَا تُبَاعُ الْمَسَاجِدُ وَلَا غَيْرُهَا.
لَكِنْ تُنْقَلُ آلَتُهَا.
نَقَلَ جَعْفَرٌ فِيمَنْ جَعَلَ خَانًا لِلسَّبِيلِ، وَبَنَى بِجَانِبِهِ مَسْجِدًا.
فَضَاقَ الْمَسْجِدُ أَيُزَادُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: لَا.
قِيلَ: فَإِنَّهُ إنْ تُرِكَ لَيْسَ يَنْزِلُ فِيهِ أَحَدٌ، قَدْ عُطِّلَ؟ قَالَ: يُتْرَكُ عَلَى مَا صُيِّرَ لَهُ.
وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَحَكَى فِي التَّلْخِيصِ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ مُطْلَقًا.
وَهُوَ غَرِيبٌ، لَا يُعْرَفُ فِي كُتُبِهِ، انْتَهَى.
ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
وَحَكَاهُ عَنْهُ قَبْلُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ تِلْمِيذُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَهُوَ الْحَلْوَانِيُّ فِي كِتَابِهِ.
قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: عَدَمُ الْجَوَازِ.
فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: إذَا خَرِبَ، أَوْ كَانَ فَرَسًا فَعَطِبَ: جَازَ بَيْعُهُ وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ.
انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ فِي الْهِدَايَةِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: صَرِيحٌ بِالصِّحَّةِ.
وَاخْتَارَ أَيْضًا هَذِهِ الرِّوَايَةَ ابْنُ عَقِيلٍ وَصَنَّفَ فِيهَا جُزْءًا.
حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي طَبَقَاتِهِ وَاخْتَارَ أَيْضًا هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهِيَ عَدَمُ الْبَيْعِ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ.
تَنْبِيهٌ:
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْمُرَادُ بِتَعَطُّلِ مَنَافِعِهِ: الْمَنَافِعُ الْمَقْصُودَةُ، بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ بِضِيقِ الْمَسْجِدِ عَنْ أَهْلِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
أَوْ بِخَرَابِ مَحَلَّتِهِ.
نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ.
وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: لَا يُبَاعُ إلَّا أَنْ لَا يُنْتَفَعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَصْلًا، بِحَيْثُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: كُلُّ وَقْفٍ خَرِبَ وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا بِيعَ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَمَنْ تَابَعَهُ: لَا يُبَاعُ إلَّا أَنْ يَقِلَّ رِيعُهُ، فَلَا يُعَدُّ نَفْعًا.
وَقِيلَ: أَوْ يَتَعَطَّلَ أَكْثَرُ نَفْعِهِ.
نَقَلَهُ مُهَنَّا فِي فَرَسٍ كَبِرَ وَضَعُفَ، أَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ.
فَقُلْت لَهُ: دَارٌ، أَوْ ضَيْعَةٌ ضَعُفَ أَهْلُهَا أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا إذَا كَانَ أَنْفَعَ لِمَنْ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا.
وَقِيلَ: أَوْ خِيفَ تَعَطُّلُ نَفْعِهِ قَرِيبًا.
جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ.
قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ جِدًّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: أَوْ خِيفَ تَعَطُّلُ أَكْثَرِ نَفْعِهِ قَرِيبًا.
سَأَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ: يُبَاعُ إذَا عَطِبَ أَوْ فَسَدَ؟ قَالَ: إي وَاَللَّهِ، يُبَاعُ.
إذَا كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ التَّلَفُ وَالْفَسَادُ وَالنَّقْصُ، بَاعُوهُ وَرَدُّوهُ فِي مِثْلِهِ.
وَسَأَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ: إنْ أَخَذَ مِنْ الْوَقْفِ شَيْئًا.
فَعَتَقَ فِي يَدِهِ وَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ؟ قَالَ: يُحَوَّلُ إلَى مِثْلِهِ.
وَكَذَا قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالْبُلْغَةِ: لَوْ أَشْرَفَ عَلَى كَسْرٍ أَوْ هَدْمٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ أُخِّرَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ: بِيعَ.
قُلْت: وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَوْلُهُمْ (بِيعَ) أَيْ يَجُوزُ بَيْعُهُ.
نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ.
وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ إنَّمَا قَالُوهُ: الِاسْتِثْنَاءُ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ.
لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَلْزَمُهُ فِعْلُ الْمَصْلَحَةِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ وَغَيْرِهَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، وَبِلَا حَاجَةٍ يَجُوزُ بِخَيْرٍ مِنْهُ.
لِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ.
وَلَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ.
لِفَوَاتِ التَّعْيِينِ بِلَا حَاجَةٍ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَبَيْعُهُ حَالَةَ تَعَطُّلِهِ أَمْرٌ جَائِزٌ عِنْدَ الْبَعْضِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي: وُجُوبُهُ.
وَكَذَلِكَ إطْلَاقُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ رِعَايَةً لِلْأَصْلَحِ انْتَهَى.
فَوَائِدُ
الْأُولَى: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمَنْ تَابَعَهُ: لَوْ أَمْكَنَ بَيْعُ بَعْضِهِ لِيُعَمَّرَ بِهِ بَقِيَّتُهُ: بِيعَ، وَإِلَّا بِيعَ جَمِيعُهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ مَا قَالَهُ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ.
قَالَ: وَالْمُرَادُ مَعَ اتِّحَادِ الْوَاقِفِ، كَالْجِهَةِ.
ثُمَّ إنْ أَرَادَ عَيْنَيْنِ كَدَارَيْنِ فَظَاهِرٌ.
وَكَذَا إنْ أَرَادَ عَيْنًا وَاحِدَةً، وَلَمْ تُنْتَقَصْ الْقِيمَةُ بِالتَّشْقِيصِ.
فَإِنْ نَقَصَتْ تَوَجَّهَ الْبَيْعُ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ كَبَيْعِ وَصِيٍّ لِدَيْنٍ، أَوْ حَاجَةٍ صَغِيرٍ، بَلْ هَذَا أَسْهَلُ.
لِجَوَازِ تَغْيِيرِ صِفَاتِهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَبَيْعُهُ عَلَى قَوْلٍ.
انْتَهَى.
وَقَوْلُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ (وَالْمُرَادُ مَعَ اتِّحَادِ الْوَقْفِ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِمَارَةُ وَقْفٍ مِنْ رِيعِ وَقْفٍ آخَرَ، وَلَوْ اتَّحَدَتَا الْجِهَةُ.
وَقَدْ أَفْتَى الشَّيْخُ عُبَادَةُ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا بِجَوَازِ عِمَارَةِ وَقْفٍ مِنْ وَقْفٍ آخَرَ عَلَى جِهَتِهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي طَبَقَاتِهِ فِي تَرْجَمَتِهِ.
قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ، بَلْ عَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ.
لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: إنَّ كَلَامَهُ فِي الْفُرُوعِ أَظْهَرُ.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَمَا عَدَا الْمَسْجِدَ مِنْ الْأَوْقَافِ: يُبَاعُ بَعْضُهُ لِإِصْلَاحِ مَا بَقِيَ.
وَقَالَ: يَجُوزُ اخْتِصَارُ الْآنِيَةِ إلَى أَصْغَرَ مِنْهَا إذَا تَعَطَّلَتْ، وَإِنْفَاقُ الْفَضْلِ عَلَى الْإِصْلَاحِ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ الِاخْتِصَارُ احْتَمَلَ جَعْلَهَا نَوْعًا آخَرَ مِمَّا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُبَاعَ، وَيُصْرَفَ فِي آنِيَةٍ مِثْلِهَا.
وَهُوَ الْأَقْرَبُ.
انْتَهَى.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
الثَّانِيَةُ: حَيْثُ جَوَّزْنَا بَيْعَ الْوَقْفِ، فَمَنْ يَلِي بَيْعَهُ؟ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ كَالْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْمَدَارِسِ، وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ وَنَحْوِهَا.
فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الَّذِي يَلِي الْبَيْعَ الْحَاكِمُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعُوا بِهِ.
مِنْهُمْ: صَاحِبُ الرِّعَايَةِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ، وَالْحَارِثِيُّ، وَالزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: يَلِيهِ النَّاظِرُ الْخَاصُّ، عَلَيْهِ إنْ كَانَ.
جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهَلْ يَلِيهِ النَّاظِرُ الْخَاصُّ، أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، أَوْ الْحَاكِمُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: يَلِيهِ النَّاظِرُ الْخَاصُّ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إذَا تَعَطَّلَ الْوَقْفُ.
فَإِنَّ النَّاظِرَ فِيهِ يَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ تُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيَتَوَلَّى الْبَيْعَ نَاظِرُهُ الْخَاصُّ.
وَحَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، فَقَالَ: يَبِيعُهُ النَّاظِرُ فِيهِ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيَكُونُ الْبَائِعُ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ نَاظِرٌ.
انْتَهَى.
وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ.
فَقَالَ: وَنَاظِرُهُ شَرْعًا يَلِي عَقْدَ بَيْعِهِ وَقِيلَ: إنْ يُعَيِّنْ مَالِكُ النَّفْعِ يُعْقَدْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فَقَالَ: فَلِنَاظِرِهِ الْخَاصِّ بَيْعُهُ.
وَمَعَ عَدَمِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ.
قُلْت: إنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقِيلَ: بَلْ يَفْعَلُهُ مُطْلَقًا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ.
كَالْوَقْفِ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ.
انْتَهَى.
وَقَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ، وَقَالَ: حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: يَلِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ.
فَقَالَ: فَإِنْ تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ.
فَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَصَرْفِ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَابْنُ الْبَنَّا فِي عُقُودِهِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي
الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالسَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَأَبُو الْمَعَالِي بْنُ مُنَجَّا فِي الْخُلَاصَةِ، وَابْنُ أَبِي الْمَجْدِ فِي مُصَنَّفِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، فَقَالَ: وَمَا بَطَلَ نَفْعُهُ فَلِمَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ.
قُلْت: إنْ مَلَكَهُ.
وَقِيلَ: بَلْ لِنَاظِرِهِ بَيْعُهُ بِشَرْطِهِ.
انْتَهَى.
وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: يَلِيهِ الْحَاكِمُ.
جَزَمَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ فَقَالَ: وَإِذَا خَرِبَ الْوَقْفُ، وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا، أَوْ خَرِبَ الْمَسْجِدُ وَمَا حَوْلَهُ، وَلَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ: فَلِلْإِمَامِ بَيْعُهُ وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ.
انْتَهَى.
وَقَدَّمَ هَذَا فِي الْفُرُوعِ.
وَنَصَرَهُ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ.
وَقَوَّاهُ بِأَدِلَّةٍ وَأَقْيِسَةٍ.
وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ.
وَاخْتَارَهُ الْحَارِثِيُّ.
وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ الْمُصْطَلَحَ الْمُتَقَدِّمَ.
فَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَوْ عُدِمَ النَّاظِرُ الْخَاصُّ، فَقِيلَ: يَلِيهِ الْحَاكِمُ.
جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْحَارِثِيُّ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي كِتَابِ الْعِدَدِ وَذَكَرَهُ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: يَلِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَيْضًا فِي كِتَابِ الْوَقْفِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ.
وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ.
وَكَذَا مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ.
وَقِيلَ: يَلِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ وَإِلَّا فَلَا.
اخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ.
قُلْت: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ.
تَنْبِيهٌ:
تَلَخَّصَ لَنَا مِمَّا تَقَدَّمَ فِيمَنْ يَلِي الْبَيْعَ طُرُقٌ.
لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ وَنَحْوِهِ: فَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَلِيهِ الْحَاكِمُ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ.
مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي كِتَابِ الْوَقْفِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: يَلِيهِ النَّاظِرُ إنْ كَانَ، ثُمَّ الْحَاكِمُ.
وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ فَفِيهِ طُرُقٌ لِلْأَصْحَابِ.
أَحَدُهَا: يَلِيهِ النَّاظِرُ.
قَوْلًا وَاحِدًا.
وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمَجْدِ فِي مُحَرَّرِهِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
وَعَزَاهُ إلَى نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتِيَارِ الْأَصْحَابِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: يَلِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ.
قَوْلًا وَاحِدًا.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَمُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي الْمَجْدِ.
كَمَا تَقَدَّمَ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: يَلِيهِ الْحَاكِمُ.
قَوْلًا وَاحِدًا.
وَهِيَ طَرِيقَةُ الْحَلْوَانِيِّ فِي التَّبْصِرَةِ.
الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: يَلِيهِ النَّاظِرُ الْخَاصُّ، إنْ كَانَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ.
فَيَلِيهِ الْحَاكِمُ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ.
الطَّرِيقُ الْخَامِسُ: هَلْ يَلِيهِ النَّاظِرُ الْخَاصُّ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَهِيَ طَرِيقَةُ النَّاظِمِ.
الطَّرِيقُ السَّادِسُ: طَرِيقَةُ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.
وَهِيَ: هَلْ يَلِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ أَوْ إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ وَاخْتَارَهُ أَوْ النَّاظِرُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
هِيَ:
الطَّرِيقُ السَّابِعُ: هَلْ يَلِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ أَوْ النَّاظِرُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ.
الطَّرِيقُ الثَّامِنُ: طَرِيقَتُهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَهِيَ: هَلْ يَلِيهِ النَّاظِرُ الْخَاصُّ، إنْ كَانَ هُوَ الْمُقَدَّمَ، أَوْ الْحَاكِمُ؟ حَكَاهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ.
فِيهِ قَوْلَانِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَاظِرٌ خَاصٌّ، فَهَلْ يَلِيهِ الْحَاكِمُ.
وَهُوَ الْمُقَدَّمُ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ؟ وَذَكَرَهُ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؟ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ، وَاخْتَارَهُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
الطَّرِيقُ التَّاسِعُ: هَلْ يَلِيهِ الْحَاكِمُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمُقَدَّمُ أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ.
الطَّرِيقُ الْعَاشِرُ: يَلِيهِ النَّاظِرُ الْخَاصُّ، إنْ كَانَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ.
فَهَلْ يَلِيهِ الْحَاكِمُ، أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُطْلَقَيْنِ.
وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْفَائِقِ.
فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ طَرِيقَةً.
ثِنْتَانِ فِيمَا هُوَ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ وَنَحْوِهِ.
وَعَشْرَةٌ فِي غَيْرِهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا بِيعَ الْوَقْفُ وَاشْتُرِيَ بَدَلُهُ.
فَهَلْ يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ وَقْفِيَّةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
ذَكَرَهُمَا ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ، فِيمَا إذَا أَتْلَفَ الْوَقْفَ مُتْلِفٌ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ.
فَاشْتُرِيَ بِهَا بَدَلُهُ.
وَأَطْلَقَهُمَا.
أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي وَطْءِ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ " إذَا أَوْلَدَهَا، فَعَلَيْهِ.
الْقِيمَةُ يُشْتَرَى بِهَا مِثْلُهَا: يَكُونُ وَقْفًا " ظَاهِرُهُ: أَنَّ الْبَدَلَ يَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ.
انْتَهَى.
قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ هُنَا.
لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى بَيْعِهِ وَشِرَاءِ بَدَلِهِ.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، فَقَالَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ.
وَيَصِيرُ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ.
وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا فِي الرِّعَايَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ، فَقَالَ: فَلِنَاظِرِهِ الْخَاصِّ بَيْعُهُ وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ، أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ.
وَيَكُونُ مَا اشْتَرَاهُ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ.
وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْفِ فَإِنْ وَطِئَ فَلَا حَدَّ، وَلَا مَهْرَ.
ثُمَّ قَالَ: وَفِي أُمِّ وَلَدِهِ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ.
وَتُؤْخَذُ قِيمَتُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ.
يُصْرَفُ فِي مِثْلِهِ.
يَكُونُ بِالشِّرَاءِ وَقْفًا مَكَانَهَا.
وَهَذَا صَرِيحٌ بِلَا شَكَّ.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي كِفَايَةِ الْمُبْتَدِئِ: وَإِذَا تَخَرَّبَ الْوَقْفُ، وَانْعَدَمَتْ مَنْفَعَتُهُ: بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ.
كَانَ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ.
وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يَكُونُ وَقْفًا.
قَالَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ قُنْدُسٍ الْبَعْلِيُّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الشِّرَاءُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ: أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا.
لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فِي الشِّرَاءِ، وَالْوَكِيلُ يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْمُوَكِّلِ.
فَكَذَا هَذَا يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْجِهَةِ الْمُشْتَرَى لَهَا.
وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا وَقْفًا.
انْتَهَى.
وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ الْوَقْفِيَّةِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا خَرِبَ الْوَقْفُ وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا: بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ وَجُعِلَ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُجَرَّدِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ: بِيعَتْ وَصُرِفَ ثَمَنُهَا إلَى شِرَاءِ دَارٍ.
وَتُجْعَلُ وَقْفًا مَكَانَهَا.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَبِهِ أَقُولُ.
لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِإِفَادَةِ الْوَقْفِ.
فَلَا بُدَّ لِلْوَقْفِ مِنْ سَبَبٍ يُفِيدُهُ.
انْتَهَى.
وَأَمَّا الزَّرْكَشِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ.
بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إيقَافِ النَّاظِرِ لَهُ.
وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ مُصَرَّحًا بِهَا.
وَقِيلَ: إنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ.
انْتَهَى.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ جِنْسِ الْوَقْفِ الَّذِي بِيعَ، بَلْ أَيَّ شَيْءٍ اشْتَرَى بِثَمَنِهِ مِمَّا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ: جَازَ.
وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي مِثْلِهِ، أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ.
فَقَالَ: وَيَصْرِفُهُ فِي مِثْلِهِ، أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ.
قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، كَجِهَتِهِ.
وَقَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ، وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ.
كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ، وَمَنْ غَدَاهُ مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد فِي الْحَبِيسِ: يُشْتَرَى مِثْلُهُ، أَوْ يُنْفَقُ ثَمَنُهُ عَلَى الدَّوَابِّ الْحَبِيسِ.
الْخَامِسَةُ: إذَا بِيعَ الْمَسْجِدُ وَاشْتُرِيَ بِهِ مَكَانًا يُجْعَلُ مَسْجِدًا.
فَالْحُكْمُ لِلْمَسْجِدِ الثَّانِي.
وَيَبْطُلُ حُكْمُ الْأَوَّلِ.
السَّادِسَةُ: لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمَسْجِدِ مَعَ إمْكَانِ عِمَارَتِهِ دُونَ الْعِمَارَةِ الْأُولَى.
قَالَهُ فِي الْفُنُونِ.
وَقَالَ: أَفْتَى جَمَاعَةٌ بِخِلَافِهِ، وَغَلَّطَهُمْ.
السَّابِعَةُ: يَجُوزُ رَفْعُ الْمَسْجِدِ إذَا أَرَادَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ ذَلِكَ، وَجَعْلُ تَحْتَ أَسْفَلِهِ سِقَايَةً وَحَوَانِيتَ.
فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَأَخَذَ بِهِ الْقَاضِي.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ.
وَأَطْلَقَ وَجْهَيْنِ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ مَسْجِدٍ رَفْعَهُ عَنْ الْأَرْضِ، وَجَعْلَ سُفْلِهِ سِقَايَةً وَحَوَانِيتَ: رُوعِيَ أَكْثَرُهُمْ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: هَذَا فِي مَسْجِدٍ أَرَادَ أَهْلُهُ إنْشَاءَهُ كَذَلِكَ.
وَهُوَ أَوْلَى.
انْتَهَى.
وَاخْتَارَ هَذَا ابْنُ حَامِدٍ.
وَأَوَّلَ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
وَرَدَّ هَذَا التَّأْوِيلَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْأَصْحَابِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ (وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصْرِهِ وَزَيْتِهِ عَنْ حَاجَتِهِ: جَازَ صَرْفُهُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَغَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي مِثْلِهِ دُونَ الصَّدَقَةِ بِهِ.
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَ أَيْضًا: يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ، وَبِنَاءِ مَسَاكِنَ لِمُسْتَحِقِّ رِيعِهِ الْقَائِمِ بِمَصْلَحَتِهِ.
قَالَ: وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ رِيعَهُ يَفْضُلُ عَنْهُ دَائِمًا: وَجَبَ صَرْفُهُ.
وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الْفَاضِلِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصُرِ الْمَسْجِدِ أَوْ زَيْتِهِ: سَاغَ صَرْفُهُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى جِيرَانِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: عَلَى الْفُقَرَاءِ.
وَحَكَى الْقَاضِي فِي صَرْفِهِ وَمَنْعِهِ رِوَايَتَيْنِ.
وَكَذَا الْفَاضِلُ مِنْ جَمِيعِ رِيعِهِ وَيُصْرَفُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: وَهُوَ أَصَحُّ.
فَائِدَةٌ:
قَالَ الْحَارِثِيُّ: فَضْلَةُ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ: يَتَعَيَّنُ إرْصَادُهَا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا كَانَ الصَّرْفُ مُقَدَّرًا.
وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ غَرْسُ شَجَرَةٍ فِي الْمَسْجِدِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَكَرَ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُبْهِجِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: إنْ غُرِسَتْ بَعْدَ وَقْفِهِ: قُلِعَتْ إنْ ضَيَّقَتْ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَحْرُمُ غَرْسُهَا مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: إنْ ضَيَّقَتْ حَرُمَ وَإِلَّا كُرِهَ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تُقْلَعُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَإِنْ غُرِسَتْ بَعْدَ وَقْفِهِ قُلِعَتْ.
وَقِيلَ: إنْ ضَيَّقَتْ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَلَا.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: يَكُونُ ثَمَرُهَا لِمَسَاكِينِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ.
قَالَ فِي الْإِرْشَادِ، قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ: وَالْأَقْرَبُ حِلُّهُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَسَاكِينِ أَيْضًا.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: هِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ الْمَغْرُوسِ بِهَا غَصْبًا.
انْتَهَى.
قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً فِيهِ: جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا) . يَعْنِي إذَا كَانَتْ مَغْرُوسَةً قَبْلَ بِنَائِهِ، أَوْ وَقْفُهَا مَعَهُ.
فَإِذَا وَقَفَهَا مَعَهُ وَعَيَّنَ مَصْرِفَهَا: عُمِلَ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَصْرِفَهَا: كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الْمَنْصُوصَ وَعِنْدِي: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَسْجِدِ حَاجَةٌ إلَى ثَمَنِ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْجِيرَانَ يَعْمُرُونَهُ وَيَكْسُونَهُ.
وَقَطَعَ بِمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْأَصْحَابِ قَالُوا: يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِ.
وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا فَلِجَارِهِ أَكْلُ ثَمَرِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إذَا اسْتَغْنَى عَنْهَا الْمَسْجِدُ فَلِجَارِهِ، وَلِغَيْرِهِ الْأَكْلُ مِنْهَا وَقِيلَ: يَجُوزُ الْأَكْلُ لِلْجَارِ الْفَقِيرِ.
وَقِيلَ.
يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ مُطْلَقًا.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
فَقَالَ: وَثَمَرُهَا لِفُقَرَاءِ الدَّرْبِ.
وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الِاعْتِكَافِ: هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ يَحْرُمُ؟ وَهَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ . فَائِدَةٌ:
يَحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ فِي الْمَسْجِدِ.
فَإِنْ فُعِلَ طُمَّ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَمْ يَكْرَهْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَفْرَهَا فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ قُلْت: بَلَى، إنْ كُرِهَ الْوُضُوءُ فِيهِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ فِي الْغَصْبِ: وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهَا.
لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ.
إذْ الْمَنْفَعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلَاةِ.
فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ.
وَنَصَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَالْحَفْرِ فِي السَّابِلَةِ.
لِاشْتِرَاكِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
فَالْحَفْرُ فِي إحْدَاهُمَا كَالْحَفْرِ فِي الْأُخْرَى.
فَتَجْرِي فِيهِ رِوَايَةُ ابْنِ ثَوَابٍ بِعَدَمِ الضَّمَانِ.
انْتَهَى.
فَائِدَةٌ:
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ نَاظِرٌ فِي وَقْفٍ: تَوَجَّهَ أَنَّهُ لَهُ إنْ أَشْهَدَ وَإِلَّا لِلْوَقْفِ.
وَيَتَوَجَّهُ فِي أَجْنَبِيٍّ بَنَى أَوْ غَرَسَ: أَنَّهُ لِلْوَقْفِ بِنِيَّتِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَدُ الْوَاقِفِ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمُتَّصِلِ بِهِ، مَا لَمْ تَأْتِ حُجَّةٌ تَدْفَعُ مُوجِبَهَا، كَمَعْرِفَةِ كَوْنِ الْغَارِسِ غَرَسَهُ بِمَا لَهُ بِحُكْمِ إجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ غَصْبٍ.
وَيَدُ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ.
فَلَيْسَ لَهُ دَعْوَى الْبِنَاءِ بِلَا حُجَّةٍ.
وَيَدُ أَهْلِ الْعَرْصَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ثَابِتَةٌ عَلَى مَا فِيهَا بِحُكْمِ الِاشْتِرَاكِ، إلَّا مَعَ بَيِّنَةٍ بِاخْتِصَاصِهِ بِبِنَاءٍ وَنَحْوِهِ.
[بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ]
ِ قَوْلُهُ (وَهِيَ تَمْلِيكٌ فِي حَيَاتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقِيلَ: الْهِبَةُ تَقْتَضِي عِوَضًا.
وَقِيلَ: مَا عُرِفَ.
فَلَوْ أَعْطَاهُ لِيُعَاوِضَهُ، أَوْ لِيَقْضِيَ لَهُ بِهِ حَاجَةً، فَلَمْ يَفِ: فَكَالشَّرْطِ.
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُهُ (فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضًا مَعْلُومًا: صَارَتْ بَيْعًا) . حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَالشُّفْعَةِ وَغَيْرِهِمَا.
هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
وَلَيْسَ مَنْصُوصًا عَنْهُ، وَلَا عَنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْهِدَايَةِ.
وَقِيلَ: هِيَ بَيْعٌ مَعَ التَّقَابُضِ.
(وَعَنْهُ يُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ) . ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَهُوَ مَتِينٌ جِدًّا.
وَقَالَ عَنْ الْأَوَّلِ: هُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
انْتَهَى.
قَالَ الْقَاضِي: لَيْسَتْ بَيْعًا.
وَإِنَّمَا الْهِبَةُ تَارَةً تَكُونُ تَبَرُّعًا، وَتَارَةً تَكُونُ بِعِوَضٍ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ.
وَلَا يَخْرُجَانِ عَنْ مَوْضُوعِهِمَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ شَرَطَهُ، كَانَ مَعْلُومًا: صَحَّتْ كَالْعَارِيَّةِ.
وَقِيلَ: بِقِيمَتِهَا بَيْعًا.
وَعَنْهُ: هِبَةٌ.
انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ:
أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صِحَّةَ شَرْطِ الْعِوَضِ فِيهَا.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَجْهُولًا: لَمْ تَصِحَّ) يَعْنِي الْهِبَةَ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
مِنْهُمْ: الْقَاضِي، وَابْنُ الْبَنَّا، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: يُرْضِيهِ بِشَيْءٍ فَيَصِحُّ.
وَذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ.
وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَصَحَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.
فَقَالَ: فَإِنْ شَرَطَهُ مَجْهُولًا: صَحَّتْ فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يُرْضِيهِ.
فَإِنْ لَمْ يَرْضَ: فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا.
فَيَرُدُّهَا بِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
(فَإِنْ تَلِفَتْ) فَقِيمَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ.
وَهَذَا الْبِنَاءُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: هُوَ الصَّحِيحُ.
صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ.
وَقِيلَ: يُرْضِيهِ بِقِيمَةِ مَا وَهَبَهُ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا بِالْبِنَاءِ.
وَهُوَ مَا يُعَدُّ ثَوَابًا لِمِثْلِهِ عَادَةً.
فَائِدَةٌ: لَوْ ادَّعَى شَرْطَ الْعِوَضِ، فَأَنْكَرَ الْمُتَّهَبُ، أَوْ قَالَ: وَهَبْتنِي هَذَا.
قَالَ: بَلْ بِعْتُكَهُ.
فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُتَّهَبِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
وَقَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ: حَكَاهُ فِي الْكَافِي، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ (وَتَحْصُلُ الْهِبَةُ بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هِبَةً، مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْمُعَاطَاةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَغَيْرُهُمَا.
حَتَّى إنَّ ابْنَ عَقِيلٍ، وَغَيْرَهُ: صَحَّحُوا الْهِبَةَ بِالْمُعَاطَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا الْخِلَافَ الَّذِي فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْحَارِثِيِّ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهَلْ يَقُومُ الْفِعْلُ مَقَامَ اللَّفْظِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَةِ فِي الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَتَنْعَقِدُ بِالْمُعَاطَاةِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي فِي الصَّدَاقِ: لَا تَصِحُّ إلَّا بِلَفْظِ " الْهِبَةِ " وَ " الْعَفْوِ " وَ " التَّمْلِيكِ " وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِي " الْعَفْوِ " وَجْهَانِ.
وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: وَأَلْفَاظُهَا " وَهَبْت، وَأَعْطَيْت، وَمَلَّكْت ". وَالْقَبُولُ " قَبِلْت " أَوْ " تَمَلَّكْت " أَوْ " اتَّهَبْت ".
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إيجَابٌ، وَلَا قَبُولٌ، بَلْ إعْطَاءٌ، وَأَخْذٌ: كَانَتْ هَدِيَّةً، أَوْ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ عَلَى مِقْدَارِ الْعُرْفِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ، فِي غِذَاءِ الْمَسَاكِينِ فِي الظِّهَارِ: أَطْعَمْتُكَهُ كَوَهَبْتُكَهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ: أَنَّ الْهِبَةَ وَالْعَطِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
وَلَا تَصِحُّ بِدُونِهِ.
سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَبْضُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ.
وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ: صَحَّ، مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ وَقَالَ فِي الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَتَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عُرْفًا.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ: فَفِي صِحَّةِ الْهِبَةِ رِوَايَتَانِ.
انْتَهَى.
قُلْت: هِيَ مُشَابِهَةٌ لِلْبَيْعِ.
فَيَأْتِي هُنَا مَا فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ وَجَدْت الْحَارِثِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا.
وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ.
الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ أَنْ يَهَبَهُ شَيْئًا، وَيَسْتَثْنِيَ نَفْعَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً.
وَبِذَلِكَ أَجَابَ الْمُصَنِّفُ.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ.
قَوْلُهُ (وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ) . يَعْنِي: وَلَا تَلْزَمُ قَبْلَهُ.
وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْقَاضِي.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَصَحُّ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَارِثِيِّ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
قَالَ فِي الْكُبْرَى: تَلْزَمُ الْهِبَةُ وَتُمْلَكُ بِالْقَبْضِ إنْ اُعْتُبِرَ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَغَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: تَلْزَمُ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَعَلَى قِيَاسِهِ: الْمَعْدُودُ وَالْمَذْرُوعُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَنْهُ تَلْزَمُ فِي مُتَمَيِّزٍ بِالْعَقْدِ.
اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَالْحَارِثِيُّ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يَفْتَقِرُ الْمُعَيَّنُ إلَى الْقَبْضِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ.
وَعَنْهُ: لَا تَلْزَمُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ فِي الْقَبْضِ
تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: صِحَّةُ الْهِبَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَطَائِفَةٍ: أَنَّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ لَا يَصِحُّ إلَّا مَقْبُوضًا.
قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، فِيمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، إلَّا بِقَبْضِهِ.
قَالَ فِي الِانْتِصَارِ، فِي الْبَيْعِ بِالصِّفَةِ: الْقَبْضُ رُكْنٌ فِي غَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ، لَا يَلْزَمُ الْعَقْدُ بِدُونِهِ.
نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ.
وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ قَرِيبًا.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَا تَلْزَمُ فِيهِ إلَّا بِالْقَبْضِ) مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ.
قَالَ الشَّارِحُ، وَالْمُصَنِّفُ: وَخَصَّهُ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِمَا لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ فِيهِ.
كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، وَرِطْلٍ مِنْ زُبْرَةٍ.
قَالَ: وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، وَرَجَّحْنَا الْعُمُومَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَمَا تَقَدَّمَ.
وَعَنْهُ: تَلْزَمُ فِي مُتَمَيِّزٍ بِالْعَقْدِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِبَةُ غَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، وَرِطْلٍ مِنْ زُبْرَةٍ تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ بِلَا نِزَاعٍ.
فَائِدَةٌ: تُمْلَكُ الْهِبَةُ بِالْعَقْدِ أَيْضًا.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَابَعَهُ.
وَنَقَلَهُ فِي التَّلْخِيصِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ.
وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ فِي مَوْضِعٍ.
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَمِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، وَصَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ عَلَى الْقَبْضِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ إلَّا بِقَبْضِهِ.
وَفِيمَا عَدَاهُمَا رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْهُوبِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ: إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْغُرُوبِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَالْعَبْدُ مَوْهُوبٌ: لَمْ يُقْبَضْ.
ثُمَّ قَبَضَ وَقُلْنَا: يُعْتَبَرُ فِي هِبَتِهِ الْقَبْضُ فَفُطْرَتُهُ عَلَى الْوَاهِبِ.
وَكَذَا صَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ.
كَالْإِيجَابِ فِي غَيْرِهَا.
وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا.
قَالَ ذَلِكَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ.
وَقِيلَ: يَقَعُ الْمِلْكُ مُرَاعًى.
فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ: تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ بِقَبُولِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْوَاهِبِ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْفِطْرَةِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الِانْتِصَارِ فِي نَقْلِ الْمِلْكِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَيْهِمَا يُخَرَّجُ النَّمَاءُ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إنْ اتَّصَلَ الْقَبْضُ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ) يَعْنِي إذَا قُلْنَا: إنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِشَرْطِهِ الْآتِي.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَطَعُوا بِهِ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالتَّلْخِيصِ: وَفِي صِحَّةِ قَبْضِهِ بِدُونِ إذْنِهِ رِوَايَتَانِ وَالْإِذْنُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اللَّفْظِ.
بَلْ الْمُنَاوَلَةُ وَالتَّخْلِيَةُ إذْنٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي: اعْتِبَارُ اللَّفْظِ فِيهِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَعَنْهُ يَصِحُّ الْقَبْضُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
قَوْلُهُ (إلَّا مَا كَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهَبِ.
فَيَكْفِي مُضِيُّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهِ) . هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالسَّامِرِيُّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ، وَالتَّلْخِيصِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَنْهُ: مَا كَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَهُوَ أَوْلَى.
كَذَا قَالَ الْحَارِثِيُّ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ أَيْضًا.
وَيَمْضِيَ زَمَنٌ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ.
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ اتَّهَبَ شَيْئًا فِي يَدِهِ يُعْتَبَرُ قَبْضُهُ فَقَبِلَهُ: اُعْتُبِرَ إذْنُ الْوَاهِبِ فِيهِ عَلَى الْأَشْهَرِ.
ثُمَّ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِيهِ لِيَمْلِكَهُ.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ مُضِيُّ الزَّمَنِ دُونَ إذْنِهِ.
وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ.
وَأَطْلَقَ الثَّانِيَةَ، وَالثَّالِثَةَ فِي الْكَافِي.
تَنْبِيهٌ: الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: مِنْ قَوْلِهِ " وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ " لَا مِنْ قَوْلِهِ " وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ ".
فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: صِفَةُ الْقَبْضِ هُنَا: كَقَبْضِ الْمَبِيعِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا.
فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا: فَبِمُضِيِّ مُدَّةِ نَقْلِهِ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا: فَبِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيَالُهُ وَاتِّزَانُهُ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ: فَبِمُضِيِّ مُدَّةِ التَّخْلِيَةِ.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا: لَمْ يَصِرْ مَقْبُوضًا حَتَّى يُوَافِيَهُ، هُوَ، أَوْ وَكِيلُهُ.
ثُمَّ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِيهَا.
ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، فِي بَابِ الرَّهْنِ.
وَكَذَا حُكْمُ قَبْضِ الرَّهْنِ.
الثَّانِيَةُ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْإِذْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي نَفْسِ الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِمَا.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِمَا
. قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ: قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْإِذْنِ وَالرُّجُوعِ)
هَذَا الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: يَبْطُلُ عَقْدُ الْهِبَةِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ.
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى.
وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْهِبَةِ فِي الصِّحَّةِ.
وَأَمَّا فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ قَبْلَ إقْبَاضِهَا فَجَعَلَا الْوَرَثَةَ بِالْخِيَارِ لِشَبَهِهَا بِالْوَصِيَّةِ.
انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ وَهَبَ الْغَائِبُ هِبَةً وَأَنْفَذَهَا مَعَ رَسُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ]
فَائِدَةٌ: لَوْ وَهَبَ الْغَائِبُ هِبَةً، وَأَنْفَذَهَا مَعَ رَسُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ وَكِيلِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ، أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا: لَزِمَ حُكْمُهَا.
وَكَانَتْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ.
لِأَنَّ قَبْضَ الرَّسُولِ وَالْوَكِيلِ كَقَبْضِهِ.
وَإِنْ أَنْفَذَهَا الْوَاهِبُ مَعَ رَسُولِ نَفْسِهِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ مَاتَ الْمُوهَبُ لَهُ: بَطَلَتْ.
وَكَانَتْ لِلْوَاهِبِ وَلِوَرَثَتِهِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ.
وَكَذَلِكَ الْحَكَمُ فِي الْهَدِيَّةِ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ " قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ " أَنَّ إذْنَ الْوَاهِبِ يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ إذْنُهُ بِمَوْتِ الْمُتَّهَبِ.
فَوَائِدُ الْأُولَى: لَوْ مَاتَ الْمُتَّهَبُ قَبْلَ قَبُولِهِ: بَطَلَ الْعَقْدُ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ.
الثَّانِيَةُ: يَقْبِضُ الْأَبُ لِلطِّفْلِ مِنْ نَفْسِهِ بِلَا نِزَاعٍ.
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ مِنْ نَفْسِهِ.
الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَيُكْتَفَى بِقَوْلِهِ " وَهَبْته.
وَقَبَضْته لَهُ " وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ فِي هِبَةِ الْوَلَدِ أَنْ يَقُولَ " قَبِلْته ". وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
وَالْمُذْهَبُ خِلَافُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُكْتَفَى بِأَحَدِ لَفْظَيْنِ، إمَّا أَنْ يَقُولَ " قَدْ قَبِلْتُهُ " أَوْ " قَبَضْتُهُ ".
وَإِنْ وَهَبَ وَلِيُّ غَيْرِ الْأَبِ، فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: لَا بُدَّ أَنْ يُوَكِّلَ الْوَاهِبُ مَنْ يَقْبَلُ لِلصَّبِيِّ وَيَقْبِضُ لَهُ.
لِيَكُونَ الْإِيجَابُ مِنْ الْوَلِيِّ، وَالْقَبُولُ وَالْقَبْضُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ.
بِخِلَافِ الْأَبِ.
فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ وَيَقْبَلَ وَيَقْبِضَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّ الْأَبَ وَغَيْرَهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي قَبْضِ وَلِيِّ غَيْرِ الْأَبِ مِنْ نَفْسِهِ: رِوَايَتَا شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يَصِحُّ قَبْضُ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ لِنَفْسِهِ وَلَا قَبُولُهُ.
وَوَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِمَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَوَصِيُّهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْحَاكِمُ الْأَمِينُ، أَوْ مَنْ يُقِيمُوهُ مَقَامَهُمْ.
وَلَا يَقُومُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مَقَامَهُمْ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ الْقَبُولُ وَالْقَبْضُ مِنْ غَيْرِهِمْ عِنْدَ عَدَمِهِمْ.
الرَّابِعَةُ: لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ قَبْضُ الْهِبَةِ وَلَا قَبُولُهَا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.
وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ تَبَعًا لِلْحَارِثِيِّ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ.
وَعَنْهُ: يَصِحُّ قَبْضُهُ وَقَبُولُهُ.
اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْحَارِثِيُّ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقِفَ صِحَّةُ قَبْضِهِ عَلَى إذْنِ وَلِيِّهِ دُونَ الْقَبُولِ.
وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا.
وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ: هَلْ تَصِحُّ هِبَتُهُ؟ وَالسَّفِيهُ كَالْمُمَيِّزِ فِي ذَلِكَ وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
وَالْوَصِيَّةُ كَالْهِبَةِ فِي ذَلِكَ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: يُعْتَبَرُ لِقَبْضِ الْمُشَاعِ إذْنُ الشَّرِيكِ فِيهِ.
فَيَكُونُ نِصْفُهُ مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا، وَنِصْفُ الشَّرِيكِ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ.
انْتَهَى.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ: فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ: يَكُونُ نِصْفُ الشَّرِيكِ وَدِيعَةً عِنْدَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يَكُونُ قَبْضُ نِصْفِ الشَّرِيكِ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً.
انْتَهَى.
قُلْت: لَوْ قِيلَ: إنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ، وَتَصَرَّفَ: كَانَ عَارِيَّةً.
وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ: فَوَدِيعَةً لَكَانَ مُتَّجِهًا.
ثُمَّ وَجَدْته فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ حَكَى كَلَامَهُ فِي الْفُنُونِ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ: هُوَ عَارِيَّةٌ، حَيْثُ قَبَضَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ بِلَا عِوَضٍ.
قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ: وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ مَجَّانًا.
أَمَّا إنْ طَلَبَ مِنْهُ أُجْرَةً: فَهِيَ إجَارَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي الِانْتِفَاعِ بَلْ فِي الْحِفْظِ: فَوَدِيعَةٌ.
انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ.
السَّادِسَةُ: لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ: أَنْتَ حَبِيسٌ عَلَى آخِرِنَا مَوْتًا: لَمْ يَعْتِقْ بِمَوْتِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا.
وَيَكُونُ فِي يَدِ الثَّانِي عَارِيَّةً.
فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
وَذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ، أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ) . وَكَذَا إنْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ، أَوْ تَرَكَهُ لَهُ، أَوْ مَلَّكَهُ لَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ عَفَا عَنْهُ: بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ (وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ) .
اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنِهِ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ، أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَكَانَ الْمُبَرِّئُ وَالْمُبَرَّأُ يَعْلَمَانِ الدَّيْنَ صَحَّ ذَلِكَ، وَبَرِئَ وَإِنْ رَدَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَفِي الْمُغْنِي: فِي إبْرَائِهَا لَهُ مِنْ الْمَهْرِ: هَلْ هُوَ إسْقَاطٌ، أَوْ تَمْلِيكٌ؟ فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ احْتِمَالٌ: لَا يَصِحُّ بِهِ.
وَإِنْ صَحَّ اُعْتُبِرَ قَبُولُهُ وَفِي الْمُوجَزِ، وَالْإِيضَاحِ: لَا تَصِحُّ هِبَةٌ فِي عَيْنٍ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إنْ حَلَفَ لَا يَهَبُهُ، فَأَبْرَأَهُ: لَمْ يَحْنَثْ.
لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: تَصِحُّ بِلَفْظِ " الْهِبَةِ " وَ " الْعَطِيَّةِ " مَعَ اقْتِضَائِهِمَا وُجُودَ مُعَيَّنٍ.
وَهُوَ مُنْتَفٍ.
لِإِفَادَتِهِمَا لِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ هُنَا.
قَالَ: وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقَةً: لَمْ يَصِحَّ.
لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ، وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ.
وَمِنْ هُنَا: امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَامْتَنَعَ إجْزَاؤُهُ عَنْ الزَّكَاةِ، لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: إنْ أَبْرَأَ مَرِيضٌ مِنْ دَيْنِهِ وَهُوَ كُلُّ مَالِهِ فَفِي بَرَاءَتِهِ مِنْ ثُلُثِهِ، قَبْلَ دَفْعِ ثُلُثَيْهِ: مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ.
انْتَهَى.
وَأَمَّا إنْ عَلِمَهُ الْمُبَرَّأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَوْ جَهِلَهُ.
وَكَانَ الْمُبَرِّئُ بِكَسْرِهَا يَجْهَلُهُ: صَحَّ، سَوَاءٌ جُهِلَ قَدْرُهُ، أَوْ وَصْفُهُ، أَوْ هُمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ.
وَعَنْهُ: يَصِحُّ مَعَ جَهْلِ الْمُبَرَّأِ بِفَتْحِ الرَّاءِ دُونَ عِلْمِهِ.
وَأَطْلَقَ فِيمَا إذَا عَرَفَهُ الْمَدْيُونُ فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ، فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ جَهِلَاهُ، إلَّا إذَا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ بِكُلِّ حَالٍ، إلَّا إذَا عَرَفَهُ الْمُبَرَّأُ، وَظَنَّ الْمُبَرِّئُ جَهْلَهُ بِهِ: فَلَا يَصِحُّ.
انْتَهَى.
وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ، كَالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ.
ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْوَفَاءِ.
كَمَا لَوْ كَتَمَهُ الْمُبَرَّأُ خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَهُ الْمُبَرِّئُ: لَمْ يُبَرِّئْهُ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: فَأَمَّا إنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ يَعْلَمُهُ وَيَكْتُمُهُ الْمُسْتَحِقُّ، خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ إذَا عَلِمَهُ لَمْ يَسْمَحْ بِإِبْرَائِهِ مِنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ فِيهِ.
لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِالْمُبَرِّئِ وَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
انْتَهَيَا.
وَتَابَعَهُمَا الْحَارِثِيُّ.
وَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ: الصِّحَّةُ مُطْلَقًا.
قَالَ: وَهَذَا أَقْرَبُ.
[فَوَائِدُ صُوَرِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ]
فَوَائِدُ الْأُولَى: مِنْ صُوَرِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ: لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا.
قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ، وَالْحَارِثِيُّ.
وَقَالَا: يَصِحُّ، وَيُؤْخَذُ بِالْبَيَانِ كَطَلَاقِهِ إحْدَاهُمَا وَعِتْقِهِ أَحَدَهُمَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَعْنِي ثُمَّ يُقْرِعُ.
عَلَى الْمَذْهَبِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مِائَةٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةٌ فَفِي صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ وَجْهَانِ.
صَحَّحَ النَّاظِمُ: أَنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَصِحُّ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا أَظْهَرُ.
أَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَصْلُهُمَا: لَوْ بَاعَ مَالًا لِمَوْرُوثِهِ، يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَيٌّ وَكَانَ قَدْ مَاتَ وَانْتَقَلَ مِلْكُهُ إلَيْهِ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَتَقَدَّمَ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، بَعْدَ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ.
فَكَذَا هُنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: أَصْلُ الْوَجْهَيْنِ: مَنْ وَاجَهَ امْرَأَةً بِالطَّلَاقِ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً، فَبَانَتْ امْرَأَتَهُ، أَوْ وَاجَهَ بِالْعِتْقِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا حَرَّةً فَبَانَتْ أَمَتَهُ.
وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ.
الثَّالِثَةُ: لَا تَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
وَيَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ كَالْأَعْيَانِ.
ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ بَعْدَهُ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْمُخْتَارُ الصِّحَّةُ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ.
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ فَذَكَرَهُ إنْ اتَّصَلَ الْقَبْضُ بِهِ.
وَتَقَدَّمَ حُكْمُ هِبَةِ دَيْنِ السَّلَمِ فِي بَابِهِ مُحَرَّرًا.
فَلْيُعَاوَدْ.
الرَّابِعَةُ: لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ بِشَرْطٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ، فِيمَنْ قَالَ " إنْ مِتَّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ " فَإِنْ ضَمَّ التَّاءَ.
فَقَالَ " إنَّ مِتُّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ " فَهُوَ وَصِيَّةٌ.
وَجَعَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلًا فِي حِلٍّ مِنْ غَيْبَتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعُودَ.
وَقَالَ: مَا أَحْسَنَ الشَّرْطَ.
فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ.
وَأَخَذَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ مِنْ شَرْطِهِ " أَنْ لَا يَعُودَ " رِوَايَةً فِي صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ: صِحَّةَ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ.
وَاحْتَجَّ بِنَصِّهِ الْمَذْكُورِ هُنَا أَنَّهُ وَصِيَّةٌ.
وَأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، وَالْقَاضِيَ، قَالَا: لَا يَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مَوْتِ الْمُبَرِّئِ.
وَأَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ.
لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ.
وَقَدَّمَ الْحَارِثِيُّ مَا قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ، وَقَالَ: إنَّهُ أَصَحُّ.
الْخَامِسَةُ: لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ.
ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ.
نَقَلَهُ الْحَلْوَانِيُّ عَنْهُ.
وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ: بِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ.
وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ إسْقَاطٌ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِسْقَاطِ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ: فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ سَقَطَ.
وَمَنَعَ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ.
وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ: فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مَالًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ: الْعَفْوُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ تَمْلِيكٌ أَيْضًا.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّ أَبَا الْيَسْرِ الصَّحَابِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِغَرِيمِهِ: إذَا وَجَدْت قَضَاءً فَاقْضِ.
وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ ".
وَأَعْلَمَ بِهِ الْوَلِيدَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَابْنَهُ، وَهُمَا تَابِعِيَّانِ.
فَلَمْ يُنْكِرَاهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَّجِهٌ.
وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا.
السَّادِسَةُ: لَوْ تَبَارَآ.
وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ مَكْتُوبٌ.
فَادَّعَى اسْتِثْنَاءَهُ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يُبَرِّئْهُ مِنْهُ: قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَلِخَصْمِهِ تَحْلِيفُهُ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَتَوَجَّهُ الرِّوَايَتَانِ فِي مُخَالَفَةِ النِّيَّةِ لِلْعَامِّ بِأَيِّهِمَا يُعْمَلُ.
السَّابِعَةُ: قَالَ الْقَاضِي مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ الْإِبْرَاءُ مِنْ الْمَجْهُولِ: عِنْدَنَا صَحِيحٌ.
لَكِنْ هَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ، أَوْ خَاصٌّ بِالْأَمْوَالِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ عَامٌّ.
قُلْت: صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ فِي آخِرِ الْقَذْفِ.
وَقَدَّمَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ لَا يَكْفِي الِاسْتِحْلَالُ الْمُبْهَمُ.
وَيَأْتِي ذَلِكَ مُحَرَّرًا هُنَاكَ.
قَوْلُهُ (وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَاطِبَةً.
وَفِي طَرِيقِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِنْ عَدَمِ إجَارَةِ الْمُشَاعِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ وَلَا هِبَتُهُ.
وَقَوْلُهُ (وَكُلُّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) . يَعْنِي: تَصِحُّ هِبَتُهُ.
وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ.
وَمَفْهُومُهُ: أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: تَصِحُّ هِبَةُ مَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ.
جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ.
وَتَصِحُّ هِبَةُ الْكَلْبِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ.
وَاخْتَارَهُ الْحَارِثِيُّ.
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ: وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَاضِي وَصَاحِبِ الْمُغْنِي خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ.
لِأَنَّ نَقْلَ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ جَائِزٌ، كَالْوَصِيَّةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
انْتَهَى.
نَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ أَهْدَى إلَى رَجُلٍ كَلْبَ صَيْدٍ تَرَى أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: هَذَا خِلَافُ الثَّمَنِ.
هَذَا عِوَضٌ مِنْ شَيْءٍ.
فَأَمَّا الثَّمَنُ: فَلَا.
وَأَطْلَقَ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَجْهَيْنِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَقِيلَ: وَتَصِحُّ أَيْضًا هِبَةُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَيَظْهَرُ لِي صِحَّةُ هِبَةِ الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ قَوْلًا وَاحِدًا.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا تَصِحُّ هِبَةُ أُمِّ الْوَلَدِ.
إنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ هُنَا، مَعَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهَا.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ.
بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْإِمَاءِ فِي الْخِدْمَةِ وَنَحْوِهَا، إلَى أَنْ يَمُوتَ الْوَاهِبُ، فَتَعْتِقَ.
وَتَخْرُجَ مِنْ الْهِبَةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْمَوْهُوبَ الْمَجْهُولَ: تَارَةً يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ.
وَتَارَةً لَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ عِلْمُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصُّلْحِ عَلَى الْمَجْهُولِ الْمُتَعَذِّرِ عِلْمُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهُوَ الصِّحَّةُ.
قَطَعَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
لِإِطْلَاقِهِمْ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي هِبَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَحَرْبٍ الْآتِيَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَأَكْثَرُهُمْ قَطَعَ بِهِ.
نَقَلَ حَرْبٌ: لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَيْضًا: إذَا قَالَ " شَاةً مِنْ غَنَمِي " يَعْنِي وَهَبْتهَا لَهُ لَمْ يَجُزْ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْجَهْلَ إذَا كَانَ مِنْ الْوَاهِبِ: مَنَعَ الصِّحَّةَ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ: لَمْ يَمْنَعْهَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ.
كَقَوْلِهِ " مَا أَخَذْت مِنْ مَالِي فَهُوَ لَك " أَوْ " مَنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَالِي: فَهُوَ لَهُ ". وَاخْتَارَ الْحَارِثِيُّ: صِحَّةَ هِبَةِ الْمَجْهُولِ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ قَالَ " خُذْ مِنْ هَذَا الْكِيسِ مَا شِئْت " كَانَ لَهُ أَخْذُ مَا فِيهِ جَمِيعًا.
وَلَوْ قَالَ " خُذْ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ مَا شِئْت " لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَهَا كُلَّهَا.
إذْ الْكِيسُ ظَرْفًا.
فَإِذَا أَخَذَ الْمَظْرُوفَ: حَسُنَ أَنْ " يَقُولَ أَخَذْت مِنْ الْكِيسِ مَا فِيهِ " وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ " أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِمِ كُلَّهَا " نَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ نَوَادِرِ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ.
قَوْلُهُ (وَلَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) . يَعْنِي لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ هِبَتُهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ: جَوَازُ هِبَةِ الْمَعْدُومِ وَغَيْرِهِ.
قُلْت: اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: صِحَّةَ هِبَةِ الْمَعْدُومِ.
كَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ بِالسَّنَةِ.
قَالَ: وَاشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ هُنَا: فِيهِ نَظَرٌ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ.
وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ.
وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ جَوَازَ تَعْلِيقِهَا عَلَى شَرْطٍ.
قُلْت: وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفَائِقِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَلَا شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ: أَنْ لَا يَبِيعَهَا، وَلَا يَهَبَهَا) . هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ بِلَا نِزَاعٍ.
لَكِنْ هَلْ تَصِحُّ الْهِبَةُ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الصِّحَّةُ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَوْقِيتُهَا.
كَقَوْلِهِ.
وَهَبْتُك هَذَا سَنَةً) هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْمُصَنِّفُ.
وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ الْجَوَازَ.
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُهُ (إلَّا فِي الْعُمْرَى، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ أَرْقَبْتُكَهَا، أَوْ جَعَلْتهَا لَك عُمُرَك، أَوْ حَيَاتَك) . وَكَذَا قَوْلُهُ (أَعْطَيْتُكَهَا) أَوْ " جَعَلْتهَا لَك عُمْرَى، أَوْ رُقْبَى أَوْ مَا بَقِيت " فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعَمَّرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ (وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) . هَذِهِ " الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى " وَهِيَ صَحِيحَةٌ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ.
وَتَكُونُ لِلْمُعَمَّرِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: " الْعُمْرَى " الْمَشْرُوعَةُ، أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك مِنْ بَعْدِك لَا غَيْرُ.
وَنَقَلَ يَعْقُوبُ، وَابْنُ هَانِئٍ: مَنْ يُعْمَرُ الْجَارِيَةَ، هَلْ يَطَؤُهَا؟ قَالَ: لَا أَرَاهُ.
وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْوَرَعِ.
لِأَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَهَا تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ.
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَالصَّوَابُ تَحْرِيمُهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعُمْرَى قَاصِرٌ.
فَائِدَةٌ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ شَرَطَ رُجُوعَهَا إلَى الْمُعَمِّرِ بِكَسْرِ الْمِيمِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ قَالَ: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا) (صَحَّ الشَّرْطُ) .
هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ.
وَتَكُونُ لِلْمُعَمَّرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
أَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ عَنْ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ عَنْ الثَّانِيَةِ لَا تَصِحُّ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِصِحَّةِ الشَّرْطِ
تَنْبِيهٌ: مِنْ لَازِمِ صِحَّةِ الشَّرْطِ: صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَلَا عَكْسَ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْعَقْدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ أَيْضًا.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ: وَجْهًا بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ.
لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ كَالْبَيْعِ.
وَلَا يَصِحُّ.
انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: لَا يَصِحُّ إعْمَارُهُ الْمَنْفَعَةَ، وَلَا إرْقَابُهَا.
فَلَوْ قَالَ " سُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ لَك عُمُرَك " أَوْ " غَلَّةُ هَذَا الْبُسْتَانِ " أَوْ " خِدْمَةُ
هَذَا الْعَبْدِ لَك عُمُرَك " أَوْ " مَنَحْتُكَهُ عُمُرَك " أَوْ " هُوَ لَك عُمُرَك " فَذَلِكَ عَارِيَّةٌ.
لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إذَا قَالَ " هُوَ وَقْفٌ عَلَى فُلَانٍ.
فَإِذَا مَاتَ فَلِوَلَدِي، أَوْ لِفُلَانٍ " فَكَمَا لَوْ قَالَ " إذَا مَاتَ فَهُوَ لِوَلَدِهِ، أَوْ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ الْوَاقِفُ " لَيْسَ يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا.
إنَّمَا هُوَ لِمَنْ وَقَفَهُ.
يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ.
مِثْلُ السُّكْنَى، وَالسُّكْنَى مَتَى شَاءَ رَجَعَ فِيهِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِي الرُّقْبَى وَالْوَقْفِ إذَا مَاتَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، بِخِلَافِ السُّكْنَى.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَيْضًا: الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى وَالْوَقْفُ مَعْنًى وَاحِدٌ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ: لَمْ يَرْجِعْ إلَى وَرَثَةِ الْمُعَمِّرِ.
وَإِنْ شَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنَّهُ لَهُ حَيَاتَهُ: رَجَعَ.
وَإِنْ جَعَلَهُ لَهُ حَيَاتَهُ وَبَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ: لِوَرَثَةِ الَّذِي أَعْمَرَهُ، وَإِلَّا رَجَعَ إلَى وَرَثَةِ الْأَوَّلِ.
وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْوَقْفِ الْمُؤَقَّتِ.
قَوْلُهُ (وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ: الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَحَرْبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَالْكَوْسَجِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَسِنْدِيٍّ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَارِثِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: الْمَشْرُوعُ أَنْ يَكُونَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى كَمَا فِي النَّفَقَةِ.
اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ، وَالْحَارِثِيُّ.
وَفِي الْوَاضِحِ وَجْهٌ: تُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَبٍ وَأُمٍّ، وَأَخٍ وَأُخْتٍ.