الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويصفحات 129-168
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:

صفحات 129-168
عن هذه الطبعة
عَلَم
المرداوي
الكتاب
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
المؤلف
علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الطبعة
الثانية - بدون تاريخ
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ الْمُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ) اعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَمْدًا، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ، وَتَبْطُلُ بِهِ أَيْضًا سَهْوًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَحَكَاهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ إجْمَاعًا، وَحَكَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي سَهْوِهِ رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ سَهْوًا لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ مَشَى وَتَكَلَّمَ، وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَكْثَرِ: إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (فَإِنْ طَالَ الْفِعْلُ فِي الصَّلَاةِ أَبْطَلَهَا) وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ حَدُّ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ فَلْيُعَاوَدْ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ عَمَلِ الْجَاهِلِ فِي الصَّلَاةِ هُنَاكَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ، لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْوَجِيزِ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ لِحَاجَةٍ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ) إذَا أَكَلَ عَمْدًا: فَتَارَةً يَكُونُ فِي نَفْلٍ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي فَرْضٍ فَإِنْ كَانَ

فِي فَرْضٍ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعُوا بِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، وَحَكَى فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا بِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِشُرْبٍ يَسِيرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْلٍ: فَتَارَةً يَكُونُ كَثِيرًا، وَتَارَةً يَكُونُ يَسِيرًا فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهَا تَبْطُلُ أَيْضًا، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْكَافِي بَعْدَ أَنْ قَدَّمَهُ هَذَا أَوْلَى قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ قَالَ فِي الْحَوَاشِي: قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَنَصَرَهُ فَهُوَ إذَنْ الْمَذْهَبُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ وَشَرْحِ الْمَجْدِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ بِالْأَكْلِ فَقَطْ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هِيَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ إذَا كَانَ يَسِيرًا) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِالْأَكْلِ فَقَطْ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ سَهْوًا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ كَثِيرًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ الْفَرْضُ فَقَطْ.
فَوَائِدُ.
مِنْهَا: الْجَهْلُ بِذَلِكَ كَالسَّهْوِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ،

وَقَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ الْجَهْلَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ فِي فَمِهِ سُكَّرٌ أَوْ نَحْوُهُ مُذَابٌ وَبَلَعَهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ كَالْأَكْلِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَهُمَا، وَذَكَرَ فِي الْمُذْهَبِ فِي النَّفْلِ رِوَايَتَيْنِ قَالَ: وَكَذَا لَوْ فَتَحَ فَاهُ فَنَزَلَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ فَابْتَلَعَهُ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ بَلَعَ مَاءً وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ مَاءِ مَطَرٍ لَمْ تَبْطُلْ، وَمِنْهَا: لَوْ بَلَعَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّيقُ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: مَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ مِنْ ذَلِكَ يُفْسِدُ ابْتِلَاعُهُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِقِرَاءَتِهِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا عَمْدًا اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو الْفَرَجِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِهِ عَمْدًا مُطْلَقًا، ذُكِرَ هَذَا الْوَجْهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ بِالْعَمْدِيَّةِ: يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ.
تَنْبِيهٌ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ: غَيْرُ السَّلَامِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا سَلَّمَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا قَوْلُهُ (وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ) يَعْنِي إذَا قُلْنَا: لَا يَبْطُلُ بِالْعَمْدِيَّةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ

قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْكَافِي، إحْدَاهُمَا: يُشْرَعُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ: وَيُسْتَحَبُّ لِسَهْوِهِ، عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: يُشْرَعُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذِهِ أَقْوَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَنَصَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُشْرَعُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْأَوْلَى تَرْكُهُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا أَبْطَلَهَا) بِلَا نِزَاعٍ فَإِنْ كَانَ سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا: أَتَمَّهَا وَسَجَدَ، بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ تَكَلَّمَ، عَلَى مَا يَأْتِي ذَلِكَ مُفَصَّلًا، وَشَرَطَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ أَيْضًا: عَدَمَ الْحَدَثِ فَإِنْ أَحْدَثَ بَطَلَتْ، وَلَوْ كَانَ الْفَصْلُ يَسِيرًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْحَدَثِ هُنَا حُكْمَ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ.
هَلْ يَبْنِي مَعَهُ أَوْ يَسْتَأْنِفُ، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ حَدَثِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا؟ عَلَى الْخِلَافِ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُهُ كَالصَّرِيحِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ كَانَ سَلَامُهُ ظَنًّا أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ انْقَضَتْ أَمَّا لَوْ كَانَ السَّلَامُ مِنْ الْعِشَاءِ يَظُنُّهَا التَّرَاوِيحَ، أَوْ مِنْ الظُّهْرِ يَظُنُّهَا الْجُمُعَةَ، أَوْ الْفَجْرَ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ، وَلَا تَنَاقُضَ عَلَيْهِ؛ لِاشْتِرَاطِ دَوَامِ النِّيَّةِ ذِكْرًا أَوْ حُكْمًا، وَقَدْ زَالَتْ بِاعْتِقَادِ صَلَاةٍ أُخْرَى، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ

قُلْت: يُتَوَجَّهُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَطَلَتْ) هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ فَائِدَةٌ: لَوْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، وَلَكِنْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْأُولَى بَعْدَ قَطْعِ مَا شَرَعَ فِيهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَالْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: يَجْعَلُ مَا يَشْرَعُ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ تَمَامًا لِلصَّلَاةِ الْأُولَى فَيَبْنِي إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَيَصِيرُ وُجُودُ السَّلَامِ كَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ سَهْوٌ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْهُ تَبْطُلُ الْأُولَى، إنْ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ نَفْلًا وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ تَبْطُلُ الْأُولَى مُطْلَقًا.
نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ وَمُهَنَّا، وَهُوَ الَّذِي فِي الْكَافِي، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَرَكَ رُكْنًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا بَعْدَ سَلَامِهِ.

قَوْلُهُ (أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) يَعْنِي إذَا ظَنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ وَتَكَلَّمَ عَمْدًا لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، كَقَوْلِهِ: يَا غُلَامُ، اسْقِنِي مَاءً وَنَحْوَهُ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: بُطْلَانُ الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا جَمَاعَةٌ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ.
إحْدَاهُنَّ لَا تَبْطُلُ) نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ،

وَأَجَابَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ الْقِصَّةِ: بِأَنَّهَا كَانَتْ حَالَةَ إبَاحَةِ الْكَلَامِ، وَضَعَّفَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ حُرِّمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ، أَوْ بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَوْ أَمْكَنَهُ إصْلَاحُ الصَّلَاةِ بِإِشَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَتَكَلَّمَ فَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ: تَبْطُلُ.
(وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ تَبْطُلُ) وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْحُسَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ: هِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، (وَالثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، دُونَ الْإِمَامِ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ) فَعَلَى هَذِهِ: الْمُنْفَرِدُ كَالْمَأْمُومِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: لَا تَبْطُلُ إذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا سَهْوًا اخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَفِي الْمُحَرَّرِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْفَائِقِ وَنَصَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) إنْ كَانَ عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا بِغَيْرِ السَّلَامِ، فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ أَيْضًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إذَا تَكَلَّمَ سَهْوًا فَرِوَايَاتٌ أَشْهَرُهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي، وَغَيْرِهِمَا الْبُطْلَانُ وَنَصَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ إذَا كَانَ سَاهِيًا اخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالنَّظْمِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، [وَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ فِي الْفُرُوعِ إطْلَاقَ الْخِلَافِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ

وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَشَرْحِ الْمَجْدِ وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا تَبْطُلُ إذَا تَكَلَّمَ سَهْوًا لِمَصْلَحَتِهَا، وَمَنْ اخْتَارَهَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ، أَوْ الْإِبْطَالِ بِهِ: فَهَلْ هُوَ كَالنَّاسِي، أَمْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ فَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ النَّاسِي، فِيهِ رِوَايَتَانِ فَالْمُصَنِّفُ جَعَلَ الْجَاهِلَ كَالنَّاسِي وَقَدَّمَ أَنَّهُ كَكَلَامِ الْعَامِدِ.
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كَالنَّاسِي: فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ مَا فِي النَّاسِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِي الْمُقْنِعِ قَالَ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَتَيْنِ: وَفِي كَلَامِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ رِوَايَتَانِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَرَّجَ فِيهِ رِوَايَةُ النَّاسِي.
انْتَهَى.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كَلَامَ الْجَاهِلِ لَا يُبْطِلُ، وَإِنْ أَبْطَلَ كَلَامُ النَّاسِي وَجَزَمَ ابْنُ شِهَابٍ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي الْجَاهِلِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَلَا يُبْطِلُهَا كَلَامُ الْجَاهِلِ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا يُبْطِلُهَا كَلَامُ النَّاسِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَحَكَى الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ فِي الْخِلَافِ وَجْهَيْنِ، وَحَكَاهُمَا فِي الْفُرُوعِ رِوَايَتَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: لَا أَعْرِفُ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِي ذَلِكَ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهُمَا: قَسَّمَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُتَكَلِّمَ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ يَظُنُّ تَمَامَ صَلَاتِهِ فَيُسَلِّمَ، ثُمَّ يَتَكَلَّمَ إمَّا لِمَصْلَحَتِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا.
الثَّانِي: مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ فَحَكَى فِي الْأَوَّلِ إذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، وَحَكَى فِي الثَّانِي رِوَايَتَيْنِ

وَهَذِهِ إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ لِلْأَصْحَابِ، وَاخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْكَلَامِ هُنَا قَدْ تَكُونُ أَشَدَّ كَإِمَامٍ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ وَنَحْوَهَا فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إعْلَامِ الْمَأْمُومِينَ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ فِي الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَقَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، الثَّانِيَةُ: اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ، وَابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْكَلَامِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَإِذَا قُلْنَا: تَبْطُلُ بِكَلَامِ النَّاسِي فَكَذَا كَلَامُ الْمُكْرَهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ أَنْدَرُ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَبْطُلُ بِخِلَافِ النَّاسِي قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالنَّاسِي كَالْمُتَعَمِّدِ، وَكَذَا جَاهِلٌ وَمُكْرَهٌ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنْهُ لَا فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ عِنْدَهُ الْبُطْلَانُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ قُلْنَا لَا يُعْذَرُ النَّاسِي فَفِي الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ: مُطْلَقًا وَجْهَانِ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا تَبْطُلُ بِكَلَامِ النَّاسِي، وَلَا بِكَلَامِ الْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ إذَا كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَيْهِمَا يَخْرُجُ سَبْقُ اللِّسَانِ، وَكَلَامُ الْمُكْرَهِ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: أَلْحَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُكْرَهَ بِالنَّاسِي، وَقَالَ الْقَاضِي: بَلْ أَوْلَى بِالْعَفْوِ مِنْ النَّاسِي، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَنَصَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ مَا قَالَهُ الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، الثَّالِثَةُ: لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ كَمَا لَوْ خَافَ عَلَى ضَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، فَتَكَلَّمَ مُحَذِّرًا لَهُ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.

قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ صِحَّةَ صَلَاةِ مَنْ أَجَابَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوُجُوبِ الْكَلَامِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا لَمْ يَجِبْ عَيْنًا، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لُزُومُ الْإِجَابَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمْنَعُ الْفَسَادَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَأَى مَنْ يَقْتُلُ رَجُلًا مَنَعَهُ فَإِذَا فَعَلَ فَسَدَتْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ وَجَبَ الْكَلَامُ لِتَحْذِيرِ مَعْصُومٍ ضَرِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ لَا تَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ عَنْ وُقُوعِهِ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الْعَفْوُ وَالْبِنَاءُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ.

الرَّابِعَةُ: لَوْ نَامَ فِيهَا فَتَكَلَّمَ، أَوْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ حَالَ قِرَاءَتِهِ، أَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ أَوْ عُطَاسٌ، أَوْ تَثَاؤُبٌ وَنَحْوُهُ فَبَانَ حَرْفَانِ: لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ النَّاسِي، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْهُ ذَلِكَ بَطَلَتْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ كَالنَّفْخِ وَأَوْلَى.
الْخَامِسَةُ: حَيْثُ قُلْنَا لَا تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ، فَمَحَلُّهُ فِي الْكَلَامِ الْيَسِيرِ، وَأَمَّا الْكَلَامُ الْكَثِيرُ: فَتَبْطُلُ بِهِ مُطْلَقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: هُوَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْكَلَامِ وَكَثِيرِهِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَلَامِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي حَقِّ النَّاسِي، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ طَالَ مِنْ النَّاسِي أَفْسَدَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا هُوَ وَالزَّرْكَشِيُّ.

تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَإِنْ قَهْقَهَ فَبَانَ حَرْفَانِ فَهُوَ كَالْكَلَامِ) أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، أَوْ الرِّوَايَتَيْنِ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَشَرْحِهَا لِلْمَجْدِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْكَلَامِ، وَلَوْ لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَحَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ إجْمَاعًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ قَوْلُهُ (أَوْ نَفَخَ فَبَانَ حَرْفَانِ فَهُوَ كَالْكَلَامِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ النَّفْخَ لَيْسَ كَالْكَلَامِ، وَلَوْ بَانَ حَرْفَانِ فَأَكْثَرُ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ: أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَصَرُوهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْحَرْفَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، قَوْلُهُ (أَوْ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ) فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَقِيلَ: إنْ غَلَبَهُ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ أَحْمَدَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ.
.

فَائِدَةٌ: لَوْ اسْتَدْعَى الْبُكَاءَ كُرِهَ كَالضَّحِكِ، وَإِلَّا فَلَا.

أَمَّا إذَا لَحَنَ فِي الصَّلَاةِ: فَيَأْتِي عَنْهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (وَتُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّانِ) قَوْلُهُ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا النَّحْنَحَةُ مِثْلُ ذَلِكَ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ.
فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ فَلَيْسَتْ كَالْكَلَامِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: هِيَ كَالْكَلَامِ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ (فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتْ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا تَبْطُلُ الرَّكْعَةُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى فَمَتَى ذَكَرَ قَبْلَ سُجُودِ الثَّانِيَةِ رَجَعَ فَسَجَدَ لِلْأُولَى، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ سَجَدَ كَانَ السُّجُودُ عَنْ الْأُولَى، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الثَّانِيَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: مَنْ تَرَكَ رُكْنًا نَاسِيًا، فَذَكَرَهُ حِينَ شَرَعَ فِي رُكْنٍ آخَرَ، بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: حَكَى ذَلِكَ رِوَايَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ رِوَايَةٌ بِأَنَّهُ إذَا نَسِيَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ قَرَأَهَا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مَرَّتَيْنِ، وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَإِنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الثَّلَاثِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَاسْتَأْنَفَهَا، وَذَكَرَ

ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ فَأَتَى بِهَا فِيمَا بَعْدَهَا مَرَّتَيْنِ يُعْتَدُّ بِهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَالَ فِي فُنُونِهِ: وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ رَجَعَ إلَى الرَّكْعَةِ الَّتِي قَدْ بَطَلَتْ عَالِمًا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى " غَيْرَ النِّيَّةِ، إنْ قُلْنَا هِيَ رُكْنٌ، وَغَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ وَاضِحٌ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى بَطَلَتْ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَا قَبْلَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا الرُّكْنُ وَلَا تَبْطُلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ إجْمَاعًا، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ أَيْضًا مَا قَبْلَهَا اخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ) يَعْنِي قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ (عَادَ فَأَتَى بِهِ، وَبِمَا بَعْدَهُ) مِثْلُ إنْ قَامَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِيَامَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ قَدْرُ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَلَوْ كَانَ قَامَ مِنْ السَّجْدَةِ وَكَانَ قَدْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ، لَمْ يَجْلِسْ لَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالْوَجْهَيْنِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجْلِسُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: عِنْدِي يَجْلِسُ لِيَأْتِيَ بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ جُلُوسٍ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَأَمَّا إذَا قَامَ وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ: جَلَسَ لَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يُحْتَمَلُ جُلُوسُهُ وَسُجُودُهُ بِلَا جِلْسَةٍ.

قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَلَوْ سَجَدَ سَجْدَةً، ثُمَّ جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَقَامَ قَبْلَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، لَمْ تُجْزِئْهُ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ عَنْ جِلْسَةِ الْفَصْلِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَعِنْدِي يُجْزِئُهُ، وَعَلَّلَهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يُعِدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) يَعْنِي إذَا ذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُعِدْ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ سَهْوًا بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُعِدْ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْمَتْرُوكِ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: يَعْنِي مِنْ تَمَامِ الرَّكْعَةِ فَقَطْ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: فَإِنْ تَرَكَ رُكُوعًا أَوْ سَجْدَةً، فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ جَعَلَهَا أُولَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا عَادَ فَتَمَّمَ الرَّكْعَةَ.
كَمَا لَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ يَأْتِي بِهَا، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَ الِانْحِطَاطِ مِنْ قِيَامِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ فَإِنَّهَا تَلْغُو وَيَجْعَلُ الثَّانِيَةَ أُولَتَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ قَوْلُهُ (وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِتَرْكِ الرُّكْنِ إلَّا بَعْدَ سَلَامِهِ: أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَأَنَّهُ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَقِيلَ: يَأْتِي بِالرُّكْنِ وَبِمَا بَعْدَهُ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَحْسَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ إلَّا بِطُولِ الْفَصْلِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ

وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ: إذَا أَتَى بِذَلِكَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لِتَرْكِ الرُّكْنِ، وَالسَّلَامَ تَبَعٌ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) يَعْنِي يَأْتِي بِهَا، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِقُرْبِ الْفَصْلِ عُرْفًا، وَلَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بِدَوَامِهِ فِي الْمَسْجِدِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ فَلَوْ كَانَ الْفَصْلُ قَرِيبًا، وَلَكِنْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، عَادَ فَأَتَمَّ الْأُولَى، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، بَعْدَ قَطْعِ مَا شَرَعَ فِيهَا، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَسْتَأْنِفُهَا لِتَضَمُّنِ عَمَلِهِ قَطْعَ نِيَّتِهَا، وَعَنْهُ يَسْتَأْنِفُهَا إنْ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ نَفْلًا، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُبْهِجِ: يُتِمُّ الْأَوَّلَةَ مِنْ صَلَاتِهِ الثَّانِيَةِ، وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ فِي الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ (وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَطَلَتْ) وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: إنْ كَانَتَا صَلَاتَيْ جَمْعٍ أَتَمَّهَا تَمَّ سَجَدَ عَقِبَهَا لِلسَّهْوِ عَنْ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ يَسْجُدُ عِنْدَنَا لِلسَّهْوِ.
انْتَهَى.

فَائِدَةٌ: لَوْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ آخِرِ رَكْعَةٍ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ كَانَ سَلَامًا أَتَى بِهِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ تَشَهُّدًا أَتَى بِهِ وَسَجَدَ ثُمَّ سَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا أَتَى بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرُّكْنِ وَبِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بِثَلَاثٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ

تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَأَطْلَقَهُمَا الْخِرَقِيُّ، وَعَنْهُ يَبْنِي عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ، وَنَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ، وَعَنْهُ يَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ، ذَكَرَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي النَّظْمِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّحِيحَ، وَأَنْ يَكُونَ قَوْلًا لِأَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ سَلَامِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ كَمَنْ ذُكِرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، وَأَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، قُلْت: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ، فَلَمْ يَدْرِ حَتَّى سَلَّمَ: أَنَّهُ كَمَنْ تَرَكَ رَكْعَةً، وَهُنَا الْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِذَا كَانَ كَمَنْ تَرَكَ رَكْعَةً، وَالْحَاصِلُ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ رَأْسًا وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَقَالَ: ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: حُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: إنَّمَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ فِيمَنْ تَرَكَ رُكْنًا، فَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى سَلَّمَ: أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ فَأَمَّا عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ فِي الْبِنَاءِ، إذَا ذَكَرَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ: فَإِنَّهُ يَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ إذَا ذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ.
انْتَهَى.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.

فَوَائِدُ.
الْأُولَى: لَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، بَعْدَ أَنْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْخَامِسَةُ أُولَاهُ، وَلَغَا مَا قَبْلَهَا، وَلَا يُعِيدُ الِافْتِتَاحَ فِيهَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ

الثَّانِيَةُ: تَشَهُّدُهُ قَبْلَ سَجْدَتَيْ الْأَخِيرَةِ زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَقَبْلَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مِنْ رَكْعَتَيْنِ جَهِلَهُمَا: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا مِنْ ثَلَاثٍ: صَلَّى ثَلَاثًا، وَإِنْ تَرَكَ مِنْ الْأَوَّلَةَ سَجْدَةً، وَمِنْ الثَّانِيَةِ سَجْدَتَيْنِ وَمِنْ الرَّابِعَةِ سَجْدَةً، وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ: سَجَدَ سَجْدَةً وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ تَرَكَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، أَوْ مِنْ أَرْبَعٍ: أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ كَامِلَةٌ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا فَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَاسِيًا وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا فَهُنَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ لِلتَّشَهُّدِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ، وَلَوْ بَعْدَ قِيَامِهِمْ وَشُرُوعِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ.
الْحَالُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الرُّجُوعَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ يُكْرَهُ الرُّجُوعُ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ قَالَ الشَّارِحُ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ، وَإِنْ رَجَعَ جَازَ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ، وَهُوَ أَصَحُّ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُغْنِي: أَوْلَى وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مِنْهَا وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ، وَعَنْهُ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَرْجِعُ وُجُوبًا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَعَنْهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ

فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ إمَامًا، فَلَمْ يُذَكِّرْهُ الْمَأْمُومُ حَتَّى قَامَ، فَاخْتَارَ الْمُضِيَّ أَوْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ: لَزِمَ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَتَشَهَّدُ الْمَأْمُومُ وُجُوبًا.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ: يَتَشَهَّدُ الْمَأْمُومُ وَلَا يَتْبَعُهُ فِي الْقِيَامِ فَإِنْ تَبِعَهُ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
الْحَالُ الثَّالِثَةُ: ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَهُنَا لَا يَرْجِعُ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ) قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلِّهِ) أَمَّا فِي الْحَالِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ: فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِيهِمَا بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَأَمَّا فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا وَرَجَعَ: فَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ أَيْضًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ السُّجُودُ لِذَلِكَ، وَعَنْهُ إنْ كَثُرَ نُهُوضُهُ سَجَدَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَسْجُدُ إنْ كَانَ انْتَهَى إلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا.
فَائِدَةٌ: لَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ دُونَ الْجُلُوسِ لَهُ، فَحُكْمُهُ فِي الرُّجُوعِ إلَيْهِ حُكْمُ مَا لَوْ نَسِيَهُ مَعَ الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ.

فَائِدَةٌ: حُكْمُ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَوْلِ (رَبِّ اغْفِرْ لِي) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكُلُّ وَاجِبٍ إذَا تَرَكَهُ سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَهُ: حُكْمُ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَيَرْجِعُ إلَى تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: وَمَنْ نَسِيَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ ثُمَّ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِمًا رَجَعَ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ وَيَبْطُلُ.
لِعَمْدِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَالشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ.

وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ، وَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ.
كَمَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ فَقَالَ: وَإِذَا انْتَصَبَ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ فَإِنْ رَجَعَ جَازَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ.
انْتَهَى.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فِيهِمَا: لَوْ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ، وَهُوَ رَاكِعٌ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ بِذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يُدْرِكُهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَفْلٌ كَرُجُوعِهِ إلَى الرُّكُوعِ سَهْوًا.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الشَّكُّ، فَمَتَى شَكَّ: فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَفُرُوعِ الْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَعَنْهُ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: عَلَى هَذَا عَامَّةُ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ يُقَالُ فِي طَوَافٍ وَسَعْيٍ وَرَمْيِ جِمَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ،

قَوْلُهُ (وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإِمَامَ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) ، وَكَذَا قَالَ فِي الْكَافِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، يَعْنُونَ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذِهِ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَقَالَ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتُلِفَ فِي اخْتِيَارِ الْخِرَقِيِّ، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَيَأْخُذُ مُنْفَرِدٌ بِيَقِينِهِ، وَإِمَامٌ بِظَنِّهِ، عَلَى الْأَشْهَرِ فِيهَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَقَطَعَ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ بِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَأَطْلَقَ فِي الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يَبْنِي الْمُنْفَرِدُ عَلَى الْيَقِينِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا الْإِمَامُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَا فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: لِأَنَّ لَهُ مَنْ يُنَبِّهُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا أَخَذَ الْإِمَامُ بِالْيَقِينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَبِدَلِيلِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ لَا يَرْجِعُ إلَى فِعْلِ إمَامِهِ، وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَيُعَايَى بِهَا.
انْتَهَى.
وَبِدَلِيلِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ لَا يَرْجِعُ.
قُلْت: قَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ تَمِيمٍ، فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا لَا يُقَلِّدُ إمَامَهُ وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَكَذَا لَا يَرْجِعُ الْإِمَامُ إلَى تَسْبِيحِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ، لَكِنْ مَتَى كَانَ مَنْ سَبَّحَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ خَطَأِ إمَامِهِ لَمْ يُتَابِعْهُ وَلَا يُسَلِّمُ قَبْلَهُ.
انْتَهَى.
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا، فَشَكَّ الْمَأْمُومُ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا نَصًّا عَنْ أَصْحَابِنَا.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: لَا يُقَلِّدُ إمَامَهُ، وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ كَالْمُنْفَرِدِ، لَكِنْ لَا يُفَارِقُهُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَى بِالرَّكْعَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ.

فَائِدَتَانِ.
الْأُولَى: يَأْخُذُ الْمَأْمُومُ بِفِعْلِ إمَامِهِ، وَفِي فِعْلِ نَفْسِهِ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ.
الثَّانِيَةُ: حَيْثُ قُلْنَا يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ أَوْ التَّحَرِّي، فَفَعَلَ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَهُ، فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَمْ يَسْجُدْ إلَّا أَنْ يَزُولَ شَكُّهُ بَعْدَ أَنْ فَعَلَ مَعَهُ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ.
مِثَالُهُ: لَوْ كَانَ فِي سُجُودِ رَكْعَةٍ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، وَشَكَّ هَلْ هِيَ أُولَاهُ أَوْ ثَانِيَتُهُ؟ فَبَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَصَلَّى أُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ زَالَ شَكُّهُ لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ إلَّا مَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت بَلْ قَدْ زَادَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَتَرَكَهُ فِي مَوْضِعِهِ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا ثَانِيَةٌ.
انْتَهَى.
قَالَ الْمَجْدُ: وَلَوْ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ ثَلَاثًا، أَوْ شَرَعَ فِي ثَالِثَةٍ، ثُمَّ تَحَقَّقَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ سَجَدَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ مُتَرَدِّدًا فِي كَوْنِهِ زِيَادَةً، وَذَلِكَ نَقْصٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلَوْ شَكَّ وَهُوَ سَاجِدٌ هَلْ هُوَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ؟ . ثُمَّ زَالَ شَكُّهُ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ، فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَزُلْ شَكُّهُ حَتَّى سَجَدَ ثَانِيًا، لَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ شَاكًّا فِي كَوْنِهِ زَائِدًا قَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا، وَفِيهِمَا وَجْهٌ لَا يَسْجُدُ فِي الْقِسْمَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فَقَالَ: وَإِذَا سَهَا فَتَذَكَّرَ فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَسْجُدْ.
انْتَهَى.
كَلَامُ الْمَجْدِ، وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ يَسْجُدُ، قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ.
قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ

قَوْلُهُ (وَمَنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ قِيَاسًا، فَيَتَحَرَّى وَيَعْمَلُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي قَوْلٍ وَفِعْلٍ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: لَوْ جَهِلَ عَيْنَ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ بَنَى عَلَى الْأَحْوَطِ فَإِنْ شَكَّ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ جَعَلَهُ قِرَاءَةً، وَإِنْ شَكَّ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جَعَلَهُ رُكُوعًا، وَإِنْ تَرَكَ آيَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ مِنْ الْفَاتِحَةِ جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَالِيهِمَا جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ يَتَحَرَّى، وَيَعْمَلُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي تَرْكِ الرُّكْنِ كَالرَّكْعَةِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: التَّحَرِّي سَائِغٌ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.
انْتَهَى.

قَوْلُهُ (وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْكَافِي، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ.
(إحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ) وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْمُذْهَبِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَمْ يَسْجُدْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَالشَّرْحِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ.

فَائِدَةٌ: لَوْ شَكَّ، هَلْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ؟ جَعَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ: هَلْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ رَاكِعًا أَمْ لَا؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَعْتَدُّ بِهَا، ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي.
كَشَكِّهِ فِي الزِّيَادَةِ وَقْتَ فِعْلِهَا، وَأَطْلَقَهَا ابْنُ تَمِيمٍ.

فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: لَوْ سَجَدَ لِشَكٍّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سُجُودٌ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِسَائِيّ مَعَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالنُّكَتِ: فَفِي وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يَسْجُدُ جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالثَّانِي: لَا يَسْجُدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا اخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي النَّقْصِ لَا فِي الزِّيَادَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ.
انْتَهَى.
الثَّانِيَةُ: لَا أَثَرَ لِشَكِّ مَنْ سَلَّمَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى، مَعَ قِصَرِ الزَّمَنِ.

الثَّالِثَةُ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ سَهَا فِي صَلَاتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ: هَلْ هُوَ مِمَّا يُسْجَدُ لَهُ أَمْ لَا؟ لَمْ يَسْجُدْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ شَكَّ فِي مَحَلِّ سُجُودِهِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ.

الْخَامِسَةُ: لَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ أَمْ لَا؟ سَجَدَ مَرَّةً، وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقِيلَ: يَفْعَلُ مَا تَرَكَهُ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ، وَقِيلَ: إنْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لَهُ:

سَجَدَ لَهُ سَجْدَتَيْنِ، وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ فِعْلِ مَا تَرَكَهُ كُلُّ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ (وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ) زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَوْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، وَخَالَفَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ إذَا شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ فَيَسْجُدَ مَعَهُ) يَعْنِي وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ التَّشَهُّدَ سَجَدَ مَعَهُ ثُمَّ يُتِمُّهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهُ ثُمَّ يُعِيدُ السُّجُودَ ثَانِيًا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَابْنِ تَمِيمٍ وَالْمُغْنِي، إحْدَاهُمَا: يَسْجُدُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: سَجَدَ هُوَ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْفَائِقِ: الْأَصَحُّ فِعْلُهُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: سَجَدَ الْمَأْمُومُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ عَلَى الْأَصَحِّ وَنَصَرَهَا الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ السُّجُودُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: لَمْ يَسْجُدْ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَلَا سُجُودَ عَلَى مَأْمُومٍ إلَّا تَبَعًا لِإِمَامِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ.
فَوَائِدُ.
مِنْهَا: قَالَ الْمَجْدُ، وَمَنْ تَابَعَهُ: مَحَلُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ سَهْوًا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، قُلْت: وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَيْدًا آخَرَ، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَسْهُ الْمَأْمُومُ

فَإِنْ سَهَوْا مَعًا وَلَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ سَجَدَ الْمَأْمُومُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً: لِئَلَّا تَخْلُوَ الصَّلَاةُ عَنْ جَابِرٍ فِي حَقِّهِ، مَعَ نَقْصِهَا مِنْهُ حِسًّا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ: فَإِنَّ سُجُودَهُ لَا يُخِلُّ بِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ فَلِذَا قُلْنَا: يَسْجُدُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
انْتَهَى.
قَالَ الْمَجْدُ وَمَنْ تَابَعَهُ: وَأَمَّا إنْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ عَمْدًا وَهُوَ مِمَّا يُشْرَعُ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ يَأْتِي أَصْلُهُمَا.
انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَعَمْ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا لِاعْتِقَادِهِ عَدَمَ وُجُوبِهِ فَهُوَ كَتَرْكِهِ سَهْوًا عِنْدَ أَبِي مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى تَرْكِ الْإِمَامِ مَا يَعْتَقِدُ الْمَأْمُومُ وُجُوبَهُ، وَمِنْهَا: حَيْثُ قُلْنَا يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ إذَا لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ: فَمَحَلُّهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، وَأَلَّا يَيْأَسَ مِنْ سُجُودِهِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ذَكَرَ فَسَجَدَ، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّنْ يَرَى السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ إلَّا بِذَلِكَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: قُلْت وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ (سَبِّحْ بِهِ) فَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ الْمُرَادُ أَشَارَ لَهُ إلَى السُّجُودِ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ صَرَّحَ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
انْتَهَى.
وَمِنْهَا: الْمَسْبُوقُ يَسْجُدُ تَبَعًا لِإِمَامِهِ إنْ سَهَا الْإِمَامُ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ، وَكَذَا إنْ سَهَا فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ مَعَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ مَعَهُ إنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِلَّا قَضَى بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ ثُمَّ سَجَدَ، وَعَنْهُ يَقْضِي ثُمَّ يَسْجُدُ، سَوَاءٌ سَجَدَ إمَامُهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ يُخَيَّرُ فِي مُتَابَعَتِهِ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ مَعَهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَقَالَ: أَصْلُهُمَا هَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ لِسَهْوِ إمَامِهِ، أَوْ لِمُتَابَعَتِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَإِذَا قُلْنَا: يَسْجُدُ الْمَسْبُوقُ مَعَ إمَامِهِ، فَلَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ سَجَدَ هُوَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَحَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ جَابِرٌ مِنْ إمَامِهِ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَفِي مَعْنَاهُ: إذَا انْفَرَدَ الْمَأْمُومُ بِعُذْرٍ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ

وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ، قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي أَحْكَامُ السَّهْوِ إذَا فَارَقَتْهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ.

وَمِنْهَا: لَوْ قَامَ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ جَهْلًا بِمَا عَلَيْهِ مِنْ سُجُودٍ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ، وَقَدْ نَسِيَهُ وَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ: رَجَعَ فَسَجَدَ مَعَهُ وَبَنَى نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ، وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُتِمَّ قِيَامَهُ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا بَلْ يَسْجُدُ هُوَ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَعِنْدِي إنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَرْجِعْ قَوْلًا وَاحِدًا.

وَمِنْهَا: لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ فِي إحْدَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَسَجَدَ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ أَتَى بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَضَى صَلَاتَهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: لَا يَأْتِي بِالسَّجْدَةِ الْأُخْرَى، بَلْ يَقْضِي صَلَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ ثُمَّ يَسْجُدُ، وَمِنْهَا: لَوْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ أَنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَقَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَسْجُدْ، ذَكَرَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَمِنْهَا: لَوْ سَهَا فَسَلَّمَ أَوْ سَهَا مَعَهُ، أَوْ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ: سَجَدَ.

قَوْلُهُ (وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ: وَاجِبٌ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ السُّجُودُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَنْهُ مَسْنُونٌ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ.
قُلْت: هُوَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: سُجُودُ السَّهْوِ نَفْسُهُ.
فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ مَعَ سَهْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، عَلَى مَا يَأْتِي، دُونَ عَمْدِهِ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، عَلَى قَوْلٍ يَأْتِي، وَلَا يَجِبُ لِسَهْوِهِ سُجُودٌ آخَرُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا: إذَا لَحَنَ لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ

صَلَاتُهُ، كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّ الْمَجْدَ قَطَعَ فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ.
قَالَ فِي النُّكَتِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ مُبْطِلٌ فَوَجَبَ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ قَوْلُهُ (وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، إلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَفِيمَا إذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمَا: هُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: اخْتَارَهَا مَشَايِخُ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا يَبْنِي الْإِمَامُ عَلَى الْيَقِينِ: فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَيَكُونُ السُّجُودُ بَعْدَهُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ.
تَنْبِيهٌ: أَطْلَقَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَوْلَهُمْ (السَّلَامُ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ) وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ " السَّلَامُ عَنْ نَقْصٍ " وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَالْمَجْدُ وَمَنْ تَابَعَهُمَا: وَالْأَفْضَلُ قَبْلَهُ إلَّا إذَا سَلَّمَ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ، وَإِلَّا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ مُوجَبُ الدَّلِيلِ، وَعَنْهُ أَنَّ الْجَمِيعَ يَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَابْنُهُ أَبُو الْفَرَجِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ، قَالَ النَّاظِمُ: وَهُوَ أَوْلَى وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقُ، وَعَنْهُ أَنَّ الْجَمِيعَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَعَنْهُ مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَانَ قَبْلَهُ فَيَسْجُدُ مَنْ أَخَذَ بِالْيَقِينِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَنْ أَخَذَ بِظَنِّهِ بَعْدَهُ اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَعَنْهُ مَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ كَانَ قَبْلَهُ، عَكْسُ الَّتِي قَبْلَهَا.

فَائِدَةٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ: هَلْ هُوَ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ قَبْلَهُ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ، أَوْ مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ؟ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ، فَيَجُوزُ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ إذَا كَانَ مَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَعَكْسُهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إجْمَاعًا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ وُجُوبًا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقَالَ: عَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَابْنِ تَمِيمٍ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ نَسِيَهُ قَبْلَ السَّلَامِ قَضَاهُ، مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، أَوْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ) . اشْتَرَطَ الْمُصَنِّفُ لِقَضَاءِ السُّجُودِ شَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ أَشْهَرُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: عَلَى الْأَظْهَرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ وَالتَّلْخِيصُ، وَالْمُحَرَّرُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَإِدْرَاكُ الْغَايَةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ نَسِيَهُ قَبْلَهُ سَجَدَ بَعْدَهُ إنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، وَقِيلَ: أَوْ طَالَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنْهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ، ذَكَرَهَا الشَّرِيفُ فِي مَسَائِلِهِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ إنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ يَسْجُدُ مَعَ قِصَرِ

الْفَصْلِ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ اخْتَارَهَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ نَسِيَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ إنْ قَرُبَ زَمَنُهُ.
قَالَ الشَّارِحُ: اخْتَارَهَا الْقَاضِي قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُطِلْ، سَجَدَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ نَسِيَ السُّجُودَ فَذَكَرَهُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ سَجَدَ، وَعَنْهُ لَا يَسْجُدُ، سَوَاءٌ قَصُرَ الْفَصْلُ أَوْ طَالَ، خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا، وَعَنْهُ يَسْجُدُ وَإِنْ بَعُدَ اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْفُرُوعِ.

فَوَائِدُ.
الْأُولَى: مِثْلُ ذَلِكَ خِلَافًا وَمَذْهَبًا لَوْ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ الْمَشْرُوعِ بَعْدَ السَّلَامِ فِي الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ نَسِيَ سُجُودًا، وَأَطْلَقَ.
الثَّانِيَةُ: حَيْثُ قُلْنَا يَسْجُدُ فَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَقِيلَ: لَا يَسْجُدُ إذَا تَوَضَّأَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ إذَا تَوَضَّأَ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي.
قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ لِإِطْلَاقِهِمْ، وَتَقَدَّمَ إذَا سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ سَهْوًا، وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، أَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ طَالَ الْفَصْلُ: هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَوَّلَ الْبَابِ.
الثَّالِثَةُ: حَيْثُ قُلْنَا يَسْجُدُ فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا وَهُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، سَجَدَ إذَا سَلَّمَ أَطْلَقَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَدَّمَهُ هُوَ وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَالْحَوَاشِي،

وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ مَعَ قِصَرِ الْفَصْلِ، فَيُخَفِّفُهَا مَعَ قِصَرِ الْفَصْلِ لِيَسْجُدَ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: يَسْجُدُ بَعْدَ فَرَاغِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ: إنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَسْجُدْ، وَإِلَّا سَجَدَ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ يَسْجُدُ إنْ قَصُرَ الزَّمَنُ بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَتَا صَلَاتَيْ جَمْعٍ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، الرَّابِعَةُ: طُولُ الْفَصْلِ وَقِصَرُهُ مَرْجِعُهُ إلَى الْعُرْفِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: طُولُ الْفَصْلِ قَدْرُ رَكْعَةٍ طَوِيلَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَقِيلَ: بَلْ قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثَانِيًا.

قَوْلُهُ (وَيَكْفِيهِ لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ مَحَلُّهُمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، أَحَدُهُمَا: يَكْفِيهِ سَجْدَتَانِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ صَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ إفْرَادُ سَهْوٍ بِسُجُودٍ، بَلْ يَتَدَاخَلُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُجْزِيهِ سَجْدَتَانِ يُغَلِّبُ مَا قَبْلَ السَّلَامِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَقْوَى

الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يُغَلِّبُ أَسْبَقُهُمَا وُقُوعًا، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَمُحَرَّرِهِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقِيلَ: مَا مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَحَكَاهُ بَعْدَهُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: مَعْنَى اخْتِلَافِ مَحَلِّهِمَا: هُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، لِاخْتِلَافِ سَبَبِهِمَا وَأَحْكَامِهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِيهِ.
وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَنْ نَقْصٍ، وَالْآخَرُ عَنْ زِيَادَةٍ، مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِيهِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.

الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: لَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ نَوَى مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ وَقُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَهِيَ فِيمَا إذَا انْفَرَدَ بِهِ وَسَهَا إمَامُهُ فِيمَا تَابَعَهُ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَنْتَهِي قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَعَلَى قَوْلِنَا: هُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَ مَحَلُّهُمَا وَاحِدًا، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْجِنْسَيْنِ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ: يُحْتَمَلُ كَوْنُهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ قَالُوا: وَهَكَذَا لَوْ صَلَّى مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً؛ وَدَخَلَ مَعَ مُسَافِرٍ فَنَوَى مُتَابَعَتَهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ إمَامُهُ لِيُتِمَّ مَا عَلَيْهِ، فَقَدْ حَصَلَ مَأْمُومًا فِي وَسَطِ صَلَاتِهِ، مُنْفَرِدًا فِي طَرَفَيْهَا، وَإِذَا سَهَا فِي الْوَسَطِ وَالطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا، فَعَلَى قَوْلِنَا: إنْ كَانَ مَحَلُّ سُجُودِهِمَا

وَاحِدًا، فَهِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَ مَحَلُّ السُّجُودِ فَهِيَ جِنْسَانِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هِيَ جِنْسَانِ.
انْتَهَى.، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ الْمِثَالِ الْأَوَّلِ: خَرَجَ عَنْ السَّهْوِ مِنْ جِنْسَيْنِ، لِتَغَايُرِ الْفُرَادَى وَالْمُتَابَعَةِ، وَقِيلَ: لَا يُوجِبُ ذَلِكَ جَعْلُهُمَا جِنْسَيْنِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَكْفِيهِ سُجُودٌ فِي الْأَصَحِّ لِسَهْوَيْنِ أَحَدُهُمَا: جَمَاعَةً، وَالْآخَرُ: مُنْفَرِدًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.

قَوْلُهُ (وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ جَلَسَ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: لَا يَتَشَهَّدُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا يَتَشَهَّدُ، وَلَوْ نَسِيَهُ وَفَعَلَهُ بَعْدَهُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَتَشَهَّدُ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَتَشَهَّدُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ: وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. كَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، ذَكَرُوهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: يَتَوَرَّكُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " ثُمَّ يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مُتَوَرِّكًا "، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً، فَإِنَّهُ يَتَوَرَّكُ بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ.

فَائِدَةٌ: سُجُودُ السَّهْوِ وَمَا يَقُولُهُ فِيهِ وَبَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ فَلَوْ خَالَفَ

أَعَادَهُ بِنِيَّتِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ: وَقِيلَ: إنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ كَبَّرَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَصَحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ تَبْطُلْ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَيَأْثَمُ بِتَرْكِ مَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ عَنْهَا وَاجِبٌ لَهَا كَالْأَذَانِ، وَعَنْهُ تَبْطُلُ، وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ الرِّوَايَتَانِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ رِوَايَتَانِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ السُّجُودِ الْوَاجِبِ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ.
كَاَلَّذِي بَعْدَهُ فِي الْأَصَحِّ فِيهِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ، وَقِيلَ: إنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِتَرْكِهِ فَفِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ: الَّذِي لَا يَسْجُدُ لَهُ.

[بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ]

تَنْبِيهٌ: يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ (وَهِيَ أَفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ) أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ التَّطَوُّعَاتِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّطَوُّعُ بِالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَحَوَاشِي ابْنِ مُفْلِحٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ ابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنَّهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعَاتِ سِوَى الْجِهَادِ؛ لِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ " وَأَفْضَلُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ " وَيَكُونُ عُمُومُ كَلَامِهِ هُنَا مَخْصُوصًا أَوْ يُقَالُ: لَمْ يَدْخُلْ الْجِهَادُ فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ لَا يَحْصُلُ بِالْبَدَنِ فَقَطْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنَّهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعَاتِ الْمَقْصُورَةِ عَلَى الْبَدَنِ، كَالصَّوْمِ وَالْوُضُوءِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّي نَفْعُهُ كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَقَضَاءِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْجِهَادِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا يَأْتِي قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَقَوْلُ الشَّيْخِ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ (تَطَوُّعَ الْبَدَنِ) أَيْ غَيْرُ الْمُتَعَدِّي نَفْعُهُ، الْمَقْصُورُ عَلَى فَاعِلِهِ فَأَمَّا الْمُتَعَدِّي نَفْعُهُ: فَهُوَ آكَدُ مِنْ نَفْلِ الصَّلَاةِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ عَنْ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلَى نَفْلِ الْبَدَنِ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي.
انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيرَ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ أَفْضَلَ التَّطَوُّعَاتِ مُطْلَقًا الْجِهَادُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: الْجِهَادُ أَفْضَلُ تَطَوُّعَاتِ الْبَدَنِ أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْأَصْحَابُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَيْضًا: أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الرِّبَاطِ، وَقِيلَ: الرِّبَاطُ أَفْضَلُ، وَحَكَى رِوَايَةً، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَمَلُ بِالْقَوْسِ وَالرُّمْحِ أَفْضَلُ فِي الثَّغْرِ، وَفِي غَيْرِهِ نَظِيرُهَا

فَعَلَى الْمَذْهَبِ: النَّفَقَةُ فِي الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي غَيْرِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: الصَّدَقَةُ عَلَى قَرِيبِهِ الْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ لِرَجُلٍ أَرَادَ الثَّغْرَ " أَقِمْ عَلَى أُخْتِك أَحَبُّ إلَيَّ أَرَأَيْت إنْ حَدَثَ بِهَا حَدَثُ مَنْ يَلِيهَا؟ " وَنَقَلَ حَرْبٌ: أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ " أَقِمْ عَلَى وَلَدِك وَتَعَاهَدْهُمْ أَحَبُّ إلَيَّ " وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ يَعْنِي فِي غَزْوٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ: الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ، وَمِنْ الْجِهَادِ، وَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةُ أَهْلٍ ": " هَلْ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ أَمْ لَا، أَمْ هِيَ أَفْضَلُ زَمَنَ الْمَجَاعَةِ، أَوْ عَلَى الْأَقَارِبِ؟ وَهَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ أَمْ لَا؟ " وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ الَّذِي لَمْ تَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ، وَهِيَ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ تَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُهُمْ.
انْتَهَى.
وَعَنْهُ الْعِلْمُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ قِيلَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَصِحُّ النِّيَّةُ؟ قَالَ: يَنْوِي يَتَوَاضَعُ فِيهِ، وَيَنْفِي عَنْهُ الْجَهْلَ وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَاخْتَارَ بَعْدَهُ الْجِهَادَ، ثُمَّ بَعْدَ الْجِهَادِ إصْلَاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ، ثُمَّ صِلَةَ الرَّحِمِ، وَالتَّكَسُّبَ عَلَى الْعِيَالِ مِنْ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي نَظْمِهِ: الصَّلَاةُ أَفْضَلُ، بَعْدَ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَالنِّكَاحِ الْمُؤَكَّدِ وَاخْتَارَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: أَنَّ الرِّحْلَةَ إلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ، وَمِنْ سَائِرِ النَّوَافِلِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمَهُ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي الْجِهَادِ، وَأَنَّهُ

نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ.
قَالَ: وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَطْلَقُوا الْقَوْلَ أَنَّ أَفْضَلَ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ، وَذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْشِئَهُ تَطَوُّعًا، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ عَلَيْهِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ فَإِذَا بَاشَرَهُ، وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ فَهَلْ يَقَعُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ أَنْ صَلَّاهَا غَيْرُهُ، وَانْبَنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَوَازُ فِعْلِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فَرْضًا، وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ فِيهِ تَطَوُّعًا.
كَمَا فِي التَّطَوُّعِ الَّذِي يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَإِنَّهُ كَانَ نَفْلًا، ثُمَّ يَصِيرُ إتْمَامُهُ وَاجِبًا.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ، وَأَوْلَاهُمْ بِهِ: أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً.
انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْجِهَادِ وَالْعِلْمِ أَفْضَلُ التَّطَوُّعَاتِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: الصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَدْخُلُهُ رِيَاءٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَفْضَلُ مَا يَتَعَبَّدُ بِهِ الْمُتَعَبِّدُ الصَّوْمُ، وَقِيلَ: مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ أَفْضَلُ اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ: صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ فِي كُتُبِهِ، وَحَمَلَ الْمَجْدُ كَلَامَهُ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى هَذَا، وَكَذَا صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، حَمَلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: إذَا صَلَّى وَقَرَأَ وَاعْتَزَلَ فَلِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَقْرَأَ فَلَهُ وَلِغَيْرِهِ، يُقْرِئُ أَعْجَبُ إلَيَّ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ،

وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي: التَّكَسُّبُ لِلْإِحْسَانِ أَفْضَلُ مِنْ التَّعَلُّمِ؛ لِتَعَدِّيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِلْخَبَرِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ: نَرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَالطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " الطَّوَافُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ " وَكَذَا عَطَاءٌ، هَذَا كَلَامُ أَحْمَدَ، وَذَكَرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ: الصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ مَا سَبَقَ أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ عِبَادَةٌ بِمُفْرَدِهِ يُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلصَّلَاةِ.
انْتَهَى.
قُلْت: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَقِيلَ: الْحَجُّ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ جِهَادٌ، وَذَكَرَ فِي الْفُرُوعِ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: فَظَهَرَ أَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَمِنْ الْعِتْقِ وَمِنْ الْأُضْحِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا إنْ مَاتَ فِي الْحَجِّ فَكَمَا لَوْ مَاتَ فِي الْجِهَادِ، يَكُونُ شَهِيدًا، وَذَكَرَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: عَلَى هَذَا فَالْمَوْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِالشَّهَادَةِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَيْسَ يُشْبِهُ الْحَجَّ شَيْءٌ، لِلتَّعَبِ الَّذِي فِيهِ، وَلِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ، وَفِيهِ مَشْهَدٌ لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ، عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَفِيهِ إهْلَالُ الْمَالِ وَالْبَدَنِ، وَإِنْ مَاتَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ طَهُرَ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: الْفِكْرُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَقَدْ يُتَوَجَّهُ أَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ، وَيَكُونُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ: عَمَلَ الْجَوَارِحِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْفُنُونِ رِوَايَةَ مُهَنَّا، فَقَالَ: يَعْنِي الْفِكْرَ فِي آلَاءِ اللَّهِ، وَدَلَائِلِ صُنْعِهِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الَّذِي يُنْتِجُ أَفْعَالَ الْخَيْرِ، وَمَا أَثْمَرَ الشَّيْءُ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ ثَمَرَتِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمِنْهَاجِ، لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: مَنْ انْفَتَحَ لَهُ طَرِيقُ عَمَلٍ بِقَلْبِهِ بِدَوَامِ ذِكْرٍ أَوْ فِكْرٍ: فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَعْدِلُ بِهِ النِّيَّةَ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَالِمَ بِاَللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْعَالِمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ وَبِثَمَرَاتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي خُطْبَةِ كِفَايَتِهِ: إنَّمَا تَشْرُفُ الْعُلُومُ بِحَسَبِ مُؤَدَّيَاتِهَا، وَلَا أَعْظَمَ مِنْ الْبَارِي فَيَكُونُ الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يَجُوزُ: أَجَلُّ الْعُلُومِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ، وَأَنَّ الذِّكْرَ بِالْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِلَا قَلْبٍ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَصْوَبُ الْأُمُورِ: أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يُطَهِّرُ الْقَلْبَ وَيُصَفِّيهِ لِلذِّكْرِ وَالْأُنْسِ فَيُلَازِمُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَفْضِيلَ أَحْمَدَ لِلْجِهَادِ، وَالشَّافِعِيِّ لِلصَّلَاةِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ لِلذِّكْرِ، وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلَ فِي حَالٍ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الِاعْتِنَاءُ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَجَبٌ مِمَّنْ احْتَجَّ بِالْفُضَيْلِ، وَقَالَ: لَعَلَّ الْفُضَيْلَ قَدْ اكْتَفَى، وَقَالَ لَا يُثَبِّطُ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا جَاهِلٌ، وَقَالَ: لَيْسَ قَوْمٌ خَيْرًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَعَابَ عَلَى مُحَدِّثٍ لَا يَتَفَقَّهُ، وَقَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فَهِمًا فِي الْفِقْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَالَ أَحْمَدُ: مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ فِيهِ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي خُطْبَةِ الْمُذْهَبِ: بِضَاعَةُ الْفِقْهِ أَرْبَحُ الْبَضَائِعِ، وَالْفُقَهَاءُ يَفْهَمُونَ مُرَادَ الشَّارِعِ، وَيَفْهَمُونَ الْحِكْمَةَ فِي كُلِّ وَاقِعٍ، وَفَتَاوِيهِمْ تُمَيِّزُ الْعَاصِيَ مِنْ الطَّائِعِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ: الْفِقْهُ عُمْدَةُ الْعُلُومِ، وَقَالَ فِي صَيْدِ الْخَاطِرِ: الْفِقْهُ عَلَيْهِ مَدَارُ الْعُلُومِ فَإِنْ اتَّسَعَ الزَّمَانُ لِلتَّزَيُّدِ مِنْ الْعِلْمِ فَلْيَكُنْ فِي التَّفَقُّهِ فَإِنَّهُ الْأَنْفَعُ، وَفِيهِ: الْمُهِمُّ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ هُوَ الْمُهِمُّ.

قَوْلُهُ (وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ) يَعْنِي آكَدُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْوِتْرُ آكَدُ مِنْهُمَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ فَائِدَةٌ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ آكَدُ مِنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، قَالَهُ ابْن مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ يَعْنِي جَدَّهُ أَبَا الْمَعَالِي بِأَنَّ التَّرَاوِيحَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (ثُمَّ الْوِتْرُ ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ) أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَهُوَ كَالصَّرِيحِ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ كَلَامِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي النَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ وَالتَّسْهِيلِ، وَغَيْرِهِمْ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ التَّرَاوِيحَ أَفْضَلُ مِنْ الْوِتْرِ، وَأَنَّهَا فِي الْفَضِيلَةِ مِثْلُ مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، مِنْ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِمَا وَأَفْضَلُ مِنْهُمَا فَإِنَّهَا مِمَّا تُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا: أَنَّ الْوِتْرَ أَفْضَلُ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرَّوَاتِبِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ سُنَّةُ الْفَجْرِ آكَدُ مِنْهَا اخْتَارَهَا الْقَاضِي، لِاخْتِصَاصِهَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي ابْنِ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَيَأْتِي: هَلْ سُنَّةُ الْفَجْرِ آكَدُ مِنْ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ أَمْ هِيَ آكَدُ؟ قَوْلُهُ (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ وَاجِبٌ.

اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وُجُوبَهُ عَلَى مَنْ يَتَهَجَّدُ بِاللَّيْلِ.

قَوْلُهُ (وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ آخِرُهُ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي فَائِدَةٌ: أَفْضَلُ وَقْتِ الْوِتْرِ: آخِرُ اللَّيْلِ لِمَنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: وَقْتُهُ الْمُخْتَارُ كَصَلَاةِ الْعِشَاءِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَقِيلَ: الْكُلُّ سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ (وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَكْثَرُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَقِيلَ: الْوِتْرُ رَكْعَةٌ، وَمَا قَبْلَهُ لَيْسَ مِنْهُ، نَقَلَ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ (أَنَا أَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ، وَلَكِنْ يَكُونُ قَبْلَهَا صَلَاةٌ) قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْقَوْلِ وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ إذَا كَانَتْ مَفْصُولَةً فَأَمَّا إذَا اتَّصَلَتْ بِغَيْرِهَا، كَمَا لَوْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ، فَالْجَمِيعُ وِتْرٌ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْبَعْلِيُّ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَا يُصَلِّي خَمْسًا وَلَا سَبْعًا وَلَا تِسْعًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوَاحِدَةِ مَفْصُولَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَشْيَاخِ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا قَالَ: الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
انْتَهَى.
قُلْت: قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ.

فَائِدَةٌ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ حَتَّى فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَمَنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ، وَتُسَمَّى الْبُتَيْرَاءُ، وَأَطْلَقَهُمَا الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقُ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ بِلَا عُذْرٍ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا بَأْسَ بِالْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ لِعُذْرٍ، مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي أَوَّلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَتَقَدَّمَ هَلْ يَجُوزُ فِعْلُهُ قَاعِدًا؟ فِي أَوَّلِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ (وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ كَالتِّسْعِ وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْبَقَاءِ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ سَرَدَ عَشْرًا وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِالْأَخِيرَةِ، وَتَحَّى وَسَلَّمَ صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَهُ سَرْدُ إحْدَى عَشْرَةَ فَأَقَلَّ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ وَسَلَامٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَهُ سَرْدُ الْإِحْدَى عَشْرَةَ، وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهَانِ بِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: إنْ صَلَّى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُنَّ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ: سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ ثُمَّ صَلَّى التَّاسِعَةَ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: كَإِحْدَى عَشْرَةَ فَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ السَّبْعُ) هَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ،

فصول الكتاب · 4 فصل · 570 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي · 570 صفحة
المقدمة
ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
بَابِ الرَّهْنِ:
ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
جارٍ التحميل