ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المرداوي
- الكتاب
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
- المؤلف
- علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
- الناشر
- دار إحياء التراث العربي
- الطبعة
- الثانية - بدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِي دُفْعَةٍ أَوْ دُفُعَاتٍ، مَا لَمْ يَتْرُكْ الْعَمَلَ بَيْنَهَا تَرْكَ إهْمَالٍ) ، مِثَالُهُ: لَوْ تَرَكَهُ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ لِإِصْلَاحِ آلَةٍ، أَوْ اسْتِرَاحَةٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوْ اشْتِغَالِهِ بِتُرَابٍ خَرَجَ بَيْنَ النِّيلَيْنِ، أَوْ هَرَبِ عَبِيدِهِ، أَوْ أَجِيرِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ سَفَرٌ يَسِيرٌ.
انْتَهَى، فَلَا أَثَرَ لِتَرْكِ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي حُكْمِ اسْتِمْرَارِهِ فِي الْعَمَلِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: إنْ أَهْمَلَهُ وَتَرَكَهُ، فَلِكُلِّ مَرَّةٍ حُكْمٌ [قَالَ ابْنُ مُنَجَّى: وَجْهُ الْإِهْمَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ وَإِلَّا فَمَعْدِنٌ] .
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إلَّا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ) ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ مِنْهَا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ.
وَوَقْتُ وُجُوبِهَا إذَا أُحْرِزَ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ: أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهَا بِظُهُورِهِ كَالثَّمَرَةِ بِصَلَاحِهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَ الْأَوَّلِينَ: اسْتِقْرَارُ الْوُجُوبِ.
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: لَا يُحْتَسَبُ بِمُؤْنَةِ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْسَبُ النِّصَابُ بَعْدَهَا.
الثَّانِيَةُ: إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ اُحْتُسِبَ بِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اُحْتُسِبَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ.
قَالَ الشَّارِحُ: اُحْتُسِبَ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
كَمَا يُحْتَسَبُ بِمَا عَلَى الزَّرْعِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَأَطْلَقَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا يَحْتَسِبُ بِهِ، كَمُؤْنَةِ الْحَصَادِ وَالزِّرَاعَةِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يُضَمُّ جِنْسٌ مِنْ الْمَعْدِنِ إلَى جِنْسٍ آخَرَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُضَمُّ، اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقِيلَ: يُضَمُّ إذَا كَانَتْ مُتَقَارِبَةً: كَقَارٍ، وَنِفْطٍ، وَحَدِيدٍ، وَنُحَاسٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنْ كَانَ فِي الْمَعْدِنِ أَجْنَاسٌ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: ضُمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي قِيمَتِهَا، فَاشْتَبَهَتْ الْفُرُوضُ.
الرَّابِعَةُ: فِي ضَمِّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ الرِّوَايَتَانِ الِاثْنَتَانِ، نَقْلًا وَمَذْهَبًا، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ مَعَادِنَ مُتَفَرِّقَةٍ: ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ كَالزَّرْعِ مِنْ مَكَانَيْنِ، وَإِنْ أَخْرَجَ اثْنَانِ نِصَابًا فَقَطْ، فَإِخْرَاجُهُمَا لِلزَّكَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى خُلْطَةِ غَيْرِ السَّائِمَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ مِنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا: الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: هُوَ الْمَنْصُورُ فِي الْخِلَافِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: زَكَّاهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ وَهُوَ مِنْهَا وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ،
وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ، وَالْبُلْغَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَصَيْدِ الْبَرِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَنَصُّ أَحْمَدَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ.
فَائِدَةٌ: مَثَّلَ فِي الْهِدَايَةِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ: بِالْمِسْكِ وَالسَّمَكِ، فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ الْمِسْكُ بَحْرِيًّا، وَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: أَنَّهُ يَرَى فِيهِ الزَّكَاةَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ.
يُؤَيِّدُهُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ فِي الْخِلَافِ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ: وَكَذَلِكَ السَّمَكُ وَالْمِسْكُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ، فَقَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: فِي السَّمَكِ إذَا أَصَابَهُ صَاحِبُهُ: الزَّكَاةُ.
شَبَّهَهُ بِالسَّمَكِ إذَا اصْطَادَهُ وَصَارَ فِي يَدِهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَلَى هَذَا: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى.
انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ، وَفَصَلَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالنَّاظِمُ: بَيْنَ مَا يُخْرِجُهُ الْبَحْرُ، وَبَيْنَ الْمِسْكِ.
كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْ الْبَحْرِ كَذَا وَكَذَا، أَوْ أَخَذَ مِمَّا قَذَفَهُ الْبَحْرُ مِنْ عَنْبَرٍ وَعُودٍ وَسَمَكٍ، وَقِيلَ: وَمِسْكٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى، وَقَطَعَ فِي بَابِ زَكَاةِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْمِسْكِ.
كَمَا تَقَدَّمَ.
قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ: أَنَّ الْمِسْكَ سُرَّةُ الْغَزَالِ، عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: دَمُ الْغِزْلَانِ، وَقِيلَ: مِنْ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ لَهَا أَنْيَابٌ، فَيَكُونُ مَنْ مَثَّلَ بِالْمِسْكِ مِنْ الْأَصْحَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ بِهِ.
قَوْلُهُ (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ الْمَالِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ تَخْرِيجًا: لَا يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ إذَا قُلْنَا: إنَّ الْمُخْرَجَ زَكَاةٌ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ إخْرَاجُ الْخُمُسِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: يَتَعَيَّنُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ إخْرَاجِ خُمُسِهِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ (لِأَهْلِ الْفَيْءِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَالْجَامِعِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ زَكَاةٌ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْإِفْصَاحِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ فِي الْإِفَادَاتِ: لِأَهْلِ الزَّكَاةِ أَوْ الْفَيْءِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَجِبُ أَنْ يُخَمَّسَ كُلُّ أَحَدٍ وَجَدَ ذَلِكَ، مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَيَجُوزُ لِمَنْ وَجَدَهُ تَفْرِقَتُهُ بِنَفْسِهِ، كَمَا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ زَكَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ.
وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي الْمُغْنِي، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُعْتَبَرُ فِي إخْرَاجِهِ النِّيَّةُ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ الرِّكَازُ كُلُّهُ مِنْ الذِّمِّيِّ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا خُمُسَ عَلَيْهِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ إنَّهُ زَكَاةٌ: لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، لَكِنْ إنْ وَجَدَهُ عَبْدُهُ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ كَكَسْبِهِ، وَيَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ، وَكَذَا الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَيُخْرِجُهُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا، وَصَحَّحَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ زَكَاةٌ وَوُجُوبُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي التَّلْخِيصِ.
نَقَلَهُ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَلَمْ أَرَهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَاهُ، وَجَعَلَا الْأَوَّلَ تَخْرِيجًا لَهُمَا، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ.
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ رَدُّ سَائِرِ الزَّكَوَاتِ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَنَصَرَهُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِيَيْنِ [وَالرِّعَايَتَيْنِ] . قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ، كَإِرْثِهَا أَوْ قَبْضِهَا مِنْ دَيْنٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُذْهَبِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي الرِّكَاز وَالْعُشْرِ، وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
كَذَا الْحُكْمُ فِي صَرْفِ الْخُمُسِ إلَى وَاجِدِهِ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ زَكَاةٌ فَيَقْبِضُهُ مِنْهُ.
ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يَجُوزُ رَدُّ خُمُسِ الرِّكَازِ فَقَطْ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: خُمُسُ الرِّكَازِ فَيْءٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْهُ، كَالْخَرَاجِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: فِي الْأَقْيَسِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْفُرُوعِ.
وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ رَدُّ خُمُسِ الْفَيْءِ فِي الْغَنِيمَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَابْنُ عَقِيلٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْغَنِيمَةَ أَصْلًا لِلْمَنْعِ فِي الْفَيْءِ، وَذَكَرَ الْخَرَاجَ أَصْلًا لِلْجَوَازِ فِيهِ.
الثَّالِثَةُ: الْمُرَادُ بِمَصْرِفِ الْفَيْءِ هُنَا: مَصْرِفُ الْفَيْءِ الْمُطْلَقِ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَصْرِفِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ.
تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ (وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ) مُرَادُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ أَجِيرًا فِي طَلَبِ الرِّكَازِ، أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَفْرِ بِئْرٍ يُوجَدُ فِيهِ الرِّكَازُ، ذَكَرَهُ لِلزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْأُجْرَةُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ (وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ إنْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ، أَوْ أَرْضٍ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا) وَكَذَا إنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِهِ الَّذِي مَلَكَهُ بِالْإِحْيَاءِ، أَوْ فِي شَارِعٍ أَوْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ، أَوْ مَسْجِدٍ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِلَا نِزَاعٍ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ عَلِمَ مَالِكَهَا، أَوْ كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إلَيْهِ بِهِبَةٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ أَيْضًا) هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
سَوَاءٌ ادَّعَاهُ وَاجِدُهُ أَوْ لَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا أَشْهَرُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا نَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَجَزَمَ
بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لِمَالِكِهَا أَوْ لِمَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ، يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ: فَهُوَ لِمَنْ قَبْلَهُ، إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ: فَهُوَ لِمَنْ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ، فَيَكُونُ لَهُ، سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِهِ أَوْ لَا، ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ، فَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ فَلِبَيْتٍ الْمَالِ، وَأَطْلَقَهَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: يَكُونُ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَوَّلَ: فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لِبَيْتِ الْمَالِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ قَبْلَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا وَصْفٍ: فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْهُ لِوَاجِدِهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ، فَإِنْ ادَّعَاهُ بِصِفَةٍ وَحَلَفَ فَهُوَ لَهُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إنْ ادَّعَاهُ وَاجِدُهُ فَهُوَ لَهُ، جَزَمَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يَكُونُ لَهُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: إنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمِلْكُ إرْثًا فَهُوَ مِيرَاثٌ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ لِمَوْرُوثِهِمْ، فَهُوَ لِمَنْ قَبْلَهُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَاحِدٌ سَقَطَ حَقُّهُ فَقَطْ.
فَوَائِدُ.
مِنْهَا: مَتَى دَفَعَ إلَى مُدَّعِيهِ بَعْدَ إخْرَاجِ خُمُسِهِ: غَرِمَ وَاجِدُهُ بَدَلَهُ، إنْ كَانَ إخْرَاجُهُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا غَرِمَهُ الْإِمَامُ، لَكِنْ هَلْ هُوَ مِنْ مَالِهِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ [قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ] قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُ مِنْ مَالِ الْإِمَامِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهُ إذَا خَمَّسَ رِكَازًا فَادَّعَى بِبَيِّنَةٍ: هَلْ لِوَاجِدِهِ الرُّجُوعُ، كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ؟ .
وَمِنْهَا: مِثْلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَوْ وَجَدَ الرِّكَازَ فِي مِلْكِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ، فَيَكُونُ لِوَاجِدِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، فَإِنْ ادَّعَاهُ صَاحِبُ الْمِلْكِ، فَفِي دَفْعِهِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَعَنْهُ هُوَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَقَطَعَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، وَعَنْهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِلَّا فَعَلَى مَا سَبَقَ، وَمِنْهَا: لَوْ وَجَدَ لُقَطَةً فِي مِلْكِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ، فَوَاجِدُهَا أَحَقُّ بِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْمُجَرَّدِ فِي اللُّقَطَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا.
انْتَهَى.
وَعَنْهُ هِيَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ بِدَعْوَاهُ بِلَا صِفَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْمُلْكِ.
حَكَاهَا الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ.
وَكَذَا حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا وَجَدَ فِي الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ رِكَازًا أَوْ لُقْطَةً، عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ صَاحِبُ الْمِلْكِ: أَحَقُّ بِاللُّقَطَةِ، فَلَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ: أَنَّهُ وَجَدَهُ أَوَّلًا.
أَوْ أَنَّهُ دَفَنَهُ، فَوَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ.
وَالْحَاوِيَيْنِ، وَكَذَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُكْرِي.
قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَيْهِمَا مِنْ وَصْفِهِ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ، وَكَذَا لَوْ عَادَتْ الدَّارُ إلَى الْمُكْرِي، وَقَالَ: دَفَنَتْهُ قَبْلَ الْإِجَارَةِ، وَقَالَ الْمُكْتَرِي: أَنَا وَجَدْته، عِنْدَ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ.
قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ، وَمِنْهَا: لَوْ وَجَدَهُ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِ شَيْءٍ أَوْ هَدْمِهِ، فَعَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلَافِ عَلَى الصَّحِيحِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا.
وَقِيلَ: هُوَ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّهُ لِوَاجِدِهِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: هُوَ لِلْأَجِيرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: لِلْمَالِكِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُ لُقَطَةٌ، ثُمَّ قَالَا: وَعَنْهُ رِكَازٌ يَأْخُذُهُ وَاجِدُهُ، وَعَنْهُ رَبُّ الْأَرْضِ، وَمِنْهَا: لَوْ دَخَلَ دَارَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَحَفَرَ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ، كَالطَّائِرِ وَالظَّبْيِ.
انْتَهَى.
وَمِنْهَا: الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ كَمُكْرٍ وَمُكْتَرٍ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ: أَنَّهُمَا كَبَائِعٍ مَعَ مُشْتَرٍ.
يُقَدَّمُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي الرِّوَايَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، إنْ كَانَ لُقَطَةً.
نَقَلَ الْأَثْرَمُ لَا يَدْفَعُ إلَى الْبَائِعِ بِلَا صِفَةٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُجَرَّدِ، وَنَصَرَهُ فِي الْخِلَافِ، وَعَنْهُ بَلَى، لِسَبْقِ يَدِهِ، قَالَ: وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِ حَرْبِيٍّ مَلَكَهُ) . يَعْنِي أَنَّهُ رِكَازٌ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: هُوَ غَنِيمَةٌ.
خَرَّجَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ مِنْ قَوْلِنَا: الرِّكَازُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِلْمَالِكِ، وَخَرَّجَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، مِمَّا إذَا وَجَدَهُ فِي بَيْتٍ أَوْ خَرَابَةٍ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) يَعْنِي لَهُمْ مَنَعَةٌ، فَيَكُونُ غَنِيمَةً، ` وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعُوا بِهِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُ: فِي الْمَدْفُونِ فِي دَارِ الْحَرْبِ: هُوَ كَسَائِرِ مَالِهِمْ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: إنْ وُجِدَ بِدَارِهِمْ لُقَطَةٌ مِنْ مَتَاعِنَا: فَكَدَارِنَا، وَمِنْ مَتَاعِهِمْ: غَنِيمَةٌ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ تُعَرَّفُ حَوْلًا بِدَارِنَا، ثُمَّ تُجْعَلُ فِي الْغَنِيمَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ فِي اللُّقَطَةِ، فِي دَفِينٍ مَوَاتٍ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ: لُقَطَةٌ، وَإِلَّا رِكَازٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ دَارٍ وَدَارٍ، وَنَقَلَ إِسْحَاقُ: إذَا لَمْ تَكُنْ سِكَّةُ الْمُسْلِمِينَ فَالْخُمُسُ، وَكَذَا جَزَمَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ مَا لَا عَلَامَةَ عَلَيْهِ رِكَازٌ، وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِالْمَدْفُونِ حُكْمًا الْمَوْجُودَ ظَاهِرًا كَجِرَابٍ جَاهِلِيٍّ، أَوْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ.
قَوْلُهُ (وَالرِّكَازُ مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ عَلَامَتُهُمْ) بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْكُفَّارِ فِي الْجُمْلَةِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ كُفْرٍ فَقَطْ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ أَيْضًا: فَهُوَ لُقَطَةٌ) إذَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَكَذَا إنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ: فَالْمَذْهَبُ أَيْضًا أَنَّهُ لُقَطَةٌ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي إنَاءٍ نَقْدٍ، إنْ كَانَ يُشْبِهُ مَتَاعَ الْعَجَمِ، فَهُوَ كَنْزٌ، وَمَا كَانَ مِثْلَ الْعِرْقِ فَمَعْدِنٌ، وَإِلَّا فَلُقَطَةٌ.
[بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ]
ِ. قَوْلُهُ (وَهِيَ الذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ.
وَلَا زَكَاةَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ، وَلَا فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَيَجِبُ فِيهَا خَمْسُ دَرَاهِمَ) ، مُرَادُهُ: وَزْنُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
إلَّا الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ قَالَ: نِصَابُ الْأَثْمَانِ: هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي كُلِّ زَمَنٍ مِنْ خَالِصٍ وَمَغْشُوشٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَكَذَا قَالَ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَهُ قَاعِدَةٌ فِي ذَلِكَ فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: " الْمِثْقَالُ " وَزْنُ دِرْهَمٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ، وَالِاعْتِبَارُ بِالدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ الَّذِي وَزْنُهُ سِتَّةُ دَوَانِقَ، وَالْعَشَرَةُ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ صِنْفَيْنِ " سَوْدَاءَ " زِنَةُ الدِّرْهَمِ مِنْهَا ثَمَانِيَةُ دَوَانِقَ، وَ " طَبَرِيَّةً " زِنَةُ الدِّرْهَمِ مِنْهَا أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ، فَجَمَعَهُمَا بَنُو أُمَيَّةَ وَجَعَلُوا الدِّرْهَمَ سِتَّةَ دَوَانِقَ.
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ، فَرَأَى بَنُو أُمَيَّةَ صَرْفَهَا إلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَنَقْشِهِ، فَجَمَعُوا أَكْبَرَهَا وَأَصْغَرَهَا، وَضَرَبُوا عَلَى وَزْنِهِمَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: زِنَةُ كُلِّ مِثْقَالٍ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةً، وَزِنَةُ كُلِّ دِرْهَمٍ إسْلَامِيٍّ: خَمْسُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ وَخُمُسَا حَبَّةَ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةٍ.
انْتَهَى.
وَقِيلَ: الْمِثْقَالُ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ حَبَّةً وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ وَعُشْرُ عُشْرِ حَبَّةٍ.
الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْفُلُوسَ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فِيمَا زَكَاتُهُ الْقِيمَةُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ.
مِنْهُمْ: الْحَلْوَانِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، فَقَالَ: وَالْفُلُوسُ أَثْمَانٌ، وَلَا تُزَكَّى، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: تَجِبُ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، وَقِيلَ: إذَا كَانَتْ رَائِجَةً، وَأَطْلَقَ فِي الْفُرُوعِ، إذَا كَانَتْ نَافِقَةً وَجْهَيْنِ.
ذَكَرَهُ فِي بَابِ الرِّبَا، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فِيهَا الزَّكَاةُ إذَا كَانَتْ أَثْمَانًا رَائِجَةً، أَوْ لِلتِّجَارَةِ، وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ أَيْضًا: لَا زَكَاةَ فِيهَا إنْ كَانَتْ لِلنَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ: قُوِّمَتْ كَعُرُوضٍ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَالْفُلُوسُ عُرُوضٌ، فَتُزَكَّى إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، وَهِيَ نَافِقَةٌ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَالْفُلُوسُ ثَمَنٌ فِي وَجْهٍ، فَلَا تُزَكَّى، وَقِيلَ: سِلْعَةٌ، فَتُزَكَّى إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا وَهِيَ رَائِجَةٌ، وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْكُبْرَى، وَقِيلَ: فِي وُجُوبِ رَائِجَةٍ وَجْهَانِ، أَشْهَرُهُمَا: عَدَمُهُ، لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ.
قُلْت: وَيَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ إذَنْ، وَإِنْ قُلْنَا: عَرَضٌ فَلَا إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا زَكَاةَ فِي مَغْشُوشِهَا، حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ مَا فِيهِ نِصَابًا) . يَعْنِي حَتَّى يَبْلُغَ الْخَالِصُ نِصَابًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَحَكَى ابْنُ حَامِدٍ فِي شَرْحِهِ وَجْهًا: إنْ بَلَغَ مَضْرُوبُهُ نِصَابًا زَكَّاهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَوْ كَانَ الْغِشُّ أَكْثَرَ، وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ: يُقَوَّمُ مَضْرُوبُهُ كَالْعُرُوضِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ شَكَّ فِيهِ خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ) . يَعْنِي لَوْ شَكَّ: هَلْ فِيهِ نِصَابٌ خَالِصٌ؟ فَإِنْ لَمْ يَسْبِكْهُ اسْتَظْهَرَ، وَأَخْرَجَ مَا يُجْزِئُهُ بِيَقِينٍ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا زَكَاةَ فِيهِ مَعَ الشَّكِّ، هَلْ هُوَ نِصَابٌ أَمْ لَا؟ .
فَوَائِدُ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ مِنْ الْمَغْشُوشِ أَكْثَرُ مِنْهُ نِصَابٌ خَالِصٌ، لَكِنْ شَكَّ فِي قَدْرِ الزِّيَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسْتَظْهِرُ وَيُخْرِجُ مَا يُجْزِئُهُ بِيَقِينٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَغْشُوشُ وَزْنَ أَلْفٍ ذَهَبًا، وَفِضَّةً سِتُّمِائَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ الْأُخْرَى.
زَكَّى سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ فِضَّةً، وَإِنْ لَمْ يُجْزِ ذَهَبٌ عَنْ فِضَّةٍ.
زَكَّى سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا وَسِتَّمِائَةٍ فِضَّةً.
الثَّانِيَةُ: إذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ قَدْرِ غِشِّهِ، فَضَعْ فِي مَاءٍ ذَهَبًا خَالِصًا بِوَزْنِ الْمَغْشُوشِ وَعَلِّمْ قَدْرَ عُلُوِّ الْمَاءِ، ثُمَّ ارْفَعْهُ، ثُمَّ ضَعْ فِضَّةً خَالِصَةً بِوَزْنِ الْمَغْشُوشِ وَعَلِّمْ عُلُوَّ الْمَاءِ.
ثُمَّ ضَعْ الْمَغْشُوشَ وَعَلِّمْ عُلُوَّ الْمَاءِ، ثُمَّ امْسَحْ مَا بَيْنَ الْوُسْطَى وَالْعُلْيَا وَمَا بَيْنَ الْوُسْطَى وَالسُّفْلَى، فَإِنْ كَانَ الْمَمْسُوحَانِ سَوَاءً: فَنِصْفُ الْمَغْشُوشِ ذَهَبٌ، وَنِصْفُهُ فِضَّةٌ، وَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَبِحِسَابِهِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا زَادَتْ قِيمَةُ الْمَغْشُوشِ بِصَنْعَةِ الْغِشِّ: أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ، كَحُلِيِّ الْكِرَاءِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ لِصِنَاعَتِهِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَكِّيَ الْمَغْشُوشَةَ مِنْهَا، فَإِنْ عَلِمَ قَدْرَ الْغِشِّ فِي كُلِّ دِينَارٍ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَ، فَيُخْرِجَ قَدْرَ الزَّكَاةِ بِيَقِينٍ، وَإِنْ أَخْرَجَ مَالًا غَشَّ فِيهِ كَانَ أَفْضَلَ.
وَإِنْ أَسْقَطَ الْغِشَّ وَزَكَّى عَلَى قَدْرِ الذَّهَبِ جَازَ، وَلَا زَكَاةَ فِي غِشِّهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ فِضَّةً وَلَهُ مِنْ الْفِضَّةِ مَا يَتِمُّ بِهِ نِصَابًا، أَوْ نَقُولُ بِرِوَايَةِ ضَمِّهِ إلَى الذَّهَبِ.
زَادَ الْمَجْدُ: أَوْ يَكُونُ غِشُّهَا لِلتِّجَارَةِ.
قَوْلُهُ (وَيُخْرِجُ مِنْ الْجَيِّدِ الصَّحِيحَ مِنْ جِنْسِهِ) هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ، فَإِنْ أَخْرَجَ مُكَسَّرًا أَوْ بَهْرَجَاءَ وَهُوَ الرَّدِيءُ زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَ مَغْشُوشًا مِنْ جِنْسِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ الْمَغْشُوشُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ الْمِثْلُ، اخْتَارَهُ فِي الِانْتِصَارِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُجَرَّدِ فِي غَيْرِ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ صِحَاحٍ مُكَسَّرَةً، وَزَادَ بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا: جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.
نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ جِيَادٍ بَهْرَجًا بِقِيمَةِ جِيَادٍ: فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ، وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُ، وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا أَخْرَجَ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْوَجْهَيْنِ بِمَا عَيَّنَهُ لَا مِنْ جِنْسِهِ.
انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: يُخْرِجُ عَنْ جَدِيدٍ صَحِيحٍ وَرَدِيءٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ شَقَّ لِكَثْرَةِ الْأَنْوَاعِ أَخْرَجَ مِنْ الْوَسَطِ كَالْمَاشِيَةِ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ.
وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ الْأَعْلَى مِنْ الْأَدْنَى، أَوْ مِنْ الْوَسَطِ وَزَادَ قَدْرَ الْقِيمَةِ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.
مِنْهُمْ: ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ كَلَامُ جَمَاعَةٍ وَتَعْلِيلُهُمْ أَنَّهَا كَمَغْشُوشٍ عَنْ جَيِّدٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَعْلَى بِقَدْرِ الْقِيمَةِ دُونَ الْوَزْنِ لَمْ يُجْزِهِ، وَيُجْزِئُ قَلِيلُ الْقِيمَةِ عَنْ كَثِيرِهَا مَعَ الْوَزْنِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: وَزِيَادَةُ قَدْرِ الْقِيمَةِ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ إلَى الْفِضَّةِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، أَوْ يُخْرِجُ أَحَدَهُمَا عَنْ الْآخَرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ.
أَمَّا ضَمُّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الضَّمُّ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَالْقَاضِي، وَوَلَدُهُ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ.
كَالشَّرِيفِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي
خِلَافَيْهِمَا، وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَابْنُ الْبَنَّاءِ.
انْتَهَى.
قُلْت: وَنَصَرَهُ فِي الْفُصُولِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَظْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْهَادِي، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُضَمُّ.
قَالَ الْمَجْدُ: يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهَا أَخِيرًا وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ مَعَ اخْتِيَارِهِ فِي الْحُبُوبِ الضَّمَّ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا يُضَمُّ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذِهِ أَصَحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَخَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَهَذَا يَكُونُ الْمَذْهَبُ عَلَى الْمُصْطَلَحِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَأَمَّا إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ.
قَالَ فِي، الْفَائِقِ: وَيَجُوزُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَنَصَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ وَالشَّارِحُ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، كَمَا اخْتَارَ عَدَمَ الضَّمِّ، وَوَافَقَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ هُنَا، وَخَالَفَاهُ فِي الضَّمِّ، فَاخْتَارَا جَوَازَهُ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ جَوَازَ الْإِخْرَاجِ، وَلَمْ يُصَحِّحَا شَيْئًا فِي الضَّمِّ، وَصَحَّحَ فِي الْفَائِقِ عَدَمَ الضَّمِّ، وَصَحَّحَ جَوَازَ إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ.
كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى الضَّمِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ انْتَهَى.
قُلْت: بَنَاهُمَا عَلَى الضَّمِّ فِي الْكَافِي، وَالْمُسْتَوْعِبِ، قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَهَلْ يُجْزِئُ مُطْلَقًا إخْرَاجُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، أَوْ إذَا قُلْنَا بِالضَّمِّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَعَنْهُ يُجْزِئُ عَمَّا يُضَمُّ، وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْفُصُولِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: أَنَّهُ يُخْرِجُ مَا فِيهِ الْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَقَالَ: قُلْت: إنْ جُعِلَتْ ثَمَنًا جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّهَا أَثْمَانٌ، وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي إجْزَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مُطْلَقًا أَوْ إذَا قُلْنَا بِالضَّمِّ، وَعَلَيْهِمَا يَخْرُجُ إجْزَاءُ الْفُلُوسِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَعَنْهُ يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بِالْحِسَابِ، مَعَ الضَّمِّ، وَقِيلَ: وَعَدَمُهُ مُطْلَقًا، وَفِي إجْزَاءِ الْفُلُوسِ عَنْهَا إذَنْ مَعَ الْإِخْرَاجِ الْمَذْكُورِ وَجْهَانِ.
قَوْلُهُ (وَيَكُونُ الضَّمُّ بِالْأَجْزَاءِ) يَعْنِي إذَا قُلْنَا: بِالضَّمِّ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الضَّمَّ يَكُونُ بِالْأَجْزَاءِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَجَامِعِهِ، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحُ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: بِالْقِيمَةِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ، يَعْنِي يُكَمَّلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ الْإِجْزَاءِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَنْ الْقَاضِي أَظُنُّهُ فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ قَالَ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْأَحَظَّ لِلْمَسَاكِينِ.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا ضَمَّ إلَيْهِ مَا نَقَصَ عَنْهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَعَنْهُ يَكُونُ الضَّمُّ بِالْقِيمَةِ مُطْلَقًا.
ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ إلَى وَزْنِ الْآخَرِ، فَيُقَوَّمُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى، وَعَنْهُ يُضَمُّ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا إلَى الْأَكْثَرِ.
ذَكَرَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، فَيُقَوَّمُ بِقِيمَةِ الْأَكْثَرِ، نَقَلَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: فِي فَوَائِدِ الْخِلَافِ: لَوْ كَانَ مَعَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ: ضُمَّا.
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا دُونَ مِائَةِ دِرْهَمٍ: ضُمَّا، عَلَى غَيْرِ رِوَايَةِ الضَّمِّ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ ثَمَانِيَةً، قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ: ضُمَّا عَلَى غَيْرِ رِوَايَةِ الضَّمِّ بِالْأَجْزَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَا ضَمَّ.
الثَّانِيَةُ: يُضَمُّ جَيِّدُ كُلِّ جِنْسٍ إلَى رَدِيئِهِ وَيُضَمُّ مَضْرُوبُهُ إلَى تِبْرِهِ.
قَوْلُهُ (وَتُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) هَذَا الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّارِحُ، وَالْمُصَنِّفُ فِي كُتُبِهِ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ مَعَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ، ضَمَّ الْجَمِيعَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمَا.
وَجَعَلَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ أَصْلًا لِرِوَايَةِ ضَمِّ الذَّهَبِ إلَى الْفِضَّةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اعْتَرَفَ الْمَجْدُ أَنَّ الضَّمَّ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، قَالَ: فَيَلْزَمُ حَيْثُ التَّخْرِيجُ مِنْ تَسْوِيَتِهِ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ مُقْتَضِيَةٌ لِاتِّحَادِ الْحُكْمِ وَعَدَمِ الْفَرْقِ.
قَالَ: وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ أَظُنُّهُ أَبَا الْمَعَالِي بْنَ مُنَجَّى بِأَنَّ مَا قُوِّمَ بِهِ الْعُرُوض، كَنَاضٍّ عِنْدَهُ، فَفِي ضَمِّهِ إلَى غَيْرِ مَا قُوِّمَ بِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَتُضَمُّ الْعُرُوض إلَى أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
نِصَابًا أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَعُرُوضٌ، الْكُلُّ لِلتِّجَارَةِ: ضَمَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْدُ لِلتِّجَارَةِ: ضَمَّ الْعُرُوضَ إلَى إحْدَاهُمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ يُضَمُّ إلَيْهِمَا، وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَزَادَ بَعْدَ الْقَوْلِ الثَّانِي إنْ قُلْنَا: يُضَمُّ الذَّهَبُ إلَى الْفِضَّةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
قَوْلُهُ (وَلَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ نَظَرًا، وَعَنْهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا لَمْ يُعَرْ وَلَمْ يُلْبَسْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ " زَكَاتُهُ عَارِيَّتُهُ " وَقَالَ: هُوَ قَوْلُ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ خَمْسَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَسِيلَةِ وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ جَوَابًا.
تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " وَلَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ " لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا أُعِدَّ لِلُبْسِ الْمُبَاحِ أَوْ الْإِعَارَةِ.
وَهُوَ صَحِيحٌ، وَكَذَا لَوْ اتَّخَذَهُ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، كَرَجُلٍ يَتَّخِذُ حُلِيَّ النِّسَاءِ لِإِعَارَتِهِنَّ، أَوْ امْرَأَةٍ تَتَّخِذُ حُلِيَّ الرِّجَالِ لِإِعَارَتِهِمْ.
ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ.
وَهُوَ أَظْهَرُ، وَوَجَّهَ احْتِمَالًا لَا يُعْدَمُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَلَوْ قَصَدَ الْفِرَارَ مِنْهَا، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ: إنْ اتَّخَذَ رَجُلٌ حُلِيَّ امْرَأَةٍ: فَفِي زَكَاتِهِ رِوَايَتَانِ، وَحَكَاهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مُعْتَادًا، أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَقَيَّدَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُعْتَادًا.
فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ الْحُلِيُّ لِيَتِيمٍ لَا يَلْبَسُهُ: فَلِوَلِيِّهِ إعَارَتُهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ لَمْ يُعِرْهُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ.
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ.
ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَأْتِي فِي الْعَارِيَّةِ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمُعِيرِ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ، قَالَ: فَهَذَانِ قَوْلَانِ، أَوْ أَنَّ هَذَا لِمَصْلَحَةِ مَالِهِ، وَيُقَالُ: قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الثَّوَابِ تَوَجَّهَ خِلَافٌ، كَالْقَرْضِ.
انْتَهَى.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ.
انْتَهَى.
(وَالْآنِيَةُ، وَمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ أَوْ النَّفَقَةِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ، وَالْآنِيَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَكَذَا مَا أُعِدَّ لِلنَّفَقَةِ.
أَوْ مَا أُعِدَّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ الْقَنِيَّةِ أَوْ الِادِّخَارِ، وَحُلِيُّ الصَّيَارِفِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِيمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ، وَقِيلَ: مَا اتَّخَذَهُ مِنْ ذَلِكَ لِسَرَفٍ أَوْ مُبَاهَاةٍ كُرِهَ، وَزُكِّيَ وَإِلَّا فَلَا، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَوْلُ الْقَاضِي، إلَّا فِيمَنْ اتَّخَذَ خَوَاتِيمَ، وَمُرَادُهُ: مَعَ نِيَّةِ لُبْسٍ أَوْ إعَارَةٍ، قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا زَكَاةَ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ اتِّخَاذَهُ لِسَرَفٍ أَوْ مُبَاهَاةٍ فَقَطْ، فَالْمَذْهَبُ قَوْلًا وَاحِدًا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ.
انْتَهَى، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَعُمُدِ الْأَدِلَّةِ: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ: لَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ، لَمْ يُعَدَّ لِلتَّكَسُّبِ بِهِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ وَأَمْكَنَ لُبْسُهُ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لُبْسُهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ فِي إصْلَاحِهِ إلَى سَبْكٍ وَتَجَدُّدِ صَنْعَةٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ نَوَى إصْلَاحَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ كَالصَّحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرَهَا
وَذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا، فَقَالَ: مَا لَمْ يَنْوِ كَسْرَهُ فَيُزَكِّيهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ يُزَكِّيهِ، وَلَوْ نَوَى إصْلَاحَهُ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرَهَا، وَأَمَّا إذَا احْتَاجَ إلَى تَجْدِيدِ صَنْعَةٍ: فَإِنَّهُ يُزَكِّيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فِيهِ وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا: فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: إنْ كَانَ الْكَسْرُ لَا يَمْنَعُ مِنْ اللُّبْسِ، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَحَكَى ابْنُ تَمِيمٍ كَلَامَ صَاحِبِ الْمُبْهِجِ: إنْ كَانَ الْكَسْرُ لَا يَمْنَعُ مِنْ اللُّبْسِ لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ، وَ " لَا " زَائِدَةٌ غَلَطٌ.
انْتَهَى.
قُلْت: إنْ أَرَادَ أَنَّ ابْنَ تَمِيمٍ زَادَ " لَا " فَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الْمُبْهِجِ فِي نُسَخٍ مُعْتَمَدَةٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُبْهِجِ زَادَ " لَا " غَلَطًا مِنْهُ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ؟ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِد الْمَذْهَبِ، فَإِنَّ الْكَسْرَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ اللُّبْسِ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِيهِ، فَكَذَا هَذَا.
قَوْلُهُ (وَالِاعْتِبَارُ بِوَزْنِهِ) إلَّا مَا كَانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي النِّصَابِ بِوَزْنِهِ وَفِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ الْحُلِيُّ الْمُبَاحُ الصِّنَاعَةِ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ: الِاعْتِبَارُ فِي النِّصَابِ فِيهِ: بِوَزْنِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَحَكَاهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إجْمَاعًا، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِقِيمَتِهِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ فِي فُصُولِهِ، وَحَكَى رِوَايَةً.
بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يُحَرَّمُ اتِّخَاذُهُ، وَتُضْمَنُ صَنْعَتُهُ بِالْكَسْرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِقِيمَتِهِ، إذَا كَانَ مُبَاحًا.
وَبِوَزْنِهِ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ تَحَلَّى الرَّجُلُ بِحُلِيِّ الْمَرْأَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ اتَّخَذَ أَحَدُهُمَا حُلِيَّ الْآخَرِ قَاصِدًا لُبْسَهُ، أَوْ اتَّخَذَ أَحَدُهُمَا مَا يُبَاحُ لِمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، أَوْ لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ لِإِبَاحَةِ الصَّنْعَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَجَزَمَ فِي الْبُلْغَةِ فِي حُلِيِّ الْكِرَاءِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي مُبَاحِ الصِّنَاعَةِ، دُونَ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ لِلتِّجَارَةِ، فَأَمَّا الْمُبَاحُ لِلتِّجَارَةِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ مَعَهُ نَقْدٌ مُعَدٌّ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّهُ عَرَضٌ يُقَوَّمُ بِالْأَجْزَاءِ إنْ كَانَ أَحَظَّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ نَقَصَ عَنْ نِصَابِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هَذَا ظَاهِرُ نَقْلِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، وَالْأَثْرَمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
قَالَ: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَظُنُّ هَذَا مِنْ كَلَامِ وَلَدِهِ.
وَحَمَلَ الْقَاضِي بَعْضَ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي بِالْأَوَّلِ إذَا كَانَ النَّقْدُ عَرَضًا.
قَوْلُهُ (إلَّا مَا كَانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي النِّصَابِ بِوَزْنِهِ وَفِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ) الْأَشْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي مُبَاحِ الصِّنَاعَةِ فِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: هَذَا الْأَظْهَرُ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ " إذَا أَخْرَجَ عَنْ صِحَاحٍ مُكَسَّرَةً يُعْطِي مَا بَيْنَهُمَا " فَاعْتَبَرَ الصَّنْعَةَ دُونَ الْوَزْنِ، كَزِيَادَةِ الْقِيمَةِ لِنَفَاسَةِ جَوْهَرِهِ، وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ الْقِيمَةَ فِي الْإِخْرَاجِ إنْ اُعْتُبِرَتْ فِي النِّصَابِ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ فِي النِّصَابِ لَمْ تُعْتَبَرْ فِي الْإِخْرَاجِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
فَائِدَةٌ: إنْ أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ مُشَاعًا، أَوْ مِثْلَهُ وَزْنًا مِمَّا يُقَابِلُ جُودَتَهُ زِيَادَةُ الصَّنْعَةِ جَازَ، وَإِنْ جَبَرَ زِيَادَةَ الصَّنْعَةِ بِزِيَادَةٍ فِي الْمُخْرَجِ فَكَمُكَسَّرَةٍ عَنْ صِحَاحٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَرَادَ كَسْرَهُ مُنِعَ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إنْ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِهِ بِقَدْرِهِ جَازَ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ الْقِيمَةُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْكَسْرِ وَلَا يُخْرِجُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
كَذَا السَّبَائِكُ.
انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ) اتِّخَاذُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ مُبَاحٌ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ الْخَوَاتِيمِ هَذَا اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ.
انْتَهَى.
وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى فِي بَابِ الْحُلِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ فِي بَابِ اللِّبَاسِ وَقَدَّمَهُ فِي الْآدَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، فِي بَابِ اللِّبَاسِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِقَصْدِ الزِّينَةِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ الْخَوَاتِيمِ: قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: النَّهْيُ عَنْ الْخَاتَمِ لِيَتَمَيَّزَ السُّلْطَانُ بِمَا يَخْتِمُ بِهِ، فَظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ إلَّا لِلسُّلْطَانِ.
تَنْبِيهٌ: قَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ فِي بَابِ اللِّبَاسِ: اسْتِحْبَابَ التَّخَتُّمِ بِخَاتَمِ الْفِضَّةِ، وَجَزَمُوا فِي بَابِ الْحُلِيِّ بِإِبَاحَتِهِ، وَظَاهِرُهُ: التَّنَاقُضُ، أَوْ يَكُونُ مُرَادُهُمْ فِي بَابِ الْحُلِيِّ: إخْرَاجَ الْخَاتَمِ مِنْ التَّحْرِيمِ لَا أَنَّ مُرَادَهُمْ لَا يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا أَوْلَى.
فَوَائِدُ.
مِنْهَا: الْأَفْضَلُ لِلَابِسِهِ جَعْلُ فَصِّهِ مِمَّا يَلِي كَفِّهِ.
لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِي
ظَهَرَ كَفِّهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَذَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ كَانَ يَفْعَلُهُ.
رَوَاهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَمِنْهَا: جَوَازُ لُبْسِهِ فِي خِنْصَرِ يَدِهِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، وَالْأَفْضَلُ فِي لُبْسِهِ فِي إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَتَابَعَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْيَسَارِ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَالْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ " هُوَ أَقْرَبُ وَأَثْبَتُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْإِفَادَاتِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي آدَابِهِ الْمَنْظُومَةِ: وَيَحْسُنُ فِي الْيُسْرَى كَأَحْمَدَ وَصَحْبِهِ.
انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْيُمْنَى مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْيَسَارِ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: ضَعَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدِيثَ التَّخَتُّمِ فِي الْيُمْنَى، وَهَذَا مِنْ غَيْرِ الْأَكْثَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ: أَنَّ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: الْيُمْنَى أَفْضَلُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ [فَلِصَاحِبِ الرِّعَايَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ اخْتِيَارَاتٍ] ، وَمِنْهَا: يُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِلرَّجُلِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ.
انْتَهَى.
قُلْت: أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَمْ يُقَيِّدُوا الْكَرَاهَةَ فِي اللُّبْسِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِلرِّجَالِ.
بَلْ أَطْلَقُوا.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ: وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ.
انْتَهَى.
قُلْت: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ.
وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ أَيْضًا: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: جَوَازُ لُبْسِهِ فِي الْإِبْهَامِ وَالْبِنْصِرِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْخِنْصَرُ أَفْضَلَ، اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْإِبْهَامُ مِثْلُ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.
يَعْنِي فِي الْكَرَاهَةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مِنْ عِنْدِهِ، فَالْبِنْصِرُ مِثْلُهُ وَلَا فَرْقَ.
قُلْت: لَوْ قِيلَ: بِالْفَرْقِ لَكَانَ مُتَّجَهًا.
لِمُجَاوَرَتِهَا لِمَا يُبَاحُ التَّخَتُّمُ فِيهَا، بِخِلَافِ الْإِبْهَامِ لِبُعْدِهِ وَاسْتِهْجَانِهِ، وَمِنْهَا: لَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ مِثْقَالًا وَأَكْثَرَ، مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ يُسَنُّ جَعْلُهُ دُونَ مِثْقَالٍ، وَتَابَعَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْآدَابِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ: قِيَاسُ قَوْلِ مَنْ مَنَعَ مِنْ أَصْحَابِنَا تَحَلِّيَ النِّسَاءِ بِمَا زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ: أَنْ يُمْنَعَ الرَّجُلُ مِنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ إذَا زَادَ عَلَى مِثْقَالٍ وَأَوْلَى.
لِوُرُودِ النَّصِّ هُنَا، وَثَمَّ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، بَلْ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ.
انْتَهَى.
وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: لَوْ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِيمَ، أَوْ مَنَاطِقَ: لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ، إلَّا أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ، أَوْ عَبْدِهِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: فَهَذَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى مَنْع لُبْسِ أَكْثَرِ مِنْ خَاتَمٍ وَاحِدٍ.
لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْعَادَةِ، وَهَذَا قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا زَكَاةَ فِي ذَلِكَ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِ: لَا زَكَاةَ فِي كُلِّ حُلِيٍّ أُعِدَّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، لِرَجُلٍ كَانَ أَوْ امْرَأَةٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُخَرَّجُ جَوَازُ لُبْسِ خَاتَمَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمِيعًا.
وَمِنْهَا: يُسْتَحَبُّ التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ، عِنْدَ صَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْآدَابِ.
وَلَمْ يَسْتَحِبَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَقَدْ سَأَلَهُ مَا السُّنَّةُ؟ يَعْنِي فِي التَّخَتُّمِ فَقَالَ: لَمْ تَكُنْ خَوَاتِيمُ الْقَوْمِ إلَّا فِضَّةً.
قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ، وَقَدْ ذَكَرَهَا كُلَّهَا ابْنُ رَجَبٍ، وَأَعَلَّهَا فِي كِتَابِهِ.
وَمِنْهَا: فَصُّ الْخَاتَمِ إنْ كَانَ ذَهَبًا، وَكَانَ يَسِيرًا، فَإِنْ قُلْنَا: بِإِبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ، فَلَا كَلَامَ.
وَإِنْ قُلْنَا: بِعَدَمِ إبَاحَتِهِ، فَهَلْ يُبَاحُ هُنَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: التَّحْرِيمُ أَيْضًا، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَنْعِ مِسْمَارِ الذَّهَبِ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْإِبَاحَةُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْمَجْدِ، وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْعِلْمِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ.
وَمِنْهَا: يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْخَاتَمِ ذِكْرُ اللَّهِ: قُرْآنٌ، أَوْ غَيْرُهُ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِذَلِكَ، فَلَا كَرَاهَةَ هُنَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ فِي الْكَرَاهَةِ دَلِيلًا إلَّا قَوْلَهُ: لِدُخُولِ الْخَلَاءِ بِهِ، وَالْكَرَاهَةُ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ: كِتَابَةُ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى خَوَاتِيمِهِمْ.
ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ حِينَ قَالَ لِلنَّاسِ «إنِّي اتَّخَذْت خَاتَمًا، وَنَقَشْت فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا يَنْقُشُ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِي» لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ نَقْشِهِمْ " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " لَا عَنْ غَيْرِهِ.
قَالَ فِي
الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ مَا وَرَدَ: لَا يُكْرَهُ غَيْرُ ذِكْرِ اللَّهِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَذِكْرِ رَسُولِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُشَ عَلَى الْخَاتَمِ صُورَةَ حَيَوَانٍ.
بِلَا نِزَاعٍ لِلنُّصُوصِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ.
لَكِنْ هَلْ يَحْرُمُ لُبْسُهُ، أَوْ يُكْرَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، فِي آخِرِ الْفُصُولِ، وَحَكَاهُ أَبُو حَكِيمٍ النَّهْرَوَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي الثِّيَابِ وَالْخَوَاتِمِ، وَذَكَرَ النَّصَّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُكْرَهُ، وَلَا يَحْرُمُ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ.
ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَصَحَّحَهُ أَبُو حَكِيمٍ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ
وَمِنْهَا: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لُبْسُ خَاتَمِ حَدِيدٍ وَصُفْرٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ إِسْحَاقُ، وَنَقَلَ مُهَنَّا " أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ ". إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا: كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ.
نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَالْأَثْرَمُ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: تَحْرِيمُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ مَتَى صَلَّى وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ صُفْرٍ: أَعَادَ الصَّلَاةَ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي فَتَاوِيهِ: الدُّمْلُوجُ الْحَدِيدُ، وَالْخَاتَمُ الْحَدِيدُ: نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُمَا، وَأَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَجُوزُ دُمْلُوجٌ مِنْ حَدِيدٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ الْخَاتَمُ، وَنَحْوُهُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ الرَّصَاصَ لَا أَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا وَلَهُ رَائِحَةٌ.
قَوْلُهُ (وَفِي حِلْيَةِ الْمِنْطَقَةِ رِوَايَتَانِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ،
وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ.
إحْدَاهُمَا: يُبَاحُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تُبَاحُ حِلْيَةُ الْمِنْطَقَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تُبَاحُ، فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى قِيَاسِهَا الْجَوْشَنُ وَالْخُوذَةُ وَالْخُفُّ وَالرَّانُ وَالْحَمَائِلُ) ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ فِي الْكَافِي بِإِبَاحَةِ الْكُلِّ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قُلْت: قَدْ حَكَى فِي الْكَافِي عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى: وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَمَائِلِ.
وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْخُفِّ وَالرَّانِ، فَفِيهِمَا الزَّكَاةُ.
كَذَا الْحُكْمُ عِنْدَهُ فِي الكمران وَالْخَرِيطَةِ، وَمَنَعَ الْقَاضِي مِنْ حَمَائِلِ السَّيْفِ، وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمِغْفَرِ وَالنَّعْلِ وَرَأْسِ الرُّمْحِ وَشَعِيرَةِ السِّكِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا أَظْهَرُ لِعَدَمِ الْفَرْقِ.
انْتَهَى.
وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ تَحْلِيَةُ السِّكِّينِ بِالْفِضَّةِ، وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ بِالْإِبَاحَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ عَنْ عَدَمِ الْإِبَاحَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَدَخَلَ فِي الْخِلَافِ تِرْكَاشُ النُّشَّابِ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: وَكَذَلِكَ الْكَلَالِيبُ.
لِأَنَّهُمَا يَسِيرٌ تَابِعٌ.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ أَوَّلَ بَابِ الْآنِيَةِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَا يُبَاحُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، فَلَا يُبَاحُ تَحْلِيَةُ الْمَرَاكِبِ، وَلِبَاسِ الْخَيْلِ، كَاللُّجُمِ وَقَلَائِدِ الْكِلَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى تَحْرِيمِ حِلْيَةِ الرِّكَابِ وَاللِّجَامِ، وَقَالَ: مَا كَانَ سَرْجٌ وَلِجَامٌ زُكِّيَ، وَكَذَا تَحْلِيَةُ الدَّوَاةِ وَالْمِقْلَمَةِ، والكمران، وَالْمِرْآةِ، وَالْمُشْطِ، وَالْمُكْحُلَةِ، وَالْمِيلِ، وَالْمِسْرَجَةِ، وَالْمِرْوَحَةِ، وَالْمِشْرَبَةِ، وَالْمُدْهُنِ، وَكَذَا الْمُسْعُطُ، وَالْمِجْمَرُ، وَالْقِنْدِيلُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قِيلَ.
وَلَا فَرْقَ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَكْرَهُ رَأْسَ الْمُكْحُلَةِ وَحِلْيَةَ الْمِرْآةِ فِضَّةً، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ تَافِهٌ، فَأَمَّا الْآنِيَةُ: فَلَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمٌ، قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُهُ لَا يَحْرُمُ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُضَبَّبِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي حِلْيَةِ جَمِيعِ الْأَوَانِي كَذَلِكَ.
قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
وَسَبَقَ فِي بَابِ الْآنِيَةِ مَا حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ فِي كِتَابِهِ اللَّطِيفِ.
الثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ تَحْلِيَةُ مَسْجِدٍ وَمِحْرَابٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ نَحْوِهِ قِنْدِيلُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، وَيَحْرُمُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، فَيُكْسَرُ وَيُصْرَفُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَتِهِ.
انْتَهَى.
وَيَحْرُمُ أَيْضًا: تَمْوِيهُ سَقْفٍ وَحَائِطٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ؛ لِأَنَّهُ سَرَفٌ وَخُيَلَاءُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ الْخِلَافُ السَّابِقُ عَلَى إبَاحَتِهِ تَبَعًا.
تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: حَيْثُ قُلْنَا: يَحْرُمُ، وَجَبَتْ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ، وَإِنْ اُسْتُهْلِكَ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَذَهَابِ الْمَالِيَّةِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ مِنْ الْفِضَّةِ
إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْأَصْحَابُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِيهِ: وَلَا أَعْرِفُ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْفِضَّةِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، وَكَلَامُ شَيْخِنَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ لُبْسِهَا لِلرِّجَالِ، إلَّا مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: لُبْسُ الْفِضَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظٌ عَامٌ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مِنْهُ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَإِذَا أَبَاحَتْ السُّنَّةُ خَاتَمَ الْفِضَّةِ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ.
وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ فِي تَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ، وَالتَّحْرِيمُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَنَصَرَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَرَدَّ جَمِيعَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْأَصْحَابُ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ) هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: كَانَ فِي سَيْفِ عُمَرَ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَ فِي سَيْفِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: جَعَلَ أَصْحَابُنَا الْجَوَازَ مَذْهَبَ أَحْمَدَ.
قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يُبَاحُ فِي الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالنَّظْمِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ، وَعَنْهُ لَا يُبَاحُ، قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
تَنْبِيهٌ: حَكَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ: عَدَمَ الْإِبَاحَةِ احْتِمَالًا، وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ وَجْهَيْنِ.
كَصَاحِبِ الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَيَّدَ ابْنُ عَقِيلٍ الْإِبَاحَةَ بِالْيَسِيرِ، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ثَمَانِيَةُ مَثَاقِيلَ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَتِهِ فِي السَّيْفِ، وَتَقَدَّمَ مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سَيْفِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَقِيلَ: يُبَاحُ الذَّهَبُ فِي السِّلَاحِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ.
وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقِيلَ: كُلُّ مَا أُبِيحَ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ، أُبِيحَ تَحْلِيَتُهُ بِذَهَبٍ.
كَذَا تَحْلِيَةُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ بِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ، تَبَعًا لَا مُفْرَدًا، كَالْخَاتَمِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ يَسِيرُهُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَقِيلَ: ضَرُورَةً.
قُلْت: أَوْ حَاجَةً لَا ضَرُورَةً.
انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ بَابِ الْآنِيَةِ.
وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ (وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ) ، كَالطَّوْقِ، وَالْخَلْخَالِ، وَالسِّوَارِ، وَالدُّمْلُوجِ، وَالْقُرْطِ، وَالْعِقْدِ، وَالْمُقَلَّدَةِ، وَالْخَاتَمِ، وَمَا فِي الْمُخَانِقِ مِنْ حَرَائِزَ وَتَعَاوِيذَ، وَأُكَرَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
حَتَّى قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمْ: وَتَاجٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُطْلَقًا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى: إذَا بَلَغَ أَلْفًا، فَهُوَ كَثِيرٌ، فَيَحْرُمُ لِلسَّرَفِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ عَنْ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الذَّهَبِ.
كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ.
كَذَا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمْ، فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.
وَعَنْهُ أَيْضًا أَلْفُ مِثْقَالٍ كَثِيرٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَعَنْهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ كَثِيرٌ، وَأَبَاحَ الْقَاضِي أَلْفَ مِثْقَالٍ فَمَا دُونُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ الْمُعْتَادُ.
لَكِنْ
إنْ بَلَغَ الْخَلْخَالُ وَنَحْوُهُ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لِسَرَفٍ أَوْ مُبَاهَاةٍ كُرِهَ وَزُكِّيَ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: جَوَازُ تَحْلِيَةِ الْمَرْأَةِ بِدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ وَفِي مُرْسَلَةٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهَا بِذَلِكَ، فَعَلَيْهَا الزَّكَاةُ فِيهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُذْهَبِ.
قُلْت: قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا، فَلَبِسَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي مُرْسَلَةٍ: فِي حِنْثِهِ وَجْهَيْنِ، جَزَمَ فِي الْوَجِيزِ بِعَدَمِ الْحِنْثِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ.
وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: الْحِنْثَ، فَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، فَمَنْ كَانَ عُرْفُهُمْ وَعَادَتُهُمْ اتِّخَاذَ ذَلِكَ حُلِيًّا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَيَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَا حِنْثَ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: لَا زَكَاةَ فِي الْجَوْهَرِ، وَاللُّؤْلُؤِ.
وَلَوْ كَانَ فِي حُلِيٍّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِتِجَارَةٍ، فَيُقَوَّمُ جَمِيعُهُ تَبَعًا، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيِّ جَوْهَرٍ، وَعَنْهُ وَلُؤْلُؤٍ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لِتِجَارَةٍ أَوْ سَرَفٍ.
مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَإِنْ كَانَ لِلْكِرَاءِ فَوَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ.
قُلْت: الصَّوَابُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَدَمُ الْوُجُوبِ.
الثَّانِيَةُ: يُبَاحُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ لِلتَّشَبُّهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ غَيْرُ تَخَتُّمِهِ بِذَلِكَ.
الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَهِيَ تَشَبُّهُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ يَحْرُمُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَمَرَّتْ بِهِ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا قَبَاءٌ، فَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ.
قُلْت: تَكْرَهُهُ؟ قَالَ: كَيْفَ لَا أَكْرَهُهُ جِدًّا.
وَقَدْ «لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» . قَالَ: وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنْ يَصِيرَ لِلْمَرْأَةِ مِثْلُ جَيْبِ الرِّجَالِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ.
وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ، وَالنِّهَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرُهُمْ فِي لُبْسِ الْمَرْأَةِ الْعِمَامَةَ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ إنْكَارُ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَعَكْسِهِ، وَاحْتَجَّ بِمَا نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد " وَلَا يُلْبِسُ خَادِمَتَهُ شَيْئًا مِنْ زِيِّ الرِّجَالِ.
لَا يُشَبِّهُهَا بِهِمْ " وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يُخَاطُ لَهَا مَا كَانَ لِلرَّجُلِ وَعَكْسُهُ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ: يُكْرَهُ التَّشَبُّهُ وَلَا يَحْرُمُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، مَعَ جَزْمِهِمْ بِتَحْرِيمِ اتِّخَاذِ أَحَدِهِمَا حُلِيَّ الْآخَرِ لِيَلْبَسَهُ، مَعَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ الَّذِي عَنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ بِكَلَامِهِ السَّابِقِ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: تَكْرَهُ صَلَاةُ أَحَدِهِمَا بِلِبَاسِ الْآخَرِ لِلتَّشَبُّهِ.
[بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ]
ِ قَوْلُهُ (وَتُؤْخَذُ مِنْهَا لَا مِنْ الْعُرُوضِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ عَيْنِهَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ (وَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ بِهَا، فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ، أَوْ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.
ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ بِهَا لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرَضٌ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَاهُ لِلْقِنْيَةِ، ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ.
لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْكَافِي وَالْفُرُوعِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ لَا يَنْقُلُ عَنْ الْأَصْلِ، كَنِيَّةِ إسَامَةِ الْمَعْلُوفَةِ، وَنِيَّةِ الْحَاضِرِ لِسَفَرَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ أَنَّ الْعَرَضَ يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَابْنُ إبْرَاهِيمَ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ، وَالرَّوْضَةِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْدَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " إلَّا أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ " الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيمَا مَلَكَهُ الْمُعَاوَضَةُ، فَحُصُولُهُ بِالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْهِبَةِ وَالْغَنِيمَةِ كَالْبَيْعِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَمْلِكَهَا بِعِوَضٍ عَلَى الْأَصَحِّ
وَقِيلَ: تُعْتَبَرُ الْمُعَاوَضَةُ سَوَاءٌ تَمَحَّضَتْ، كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا أَوْ لَا، كَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ وَصُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَهَذَا نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَوْ مَلَكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَالْهِبَةِ وَالْغَنِيمَةِ وَنَحْوِهِمَا: لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِعِوَضٍ.
أَشْبَهَ الْمَوْرُوثَ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنْ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ بِلَا عِوَضٍ، كَوَصِيَّةٍ وَهِبَةٍ مُطْلَقَةٍ وَغَنِيمَةٍ وَاحْتِشَاشٍ وَاحْتِطَابٍ وَاصْطِيَادٍ، أَوْ بِعِوَضٍ غَيْرِ مَالِيٍّ، كَدِيَةٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ وَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ زَادَ فِي الْكُبْرَى أَوْ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ بِلَا عَقْدٍ، كَرَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ فَسْخٍ، أَوْ أَخْذِهِ بِشُفْعَةٍ فَوَجْهَانِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْعِوَضِ نَقْدًا.
ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً فِيمَا إذَا مَلَكَ عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ بِغَرَضِ قِنْيَةٍ لَا زَكَاةٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَهِيَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يَخْرُجُ مِنْهَا اعْتِبَارُ كَوْنِ بَدَلِهِ نَقْدًا أَوْ عَرَضَ تِجَارَةٍ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: مَعْنَى " نِيَّةِ التِّجَارَةِ " أَنْ يَقْصِدَ التَّكَسُّبَ بِهِ بِالِاعْتِيَاضِ عَنْهُ لَا بِإِتْلَافِهِ، أَوْ مَعَ اسْتِبْقَائِهِ، فَإِذَا اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يَصْبُغُ بِهِ وَيَبْقَى، كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ وَعُصْفُرٍ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ عَرَضُ تِجَارَةٍ يُقَوِّمُهُ عِنْدَ حَوْلِهِ.
كَذَا لَوْ اشْتَرَى دَبَّاغٌ مَا يَدْبُغُ بِهِ، كَعَفْصٍ وَقَرْضٍ، وَمَا يُدْهَنُ بِهِ، كَسَمْنٍ وَمِلْحٍ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَقَالَ أَيْضًا: لَا زَكَاةَ فِيمَا لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ، كَالْحَطَبِ وَالْمِلْحِ وَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ وَالْقُلِّ وَالنُّورَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ فِي آلَاتِ الصَّبَّاغِ، وَأَمْتِعَةِ النَّجَّارِ، وَقَوَارِيرِ الْعَطَّارِ وَالسَّمَّانِ وَنَحْوِهِمْ، إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بَيْعَهَا بِمَا فِيهَا، وَكَذَا آلَاتُ الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ لِحِفْظِهَا، وَإِنْ كَانَ بَيْعُهَا مَعَهَا فَهِيَ مَالُ تِجَارَةٍ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا مَلَكَهُ عَيْنَ مَالٍ.
بَلْ مَنْفَعَةُ عَيْنٍ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ.
عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ فِيهِ كَمَا لَوْ نَوَاهَا بِدَيْنٍ حَالٍّ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ بَاعَ عَرَضَ قِنْيَةٍ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ نَاوِيًا التِّجَارَةَ.
صَارَ لِلتِّجَارَةِ.
ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَلَوْ اشْتَرَى عَرَضَ تِجَارَةٍ بِعَرَضِ قِنْيَةٍ، فَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ: انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَمِثْلُهُ: لَوْ بَاعَ عَرَضَ تِجَارَةٍ بِعَرْضِ قِنْيَةٍ فَرُدَّ عَلَيْهِ.
قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدَ تِجَارَةٍ خَطَأً فَصَالَحَ عَلَى مَالٍ صَارَ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي التَّخْرِيجِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَلَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِلتِّجَارَةِ فَتَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّلَ: عَادَ حُكْمُ التِّجَارَةِ، وَلَوْ مَاتَتْ مَاشِيَةُ التِّجَارَةِ فَدَبَغَ جُلُودَهَا وَقُلْنَا: تَطْهُرُ فَهِيَ عَرَضُ تِجَارَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا.
الْخَامِسَةُ: تَقْطَعُ نِيَّةُ الْقِنْيَةِ حَوْلَ التِّجَارَةِ، وَتَصِيرُ لِلْقِنْيَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ كَالْإِقَامَةِ مَعَ السَّفَرِ، وَقِيلَ: لَا تَقْطَعُ إلَّا الْمُمَيِّزَةُ، وَقِيلَ: لَا تَقْطَعُ نِيَّةٌ مُحَرَّمَةٌ كَنَاوِ مَعْصِيَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْهَا، فَفِي بُطْلَانِ أَهْلِيَّتِهِ لِلشَّهَادَةِ خِلَافٌ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
قَوْلُهُ (وَتُقَوَّمُ الْعُرُوض عِنْدَ الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
أَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ أَوْ لَا.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: تُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَبِالْأَحَظِّ.
وَعَنْهُ لَا يُقَوَّمُ نَقْدٌ بِنَقْدٍ آخَرَ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا: لَا يُبْنَى حَوْلُ نَقْدٍ عَلَى حَوْلِ نَقْدٍ آخَرَ، فَيُقَوَّمُ بِالنَّقْدِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ.
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: مَا قَوَّمَهُ بِهِ لَا عِبْرَةَ بِتَلَفِهِ إلَّا قَبْلَ التَّمَكُّنِ.
فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ: وَلَا عِبْرَةَ أَيْضًا بِنَقْصِهِ بَعْدَ تَقْوِيمِهِ وَلَا بِزِيَادَتِهِ إلَّا قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَإِنَّهُ كَتَلَفِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَمْ تُؤَثِّرْ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهُ كَنِتَاجِ الْمَاشِيَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ بَلَغَتْ قِيمَةُ الْعُرُوضِ بِكُلِّ نَقْدٍ نِصَابًا قُوِّمَ بِالْأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُصَنِّفِ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُمْ.
وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ.
قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَابْنُ تَمِيمٍ.
وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَقِيلَ: يُقَوَّمُ بِفِضَّةٍ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ اتَّجَرَ فِي الْجَوَارِي لِلْغِنَاءِ قَوَّمَهُنَّ سَوَاذِجَ، وَلَوْ اتَّجَرَ فِي الْخُصْيَانِ قَوَّمَهُمْ عَلَى صِفَتِهِمْ، وَلَوْ اتَّجَرَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَمْ يُنْظَرْ إلَى الْقِيمَةِ، وَهُوَ عَاصٍ بِذَلِكَ، بَلْ تَحْرِيمُ الْآنِيَةِ أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ.
لِتَحْرِيمِهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَالْخِرَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ، وَمُرَادُهُ: التَّحْرِيمُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " وَالْمُتَّخِذُ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَاصٍ، وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ " وَذَلِكَ مُصْطَلَحُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي إطْلَاقِهِمْ " الْكَرَاهَةَ " وَإِرَادَتِهِمْ التَّحْرِيمَ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فِي إرَادَةِ الْخِرَقِيِّ ذَلِكَ، وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَفِي جَامِعِ الْقَاضِي وَالْوَسِيلَةِ: ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ.
تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ضَمُّ الْعُرُوضِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقْدَيْنِ، وَضَمُّ النَّقْدَيْنِ إلَى الْعُرُوضِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ) وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ فِيهِمَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِلتِّجَارَةِ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِلْقِنْيَةِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَبْنِي فِي الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: لَا يَبْنِي.
قَوْلُهُ (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ دُونَ السَّوْمِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ دُونَ التِّجَارَةِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى لِلْإِجْمَاعِ، وَتَعَلُّقُهَا بِالْعَيْنِ، لَكِنْ إنْ نَقَصَ نِصَابُهُ وَجَبَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُزَكِّيَ بِالْأَحَظِّ مِنْهُمَا لِلْفُقَرَاءِ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِي الْأَمْثِلَةِ فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يُزَكِّي النِّصَابَ لِلْعَيْنِ، وَالْوَقْصَ لِلْقِيمَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ سَوَاءٌ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا أَوْ لَا.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: قَدَّمَ السَّابِقَ فِي حَوْلِ السَّائِمَةِ أَوْ التِّجَارَةِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ زَكَاتِهِ بِلَا مُعَارِضٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ) كَأَرْبَعِينَ شَاةً.
قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْنِ، أَوْ دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي عَكْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ مِنْ الْغَنَمِ قِيمَتُهَا مِائَتَا
دِرْهَمٍ، أَوْ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ.
هَذَا الْمَذْهَبُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَا خِلَافَ فِيهِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُقَدَّمُ مَا تَمَّ نِصَابُهُ، بَلْ يَغْلِبُ حُكْمُ مَا يَغْلِبُ إذَا اجْتَمَعَ النِّصَابَانِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى إسْقَاطِ الزَّكَاةِ.
قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْخِلَافِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ شَيْخِهِ مِنْ أَنَّهُ مَتَى نَقَصَتْ قِيمَةُ الْأَرْبَعِينَ شَاةً عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَلَا شَيْءَ فِيهَا، قَالَ الْمَجْدُ: وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ إنْ نَقَصَ نِصَابُ السَّوْمِ وَجَبَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ.
انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ: هَذَا الْحُكْمُ الْمُتَقَدِّمُ فِيمَا إذَا لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ كُلَّ الْحَوْلِ] وَهَذَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ حَوْلُ السَّوْمِ، فَأَمَّا إنْ سَبَقَ حَوْلُ السَّوْمِ، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، فَلَا زَكَاةَ مُطْلَقًا، حَتَّى يَتِمَّ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ يَبْلُغُ النِّصَابُ فِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَفِي وَجْهٍ آخَرَ تَجِبُ زَكَاةُ السَّوْمِ عِنْدَ حَوْلِهِ، فَإِذَا حَالَ حَوْلُ التِّجَارَةِ وَجَبَتْ زَكَاةُ الزَّائِدِ عَلَى النِّصَابِ قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الشَّرْحِ، وَمَال إلَيْهِ، وَكَذَا حَكَى الْمُصَنِّفُ إذَا سَبَقَ حَوْلُ السَّوْمِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَأَمَّا إنْ نَقَصَ عَنْ نِصَابِ جَمِيعِ الْحَوْلِ وَجَبَتْ زَكَاةُ السَّوْمِ، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
لِئَلَّا يَسْقُطَ بِالْكُلِّيَّةِ، صَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ زَكَاةُ السَّوْمِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ مَلَكَ سَائِمَةً لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ، اسْتَأْنَفَ حَوْلًا وَلَمْ يَبْنِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ حَتَّى لَوْ وُجِدَ سَبَبُ
الزَّكَاةِ بِلَا مُعَارِضٍ، وَبَنَاهُ الْمَجْدُ عَلَى تَقْدِيمِ مَا وُجِدَ نِصَابُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهَانِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا أَوْ نَخْلًا لِلتِّجَارَةِ، فَأَثْمَرَ النَّخْلُ وَزُرِعَتْ الْأَرْضُ، فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، وَيُزَكِّي الْأَصْلَ لِلتِّجَارَةِ) . يَعْنِي إذَا اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَذَكَرَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: أَنَّ جَدَّهُ أَبَا الْمَعَالِي ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ.
قُلْت: جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْبُلْغَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَنَصَرَهُ.
قَوْلُهُ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ فَيُخْرِجُهُ) . اعْلَمْ أَنَّهُ تَارَةً يَتَّفِقُ حَوْلُ التِّجَارَةِ وَالْعُشْرِ فِي الْوُجُوبِ، بِأَنْ يَكُونَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرَةِ وَاشْتِدَادُ الْحَبِّ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْأَصْلِ تَبْلُغُ نِصَابَ التِّجَارَةِ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي فِيهَا الْخِلَافُ، وَتَارَةً يَخْتَلِفَانِ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ، مِثْلَ أَنْ يَسْبِقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ، أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ يَتَّفِقَانِ، وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا دُونَ نِصَابٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَ السَّبْقِ هُنَا حُكْمُ مَا لَوْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِلتِّجَارَةِ، وَسَبَقَ حَوْلُ
أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَحُكْمُ تَقْدِيمِ مَا كَمُلَ نِصَابُهُ هُنَا حُكْمُ مَا لَوْ وَجَدَ نِصَابَ أَحَدِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَا: وَإِنْ اخْتَلَفَ وَقْتُ الْوُجُوبِ، أَوْ وُجِدَ نِصَابُ أَحَدِهِمَا فَكَمَسْأَلَةِ سَائِمَةِ التِّجَارَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي تَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ، وَتَقْدِيمُ مَا تَمَّ نِصَابُهُ.
انْتَهَيَا.
وَقِيلَ: يُزَكِّي عُشْرَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ إذَا سَبَقَ وُجُوبُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: فَلَوْ سَبَقَ نِصَابُ الْعُشْرِ وَجَبَ الْعُشْرُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَمَسْأَلَةِ السَّائِمَةِ الَّتِي لِلتُّجَّارِ، وَقَطَعَ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةُ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ السَّائِمَةِ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ.
تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: حَيْثُ أَخْرَجَ الْعُشْرَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى زَكَاةِ الْأَصْلِ، وَحَيْثُ أَخْرَجَ عَنْ الْأَصْلِ وَالثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ زَكَاةَ الْقِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عُشْرٌ لِلزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ.
لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا سَبَقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ حَوْلَ التِّجَارَةِ: أَنَّ عَلَيْهِ الْعُشْرَ مَعَ إخْرَاجِهِ عَنْ الْجَمِيعِ زَكَاةَ الْقِيمَةِ.
وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِي الْكُلِّ، أَوْ فِي الْأَصْلِ دُونَ النَّمَاءِ إذَا اتَّفَقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ وَزَكَاةِ التِّجَارَةِ.
الثَّانِي: فَعَلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ: يَسْتَأْنِفُ حَوْلَ التِّجَارَةِ عَلَى زَرْعٍ وَثَمَرٍ مِنْ الْحَصَادِ وَالْجِدَادِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَنْتَهِي وُجُوبُ الْعُشْرِ الَّذِي لَوْلَاهُ لَكَانَا جَارِيَيْنِ فِي حَوْلِ التُّجَّارِ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ، قَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَأْنِفُ عَلَيْهِمَا الْحَوْلَ حَتَّى يُبَاعَا، فَيَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهِمَا الْحَوْلَ كَمَالِ الْقِنْيَةِ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي شَرْحِ الْمَجْدِ، وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى مَالِ الْقِنْيَةِ.