ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المرداوي
- الكتاب
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
- المؤلف
- علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
- الناشر
- دار إحياء التراث العربي
- الطبعة
- الثانية - بدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ جَوَّزَ أَصْحَابُنَا جَذْبَ رَجُلٍ يَقُومُ مَعَهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالشَّرْحِ: اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ ابْنَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَالَ الْعِبَادَةِ.
كَالْأَجْنَبِيِّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِي جَوَازِ جَذْبِهِ وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَإِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ، فَهَلْ يَخْرِقُ الصَّفَّ لِيُصَلِّيَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، أَوْ يُؤَخِّرُ وَاحِدًا مِنْ الصَّفِّ، أَوْ يَقِفُ فَذًّا؟ عَلَى أَوْجُهٍ اخْتَارَ شَيْخُنَا الثَّالِثَ.
انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ بِشَيْخِنَا: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ حَضَرَ اثْنَانِ وَفِي الصَّفِّ فُرْجَةٌ، فَأَنَا أُفَضِّلُ وُقُوفَهُمَا جَمِيعًا، أَوْ يَسُدُّ أَحَدُهُمَا الْفُرْجَةَ، وَيَنْفَرِدُ الْآخَرُ رَجَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ: الِاصْطِفَافَ مَعَ بَقَاءِ الْفُرْجَةِ؛ لِأَنَّ سَدَّ الْفُرْجَةِ مُسْتَحَبٌّ، وَالِاصْطِفَافَ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا﴾ ﴿لَمْ تَصِحَّ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي النَّفْلِ فَقَطْ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي، وَبَنَاهُ فِي الْفُصُولِ عَلَى مَنْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ إنْ عَلِمَ النَّهْيَ، وَإِلَّا فَلَا، وَيَكُونُ.
وَأَنَّهُ يَصِحُّ صَلَاتُهُمْ تَلْفِيقًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: لِعُذْرٍ.
قُلْت: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ يَقِفُ فَذًّا مَعَ ضِيقِ الْمَوْضِعِ أَوْ ارْتِصَاصِ الصَّفِّ، وَكَرَاهَةِ أَهْلِهِ دُخُولَهُ.
انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْفَذِّ لِعُذْرٍ.
انْتَهَى.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إنْ كَانَ لِغَيْرِ غَرَضٍ وَإِلَّا صَحَّتْ، وَقِيلَ: يَقِفُ فَذًّا فِي الْجِنَازَةِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا، قَالَ: فَإِنَّهُ أَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ صَفًّا ثَالِثًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: فَتَكُونُ مَسْأَلَةَ مُعَايَاةٍ، وَيَأْتِي قَرِيبًا إذَا صَلَّتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ خَلْفَ امْرَأَةٍ.
تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا " يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْجِنَازَةِ " فَالْمُرَادُ مَعَ الْكَرَاهَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ: وَيَتَوَجَّهُ يُكْرَهُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ شَيْخِنَا يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ " وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً فَذًّا لَمْ تَصِحَّ " أَنَّهُ إذَا لَمْ تَفْرُغْ الرَّكْعَةُ، حَتَّى دَخَلَ مَعَهُ آخَرُ، أَوْ دَخَلَ هُوَ فِي الصَّفِّ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَذًّا، وَأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ إحْرَامِهِ فَذًّا اخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَذَكَرَهُ رِوَايَةً.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إذَا صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الْفَرْضِ فَذًّا بَطَلَ اقْتِدَاؤُهُ، وَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَرْضًا، وَفِي بَقَائِهَا نَفْلًا وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ أَوْ الرَّكْعَةُ وَحْدَهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ اخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ الثَّانِيَةَ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ الْمَجْزُومُ بِهِ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: كَانَ الْقِيَاسُ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ الرَّكْعَةُ.
لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ.
وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ إنْ عَلِمَ النَّهْيَ، وَإِلَّا صَحَّتْ، وَهُوَ
ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ: وَقَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ إذَا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ دُونَ الصَّفِّ، طَمَعًا فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ جَازَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ﴾ يَعْنِي إذَا رَكَعَ الْمَأْمُومُ فَذًّا، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ رَاكِعًا، وَالْإِمَامُ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يَسْجُدْ فَالصِّحَّةُ مُطْلَقًا إحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَوَاشِي وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ النَّهْيَ لَمْ تَصِحَّ، وَإِلَّا صَحَّتْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَنَصَرَهُ، وَحَمَلَ هُوَ وَالشَّارِحُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: صَرَفَ أَبُو مُحَمَّدٍ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى مَا بَعْدَ الرُّكُوعِ، لِيُوَافِقَ الْمَنْصُوصَ، وَجُمْهُورَ الْأَصْحَابِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا اخْتَارَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: بَطَلَتْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي، وَالزَّرْكَشِيُّ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَإِنْ رَفَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ صَحَّتْ " أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ وَسَجَدَ إمَامُهُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّفِّ، أَوْ قَبْلَ وُقُوفِ آخَرَ مَعَهُ: أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَمْ تَصِحَّ تِلْكَ الرَّكْعَةُ بِلَا نِزَاعٍ، وَهَلْ يَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِهَا حَتَّى لَوْ دَخَلَ الصَّفَّ بَعْدَهَا، أَوْ انْضَافَ إلَيْهِ آخَرُ، وَيَصِحُّ مَا بَقِيَ، وَيَقْضِي تِلْكَ الرَّكْعَةَ، أَمْ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ رَأْسًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَفْصٍ وَاخْتَارَ هُوَ أَنَّهُ يُعِيدُ مَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ وَالْمُوجَزِ: حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ رَفَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْجُدْ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ تَصِحُّ وَلَوْ سَجَدَ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ﴾ ﴿لَمْ تَصِحَّ﴾ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَوْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لِأَبِي الْخَطَّابِ وَالشَّيْخَيْنِ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ فِعْلِهِ لِعُذْرٍ قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُغْنِي، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ وَتَصِحُّ إنْ زَالَتْ فُذُوذِيَّتُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَطْلَقَ فِي الْفُصُولِ فِيمَا إذَا كَانَ لِغَرَضٍ فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ وَجْهَيْنِ.
لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ.
فَائِدَةٌ: مِثَالُ فِعْلِ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ: أَنْ لَا يَخَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ زُحِمَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ، فَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ وَبَقِيَ فَذًّا فَإِنَّهُ يَنْوِي مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا مُفَارَقَةٌ لِعُذْرٍ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً؛ لِإِدْرَاكِهِ مَعَهُ رَكْعَةً.
كَالْمَسْبُوقِ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى مُتَابَعَةِ إمَامِهِ، وَتَابَعَهُ فَذًّا صَحَّتْ مَعَهُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا ظُهْرًا قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: بَلْ يُكْمِلُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ جُمُعَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّاهَا مَعَهُ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ بِهِ، إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ﴾ عُمُومُهُ يَشْمَلُ إذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْهُ، أَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ خَارِجًا عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ.
فَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ الْآمِدِيُّ، وَحَكَاهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا قَالَ فِي النُّكَتِ وَغَيْرِهِ: وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهُ، أَوْ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ فَاشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ هُنَا اتِّصَالَ الصُّفُوفِ مَعَ رُؤْيَةِ مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَنِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ إذَا كَانَ يَرَى الْإِمَامَ، أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ فِي بَعْضِهَا، وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ، وَلَوْ جَاوَزَ ثَلَاثَمِائَةٍ ذِرَاعٍ جَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ الْخِرَقِيِّ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: يُرْجَعُ فِي اتِّصَالِ الصُّفُوفِ إلَى الْعُرْفِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ حَيْثُ قُلْنَا بِاشْتِرَاطِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَنِهَايَةِ أَبِي الْمَعَالِي، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ: اتِّصَالُ الصُّفُوفِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، وَقِيلَ: مَتَى كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ مَا يَقُومُ فِيهِ صَفٌّ آخَرُ فَلَا اتِّصَالَ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ لِلْحَاجَةِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، حَيْثُ اُعْتُبِرَ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ.
وَفَسَّرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي اتِّصَالَ الصُّفُوفِ بِبُعْدٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَفَسَّرَهُ الشَّارِحُ بِبُعْدٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، بِحَيْثُ يَمْنَعُ إمْكَانَ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ فَرَجَعَ إلَى الْعُرْفِ قَالَ فِي النُّكَتِ عَنْ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ تَفْسِيرُ اتِّصَالِ الصُّفُوفِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ غَرِيبٌ، وَإِمْكَانُ الِاقْتِدَاءِ لَا خِلَافَ فِيهِ.
انْتَهَى.
وَقِيلَ: يَمْنَعُ شُبَّاكٌ وَنَحْوُهُ، وَحُكِيَ رِوَايَةً فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الِاتِّصَالُ حِسًّا مَعَ اخْتِلَافِ الْبُنْيَانِ، كَمَا إذَا وَقَفَ فِي بَيْتٍ آخَرَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِ الصَّفِّ بِتَوَاصُلِ الْمَنَاكِبِ، أَوْ وَقَفَ عَلَى عُلُوٍّ عَنْ يَمِينِهِ وَالْإِمَامُ فِي سُفْلٍ.
فَالِاتِّصَالُ بِمُوَازَاةِ رَأْسِ أَحَدِهِمَا رُكْبَةَ الْآخَرِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا فِيمَا إذَا تَوَاصَلَتْ الصُّفُوفُ لِلْحَاجَةِ كَالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا أَمَّا لِغَيْرِ حَاجَةٍ بِأَنْ وَقَفَ قَوْمٌ فِي طَرِيقٍ وَرَاءَ الْمَسْجِدِ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ مَا يُمْكِنُهُمْ فِيهِ الِاقْتِدَاءُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
انْتَهَى.
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ نَهْرٌ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: مَعَ الْقُرْبِ الصَّحِيحِ، وَكَانَ النَّهْرُ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، أَوْ طَرِيقٌ، وَلَمْ تَتَّصِلْ فِيهِ الصُّفُوفُ، إنْ صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: اخْتَارَ الْأَصْحَابُ عَدَمَ الصِّحَّةِ، وَكَذَا قَالَ فِي النُّكَتِ وَالْحَوَاشِي وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَمَّا إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ.
اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحِ قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنَّهُ تُرِكَ لِلْآثَارِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ مَعَ الضَّرُورَةِ اخْتَارَهَا أَبُو حَفْصٍ، وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ: إذَا كَانَ فِي سَفِينَةٍ وَإِمَامُهُ فِي أُخْرَى مَقْرُونَةٍ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَرِيقٌ، وَلَيْسَتْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً، قَالَهُ الْأَصْحَابُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ غَيْرَ مَقْرُونَةٍ لَمْ تَصِحَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الطَّيِّبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَخَرَّجَ الصِّحَّةَ مِنْ الطَّرِيقِ، وَأَلْحَقَ الْآمِدِيُّ النَّارَ وَالْبِئْرَ بِالنَّهْرِ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي الشَّوْكِ وَالنَّارِ، وَأَلْحَقَ فِي الْمُبْهِجِ النَّارَ وَالسَّبُعَ بِالنَّهْرِ قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ: وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةَ جُمُعَةٍ، أَوْ عِيدٍ، أَوْ جِنَازَةٍ: لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهَا، وَتَقَدَّمَ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ جَوَازَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَغَيْرِهِمَا فِي الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ لِلضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ لَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ﴾ ﴿لَمْ تَصِحَّ﴾ شَمَلَ مَا إذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْهُ، أَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ خَارِجًا عَنْهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَرَ مَنْ وَرَاءَهُ وَيَسْمَعُ التَّكْبِيرَ: فَعُمُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا يَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ.
* قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي، وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ إذَا سَمِعَ التَّكْبِيرَ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الصَّحِيحُ الصِّحَّةُ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ.
وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ، وَعَنْهُ لَا يَضُرُّ الْمِنْبَرُ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ لَا يَضُرُّ لِلْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هَذَا قَالَهُ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُشَاهَدَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْجُمُعَةَ وَنَحْوَهَا.
فَقَالَ: يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ، نَظَرًا لِلْحَاجَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِذَلِكَ الْبِنَاءَ إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ قَالَ فِي النُّكَتِ وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمَانِعُ لِمَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ صَحَّ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ.
قُلْت: قَطَعَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إذَا سَمِعَ التَّكْبِيرَ، مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْإِمَامِ وَمَنْ خَلْفَهُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ، وَفَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ بِالْمِنْبَرِ وَنَحْوِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَرَهُ وَلَا مَنْ وَرَاءَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ التَّكْبِيرَ: فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، لَكِنْ يُحْمَلُ عَلَى سَمَاعِ التَّكْبِيرِ؛ لِعَدَمِ الْمُوَافِقِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْ الْمَسْجِدِ، أَوْ كَانَ الْمَأْمُومِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَرَهُ وَلَا مَنْ وَرَاءَهُ، وَلَكِنْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَا يَصِحُّ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَعَنْهُ يَصِحُّ قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ يُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَبْوَابُ الْمَسْجِدِ مُغْلَقَةٌ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
قُلْت: وَهُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ فِي الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا لِلضَّرُورَةِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ، وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي الْجُمُعَةِ خَاصَّةً، وَعَنْهُ وَإِنْ كَانَ الْحَائِلُ حَائِطَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَمْنَعْ، وَإِلَّا مَنَعَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَرَاهُ مَنْ وَرَاءَهُ: فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ مَنَعَ الْحَائِلُ الِاسْتِطْرَاقَ، دُونَ الرُّؤْيَةِ، كَالشُّبَّاكِ: لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَكَى فِي التَّبْصِرَةِ رِوَايَةً بِتَأْثِيرِهِ، وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَجْهًا،
الثَّانِيَةُ: تَكْفِي الرُّؤْيَةُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
قَوْلُهُ ﴿وَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِينَ﴾ يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ إنْ أَرَادَ التَّعْلِيمَ وَإِلَّا كُرِهَ اخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ فَعَلَ وَكَانَ كَثِيرًا، فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟﴾ ﴿عَلَى وَجْهَيْنِ﴾ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالنَّاظِمُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَمْ تَبْطُلْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ قَالَ النَّاظِمِ: وَهُوَ بَعِيدٌ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: لَا بَأْسَ بِالْعُلُوِّ الْيَسِيرِ، كَدَرَجَةِ الْمِنْبَرِ وَنَحْوِهَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمَا: الْكَرَاهَةَ.
الثَّانِيَةُ: مِقْدَارُ الْكَثِيرِ ذِرَاعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ: أَنَّ الْيَسِيرَ كَدَرَجَةِ الْمِنْبَرِ وَنَحْوِهَا.
كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: مِقْدَارُهُ قَدْرُ قَامَةِ الْمَأْمُومِ، وَقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى عُلُوِّ دَرَجَةٍ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْمُصَنِّف وَالْمَجْدِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ سَاوَى الْإِمَامُ بَعْضَ الْمَأْمُومِينَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ
مِنْ الْمَذْهَبِ، وَفِي صِحَّةِ صَلَاةِ النَّازِلِينَ عَنْهُمْ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَلِلْمُصَنِّفِ احْتِمَالٌ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْجَمِيعِ.
الرَّابِعَةُ: لَا بَأْسَ بِعُلُوِّ الْمَأْمُومِينَ عَلَى الْإِمَامِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، كَسَطْحِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، وَعَنْهُ اخْتِصَاصُ الْجَوَازِ بِالضَّرُورَةِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ مَعَ اتِّصَالِ الصُّفُوفِ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
قَوْلُهُ ﴿وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي طَاقِ الْقِبْلَةِ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ كَسُجُودِهِ فِيهِ، وَعَنْهُ تُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْكَرَاهَةِ: إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ لَمْ يُكْرَهْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْضًا: إذَا كَانَ الْمِحْرَابُ يَمْنَعُ مُشَاهَدَةَ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُهُ كَالْخَشَبِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُكْرَهْ الْوُقُوفُ فِيهِ.، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: يُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْبَنَّا، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ فِي مَوْضِعٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى.
الثَّانِيَةُ: يَقِفُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِ الْمِحْرَابِ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ.
قَوْلُهُ ﴿وَأَنْ يَتَطَوَّعَ فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ﴾ يَعْنِي يُكْرَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَرْكُهُ أَوْلَى.
كَالْمَأْمُومِ.
قَوْلُهُ ﴿وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومَيْنِ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ﴾ وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ كَالْإِمَامِ.
وَكَالْمِنْبَرِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ لَمْ يُكْرَهْ الْوُقُوفُ بَيْنَهُمَا.
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ " إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ " أَطْلَقَ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ، وَكَأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعُرْفِ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: شَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنْ يَكُونَ عُرْضُ السَّارِيَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ الصَّفَّ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي أَيْضًا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ الْعُرْفُ، وَمَثَّلَ نَظَائِرَهُ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ ﴿وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ إطَالَةُ الْقُعُودِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ﴾ أَنَّ الْقُعُودَ الْيَسِيرَ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِنِسَاءٍ قَامَتْ وَسَطَهُنَّ﴾ هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ لَكِنْ لَوْ صَلَّتْ أَمَامَهُنَّ وَهُنَّ خَلْفَهَا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ كَوْنُهَا وَسَطًا فَإِنْ خَالَفَتْ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَقَدَّمَ مُوجَبُهُ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ أَمَّ امْرَأَةٌ ".
فَائِدَةٌ: لَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةً، أَوْ أَكْثَرَ، لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَلْفَهَا مُنْفَرِدَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي الصِّحَّةَ.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ.
قَوْلُهُ ﴿وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمَرِيضُ﴾ بِلَا نِزَاعٍ، وَيُعْذَرُ أَيْضًا فِي تَرْكِهِمَا لِخَوْفِ حُدُوثِ الْمَرَضِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِإِتْيَانِهَا رَاكِبًا، أَوْ مَحْمُولًا، أَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِهِ، أَوْ بِأَنْ يَقُودَ أَعْمَى: لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُهُ كَالْجَمَاعَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِي الْجُمُعَةِ: يَكْتَرِي وَيَرْكَبُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ضَعْفٍ عَقِبَ الْمَرَضِ فَأَمَّا مَعَ الْمَرَضِ: فَلَا يَلْزَمُهُ، لِبَقَاءِ الْعُذْرِ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد فِيمَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ فَيَعْجِزُ عَنْ الْجَمَاعَةِ يَوْمَيْنِ مِنْ التَّعَبِ قَالَ: لَا أَدْرِي.
الثَّانِيَةُ: تَجِبُ الْجَمَاعَةُ عَلَى مَنْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ، مَعَ الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
قَوْلُهُ ﴿أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ﴾ . بِلَا نِزَاعٍ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَشْبَعَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَوَاشِي، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَعَنْهُ: يَأْكُلُ مَا يُسْكِنُ نَفْسَهُ فَقَطْ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الْجُمُعَةِ مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَيَأْكُلُ، تَبِعَهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجَمَاعَةِ لَا الْجُمُعَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: بِقَدْرِ مَا يُسْكِنُ نَفْسَهُ وَيَسُدُّ رَمَقَهُ كَأَكْلِ خَائِفٍ فَوَاتَ الْجُمُعَةِ.
قُلْت: هَذَا إذَا رَجَى إدْرَاكَهَا.
انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْأَصْحَابِ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَإِلَّا فَمَا كَانَ فِي الْخِلَافِ فَائِدَةٌ قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ بَدَأَ بِالطَّعَامِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، ابْتَدَرَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ ﴿وَالْخَائِفُ مِنْ ضَيَاعِ مَالِهِ﴾ كَشُرُودِ دَابَّتِهِ، وَإِبَاقِ عَبْدِهِ، وَنَحْوِهِ، أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سُلْطَانٍ، أَوْ نَحْوِهِ قَوْلُهُ ﴿أَوْ فَوَاتِهِ﴾ كَالضَّائِعِ، فَدُلَّ عَلَيْهِ فِي مَكَان، أَوْ قَدِمَ بِهِ مِنْ سَفَرٍ لَكِنْ قَالَ الْمَجْدُ: الْأَفْضَلُ تَرْكُ مَا يَرْجُو وُجُودَهُ، وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ ﴿أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ﴾ كَاحْتِرَاقِ خُبْزِهِ أَوْ طَبِيخِهِ، أَوْ أَطْلَقَ الْمَاءَ عَلَى زَرْعِهِ وَيَخَافُ إنْ تَرَكَهُ فَسَدَ، وَنَحْوُهُ قَالَ الْمَجْدُ: وَالْأَفْضَلُ فِعْلُ ذَلِكَ، وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَوْ تَعَمَّدَ سَبَبَ ضَرَرِ الْمَالِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ إذَا تَعَمَّدَ السَّبَبَ قَالَ: كَسَائِرِ الْحِيَلِ لِإِسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا أَطْلَقَ، وَاسْتَدَلَّ، وَعَنْهُ إنْ خَافَ ظُلْمًا فِي مَالِهِ فَلْيَجْعَلْهُ وِقَايَةً لِدِينِهِ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ.
فَائِدَةٌ: وَمِمَّا يُعْذَرُ بِهِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ: خَوْفُ الضَّرَرِ فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا، أَوْ مَالٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حِفْظِهِ، وَكَنِطَارَةِ بُسْتَانٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ تَطْوِيلِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ ﴿أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ﴾ . بِلَا نِزَاعٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يَسُدُّ مَسَدَّهُ فِي أُمُورِهِ.
فَائِدَةٌ: وَيُعْذَرُ أَيْضًا فِي تَرْكِهَا لِتَمْرِيضِ قَرِيبِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِيهِ: وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ، وَقَالَ فِي النَّصِيحَةِ: وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ، إلَّا أَنْ يَتَضَرَّرَ، وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ حُضُورِهِ وَمِثْلُهُ مَوْتُ رَقِيقِهِ أَوْ تَمْرِيضُهُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ ﴿أَوْ مِنْ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ﴾ هَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ إنْشَاءً وَاسْتِدَامَةً، مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ.
قَوْلُهُ ﴿أَوْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَدَّ فِي الْكَافِي الْأَعْذَارَ ثَمَانِيَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا " غَلَبَةَ النُّعَاسِ ". تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ فِي غَلَبَةِ النُّعَاسِ: أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، وَكَذَا مَعَ الْإِمَامِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: ذَلِكَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ عُذْرٌ فِيهِمَا، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَطَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ: أَنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِمَا بِخَوْفِهِ بُطْلَانَ وُضُوئِهِ بِانْتِظَارِهِمَا.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا: الصَّبْرُ وَالتَّجَلُّدُ عَلَى دَفْعِ النُّعَاسِ وَيُصَلِّي مَعَهُمْ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ ﴿وَالْأَذَى بِالْمَطَرِ وَالْوَحْلِ﴾ ، وَكَذَا الثَّلْجُ، وَالْجَلِيدُ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ ذَلِكَ عُذْرٌ فِي السَّفَرِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ ﴿وَالرِّيحُ الشَّدِيدَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ﴾ اشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّيحِ: أَنْ تَكُونَ شَدِيدَةً بَارِدَةً، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتَيْهِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُذْهَبِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: يَكْفِي كَوْنُهَا بَارِدَةً فَقَطْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَاشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا: أَنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ مُظْلِمَةً، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الْأَصْحَابِ " مُظْلِمَةً " إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ هَذِهِ أَعْذَارٌ صَحِيحَةٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا، خَلَا الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ، وَعَنْهُ فِي السَّفَرِ لَا فِي الْحَضَرِ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُعْذَرُ فِي الْجُمُعَةِ بِمَطَرٍ وَخَوْفٍ وَبَرْدٍ وَفِتْنَةٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهُمَا: نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَنْ قَدَرَ أَنْ يَذْهَبَ فِي الْمَطَرِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ قُلْنَا يَسْعَى مَعَ هَذِهِ الْأَعْذَارِ، لَأَذْهَبَتْ الْخُشُوعَ، وَجَلَبَتْ السَّهْوَ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَذْهَبَ الْخُشُوعَ كَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ عُذْرٌ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ أَصْحَابُنَا كَالْبَرْدِ الْمُؤْلِمِ فِي مَنْعِ الْحُكْمِ، وَإِلَّا فَلَا.
الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ: تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ بِأَيْسَرِ عُذْرٍ، كَمَنْ لَهُ عَرُوسٌ تُجَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي آخِرِ الْجُمُعَةِ: كَذَا قَالَ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الزَّلْزَلَةُ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ خَوْفٍ.
الرَّابِعَةُ: مِنْ الْأَعْذَارِ: مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَوَدٌ إنْ رَجَا الْعَفْوَ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِعُذْرٍ، إذَا رَجَاهُ عَلَى مَالٍ فَقَطْ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ جَمَاعَةٌ، وَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ حَدُّ اللَّهِ، أَوْ حَدُّ قَذْفٍ: فَلَا يُعْذَرُ بِهِ، قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي
الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ: أَنَّهُ عُذْرٌ إنْ رَجَا الْعَفْوَ.
الْخَامِسَةُ: ذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ فِعْلَ جَمِيعِ الرُّخَصِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا، غَيْرَ الْجَمْعِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَجْدَ وَغَيْرَهُ قَالَ: التَّجَلُّدُ عَلَى دَفْعِ النُّعَاسِ وَيُصَلِّي مَعَهُمْ أَفْضَلُ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُ مَا يَرْجُوهُ، لَا مَا يَخَافُ تَلَفَهُ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي الْمَعَالِي قَرِيبًا، وَنَقْلُ أَبِي طَالِبٍ، السَّادِسَةُ: لَا يُعْذَرُ بِمُنْكَرٍ فِي طَرِيقِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لِنَفْسِهِ لَا قَضَاءَ حَقٍّ لِغَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: كَمَا لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ لِأَجْلِ مَا يَتْبَعُهَا مِنْ نَوْحٍ وَتَعْدَادٍ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَا هُنَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ السَّابِعَةُ: لَا يُعْذَرُ أَيْضًا بِجَهْلِ الطَّرِيقِ إذَا وَجَدَ مَنْ يَهْدِيهِ.
الثَّامِنَةُ: لَا يُعْذَرُ أَيْضًا بِالْعَمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَقُودُهُ، وَقَالَ فِي الْفُنُونِ: الْإِسْقَاطُ بِهِ هُوَ مُقْتَضَى النَّصِّ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: الْمَرَضُ وَالْعَمَى مَعَ عَدَمِ الْقَائِدِ لَا يَكُونُ عُذْرًا فِي حَقِّ الْمُجَاوِرِ فِي الْجَامِعِ، وَلِلْمُجَاوِرِ لِلْجَامِعِ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَتَقَدَّمَ هَلْ يَلْزَمُهُ إذَا تَبَرَّعَ لَهُ مَنْ يَقُودُهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَغَيْرِهِ: وَيَلْزَمُهُ إنْ وَجَدَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَائِدِ، كَمَدِّ الْحَبْلِ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ.
التَّاسِعَةُ: يُكْرَهُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ لِمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ فُجْلًا أَوْ نَحْوَهُ، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ، وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خَلَى الْمَسْجِدُ مِنْ آدَمِيٍّ لِتَأَذِّي الْمَلَائِكَةِ قَالَ: وَالْمُرَادُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بِمَسْجِدٍ، وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ قَالَ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ قَوْلِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْفُصُولِ وَتُكْرَهُ صَلَاةُ مَنْ أَكَلَ ذَا رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مَعَ بَقَائِهَا، أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي فِي الْأَطْعِمَةِ: يُكْرَهُ أَكْلُ كُلِّ ذِي رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، لِأَجْلِ رَائِحَتِهِ
أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ الْمُغِيرَةِ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ " إنَّ لَك عُذْرًا " قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُخْرَجُ، وَأَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَكِنْ إنْ حَرُمَ دُخُولُهُ وَجَبَ إخْرَاجُهُ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ مَنْ بِهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَلِهَذَا سَأَلَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ النَّفْطِ، أَيُسْرَجُ بِهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ يُتَأَذَّى بِرَائِحَتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ.
[بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ]
ِ قَوْلُهُ وَيُصَلِّي الْمَرِيضُ، كَمَا «قَالَ النَّبِيُّ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ صَلِّ قَائِمًا» ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَلْزَمُهُ لَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامَ مُعْتَمِدًا عَلَى شَيْءٍ، أَوْ مُسْتَنِدًا عَلَى حَائِطٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: لَا يَلْزَمُهُ اكْتِرَاءُ مَنْ يُقِيمُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ قَدَرَ عَلَى قِيَامٍ فِي صُورَةِ رَاكِعٍ لِحَدَبٍ أَوْ كِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا أَمْكَنَهُ، وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْأَحْدَبِ.
قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا﴾ بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَا إنْ كَانَ يَلْحَقُهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ، أَوْ زِيَادَةُ مَرَضٍ، أَوْ تَأَخُّرُ بُرْءٍ وَنَحْوُهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا يُصَلِّي قَاعِدًا إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ رَوَيْنَاهُ، وَأَسْقَطَ الْقَاضِي الْقِيَامَ بِضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وَأَنَّهُ لَوْ تَحَمَّلَ الصِّيَامَ وَالْقِيَامَ حَتَّى زَادَ مَرَضُهُ أَثِمَ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا كَانَ قِيَامُهُ يُوهِنُهُ وَيُضْعِفُهُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُصَلِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَاعِدًا إنْ أَمْكَنَ مَعَهُ الصَّوْمُ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، أَوْ بَيْتٍ قَصِيرٍ سَقْفُهُ، وَتَعَذَّرَ الْقِيَامُ وَالْخُرُوجُ، أَوْ خَافَ عَدُوًّا إنْ انْتَصَبَ قَائِمًا: صَلَّى جَالِسًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي قَائِمًا مَا أَمْكَنَهُ، لِأَنَّهُ إنْ جَلَسَ جَلَسَ مُنْحَنِيًا ثُمَّ إذَا رَكَعَ، فَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ قَلِيلًا، وَقِيلَ: يَزِيدُ فَإِنْ عَجَزَ حَنَى رَقَبَتَهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُهُ يَجِبُ، وَجَزَمَ بِالثَّانِي ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، الثَّانِيَةُ: حَيْثُ قُلْنَا " يُصَلِّي قَاعِدًا " فَإِنَّهُ يَتَرَبَّعُ اسْتِحْبَابًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَجِبُ التَّرَبُّعُ، وَعَنْهُ إنْ أَطَالَ الْقِرَاءَةَ تَرَبَّعَ، وَإِلَّا افْتَرَشَ وَحَيْثُ تَرَبَّعَ فَإِنَّهُ يُثْنِي رِجْلَيْهِ.
كَالْمُتَنَفِّلِ قَاعِدًا عَلَى مَا مَرَّ، لَكِنْ إنْ قَدَرَ أَنْ يَرْتَفِعَ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا رَكَعَ قَاعِدًا، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَيُثْنِي رِجْلَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَفِي الرُّكُوعِ رِوَايَتَانِ وَتَقَدَّمَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: هَلْ يُثْنِي رِجْلَيْهِ فِي رُكُوعِهِ كَسُجُودِهِ أَمْ لَا؟ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ﴾ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشُقَّ الْقُعُودُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى جَنْبٍ، بَلْ يُصَلِّي قَاعِدًا، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ إذَا شَقَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ قَاعِدًا وَلَوْ بِتَعَدِّيهِ بِضَرْبِ سَاقِهِ وَنَحْوِهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، فَائِدَةٌ: حَيْثُ جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى جَنْبِهِ فَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ.
قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ﴾ ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، إحْدَاهُمَا: تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْعُمْدَةِ [وَالتَّلْخِيصِ] وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَالَ إلَيْهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: عَدَمُ الصِّحَّةِ أَظْهَرُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا أَبَاحُوا الصَّلَاةَ عَلَى الظَّهْرِ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ.
نَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ: يُصَلِّي كَيْفَ شَاءَ كِلَاهُمَا جَائِزٌ، وَنَقَلَ صَالِحٌ، وَابْنُ مَنْصُورٍ: يُصَلِّي عَلَى مَا قَدَرَ وَتَيَسَّرَ لَهُ.
انْتَهَى.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ فِعْلُ ذَلِكَ قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَغَيْرِهِمَا: يَكُونُ تَارِكًا لِلْمُسْتَحَبِّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَوْلَى.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ وَصَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ: فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ عَلَى ظَهْرِهِ بِلَا نِزَاعٍ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: صَلَاتُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ أَفْضَلُ مِنْ اسْتِلْقَائِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَعَكْسُهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَأَبِي الْخَطَّابِ
قَوْلُهُ (وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) .
يَعْنِي مَهْمَا أَمْكَنَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: أَقَلُّ رُكُوعِهِ مُقَابَلَتُهُ وَجْهَهُ مَا وَرَاء رُكْبَتِهِ مِنْ الْأَرْضِ أَدْنَى مُقَابَلَةٍ، وَتَتِمَّتُهَا الْكَمَالُ.
فَائِدَةٌ: لَوْ سَجَدَ قَدْرَ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى شَيْءٍ رَفَعَهُ: كُرِهَ، وَأَجْزَأَهُ نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: لَا يُجْزِئُهُ كَيَدِهِ.
انْتَهَى.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِسُجُودِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا، وَعَنْهُ: هُوَ أَوْلَى مِنْ الْإِيمَاءِ.
قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ﴾ ﴿أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَيَكُونُ نَاوِيًا مُسْتَحْضِرًا لِلْفِعْلِ وَالْقَوْلِ إنْ عَجَزَ عَنْهُ بِقَلْبِهِ، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: صَلَّى بِقَلْبِهِ أَوْ طَرَفِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَوْمَأَ بِعَيْنَيْهِ وَحَاجِبَيْهِ، أَوْ قَلْبِهِ.
وَقَاسَ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ بِطَرَفِهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ انْتَهَى قَالَ فِي النُّكَتِ عَنْ كَلَامِ الْقَاضِي وَصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ: ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِعَمَلِ الْقَلْبِ، وَلَا يَجِبُ الْإِيمَاءُ بِالطَّرْفِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ: أَوْ بِقَلْبِهِ، إنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ بِطَرْفِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: الْأَحْدَبُ يُجَدِّدُ لِلرُّكُوعِ نِيَّةً، لِكَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَمَرِيضٍ لَا يُطِيقُ الْحَرَكَةَ يُجَدِّدُ لِكُلِّ فِعْلٍ وَرُكْنٍ قَصْدًا، كَ " فُلْكٍ " فَإِنَّهُ يَصْلُحُ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ بِالنِّيَّةِ.
قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ﴾ يَعْنِي بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْكَافِي كَمَا قَالَ هُنَا، وَزَادَ " مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا " قَالَ فِي النُّكَتِ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ " وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ مَا دَامَ عَقْلُهُ
ثَابِتًا " عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ قُدْرَتُهُ عَلَى الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَنْوِي بِقَلْبِهِ مَعَ الْإِيمَاءِ بِطَرَفِهِ.
انْتَهَى.
وَعَنْهُ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَضَعَّفَهَا الْخَلَّالُ.
قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، أَوْ الْقُعُودِ فِي أَثْنَائِهَا: انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَأَتَمَّهَا﴾ وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ لَمْ يَقْرَأْ قَامَ فَقَرَأَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ قَامَ وَرَكَعَ بِلَا قِرَاءَةٍ، وَيَبْنِي عَلَى إيمَائِهِ، وَيَبْنِي عَاجِزٌ فِيهِمَا، وَلَوْ طَرَأَ عَجْزٌ فَأَتَمَّ الْفَاتِحَةَ فِي انْحِطَاطِهِ أَجْزَأَ، إلَّا مَنْ بَرِئَ فَأَتَمَّهَا فِي ارْتِفَاعِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ قَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِالتَّحْرِيمَةِ مُنْحَطًّا لَا تُجْزِئُهُ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا تُجْزِئُهُ التَّحْرِيمَةُ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: لَوْ قَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا مُنْفَرِدًا وَجَالِسًا فِي الْجَمَاعَةِ: خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَطَعَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [وَالنُّكَتِ] ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي النُّكَتِ: قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: صَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْلَى، وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ قَائِمًا.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَادِرٌ، وَالْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا، وَقُعُودُهُمْ خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ ثُمَّ وَجَدْت أَبَا الْمَعَالِيَ قَدَّمَ هَذَا، وَتَقَدَّمَ لَوْ كَانَ بِهِ رِيحٌ وَنَحْوُهُ، وَيَقْدِرُ عَلَى حَبْسِهِ حَالَ الْقِيَامِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى حَبْسِهِ حَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَهَلْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، أَوْ يُومِئُ؟ فِي بَابِ الْحَيْضِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ".
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ: إنْ أَفْطَرْت فِي رَمَضَانَ قَدَرْت عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا، وَإِنْ صُمْت صَلَّيْت قَاعِدًا أَوْ قَالَ: إنْ صَلَّيْت قَائِمًا لَحِقَنِي سَلَسُ الْبَوْلِ، أَوْ امْتَنَعَتْ عَلَيَّ الْقِرَاءَةُ، وَإِنْ صَلَّيْت قَاعِدًا امْتَنَعَ السَّلَسُ فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُصَلِّي قَاعِدًا فِيهِمَا، لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَوْلَى، وَلِسُقُوطِ الْقِيَامِ فِي النَّفْلِ، وَلَا صِحَّةَ مَعَ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَالْحَدَثِ، وَقَالَ فِي النُّكَتِ: وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ كَلَامِ الْمَجْدِ: أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا.
قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
الثَّالِثَةُ: لَوْ عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ وَضْعِ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدَرَ عَلَى وَضْعِ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ: لَمْ يَلْزَمْهُ وَضْعُ ذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ تَبَعًا، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ، قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﴿وَإِذَا قَالَ ثِقَاتٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ لِلْمَرِيضِ: إنْ صَلَّيْت مُسْتَلْقِيًا: أَمْكَنَ مُدَاوَاتُك.
فَلَهُ ذَلِكَ﴾ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ ثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا قَالَ فِي الْفَائِقِ: لَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ إذَا قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ إنَّهُ يَنْفَعُهُ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَجُوزُ لِمَنْ بِهِ رَمَدٌ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَلْقِيًا إذَا قَالَ ثِقَاتُ الطِّبِّ: إنَّهُ يَنْفَعُهُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَجَمَاعَةٍ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ ثَلَاثَةٍ، وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَلَيْسَ بِمُرَادٍ.
انْتَهَى.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ: الْجِنْسُ مَعَ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الْعَدَدَ إذْ لَمْ يَقُلْ بِاشْتِرَاطِ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَفْهُومُهُ عَدَمُ الْقَبُولِ فِي غَيْرِ الْجَمْعِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ فِعْلِ ذَلِكَ، بِقَوْلِ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ، إذَا كَانَ طَبِيبًا حَاذِقًا فَطِنًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ،
وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ اثْنَانِ، وَتَقَدَّمَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهُمَا: حَيْثُ قَبِلْنَا قَوْلَ الطَّبِيبِ: فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ خِبْرَةٍ أَنْ يَكُونَ عَنْ يَقِينٍ.
قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ﴾ بِلَا نِزَاعٍ، وَلَوْ كَانَتْ سَائِرَةً، وَيَجُوزُ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا تُقَامُ إنْ صَلَّوْا جُلُوسًا نَصَّ عَلَيْهِ، حَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى.
الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا: صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِيهَا، وَأَتَى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكُلَّمَا دَارَتْ انْحَرَفَ إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْفَرْضِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: لَا تَجِبُ كَالنَّفْلِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِ.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي النَّافِلَةِ.
وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ
قَوْلُهُ ﴿وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، خَشْيَةَ التَّأَذِّي بِالْوَحْلِ﴾ وَكَذَا بِالْمَطَرِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ وَاخْتَارَهُ فِي الْإِرْشَادِ.
قَوْلُهُ ﴿وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ؟﴾ ﴿عَلَى رِوَايَتَيْنِ﴾ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْإِرْشَادِ.
إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ.
صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَوَاشِي، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَعَنْهُ يَجُوزُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ النُّزُولَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يُصَرِّحْ بِخِلَافِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: إنْ زَادَ تَضَرُّرُهُ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ قَالَ الْمَجْدُ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّهُ مَتَى تَضَرَّرَ بِالنُّزُولِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يُسَاعِدُهُ عَلَى نُزُولِهِ وَرُكُوبِهِ: صَلَّى عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ كَانَ كَالصَّحِيحِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: إنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ عَلَيْهَا كَصَلَاتِهِ عَلَى الْأَرْضِ: لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فَإِنْ كَانَ إذَا نَزَلَ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَرْكَانِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا عَلَى الرَّاحِلَةِ: لَزِمَهُ النُّزُولُ إذَا كَانَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً فَإِنْ كَانَتْ الْمَشَقَّةُ مُتَوَسِّطَةً فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ صِفَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْفَرْضِ وَغَيْرِهِ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهُمَا: أُجْرَةُ مَنْ يُنْزِلُهُ لِلصَّلَاةِ.
كَمَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي
الثَّانِيَةُ: لَوْ خَافَ الْمَرِيضُ بِالنُّزُولِ: أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ رُفْقَتِهِ إذَا نَزَلَ، أَوْ يَعْجِزَ مِنْ رُكُوبِهِ إذَا نَزَلَ: صَلَّى عَلَيْهَا.
كَالْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ بِنُزُولِهِ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ.
الثَّالِثَةُ: وَكَذَا حُكْمُ غَيْرِ الْمَرِيضِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي
وَابْنُ عَقِيلٍ، وَنَقَلَ مَعْنَاهُ ابْنُ هَانِئٍ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عُذْرًا نَادِرًا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ لَمْ يَصِحَّ إلَّا فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ جَوَازُهُ لِخَائِفٍ وَمَرِيضٍ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ كَانَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَوْمَأَ.
كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ كَالْغَرِيقِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِ وَقِيلَ فِي الْغَرِيقِ: يُومِئُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ الْكُلَّ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا عُذْرٍ قَائِمًا، أَوْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَهِيَ وَاقِفَةٌ أَوْ سَائِرَةٌ: صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَغَيْرِهِمَا فِي الرَّاحِلَةِ وَقَدَّمَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ فِي السَّفِينَةِ: هَلْ تَصِحُّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً أَمْ لَا كَالرَّاحِلَةِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ انْتَهَى.
وَحُكْمُ الْعَجَلَةِ وَالْمِحَفَّةِ وَنَحْوُهُمَا فِي الصَّلَاةِ فِيهَا: حُكْمُ الرَّاحِلَةِ وَالسَّفِينَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْعَجَلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ لَا تَصِحُّ هُنَا.
كَمُعَلَّقٍ فِي الْهَوَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: الْمَنْعُ هُنَا أَوْجَهُ مِنْ الْمَنْعِ هُنَاكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَصِحُّ فِي الْعَجَلَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ.
كَالْأُرْجُوحَةِ، مَعَ أَنَّهُ اخْتَارَ الصِّحَّةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالسَّفِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَمَا، قَالَهُ بَعِيدٌ جِدًّا، لِكَوْنِ السَّفِينَةِ فَوْقَ الْمَاءِ، وَظَهْرُ الْحَيَوَانِ أَقْرَبُ إلَى التَّزَلْزُلِ وَعَدَمِ الْقَرَارِ مِنْ جَمَادٍ مُعْظَمُهُ عَلَى الْأَرْضِ فَهِيَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: أَنَّهَا تَصِحُّ فِي الْوَاقِفَةِ، وَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السُّجُودُ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِي أُرْجُوحَةٍ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ عُرْفًا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ شِهَابٍ: وَمِثْلُهَا زَوْرَقٌ صَغِيرٌ وَجَزَمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِي أُرْجُوحَةٍ، وَلَا مِنْ مُعَلَّقٍ فِي الْهَوَاءِ وَسَاجِدٍ عَلَى هَوَاءٍ أَوْ مَاءٍ قُدَّامَهُ، أَوْ عَلَى حَشِيشٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ ثَلْجٍ، وَلَمْ يَجِدْ حَجْمَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُسْتَقَرِّ عَلَيْهِ.
انْتَهَى.
فَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي السَّفِينَةِ: يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا لِلصَّلَاةِ، زَادَ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِهِ نَصَّ عَلَيْهِ.
السَّادِسَةُ: لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ مَا يُحَاذِي الصَّدْرَ مُقِرًّا فَلَوْ حَاذَاهُ رَوْزَنَةً وَنَحْوَهَا صَحَّتْ، بِخِلَافِ مَا تَحْتَ الْأَعْضَاءِ فَلَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى قُطْنٍ مُنْتَفِشٍ لَمْ تَصِحَّ.
[قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ] تَنْبِيهٌ: اشْتَمَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ ﴿وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا﴾ عَلَى مَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ، وَالْمَفْهُومُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، وَمَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ فَالْمَنْطُوقُ: جَوَازُ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ مُطْلَقًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا غَيْرَ نُزْهَةٍ وَلَا فُرْجَةٍ اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي؛ لِأَنَّهُ لَهْوٌ بِلَا مَصْلَحَةٍ وَلَا حَاجَةٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُذْهَبِ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَفَرَ طَاعَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: إذَا سَافَرَ لِلتِّجَارَةِ مُكَاثِرًا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ سَفَرُ مَعْصِيَةٍ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ فِي سَفَرِهِ مُبَاحًا جَازَ الْقَصْرُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَلَوْ تَسَاوَيَا فِي قَصْدِهِ، أَوْ غَلَبَ الْحَظْرُ: لَمْ يَقْصُرْ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ نَقَلَ سَفَرَهُ الْمُبَاحَ إلَى مُحَرَّمٍ، امْتَنَعَ الْقَصْرُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ [وَالنَّظْمِ] وَغَيْرِهِمَا قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: لَهُ الْقَصْرُ، وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ، وَلَوْ نَقَلَ سَفَرَهُ الْمُحَرَّمَ إلَى مُبَاحٍ كَمَا لَوْ تَابَ، وَقَدْ بَقِيَ مَسَافَةُ قَصْرٍ فَلَهُ الْقَصْرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُ، وَقِيلَ: يَقْصُرُ وَلَوْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ التَّرَخُّصُ لِلزَّانِي إذَا غُرِّبَ، وَلِقَاطِعِ الطَّرِيقِ إذَا شُرِّدَ، وَنَحْوِهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: جَازَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَالْفُرُوعِ، وَكَلَامُهُ فِيهِ بَعْضُ تَعْقِيدٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّرَخُّصُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ الْقَصْرُ وَالتَّرَخُّصُ لِلْمُسَافِرِ مُكْرَهًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَالْأَسِيرِ، وَعَنْهُ لَا يَقْصُرُ الْمُكْرَهُ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: إنْ أُكْرِهَ عَلَى سَفَرٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَصَرَ، وَفِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَقْصُرُ، وَمَتَى صَارَ الْأَسِيرُ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ أَتَمَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَقْصُرُ.
الرَّابِعَةُ: تَقْصُرُ الزَّوْجَةُ وَالْعَبْدُ تَبَعًا لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، فِي نِيَّتِهِ وَسَفَرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَفِيهَا وَجْهٌ فِي النَّوَادِرِ: لَا قَصْرَ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، لَكِنْ قَالَ: الْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَشْهَرُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: تُعْتَبَرُ نِيَّةُ مَنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ قَالَ: وَالْجَيْشُ مَعَ الْأَمِيرِ، وَالْجُنْدِيُّ مَعَ أَمِيرِهِ، إنْ كَانَ رِزْقُهُمْ مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ، فَفِي أَيِّهِمَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِزْقُهُمْ فِي مَالِهِمْ كَالْأَجِيرِ وَالْعَبْدِ لِشَرِيكَيْنِ تُرَجَّحُ نِيَّةُ إقَامَةِ أَحَدِهِمَا.
الْخَامِسَةُ: يَقْصُرُ مَنْ حُبِسَ ظُلْمًا، أَوْ حَبَسَهُ مَرَضٌ، أَوْ مَطَرٌ وَنَحْوُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ بِخِلَافِ الْأَسِيرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ حُكْمُ سَفَرِهِ؛ لِوُجُودِ صُورَةِ الْإِقَامَةِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: كَقَصْرِهِ لِوُجُودِ صُورَةِ السَّفَرِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَأَمَّا الْمَفْهُومُ: فَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ سَفَرُهُ مُسْتَحَبًّا أَوْ وَاجِبًا، كَسَفَرِ الْحَجِّ، وَالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ، وَزِيَارَةِ الْإِخْوَانِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَزِيَارَةِ أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ وَالْوَالِدَيْنِ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ الْقَصْرُ فِيهِ بِلَا نِزَاعٍ.
وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ: يَشْمَلُ قِسْمَيْنِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِيهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَوَازَ الْقَصْرِ فِيهِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ، وَلَا أَكْلُ الْمَيْتَةِ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ اخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ رِوَايَةً، وَقَالَ: هِيَ أَظْهَرُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ قِيلَ: لَهُ تُبْ وَكُلْ.
وَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْحَجْرِ إذَا سَافَرَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَحِلُّ فِي سَفَرِهِ، أَوْ هُوَ حَالٌّ: هَلْ لَهُ التَّرَخُّصُ أَمْ لَا؟
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَا يَتَرَخَّصُ مَنْ قَصَدَ مَشْهَدًا أَوْ مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ قَصَدَ قَبْرًا غَيْرَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قُلْت: أَوْ نَبِيٍّ غَيْرِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ بِهَذَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: قَاصِدُ الْمَشَاهِدِ وَزِيَادَتُهَا لَا يَتَرَخَّصُ انْتَهَى.
[وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ] وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: جَوَازُ التَّرَخُّصِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: السَّفَرُ الْمَكْرُوهُ فَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِيهِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي السَّفَرِ إلَى الْمَشَاهِدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
قُلْت: قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: إذَا سَافَرَ سَفَرًا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ، وَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
فَظَاهِرُهُمَا: جَوَازُ الْمَسْحِ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ.
قَالَ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ: وَيُسَنُّ لِمُسَافِرٍ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
انْتَهَى.
وَمَنْ يُجِيزُ الْقَصْرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَهُنَا بِطَرِيقِ أَوْلَى
قَوْلُهُ ﴿يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا﴾ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ: أَنْ تَكُونُ مَسَافَةُ السَّفَرِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا بَرًّا أَوْ بَحْرًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عِشْرِينَ فَرْسَخًا.
حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى فَمَنْ بَعْدَهُ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَوَازَ الْقَصْرِ فِي مَسَافَةِ فَرْسَخٍ، وَقَالَ أَيْضًا: إنْ حَدَّ فَتَحْدِيدُهُ بِبَرِيدٍ أَجْوَدُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: لَا حُجَّةَ لِلتَّحْدِيدِ، بَلْ الْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ، إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهُمَا: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَنَّ مِقْدَارَ الْمَسَافَةِ: تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ تَقْرِيبٌ، وَهُوَ أَوْلَى قُلْت: هَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْمَسَافَةُ تَحْدِيدٌ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الْأَمْيَالُ تَحْدِيدٌ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
الثَّانِيَةُ: السِّتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا يَوْمَانِ قَاصِدَانِ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ.
وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ.
وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ، وَبِأَمْيَالِ بَنِي أُمَيَّةَ مِيلَانِ وَنِصْفٌ.
وَالْمِيلُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ.
وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ أَبِي الْفَهْمِ: الْمِيلُ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ بِالْوَاسِطِيِّ.
انْتَهَى.
وَقِيلَ: هُوَ أَلْفُ خُطْوَةٍ بِخُطَى الْجَمَلِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّهُ أَلْفَا خُطْوَةٍ، ثُمَّ قَالَ قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ بِاخْتِلَافِ خُطْوَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ الْمِيلُ أَلْفُ بَاعٍ كُلُّ بَاعٍ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ فَقَطْ، كُلُّ ذِرَاعٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا، كُلُّ إصْبَعٍ سِتُّ حَبَّاتِ شَعِيرٍ بُطُونُ بَعْضِهَا إلَى بُطُونِ بَعْضٍ، عُرْضُ كُلِّ شَعِيرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتِ بِرْذَوْنٍ.
انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ، فِي فَتْحِ الْبَارِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: وَقِيلَ: الْمِيلُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ.
نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، ثُمَّ قَالَ: الذِّرَاعُ الَّذِي ذَكَرَ: قَدْ حُرِّرَ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ الْآنَ فِي مِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثُّمُنِ فَعَلَى هَذَا: فَالْمِيلُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ: خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا
قَالَ: وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةُ قَلَّ مَنْ تَنَبَّهَ إلَيْهَا.
انْتَهَى.
الثَّالِثَةُ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمِيلُ مِنْ الْأَرْضِ: مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ، وَقِيلَ: حَدُّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الشَّخْصِ فِي أَرْضٍ مُسَطَّحَةٍ، فَلَا يَدْرِي: هُوَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ، أَهُوَ ذَاهِبٌ أَمْ هُوَ آتٍ؟
الرَّابِعَةُ: الْمُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمَسَافَةِ لَا حَقِيقَتُهَا فَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يُعِيدُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمَسَافَةَ، حَكَاهَا الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ قَالَ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَلَوْ شَكَّ فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ لَمْ يَقْصُرْ فَلَوْ خَرَجَ لِطَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَجَدَهُ رَجَعَ: لَمْ يَقْصُرْ وَلَوْ بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ: الْقَصْرَ بِبُلُوغِ الْمَسَافَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
كَنِيَّةِ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ يَجْهَلُ مَسَافَتَهُ ثُمَّ عَلِمَهَا، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ بَعْدَ عِلْمِهِ كَجَاهِلٍ بِجَوَازِ الْقَصْرِ ابْتِدَاءً.
وَيَأْتِي إذَا سَافَرَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ سَفَرًا طَوِيلًا، ثُمَّ كُلِّفَ فِي أَثْنَائِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَإِذَا أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ ".
الْخَامِسَةُ: لَا يَقْصُرُ سَائِحٌ وَلَا هَائِمٌ لَا يَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى قَالَ فِي الْكُبْرَى: لَا يَتَرَخَّصُ فِي الْأَصَحِّ، وَقَالَ: كَذَا لَا يَتَرَخَّصُ تَائِهٌ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ كَغَيْرِهِمْ إذَا ذَهَبُوا إلَى عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَهُوَ صَحِيحٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْقَصْرُ وَلَا الْجَمْعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ: لَا يُجْمِعُونَ وَلَا يَقْصُرُونَ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: جَوَازَ الْقَصْرِ وَالْجَمْعِ لَهُمْ فَيُعَايَى بِهَا وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ جَوَازَ الْجَمْعِ فَقَطْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ، فَيُعَايَى بِهَا.
تَنْبِيهَاتٌ.
أَحَدُهَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﴿إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ﴾ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُفَارِقَ الْبُيُوتَ الْعَامِرَةَ وَالْخَرِبَةَ، وَهُوَ وَجْهٌ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُفَارِقَ الْبُيُوتَ الْخَرِبَةَ، بَلْ لَهُ الْقَصْرُ إذَا فَارَقَ الْبُيُوتَ الْعَامِرَةَ، سَوَاءٌ وَلِيَهَا بُيُوتٌ خَرِبَةٌ أَوْ الْبَرِّيَّةُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَمَّا إنْ وَلِيَ الْبُيُوتَ الْخَرِبَةَ بُيُوتٌ عَامِرَةٌ: فَلَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ الْبُيُوتِ الْخَرِبَةِ وَالْعَامِرَةِ الَّتِي تَلِيهَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَكَذَا لَوْ جَعَلَ الْخَرَابَ مَزَارِعَ وَبَسَاتِينَ يَسْكُنُهُ أَهْلُهُ وَلَوْ فِي فَصْلِ النُّزْهَةِ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ إلَّا إذَا فَارَقَ الْبُيُوتَ، سَوَاءٌ كَانَتْ دَاخِلَ السُّورِ أَوْ خَارِجَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقِيلَ: لَهُ الْقَصْرُ إذَا فَارَقَ سُورَ بَلَدِهِ، وَلَوْ لَمْ يُفَارِقْ الْبُيُوتَ قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ.
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: جَوَازُ الْقَصْرِ إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ، سَوَاءٌ اتَّصَلَ بِهِ بَلَدٌ آخَرُ أَوْ لَا، وَاعْتَبَرَ أَبُو الْمَعَالِي انْفِصَالَهُ وَلَوْ بِذِرَاعٍ، مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ: لَا يَتَّصِلُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِذَا تَقَارَبَتْ قَرْيَتَانِ أَوْ حُلَّتَانِ فَهُمَا كَوَاحِدَةٍ، وَإِنْ تَبَاعَدَنَا فَلَا.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ بَرَزُوا بِمَكَانٍ لِقَصْدِ الِاجْتِمَاعِ، ثُمَّ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ يُنْشِئُونَ السَّفَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَا قَصْرَ حَتَّى يُفَارِقُوهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَقْصُرُونَ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
انْتَهَى.
الثَّانِيَةُ: يُعْتَبَرُ فِي سُكَّانِ الْقُصُورِ وَالْبَسَاتِينِ مُفَارَقَةُ مَا نُسِبُوا إلَيْهِ عُرْفًا، وَاعْتَبَرَ أَبُو الْمَعَالِي، وَأَبُو الْوَفَاءِ مُفَارَقَةَ مَنْ صَعِدَ جَبَلًا: الْمَكَانَ الْمُحَاذِيَ لِرُءُوسِ الْحِيطَانِ وَمُفَارَقَةَ مَنْ هَبَطَ: لِأَسَاسِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتَبَرَ مُفَارَقَةَ الْبُيُوتِ إذَا كَانَتْ مُحَاذِيَةً اعْتَبَرَ هُنَا مُفَارَقَةَ سَمْتِهَا.
قَوْلُهُ ﴿وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ﴾ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: الْإِتْمَامُ أَفْضَلُ قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ أَتَمَّ﴾ ﴿جَازَ﴾ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْإِتْمَامُ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ، وَعَنْهُ لَا يُعْجِبُنِي الْإِتْمَامُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْإِتْمَامُ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ، قُلْت: وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ تَنَفُّلٌ،
لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِهِ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَمَشٍّ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْقَصْرِ، وَيَأْتِي عَنْهُ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ: هَلْ الْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ أَرْبَعٌ أَوْ رَكْعَتَانِ.؟
فَائِدَةٌ: يُوتِرُ فِي السَّفَرِ، وَيُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ أَيْضًا، وَيُخَيَّرُ فِي غَيْرِهَا، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُسَنُّ تَرْكُ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ الْوِتْرِ، وَسُنَّةِ الْفَجْرِ قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: التَّطَوُّعُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْمَعَالِي التَّخْيِيرَ فِي النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ.
قُلْت: هُوَ فِعْلُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: يَتَطَوَّعُ أَفْضَلُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا قَالَ فِي الْفَائِقِ: لَا بَأْسَ بِتَنَفُّلِ الْمُسَافِرِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ: لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ فِيهِمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَنْ أَوْقَعَ بَعْضَ صَلَاتِهِ مُقِيمًا كَرَاكِبِ سَفِينَةٍ أَتَمَّ، وَجَعَلَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَصْلًا لِمَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ وَقِيلَ: إنْ نَوَى الْقَصْرَ، مَعَ عِلْمِهِ بِإِقَامَتِهِ فِي أَثْنَائِهَا، صَحَّ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ كَانَ مَسَحَ فَوْقَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَطَلَتْ فِي الْأَشْهَرِ؛ لِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ بِبُطْلَانِ الْمَسْحِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَلَى مُقِيمٍ ثُمَّ سَافَرَ: أَتَمَّهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ يَقْصُرُ اخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، كَقَضَاءِ الْمَرِيضِ مَا تَرَكَهُ فِي الصِّحَّةِ نَاقِصًا، وَكَوُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ بَعْدَ
الزَّوَالِ.
وَكَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَقِيلَ: إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ لَمْ يَقْصُرْ، وَعَنْهُ إنْ فَعَلَهَا فِي وَقْتِهَا قَصَرَ.
اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَصَرَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا، ثُمَّ قَدِمَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ: أَجْزَأَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا بِتَيَمُّمٍ، ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ، أَوْ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: يَقْصُرُ فِيمَا إذَا ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ وَحُكِيَ وَجْهٌ يَقْصُرُ أَيْضًا فِي عَكْسِهَا، اعْتِبَارًا بِحَالَةِ أَدَائِهَا.
كَصَلَاةِ صِحَّةٍ فِي مَرَضٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا.
قَوْلُهُ ﴿أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، أَوْ بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ: لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ﴾ وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ إلَّا إذَا أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ اخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ فَعَلَيْهَا يَقْصُرُ مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ فِي الْجُمُعَةِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُتِمُّ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ يَقْصُرُ مُطْلَقًا، كَمَا خَرَّجَ بَعْضُهُمْ إيقَاعَهَا مَرَّتَيْنِ عَلَى صِحَّةِ اقْتِدَاءِ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ.
فَائِدَةٌ: لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ حَيْثُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ عَالِمًا بِهِ، كَمَنْ نَوَى الْقَصْرَ خَلْفَ مُقِيمٍ عَالِمًا فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَنْعَقِدُ، لِنِيَّتِهِ تَرْكَ الْمُتَابَعَةِ ابْتِدَاءً.
كَنِيَّةِ مُقِيمٍ الْقَصْرَ وَنِيَّةِ مُسَافِرٍ، وَعَقَدَ الظُّهْرَ خَلْفَ إمَامِ جُمُعَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلْإِتْمَامِ تَعْيِينُهُ بِنِيَّةٍ فَيُتِمُّ تَبَعًا.
كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ
عَالِمٍ، وَإِنْ صَحَّ الْقَصْرُ بِلَا نِيَّةِ قَصْرٍ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَتَابَعَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَتَتَخَرَّجُ الصِّحَّةُ فِي الْعَبْدِ إنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ صَلَّى الْمُسَافِرُ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَنَوَى الْقَصْرَ: لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُتَّجَهُ أَنْ تُجْزِئَهُ إنْ قُلْنَا الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: وَإِنْ ائْتَمَّ مَنْ يَقْصُرُ الظُّهْرَ بِمُسَافِرٍ أَوْ مُقِيمٍ يُصَلِّي الصُّبْحَ: أَتَمَّ.
قَوْلُهُ ﴿أَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا فَفَسَدَتْ وَأَعَادَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ﴾ إذَا أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا فَفَسَدَتْ إنْ كَانَ فَسَادُهَا وَإِعَادَتُهَا عَنْ غَيْرِ حَدَثِ الْإِمَامِ، لَزِمَهُ إتْمَامُهَا، قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فَسَادُهَا لِكَوْنِ الْإِمَامِ بَانَ مُحْدِثًا بَعْدَ السَّلَامِ: لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ أَيْضًا، وَإِنْ بَانَ مُحْدِثًا قَبْلَ السَّلَامِ: فَفِي لُزُومِ الْإِتْمَامِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَلَهُ الْقَصْرُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ بَانَ مُحْدِثًا مُقِيمًا مَعًا قَصَرَ، وَكَذَا إنْ بَانَ حَدَثُهُ أَوَّلًا، لَا عَكْسُهُ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ صَلَّى مُسَافِرٌ خَائِفٌ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً، ثُمَّ أَحْدَثَ وَاسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ الْإِتْمَامُ لِائْتِمَامِهِمْ بِمُقِيمٍ، وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى: فَإِنْ نَوَوْا مُفَارَقَةَ الْأَوَّلِ قَصَرُوا، وَإِنْ لَمْ يَنْوُوا مُفَارَقَتَهُ أَتَمُّوا، لِائْتِمَامِهِمْ بِمُقِيمٍ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا.
الثَّانِيَةُ: لَوْ ائْتَمَّ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ جَاهِلًا حَدَثَ نَفْسِهِ بِمُقِيمٍ، ثُمَّ عَلِمَ حَدَثَ نَفْسِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ.
قَوْلُهُ ﴿أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ﴾ يَعْنِي عِنْدَ الْإِحْرَامِ ﴿لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ﴾ .
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ: أَنْ يَنْوِيَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَحْتَاجُ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ إلَى نِيَّةٍ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي الْقَصْرِ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَالنُّصُوصُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْقَصْرَ أَصْلٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى نِيَّتِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ وَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَيَتَخَيَّرُ مُطْلَقًا كَالصَّوْمِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قُلْت قَدْ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ فِعْلُ الْأَصْلِ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ الْأَرْبَعِ وَجَوَّزَ لَهُ تَرْكَ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ لَزِمَهُ الْأَصْلُ، وَوَقَعَتْ الْأَرْبَعُ فَرْضًا أَوْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي حَقِّهِ رَكْعَتَانِ، وَجَوَّزَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَإِذَا لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ فَلَهُ فِعْلُ الْأَصْلِ، وَهُوَ رَكْعَتَانِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَالثَّانِي: أَظُنُّهُ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ إذَا ائْتَمَّ بِهِ مُقِيمٌ: هَلْ يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ هُوَ كَالْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ؟ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ إمَامَهُ إذَنْ مُسَافِرٌ، وَلَوْ بِأَمَارَةٍ وَعَلَامَةٍ كَهَيْئَةِ لِبَاسٍ؛ لِأَنَّ إمَامَهُ نَوَى الْقَصْرَ عَمَلًا بِالظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْعِلْمُ، وَلَوْ قَالَ: إنْ قَصَرَ قَصَرْت، وَإِنْ أَتَمَّ أَتْمَمْت: لَمْ يَضُرَّ ثُمَّ فِي قَصْرِهِ إنْ سَبَقَ إمَامَهُ الْحَدَثُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ وَجْهَانِ لِتَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ [وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ] قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَهُ الْقَصْرُ فِي الْأَصَحِّ [وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ] .
فَائِدَةٌ: لَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ الْمُسَافِرُ مُقِيمًا لَزِمَ الْمَأْمُومِينَ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُمْ بِاقْتِدَائِهِمْ الْتَزَمُوا حُكْمَ تَحْرِيمَتِهِ؛ وَلِأَنَّ قُدُومَ السَّفِينَةِ بَلَدَهُ يُوجِبُ الْإِتْمَامَ وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَتَقَدَّمَ إذَا اسْتَخْلَفَ مُسَافِرٌ مُقِيمًا فِي الْخَوْفِ، وَإِذَا اسْتَخْلَفَ مُقِيمٌ مُسَافِرًا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ: قَصَرَ.
فَوَائِدُ.
مِنْهَا: لَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ: هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا؟ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَإِنْ ذَكَرَ فِيمَا بَعْدَ أَنَّهُ كَانَ نَوَى، لِوُجُودِ مَا يُوجِبُ الْإِتْمَامَ فِي بَعْضِهَا فَكَذَا فِي جَمِيعِهَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الْمَجْدُ: يَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِنْ التَّفْضِيلِ مَا يُقَالُ فِيمَنْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ.؟
وَمِنْهَا: لَوْ ذَكَرَ مَنْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا قَطَعَ، فَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ أَتَمَّ وَأَتَى لَهُ بِرَكْعَتَيْنِ سِوَى مَا سَهَا بِهِ فَإِنَّهُ يَلْغُو، وَلَوْ كَانَ مَنْ سَهَا إمَامًا بِمُسَافِرٍ تَابَعَهُ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ سَهْوَهُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُتَابَعَتِهِ، وَيَتَخَرَّجُ لَا تَبْطُلُ.
وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَتَمَّ سَهْوًا: فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ، وَالزِّيَادَةُ سَهْوٌ يَسْجُدُ لَهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا.
وَمِنْهَا: لَوْ نَوَى الْقَصْرَ، ثُمَّ رَفَضَهُ وَنَوَى الْإِتْمَامَ جَازَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَتَكُونُ الْأُولَيَانِ فَرْضًا، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا مَعَ بَقَاءِ نِيَّةِ الْقَصْرِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: الصَّوَابُ الْجَوَازُ، وَفِعْلُهُ دَلِيلُ بُطْلَانِ نِيَّةِ الْقَصْدِ.
قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ طَرِيقٌ بَعِيدٌ وَطَرِيقٌ قَرِيبٌ فَسَلَكَ الْبَعِيدَ فَلَهُ الْقَصْرُ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُ إلَّا لِغَرَضٍ لَا فِي سُلُوكِهِ سِوَى الْقَصْرِ.
وَخَرَّجَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ عَلَى سَفَرِ النُّزْهَةِ، وَرَدَّهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ لَا يَقْصُرُ إنْ سَلَكَهُ لِيَقْصُرَ فَقَطْ، ثُمَّ قَالَ وَقُلْت: وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ رُخَصِ السَّفَرِ.
قَوْلُهُ ﴿أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي آخَرَ فَلَهُ الْقَصْرُ﴾ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ
فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُ وَنَصَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَوْ ذَكَرَهَا فِي إقَامَةٍ مُتَخَلَّلَةٍ أَتَمَّ، وَقِيلَ: يَقْصُرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ابْتِدَاءُ وُجُوبِهَا فِيهِ.
انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ مُرَادَهُ بِالْإِقَامَةِ الْمُتَخَلَّلَةِ: الَّتِي يُتِمُّ فِيهَا الصَّلَاةَ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ، وَمُرَادُهُ أَيْضًا: إذَا كَانَ سَفَرًا وَاحِدًا.
بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ " وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ أَوْ عَكْسَهُ " وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ نَسِيَهَا فِي سَفَرٍ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي حَضَرٍ، ثُمَّ قَضَاهَا فِي سَفَرٍ آخَرَ: أَتَمَّهَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ أَرَادَ هَذَا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ " وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ وَأَرَادَ قَضَاءَهَا فِي الْحَضَرِ ".
تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ: أَنَّهُ يَقْصُرُ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْأَدَاءِ كَالْجُمُعَةِ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ " أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ الْمُسَافِرُ تَرْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا، أَوْ ضَاقَ عَنْهَا: أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَقَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَخَذَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ مِنْ تَقْيِيدِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ
بِالنَّاسِي، وَمِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الَّتِي قَبْلَهَا يَعْنِي إذَا سَافَرَ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُتِمُّ مَنْ تَعَمَّدَ تَأْخِيرَهَا بِلَا عُذْرٍ حَتَّى ضَاقَ وَقْتُهَا عَنْهَا.
وَقَاسَهُ عَلَى السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ، وَقَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ أَنْ تُفْعَلَ فِي وَقْتِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ: إنْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا لَمْ يَقْصُرْهَا؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، وَلَا تَثْبُتُ الرُّخْصَةُ مَعَ التَّفْرِيطِ فِي الْمُرَخَّصِ فِيهِ.
انْتَهَى.
قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ مَأْخَذًا لِمَسْأَلَةِ الْمُحَرَّرِ؛ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِعَدَمِ قَصْرِهَا وَجَزَمَ بِأَنَّهُ إذَا نَسِيَ صَلَاةً فِي سَفَرٍ فَذَكَرَهَا: أَنَّهُ يَقْصُرُهَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ كَوْنُهَا مُؤَدَّاةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَصِحَّ قَصْرُ الْمَنْسِيَّةِ.
انْتَهَى.
قُلْت: فِي قَوْلِ شَيْخِنَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَدَلَّ عَلَى صَاحِبِ الْفُرُوعِ بِمَا إذَا نَسِيَهَا، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ إنَّمَا قَالَ " إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا " وَأَنَّهُ مُقَاسٌ عَلَى السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ، وَأَنَّ الْحَلْوَانِيَّ قَالَ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَجْوِيزِ الْحَلْوَانِيِّ قَصْرَهَا إذَا نَسِيَهَا: أَنْ يَقْصُرَهَا إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ لِلْأَصْحَابِ.
إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي مَسَائِلَ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ حُجَّةٌ.
انْتَهَى.
وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْمَجْدَ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا ذَكَرَهَا قَبْلَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ.
انْتَهَى.
وَقِيلَ: لَهُ الْقَصْرُ، وَلَوْ تَعَمَّدَ التَّأْخِيرَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي ابْنِ تَمِيمٍ.
وَقَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ وَنَصَرَهُ فِي النُّكَتِ، وَرَدَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَجْدُ قَالَ ابْنُ الْبَنَّا فِي شَرْحِ الْمَجْدِ: مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَمْدًا فِي السَّفَرِ وَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ، فَلَهُ الْقَصْرُ كَالنَّاسِي قَالَ: فَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْمَأْثَمِ.
انْتَهَى.