الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويصفحات 529-568
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:

صفحات 529-568
عن هذه الطبعة
عَلَم
المرداوي
الكتاب
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
المؤلف
علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الطبعة
الثانية - بدون تاريخ
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا يَنْوِي مُفَارَقَتَهُ وَيُسَلِّمُ، وَالْمُنْفَرِدُ كَالْإِمَامِ فِي الزِّيَادَةِ، وَالْمَسْبُوقُ خَلْفَ الْإِمَامِ الْمُجَاوِزِ: إنْ شَاءَ قَضَى مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ مَعَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَالسَّلَامُ مَعَهُ أَوْلَى، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: إنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّابِعَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ عَلَى الْجِنَازَةِ الرَّابِعَةِ ثَلَاثًا: تَمَّتْ لِلْمَسْبُوقِ صَلَاةُ جِنَازَةٍ، وَهِيَ الرَّابِعَةُ فَإِنْ أَحَبَّ سَلَّمَ مَعَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ قَضَى ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ لِتَتِمَّ صَلَاتُهُ عَلَى الْجَمِيعِ وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ تَتِمُّ صَلَاتُهُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِنْ سَلَّمَ مَعَهُ لِتَمَامِ أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتِ لِلْجَمِيعِ، وَالْمَحْذُورُ النَّقْصُ عَنْ ثَلَاثٍ، وَمُجَاوَزَةُ سَبْعٍ.
وَلِهَذَا لَوْ جِيءَ بِجِنَازَةٍ خَامِسَةٍ لَمْ يُكَبِّرْ عَلَيْهَا الْخَامِسَةَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَيَجُوزُ لِلْمَسْبُوقِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ كَالْحَاضِرِ.
إجْمَاعًا وَكَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَهُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: إنْ شَاءَ كَبَّرَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
وَيَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ لِلتَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَيَتَّبِعُهُ كَمَسْبُوقٍ يَرْكَعُ إمَامُهُ وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: يُتِمُّهَا مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ، وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ فَرَاغِهِ أَدْرَكَ التَّكْبِيرَةَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
كَالْحَاضِرِ.
وَكَإِدْرَاكِهِ رَاكِعًا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا لَا يُدْرِكُ، وَيَدْخُلُ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ إنْ قُلْنَا بَعْدَهُمَا ذِكْرٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَيَقْضِي ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: أَرْبَعًا.

قَوْلُهُ (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ مَنْجَا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ،

وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ [وَالْحَاوِيَيْنِ] وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ، وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا: إنْ رُفِعَتْ الْجِنَازَةُ قَبْلَ إتْمَامِ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ مُتَوَالِيًا، وَإِنْ لَمْ تُرْفَعْ قَضَاهُ صِفَتَهُ، ذَكَره الشَّارِحُ، وَقَالَ الْمَجْدُ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ: فِيمَا إذَا خَشِيَ رَفْعَ الْجِنَازَةِ أَمَّا إنْ عَلِمَ بِعَادَةٍ أَوْ قَرِينَةٍ أَنَّهَا تَنْزِلُ: فَلَا تَرَدُّدَ أَنَّهُ يَقْضِي التَّكْبِيرَاتِ بِذِكْرِهَا، عَلَى مُقْتَضَى تَعْلِيلِ أَصْحَابِنَا.
انْتَهَى.
وَأَمَّا صَاحِبُ الْفُرُوعِ فَقَالَ: وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ فَإِنْ خَشِيَ رَفْعَهَا تَابَعَ.
رُفِعَتْ أَمْ لَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَى صِفَتِهِ وَالْأَصَحُّ إلَّا أَنْ تُرْتَفَعَ، فَيُتَابِعُ.
انْتَهَى.
قُلْت: وَقَطَعَ غَالِبُ الْأَصْحَابِ بِالْمُتَابَعَةِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إنْ رُفِعَتْ الْجِنَازَةُ: قَطَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهُ مُتَتَابِعًا قَوْلُهُ (فَإِنْ سَلَّمَ وَلَمْ يَقْضِهِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ، إحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ قُلْت: مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ وَغَيْرِهِمْ.

وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِق وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْآجُرِّيُّ، وَالْحَلْوَانِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَقَالَ: وَيَقْضِيهِ بَعْدَ سَلَامِهِ لَا يَأْتِي بِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُ الْإِمَامَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.

فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ مَرَّةً ثَانِيَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ نَصَّا، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي: الْكَرَاهَةُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ.
كَالْعِيدِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي ثَانِيًا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ، وَالْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَمَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فَلَا يُعِيدُهَا إلَّا لِسَبَبٍ مِثْلُ أَنْ يُعِيدَ غَيْرُهُ الصَّلَاةَ فَيُعِيدُهَا مَعَهُمْ أَوْ يَكُونُ هُوَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ مِنْ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ، وَأَطْلَقَ فِي الْوَسِيلَةِ، وَفُرُوعِ أَبِي الْحُسَيْنِ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ [أَنَّهُ يُصَلِّي ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ] وَالْمَجْدُ: يُصَلِّي عَلَيْهَا ثَانِيًا تَبَعًا، لَا اسْتِقْلَالًا إجْمَاعًا، وَيَأْتِي قَرِيبًا اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ، وَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى الْغَائِبِ، ثُمَّ حَضَرَ: اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، بَعْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ " فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ النُّصُوصِ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إلَى شَهْرٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، [وَالْحَاوِيَيْنِ] وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهَا إلَى سَنَةٍ، وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهَا مَا لَمْ يَبْلَ فَعَلَيْهِ لَوْ شَكَّ فِي بِلَاهُ صَلَّى، عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لَا يُصَلِّي، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، [وَابْنُ تَمِيمٍ] .

وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ أَبَدًا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ: لَا تَضُرُّ الزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ الْقَاضِي كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: مَتَى صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ كَانَ الْمَيِّتُ كَالْإِمَامِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرُهُ.
الثَّانِيَةُ: حَيْثُ قُلْنَا بِالتَّوْقِيتِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ أَوَّلَ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ دَفْنِهِ جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هَذَا الْمَشْهُورُ وَاخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى.
فَعَلَيْهِ: لَوْ لَمْ يُدْفَنْ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى شَهْرٍ: جَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَوَّلَ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، الثَّالِثَةُ: وَحَيْثُ قُلْنَا بِالتَّوْقِيتِ أَيْضًا: فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَحْرُمُ بَعْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ " صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ " هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ فِيمَا أَعْلَمُهُ.
يَعْنِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ وَهُوَ فِي الْقَبْرِ، صَرَّحَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ.
فَأَمَّا الصَّلَاةُ وَهُوَ خَارِجُ الْقَبْرِ فِي الْمَقْبَرَةِ: فَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ.
الْخَامِسَةُ: مَنْ شَكَّ فِي الْمُدَّةِ: صَلَّى حَتَّى يَعْلَمَ فَرَاغَهَا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ الْوَجْهُ فِي شَكِّهِ فِي بَقَائِهِ.
السَّادِسَةُ: حُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ فِي مِقْدَارِ الْمُدَّةِ: كَحُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ.
هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.

وَقَالَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: إذَا تَفَسَّخَ الْمَيِّتُ فَلَا صَلَاةَ.
السَّابِعَةُ: لَوْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ: اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُمَا وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي مَنْ لَمْ يُصَلِّ إلَى شَهْرٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَقِيلَ: لَا تُجْزِيهِ الصَّلَاةُ بِنِيَّةِ السُّنَّةِ جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِلُ بِهَا لِيَقْضِيَهَا بِدُخُولِهِ فِيهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَذَكَر الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ وَجْهًا: أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، مَعَ سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالْأَوْلَى، وَقَالَ أَيْضًا: فُرُوضُ الْكِفَايَاتِ إذَا قَامَ بِهَا رَجُلٌ سَقَطَتْ، ثُمَّ إذَا فَعَلَ الْكُلُّ ذَلِكَ كَانَ كُلُّهُ فَرْضًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مَحَلَّ وِفَاقٍ، لَكِنْ يُعْلَمُ إذَا فَعَلُوهُ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَفِي فِعْلِ الْبَعْضِ بَعْدَ الْبَعْضِ: وَجْهَانِ الثَّامِنَةُ: لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ قَبْلَ الدَّفْنِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَسَبَقَ أَنَّهُ كَإِمَامٍ فَيَجِيءُ الْخِلَافُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَصَحَّحَ فِي الرِّعَايَةِ الصِّحَّةَ كَالْمِلْكِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ (وَيُصَلِّي عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّيَّةِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ، وَصَاحِبُ النَّظْمِ، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْبَلَدِ بِمَا يُعَدُّ الذَّهَابُ إلَيْهِ نَوْعَ سَفَرٍ وَقَالَ: أَقْرَبُ الْحُدُودِ: مَا تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِي خَمْسُونَ خُطْوَةً.

فَائِدَةٌ: مُدَّةُ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ كَمُدَّةِ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: يُصَلِّي عَلَى الْغَائِبِ مُطْلَقًا، قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُصَلَّى عَلَيْهِ لِلْمَشَقَّةِ اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبْطَلَهُ الْمَجْدُ بِمَشَقَّةِ الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهَا تَخْرِيجٌ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَلَدُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ بَعْضِهِمْ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْبَلَدِ الْكَبِيرِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا الْبَلَدُ الصَّغِيرُ: فَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ فِي جَانِبِهِ بِالنِّيَّةِ، قَوْلًا وَاحِدًا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ قَيَّدَ مُحَقِّقُوهُمْ الْبَلَدَ بِالْكَبِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ.
انْتَهَى.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ مُرَادَ مَنْ أَطْلَقَ: الْبَلَدُ الْكَبِيرُ.

فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ الَّذِي كَانَ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ثَانِيًا، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ (لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

الثَّانِيَةُ: لَا يُصَلَّى مُطْلَقًا عَلَى الْمُفْتَرَسِ الْمَأْكُولِ فِي بَطْنِ السَّبُعِ، وَاَلَّذِي قَدْ اسْتَحَالَ بِاحْتِرَاقِ النَّارِ وَنَحْوِهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: عَلَى الْأَظْهَرِ

قَالَ فِي الْفُصُولِ: فَأَمَّا إنْ حَصَلَ فِي بَطْنِ السَّبُعِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَعَ مُشَاهَدَةِ السَّبُعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ فَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذَا تَعَذَّرَ غُسْلُهُ: أَنَّهُ يُيَمَّمُ، وَيُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ (وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ وَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) مُرَادُهُ لَا يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَحَكَى رِوَايَةً حَكَاهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ بِلَا رَيْبٍ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ: يُصَلَّى عَلَيْهِمَا حَتَّى بَاغٍ وَمُحَارِبٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.

تَنْبِيهَانِ.
الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ الْغَالِّ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ قِسْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَهْلُ الْبِدَعِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَعَنْهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
الثَّانِي: غَيْرُ أَهْلِ الْبِدَعِ فَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ لَا يُصَلَّى عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ عَلَى مَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ بِلَا تَوْبَةٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَعَنْهُ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ.
فَإِنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ صَلَّى عَلَى الْغَامِدِيَّةِ.

وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ: أَنَّ الشَّارِبَ الَّذِي لَمْ يُحَدَّ كَالْغَالِّ وَقَاتِلِ النَّفْسِ، وَذَكَرَهُ فِي الْكُبْرَى رِوَايَةً، وَعَنْهُ وَلَا عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، وَهِيَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي: الْمُرَادُ هُنَا بِالْإِمَامِ: إمَامُ الْقَرْيَةِ، وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، نَقَلَ حَرْبٌ: إمَامُ كُلِّ قَرْيَةٍ وَالِيهَا، وَخَطَّأَهُ الْخَلَّالُ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَالصَّوَابُ تَسْوِيَتُهُ فَإِنَّ أَعْظَمَ مُتَوَلٍّ لِلْإِمَامَةِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ يَحْصُلُ بِامْتِنَاعِهِ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ.
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: هُوَ أَشْهُرُ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقِيلَ: الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ.
فَائِدَةٌ: إذَا قُتِلَ الْبَاغِي غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ: فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوَّلًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَعَلَيْهِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلَّبُ، عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقِيلَ: يُصْلَبُ عَقِيبَ الْقَتْلِ، ثُمَّ يُنْزَلُ فَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ [جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ الْمُحَارِبِينَ] ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يُصْلَبُ قَبْلَ الْقَتْلِ، وَيَأْتِي فِي بَابِ حَدِّ الْمُحَارِبِينَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ) يَعْنِي تَحْقِيقًا: غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَعْنِي غَيْرَ شَعْرٍ وَظُفُرٍ وَسِنٍّ وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الْبَعْضُ الْمَوْجُودُ يَعِيشُ مَعَهُ، كَيَدٍ وَرَجُلٍ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَا، كَرَأْسٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ تَبَعًا لِلْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، قَالَ: هُوَ الْمَشْهُورُ.
قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَبَعْضُ الْمَيِّتِ كَكُلِّهِ، وَعَنْهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ قَالَ الْخَلَّالُ: لَعَلَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُوَ الْأَوَّلُ.

فَعَلَيْهَا: الِاعْتِبَارُ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ فَإِنْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ أَوَّلًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وُجِدَ بَعْدَهُ الْأَقَلُّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ الْأَقَلُّ أَوَّلًا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِفَقْدِ الْأَكْثَرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّ مَا دُونَ الْعُضْوِ الْكَامِلِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: مَا دُونَ الْعُضْوِ الْقَاتِلِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ تَمِيمٍ.
قَوْلُهُ (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) تَحْرِيرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ وَتَبِعَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقِيلَ: يَجِبُ أَيْضًا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَحَيْثُ قُلْنَا يُصَلَّى: فَإِنَّهُ يُنْوَى عَلَى الْبَعْضِ الْمَوْجُودِ فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُنْوَى الْجُمْلَةُ وَاخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَأَمَّا غُسْلُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ وَاجِبٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا تَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُدْفَنُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَحَكَى الْآمِدِيُّ سُقُوطَ الْغُسْلِ إنْ قُلْنَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: إذَا صُلِّيَ عَلَى الْبَعْضِ، ثُمَّ وُجِدَ الْأَكْثَرُ فَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: احْتَمَلَ أَنْ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَجِبُ، وَإِنْ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ، جَعْلًا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَتَبِعَ الْمَجْدُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْأَقَلِّ، وَعَنْهُ يُصَلَّى قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِذَا وُجِدَتْ جَارِحَةٌ

مِنْ جُمْلَةٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجَوَارِحِ: وَجَبَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ إذَا وُجِدَ الْجُمْلَةُ: فَهَلْ تَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ تَقَدَّمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: يَجِبُ هُنَا، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيمَا إذَا صُلِّيَ عَلَى الْأَكْثَرِ، ثُمَّ وُجِدَتْ الْجَارِحَةُ، وَهَلْ يُنْبَشُ لِيُدْفَنَ مَعَهُ أَوْ بِجَنْبِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ [وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ] قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَإِنْ وُجِدَ الْجُزْءُ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ إلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، أَوْ يُنْبَشُ بَعْضُ الْقَبْرِ وَيُدْفَنُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ: دُفِنَ بِجَنْبِهِ وَلَمْ يُنْبَشْ، لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
الثَّانِيَةُ: مَا بَانَ مِنْ حَيٍّ كَيَدٍ وَسَاقٍ انْفَصَلَ فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يُغَسَّلْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهَا إنْ اُحْتُمِلَ مَوْتُهُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ يَنْوِي مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَكَذَا حُكْمُ غُسْلِهِمْ وَتَكْفِينِهِمْ، بِلَا نِزَاعٍ، وَعَنْهُ إنْ اخْتَلَطُوا بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَا صَلَاةَ، وَأَمَّا دَفْنُهُمْ: فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنْ قَدَرُوا دَفَنُوهُمْ مُنْفَرِدِينَ، وَإِلَّا فَمَعَ الْمُسْلِمِينَ.

قَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ) يَعْنِي أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ فِيهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: الصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ قَالَ الْآجُرِّيُّ: السُّنَّةُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهِ وَأَنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَقِيلَ: عَدَمُ الصَّلَاةِ فِيهِ أَفْضَلُ، وَخَيَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهِ وَعَدَمِهَا.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا أُمِنَ تَلْوِيثُهُ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُؤْمَنْ تَلْوِيثُهُ، لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُنَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً إذَا لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ رِجَالٌ نَصَّ عَلَيْهِ كَالْمَكْتُوبَةِ، وَقِيلَ: لَا يُسَنُّ لَهُنَّ جَمَاعَةً، بَلْ الْأَفْضَلُ فَرَادَى اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَسْقُطُ فَرْضُ الصَّلَاةِ بِهِنَّ، وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ، وَيُقَدَّمُ مِنْهُنَّ مَنْ يُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ فِي الْفُصُولِ: حَتَّى وَلَوْ مِنْهُنَّ وَالِيَةً وَقَاضِيَةً فَأَمَّا إذَا صَلَّى الرِّجَالُ: فَإِنَّهُنَّ يُصَلِّينَ فُرَادَى، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ جَمَاعَةً، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ.
فَائِدَةٌ: لَهُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطٌ، وَهُوَ [أَمْرٌ] مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ فَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ قِيرَاطٌ نِسْبَتُهُ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ، وَلَهُ بِتَمَامِ دَفْنِهَا قِيرَاطٌ آخَرُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا: أَنَّ الثَّانِيَ بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ إذَا سُتِرَ بِاللَّبِنِ.

فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ فَصْلِ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ حَمْلَهُ وَدَفْنَهُ: فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ كَوْنُ حَامِلِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِالْكَافِرِ وَغَيْرِهِ.
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ لِلْحَمْلِ وَالْحَفْرِ وَالْغُسْلِ وَنَحْوِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ [وَعَنْهُ يُكْرَهُ] بِلَا حَاجَةٍ قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: كَرِهَ أَحْمَدُ أَخْذَ أُجْرَةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ أُعْطِيَ قَدْرَ عَمَلِهِ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ أَخْذِهَا عَلَى مَا لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ

مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
انْتَهَى.
وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، وَقَالَهُ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.

قَوْلُهُ (يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ، وَالْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهَا: يُكْرَهُ التَّرْبِيعُ إنْ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ أَيُّهُمْ يَحْمِلُهُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُؤَخَّرَةِ) مُرَادُهُ بِقَائِمَةِ السَّرِيرِ الْيُسْرَى: الْمُقَدَّمَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ يَمِينِ الْمَيِّتِ قَوْلُهُ (ثُمَّ يَضَعُ قَائِمَتَهُ الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُؤَخَّرَةِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَتَكُونُ الْبُدَاءَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ [الْخِتَامُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ] وَعَنْهُ يُبْدَأُ بِالْمُؤَخَّرَةِ وَهِيَ الثَّالِثَةُ، يَجْعَلُهَا عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ الْمُقَدَّمَةِ فَتَكُونُ الْبُدَاءَةُ بِالرَّأْسِ وَالْخِتَامُ بِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حُمِلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ) يَعْنِي لَا يُكْرَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ يُكْرَهُ وَعَنْهُ التَّرْبِيعُ وَالْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ سَوَاءٌ فَعَلَيْهَا: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: إذَا جُمِعَ وَحُمِلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَمِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، ثُمَّ مِنْ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: مِنْ عِنْدِ نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ لَا يَصِحُّ إلَّا التَّرْبِيعُ.

فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ سَتْرُ نَعْشِ الْمَرْأَةِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُسْتَرُ بِالْمَكِّيَّةِ، وَمَعْنَاهُ فِي الْفُصُولِ.

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَوَّلُ مَنْ اُتُّخِذَ ذَلِكَ لَهَا زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَاتَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا بَأْسَ بِجَعْلِ الْمَكِّيَّةِ عَلَيْهِ وَفَوْقَهَا ثَوْبٌ.
انْتَهَى.
وَيُكْرَهُ تَغْطِيَتُهُ بِغَيْرِ الْبَيَاضِ، وَيُسَنُّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمَا: لَا بَأْسَ بِحَمْلِهَا فِي تَابُوتٍ، وَكَذَا مَنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ عَلَى النَّعْشِ إلَّا بِمِثْلِهِ كَالْأَحْدَبِ وَنَحْوِهِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: الْمُقَطَّعُ تُلَفَّقُ أَعْضَاؤُهُ بِطِينٍ حُرٍّ وَيُغَطَّى حَتَّى لَا يُتَبَيَّنَ تَشْوِيهُهُ، وَقَالَ أَيْضًا: الْوَاجِبُ جَمْعُ أَعْضَائِهِ فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ وَقَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ وَغَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ شَدُّ النَّعْشِ بِعِمَامَةٍ.
انْتَهَى.
وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِ الطِّفْلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِ الْمَيِّتِ بِأَعْمِدَةٍ لِلْحَاجَةِ، وَعَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَيَجُوزُ لِبُعْدِ قَبْرِهِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ.

قَوْلُهُ (يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا) مُرَادُهُ إذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ بِالْإِسْرَاعِ فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ قَالَ وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ، فَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُسْرَعُ، وَيَكُونُ دُونَ الْخَبَبِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ الْمَجْدُ: يَمْشِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ الْمَشْيُ الْمُعْتَادُ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يُسْرِعُ فَوْقَ الْمَشْيِ وَدُونَ الْخَبَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا يَسِيرًا، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُسَنُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا يَسِيرًا قَالَ فِي الْكَافِي: لَا يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ فَيَمْخُضُهَا وَيُؤْذِي مُتَّبِعِيهَا.
انْتَهَى.
وَكَلَامُهُمْ مُتَقَارِبٌ.
فَائِدَةٌ: يُرَاعَى بِالْإِسْرَاعِ الْحَاجَةُ نَصَّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ (وَأَنْ يَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: يَمْشِي حَيْثُ شَاءَ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي: حَيْثُ مَشَى فَحَسَنٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يُكْرَهُ خَلْفَهَا وَحَيْثُ شَاءَ قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَوْلُهُ (وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ فَلَوْ رَكِبَ وَكَانَ أَمَامَهَا كُرِهَ، قَالَهُ الْمَجْدُ.

وَمُرَادُ مَنْ قَالَ " الرُّكْبَانُ خَلْفَهَا " إذَا كَانَتْ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ جِنَازَةَ كَافِرٍ: فَإِنَّهُ يَرْكَبُ وَيَتَقَدَّمُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ الرُّكُوبُ لِمَنْ تَبِعَهَا بِلَا عُذْرٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ كَرُكُوبِهِ فِي عَوْدِهِ قَالَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْمَشْيُ أَفْضَلُ الثَّانِيَةُ: فِي رَاكِبِ السَّفِينَةِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: هُوَ كَرَاكِبِ الدَّابَّةِ فَيَكُونُ خَلْفَهَا وَقَدَّمَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حَنِثَ بِرُكُوبِ سَفِينَةٍ فِي الْمَنْصُوصِ، تَقْدِيمًا لِلشَّرْعِ وَاللُّغَةِ فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ رَاكِبًا خَلْفَهَا، قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالثَّانِي: يَكُونُ مِنْهَا كَالْمَاشِي فَيَكُونُ أَمَامَهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ وَالْحَوَاشِي قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ كَرَاكِبِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَالْمَاشِي، وَأَنَّ عَلَيْهِمَا يَنْبَنِي دَوَرَانُهُ فِي الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ (وَلَا يَجْلِسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ) يَعْنِي يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِمَنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهَا.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " حَتَّى تُوضَعَ " يَعْنِي بِالْأَرْضِ لِلدَّفْنِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ حَتَّى تُوضَعَ لِلصَّلَاةِ، وَعَنْهُ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ قَوْلُهُ (وَإِنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ.

وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ لَهَا، وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً نَصَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ فِيهِ، وَعَنْهُ الْقِيَامُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ حَتَّى تَغِيبَ أَوْ تُوضَعَ، وَقَالَهُ ابْنُ مُوسَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ عَلَى هَذَا: يَقُومُ حِينَ يَرَاهَا قَبْلَ وُصُولِهَا إلَيْهِ؛ لِلْخَبَرِ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهُمَا: كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ هُوَ وَلِيُّهَا لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى تُدْفَنَ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ.
لَا بَأْسَ بِقِيَامِهِ عَلَى الْقَبْرِ حَتَّى تُدْفَنَ.
جَبْرًا وَإِكْرَامًا قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.

الثَّانِيَةُ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ سُنَّةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي آخِرِ الرِّعَايَةِ: اتِّبَاعُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
انْتَهَى.
وَهُوَ حَقٌّ لَهُ وَلِأَهْلِهِ، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّ مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَتْبَعَهَا لِقَضَاءِ حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ.

الثَّالِثَةُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَهَا وَمَعَهَا مُنْكَرٌ عَاجِزٌ عَنْ مَنْعِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، نَحْوَ طَبْلٍ أَوْ نَوْحٍ أَوْ لَطْمِ نِسْوَةٍ، وَتَصْفِيقٍ وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ، وَعَنْهُ يَتْبَعُهَا وَيُنْكِرُ بِحَسَبِهِ، وَيَلْزَمُ الْقَادِرَ فَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ إذَا تَبِعَهَا أُزِيلَ الْمُنْكَرُ، لَزِمَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودَيْنِ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ، فَيُعَايَى بِهَا، وَقِيلَ فِي الْعَاجِزِ كَمَنْ دُعِيَ إلَى غُسْلٍ مَيِّتٍ فَسَمِعَ طَبْلًا أَوْ نَوْحًا، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ وَأَبُو دَاوُد: يُغَسِّلُهُ وَيَنْهَاهُمْ، قُلْت: إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الزَّجْرُ غَسَّلَهُ وَإِلَّا ذَهَبَ.

الرَّابِعَةُ: يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ اتِّبَاعُهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ [نَصَّ عَلَيْهِ،

وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: قَدْ رَخَّصَ بَعْضُهُمْ لَهَا فِي شُهُودِ أَبِيهَا وَوَلَدِهَا وَذِي قَرَابَتِهَا، مَعَ التَّحَفُّظِ وَالِاسْتِحْيَاءِ وَالتَّسَتُّرِ] وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَحْرُمُ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ فِي زَمَنِنَا هَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَمْنَعُهُنَّ مِنْ اتِّبَاعِهَا، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ، يُطْرَدْنَ فَإِنْ رَجَعْنَ وَإِلَّا رَجَعَ الرِّجَالُ، بَعْدَ أَنْ يَحْثُوَا عَلَى أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ قَالَ: وَرَخَّصَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي اتِّبَاعِ جِنَازَةٍ يَتْبَعُهَا النِّسَاءُ قَالَ أَبُو حَفْصٍ: وَيَحْرُمُ بُلُوغُ الْمَرْأَةِ الْقَبْرَ.

قَوْلُهُ (وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِإِدْخَالِ رِجْلَيْهِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: إذَا كَانَ دُخُولُهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ يَشُقُّ أَدْخَلَهُ مِنْ قِبْلَتِهِ مُعْتَرِضًا، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَا يَدْخُلُ الْمَيِّتُ مُعْتَرِضًا مِنْ قِبْلَتِهِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ: الْأَسْهَلُ، ثُمَّ سَوَاءٌ.

الثَّانِيَةُ: أَوْلَى النَّاسِ بِالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ: أَوْلَاهُمْ بِالْغُسْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى دَفْنَ الْمَيِّتِ غَاسِلُهُ، وَالْأَوْلَى لِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِنَائِبِهِ إنْ شَاءَ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ الْأَوْلَى بِالدَّفْنِ: الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ، ثُمَّ مَحَارِمُهُ مِنْ النِّسَاءِ، ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ، وَمَحَارِمُهَا مِنْ الرِّجَالِ أَوْلَى مِنْ الْأَجَانِبِ، وَمِنْ مَحَارِمِهَا: النِّسَاءُ يَدْفِنُهَا، وَهَلْ يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى مَحَارِمِهَا الرِّجَالِ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنُّكَتِ، إحْدَاهُمَا: يُقَدَّمُ الْمَحَارِمُ عَلَى الزَّوْجِ قَالَ الْخَلَّالُ: اسْتَفَاضَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُقَدَّمُونَ عَلَى الزَّوْجِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الزَّوْجُ أَحَقُّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِذَلِكَ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْمَعَالِي فَإِنْ عُدِمَ الزَّوْجُ وَمَحَارِمُهَا الرِّجَالُ، فَهَلْ الْأَجَانِبُ أَوْلَى، أَوْ نِسَاءُ مَحَارِمِهَا مَعَ عَدَمِ مَحْظُورٍ مِنْ تَكَشُّفِهِنَّ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ أَوْ غَيْرِهِ؟ قَالَ الْمَجْدُ: وَأَتْبَاعُهُنَّ فِيهِمْ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنُّكَتِ، إحْدَاهُمَا: الْأَجَانِبُ أَوْلَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا أَصَحُّ وَأَحْسَنُ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَقَدَّمَهُ النَّاظِمُ، وَقَالَ: هُوَ أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: نِسَاءُ مَحَارِمِهَا أَوْلَى جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْمَعَالِي وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عِنْدِي عَلَى مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ فِي دَفْنِهِنَّ مَحْذُورٌ مِنْ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، أَوْ التَّكَشُّفِ بِحَضْرَةِ الْأَجَانِبِ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُنَّ فَالْأَقْرَبُ، كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَعَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ: لَا يُكْرَهُ دَفْنُ الرِّجَالِ لِلْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَ مَحْرَمُهَا حَاضِرًا نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَحْمِلُهَا مِنْ الْمُغْتَسَلِ إلَى النَّعْشِ.
الثَّالِثَةُ: يُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ الْخَصِيُّ، ثُمَّ الشَّيْخُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِجِمَاعٍ أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ.

الرَّابِعَةُ: يُسْتَحَبُّ تَعْمِيقُ الْقَبْرِ وَتَوْسِعَتُهُ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: إلَى الصَّدْرِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، وَالْبَسْطَةُ الْبَاعُ.
الْخَامِسَةُ: يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ ظُهُورَ الرَّائِحَةِ وَالسِّبَاعَ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ.
قَوْلُهُ (وَيُلْحَدُ لَهُ لَحْدًا) . الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ اللَّحْدَ أَفْضَلُ مِنْ الشَّقِّ، بَلْ يُكْرَهُ الشَّقُّ بِلَا عُذْرٍ،

وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَيْسَ اللَّحْدُ بِأَفْضَلَ مِنْهُ، ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ قَوْلُهُ (وَيَنْصِبُ عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ اللَّبِنَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَصَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَعَنْهُ يُنْصَبُ عَلَيْهِ قَصَبٌ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ، وَابْنُ عَقِيلٍ.
تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَدْخُلُهُ خَشَبٌ) إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً فَإِنْ كَانَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ أُدْخِلَ الْخَشَبُ.

فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي تَابُوتٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً نَصَّ عَلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ: وَيُكْرَهُ فِي حَجَرٍ مَنْقُوشٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يُجْعَلُ فِيهِ حَدِيدٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ رِخْوَةً أَوْ نَدِيَّةً.
الثَّانِيَةُ: لَا تَوْقِيتَ فِيمَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ، بَلْ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ نَصَّ عَلَيْهِ كَسَائِرِ أُمُورِهِ، وَقِيلَ: الْوَتْرُ أَفْضَلُ

قَوْلُهُ (وَيَقُولُ الَّذِي يُدْخِلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَنْهُ يَقُولُ " اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْقَبْرِ وَصَاحِبِهِ " قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ قَرَأَ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55] وَإِنْ أَتَى بِذِكْرٍ وَدُعَاءٍ يَلِيقُ عِنْدَ وَضْعِهِ وَإِلْحَادِهِ: فَلَا بَأْسَ؛ لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.

قَوْلُهُ (وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) ، وَضْعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَحَبٌّ، بِلَا نِزَاعٍ، وَكَوْنُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَاجِبٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ،

وَقَطَعَ بِهِ الْآمِدِيُّ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ وُضِعَ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ نُبِشَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يُنْبَشُ إلَّا أَنْ يُخَافَ أَنْ يَتَفَسَّخَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: لَا يُنْبَشُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي النُّكَتِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ فَصْلِ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا.

فَوَائِدُ.
مِنْهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً كَالْمِخَدَّةِ لِلْحَيِّ، وَيُكْرَهُ وَضْعُ بِسَاطٍ تَحْتَهُ مُطْلَقًا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقَطِيفَةِ مِنْ عِلَّةٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِهَا مُطْلَقًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ جَعَلَ تَحْتَهُ قَطِيفَةً فَلَا بَأْسَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَمِنْهَا: يُكْرَهُ وَضْعُ مُضَرَّبَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا بَأْسَ بِهَا، وَتُكْرَهُ الْمِخَدَّةُ، قَوْلًا وَاحِدًا.

وَمِنْهَا: كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الدَّفْنَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَكَذَا عِنْدَ قِيَامِهَا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُهَا، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا يَجُوزُ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ.

وَمِنْهَا: الدَّفْنُ فِي النَّهَارِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ لَيْلًا نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ يُكْرَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَنْهُ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ.

وَمِنْهَا: الدَّفْنُ فِي الصَّحْرَاءِ أَفْضَلُ، وَكَرِهَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ فِي الْبُنْيَانِ.

قَوْلُهُ (وَيَحْثُو التُّرَابَ فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: اسْتِحْبَابُ فِعْلِ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْقَرِيبِ مِنْهُ فَقَطْ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَحَيْثُ قُلْنَا " يَحْثُو " فَيَأْتِي بِهِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، وَقِيلَ: مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ

فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ [الزِّيَادَةُ عَلَى تُرَابِهِ] نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ، نَقَلَ أَبُو دَاوُد: إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَ بِالْأَرْضِ، وَلَا يُعْرَفُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ مَعَ أَنَّ تُرَابَ قَبْرٍ لَا يُنْقَلُ إلَى آخَرَ.

فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِهِ بِحَجَرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ وَنَصَّ أَيْضًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَلَا بَأْسَ بِلَوْحٍ، نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يُكْرَهُ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ (وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ) ، وَكَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِهِ.

فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اسْتَحَبَّهُ الْأَكْثَرُ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَأَكْثَرُنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَغَيْرِهِمْ فَيَجْلِسُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَلْقِينُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ مُبَاحٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ: الْإِبَاحَةُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، وَلَا يُكْرَهُ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ انْصَرَفُوا قَبْلَهُ لَمْ يَعْرِفُوا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ نَسْمَعْ فِي التَّلْقِينِ شَيْئًا عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ لِلْأَئِمَّةِ قَوْلًا سِوَى مَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَهَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ إذَا دَفَنُوا الْمَيِّتَ، يَقِفُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ (يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ إلَى آخِرِهِ) فَقَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا فَعَلَ هَذَا إلَّا أَهْلَ الشَّامِ، حِين مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا يَفْعَلُهُ إلَّا أَهْلَ الشَّامِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ شَاهِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي تَلْقِينِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَجْهَانِ، بِنَاءً

عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِ، وَسُؤَالِهِ وَامْتِحَانِهِ.
النَّفْيُ: قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْإِثْبَاتُ: قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ، وَغَيْرِهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ، [قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِ، قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يُسْأَلُ الْأَطْفَالُ عَنْ الْأَوَّلِ حِينَ الذُّرِّيَّةِ، وَالْكِبَارُ يُسْأَلُونَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِقْرَارِهِمْ الْأَوَّلِ] قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، قَالَ شَيْخُنَا: يُلَقَّنُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ الْمُقَدَّمُ عَنْ الْأَصْحَابِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ أَصَحُّ [فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ الْمَذْهَبُ التَّلْقِينُ، وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَى عَدَمِهِ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَالْحَاوِيَيْنِ] .

قَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يُكْرَهُ قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ، وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ) أَمَّا تَجْصِيصُهُ: فَمَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَكَذَا الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَا تَزْوِيقُهُ، وَتَخْلِيقُهُ، وَنَحْوُهُ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، وَأَمَّا الْبِنَاءُ عَلَيْهِ: فَمَكْرُوهٌ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ لَاصَقَ الْبِنَاءُ الْأَرْضَ أَمْ لَا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَصْحَابُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُمْ: لَا بَأْسَ بِقُبَّةٍ وَبَيْتٍ وَحَظِيرَةٍ فِي مِلْكِهِ وَقَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، لَكِنْ اخْتَارَ الْأَوَّلَ.
وَقَالَ الْمَجْدُ:

يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ، لِلتَّضْيِيقِ وَالتَّشْبِيهِ بِأَبْنِيَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَيُكْرَهُ إنْ كَانَ فِي مُسَبَّلَةٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ الصَّحْرَاءُ، وَقَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ الْفَاخِرُ كَالْقُبَّةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَا بَأْسَ بِبِنَاءٍ، وَعَنْهُ مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: تَحْرُمُ الْحُجْرَةُ، بَلْ تُهْدَمُ، وَحَرُمَ الْفُسْطَاطُ أَيْضًا، وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْفُسْطَاطَ وَالْخَيْمَةَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ بَنَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ فِيهَا، فَهُوَ غَاصِبٌ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ فِي مِلْكِهِ إسْرَافٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: الْقُبَّةُ وَالْحَظِيرَةُ وَالتُّرْبَةُ، إنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ فَعَلَ مَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ فِي مُسَبَّلَةٍ كُرِهَ لِلتَّضْيِيقِ بِلَا فَائِدَةٍ، وَيَكُونُ اسْتِعْمَالًا لِلْمُسَبَّلَةِ فِيمَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ.

قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ وَالِاتِّكَاءُ إلَيْهِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَكَرَاهَةُ الْمَشْيِ فِي الْمَقَابِرِ بِالنَّعْلَيْنِ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُهَا، وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَهُ فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَغَيْرُهُ: لَهُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ لِيُصَلِّ إلَى مَنْ يَزُورُهُ لِلْحَاجَةِ، وَفَعَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ: يُكْرَهُ دَوْسُهُ وَتَخَطِّيهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يُكْرَهُ دَوْسُهُ، وَلَمْ يَكْرَهْ الْآجُرِّيُّ تَوَسُّدُهُ لِفِعْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، رَوَاهُ مَالِكٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي الْجُلُوسِ.

فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ التَّخَلِّي عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي نِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ: يُكْرَهُ التَّخَلِّي، قُلْت: فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمَ، وَإِلَّا فَبَعِيدٌ جِدًّا، وَيُكْرَهُ التَّخَلِّي بَيْنَهَا، وَكَرِهَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، زَادَ حَرْبٌ: كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: حُرْمَتُهُ ثَابِتَةٌ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنْ جَمِيعِ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ أَنْ يَنَالَ بِهِ، كَتَقْرِيبِ النَّجَاسَةِ مِنْهُ.
انْتَهَى.

فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْقُبُورِ، وَالْمَشْيُ بِالنَّعْلِ، وَيُسْتَحَبُّ قَلْعُهُ إلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ وَنَحْوِهِ.
وَعَنْهُ لَا يُسْتَحَبُّ خَلْعُ النَّعْلِ كَالْخُفِّ، وَفِي الشمشك وَجْهَانِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنُّكَتِ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى، وَالْقَصْرِ عَلَى النَّصِّ أَحَدُهُمَا: لَا يُكْرَهُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيُّ.
الثَّانِي: يُكْرَهُ كَالنَّعْلِ وَقَطَعَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ، بِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِالنِّعَالِ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْخَبَرِ وَالْمَذْهَبِ.

قَوْلُهُ (وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ إلَّا لِضَرُورَةٍ) وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْمَجْدُ، وَغَيْرُهُمَا وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ: يُكْرَهُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَغَيْرُهُمَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ] وَهُوَ أَظْهَرُ وَقَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ فِي نَبْشِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِخِلَافِهِ فَدَلَّ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُحَرَّمُ.
انْتَهَى.
وَعَنْهُ يَجُوزُ.
نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ لَا بَأْسَ، وَعَنْهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَحَارِمِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِيمَنْ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ قَوْلُهُ (وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إلَى الْقِبْلَةِ) يَعْنِي حَيْثُ جَوَّزْنَا دَفْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ إلَى الْقِبْلَةِ الْأَفْضَلُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَكْبَرُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَدْيَنُ، وَالْخِلَافُ هُنَا كَالْخِلَافِ فِي تَقْدِيمِهِمْ إلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ كَمَا يُقَدَّمُ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُمْ، كَرِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ قُدِّمَ إلَى الْقِبْلَةِ مَنْ يُقَدَّمُ إلَى الْأَمَامِ فِي

الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الصِّفَاتِ: قُدِّمَ أَحَدُهُمْ إلَى الْقِبْلَةِ بِالْقُرْعَةِ، قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ قَوْلُهُ (وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنْ التُّرَابِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا أَنَّ الْآجُرِّيَّ قَالَ: إنَّمَا يُجْعَلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ: وَإِنْ جُعِلَ الْقَبْرُ طَوِيلًا، وَجُعِلَ رَأْسُ كُلِّ وَاحِدٍ عِنْدَ رِجْلَيْ الْآخَرِ، أَوْ وَسَطِهِ [جَازَ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَفْضُولِ عِنْدَ رِجْلَيْ الْفَاضِلِ أَوْ سَاقِهِ] كَالدَّرَجِ.

الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ أَسْهُلُ لِزِيَارَتِهِمْ وَأَبْعَدُ، لِانْدِرَاسِهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي، يَكْثُرُ فِيهَا الصَّالِحُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَكَذَا الْبِقَاعُ الشَّرِيفَةُ.

الثَّالِثَةُ: مَنْ سَبَقَ إلَى مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ قُدِّمَ فَإِنْ جَاءَا مَعًا: أُقْرِعَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْمَجْدُ وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَصَاحِبُ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: إذَا جَاءَا مَعًا قُدِّمَ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ وَشَوْكَةٌ عِنْدَ أَهْلِهِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قُلْت: وَكَذَا لَوْ كَانَ وَاقِفُ الْأَرْضِ إنْ جَازَ أَنْ لَا يُدْفَنَ فِيهَا، كَمَا قَدَّمْنَا مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ بِإِخْرَاجِ السَّبْقِ فِي الْمُفَاضَلَةِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ تَسَاوَيَا أُقْرِعَ، قُلْت: فَإِنْ خِيفَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِتَفْوِيتِهِ هَذِهِ الْبُقْعَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمُ ذَلِكَ، كَمَا يُقَدَّمُ الْمُضْطَرُّ عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ.
انْتَهَى.

الرَّابِعَةُ: مَتَى عُلِمَ أَنَّ الْمَيِّتَ صَارَ تُرَابًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ ظُنَّ أَنَّهُ صَارَ تُرَابًا وَلِهَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ: يُعْمَلُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ

يَجُوزُ دَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ نَقَلَ أَبُو الْمَعَالِي: جَازَ الدَّفْنُ، وَالزِّرَاعَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمُرَادُهُ: إذَا لَمْ يُخَالَفْ شَرْطُ وَاقِفِهِ لِتَعْيِينِهِ الْجِهَةَ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ قَالَ الْآمِدِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَصِرْ تُرَابًا: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّفْنُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبِ تَبْقَى عِظَامُهُ مَكَانَهُ وَيُدْفَنُ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ.

الْخَامِسَةُ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو الْمَعَالِي كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ حَرْثُ أَرْضِهِ إذَا بَلِيَ الْعَظْمُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ نُبِشَ وَأُخِذَ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَعَنْهُ الْمَنْعُ إنْ بُذِلَ لَهُ عِوَضُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ: يُمْنَعُ مِنْ نَبْشِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ.
تَنْبِيهٌ: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " مَا لَهُ قِيمَةٌ " يَعْنِي فِي الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ فَإِنْ قَلَّ خَطَرُهُ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ: وَيُحْتَمَلُ مَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ أَوْ مَا رَمَاهُ بِهِ فِيهِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ غَصْبٍ لَمْ يُنْبَشْ، لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّرْحِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ أَوْ خُشِيَ عَلَيْهِ الْمُثْلَةُ لَمْ يُنْبَشْ، وَإِلَّا نُبِشَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَقِيلَ: يُنْبَشُ مُطْلَقًا، وَيُؤْخَذُ الْكَفَنُ صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُنَّ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَأَطْلَقَ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ فِي التَّلْخِيصِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُغْرَمُ ذَلِكَ مِنْ تِرْكَتِهِ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَهُ أَصْحَابُنَا.
وَقَالَ الْمَجْدُ: يَضْمَنُهُ مِنْ كَفَنِهِ فِيهِ، لِمُبَاشَرَتِهِ الْإِتْلَافَ عَالِمًا فَإِنْ جَهِلَ فَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ،

وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتَ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ.
فَائِدَةٌ: حَيْثُ تَعَذَّرَ الْغُرْمُ نُبِشَ، قَوْلًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ (أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ غُرِمَ ذَلِكَ مِنْ تِرْكَتِهِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَمَالَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، وَقِيلَ: يُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيُخْرَجُ مِنْهُ صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: لَوْ كَانَ ظَنَّهُ مِلْكَهُ فَوَجْهَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: الصَّوَابُ: نَبْشُهُ، وَقَالَ الْمَجْدُ هُنَا كَمَا قَالَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُغْرَمُ الْيَسِيرُ مِنْ تِرْكَتِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يُغْرَمُ مِنْ تِرْكَتِهِ، فَتَعَذَّرَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ [إنْ بُذِلَتْ قِيمَتُهُ لَمْ يُشَقَّ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ] أَيْضًا: إنْ بَذَلَهَا وَارِثٌ لَمْ يُشَقَّ، وَإِلَّا شُقَّ، وَقِيلَ: لَمْ يُشَقَّ مُطْلَقًا.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ) أَنَّهُ لَوْ بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ: أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنْبَشَ إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ.
وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: يُحْسَبُ مِنْ ثُلُثِهِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُؤْخَذُ إذَا بَلِيَ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ نُبِشَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ.

فَائِدَةٌ: لَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ: أُخِذَ إذَا بَلِيَ الْمَيِّتُ، وَلَا يُعْرَضُ لَهُ قَبْلَهُ، وَلَا يَضْمَنُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: هُوَ كَمَالِهِ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: إنْ بَلَعَهُ بِإِذْنِهِ فَهُوَ الْمُتْلِفُ لِمَالِهِ، كَقَوْلِهِ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ فَأَلْقَاهُ قَالَ: وَكَذَا لَوْ رَآهُ مُحْتَاجًا إلَى رَبْطِ أَسْنَانِهِ بِذَهَبٍ فَأَعْطَاهُ خَيْطًا مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ فَأَعْطَاهُ فَرَبَطَهُ بِهِ وَمَاتَ، لَمْ يَجِبْ قَلْعُهُ وَرَدُّهُ، لِأَنَّ فِيهِ مُثْلَةً قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
فَائِدَةٌ: لَوْ مَاتَ وَلَهُ أَنْفُ ذَهَبٍ يُقْلَعُ، لَكِنْ إنْ كَانَ بَائِعُهُ لَمْ يَأْخُذْ ثَمَنَهُ أَخَذَهُ مِنْ تِرْكَتِهِ، وَمَعَ عَدَمِ التَّرِكَةِ يَأْخُذُهُ إذَا بَلِيَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي الْحَالِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلرُّجُوعِ حَيَاةُ الْمُفْلِسِ فِي قَوْلٍ، مَعَ أَنَّ فِيهِ هُنَا مُثْلَةً.

. فَوَائِدُ.
دَفْنُ الشَّهِيدِ بِمَصْرَعِهِ سُنَّةٌ نَصَّ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ نُقِلَ رُدَّ إلَيْهِ.

(وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَحَمْلُ الْمَيِّتِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَكْرُوهٌ) وَيَجُوزُ نَقْلُ غَيْرِهِ أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إنْ أُمِنَ تَغَيُّرُهُ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ إنْ لَمْ يُظَنَّ تَغَيُّرُهُ.
انْتَهَى.
وَلَا يُنْقَلُ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ وَمُجَاوَرَةِ صَالِحٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَوْ رَضِيَ بِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فَقَالَ: يَجِبُ نَقْلُهُ لِضَرُورَةٍ، نَحْوِ كَوْنِهِ بِدَارِ حَرْبٍ، أَوْ مَكَان يُخَافُ فِيهِ نَبْشُهُ وَتَحْرِيقُهُ، أَوَالْمُثْلَةُ بِهِ قَالَ: فَإِنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ بِدَارِ حَرْبٍ، فَالْأَوْلَى: تَسْوِيَتُهُ بِالْأَرْضِ وَإِخْفَاؤُهُ مَخَافَةَ الْعَدُوِّ، وَمَعْنَاهُ كَلَامُ غَيْرِهِ فَيُعَايَى بِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ " لَوْ دُفِنَ قَبْلَ غُسْلِهِ أَوْ تَكْفِينِهِ، أَوْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
هَلْ يُنْبَشُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ نَبْشُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؟ فَلْيُرَاجَعْ هُنَاكَ

قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا) وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَوْلُهُ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَى) ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ (تَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ فَيُخْرِجْنَهُ) إذَا اُحْتُمِلَ حَيَاتُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: إنْ لَمْ يُوجَدْ أَمَارَاتُ الظُّهُورِ بِانْفِتَاحِ الْمَخَارِجِ وَقُوَّةِ الْحَرَكَةِ فَلَا تَسْطُو الْقَوَابِلُ فَعَلَى الْأَوَّلِ: إنْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ بِالْقَوَابِلِ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشَقُّ بَطْنُهَا، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ يُشَقُّ وَيُخْرَجُ الْوَلَدُ، قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُتْرَكُ وَلَا يُدْفَنُ حَتَّى يَمُوتَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يَسْطُو عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَالْأَوْلَى بِذَلِكَ الْمَحَارِمُ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَجْدُ: كَمُدَاوَاةِ الْحَيِّ وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِالْمَحْرَمِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ بِذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْحَمْلِ حَيًّا شُقَّ بَطْنُهَا حَتَّى يَكْمُلَ خُرُوجُهُ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَتَعَذَّرَ خُرُوجُهُ، غُسِّلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَأَجْزَأَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَأَوَّلُ مَنْ أَفْتَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقِيلَ: تُيَمَّمُ لِمَا لَمْ يَخْرُجْ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ دُفِنَتْ وَحْدَهَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا دُفِنَتْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَ الْآجُرِّيُّ: تُدْفَنُ بِجَنْبِ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْمَرُّوذِيَّ قَالَ كَلَامُ أَحْمَدَ: لَا بَأْسَ بِهِ مَعَنَا، لِمَا فِي بَطْنِهَا.
قَوْلُهُ (وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ) يَعْنِي وَتَكُونُ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ؛ لِيَكُونَ وَجْهُ الْجَنِينِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَا يُصَلَّى عَلَى هَذَا الْجَنِينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَا سِقْطٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إنْ مَضَى زَمَنُ تَصْوِيرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إذَا انْفَصَلَ.
الثَّانِيَةُ: يُصَلَّى عَلَى الْمُسْلِمَةِ الْحَامِلِ، بِلَا نِزَاعٍ، وَيُصَلَّى عَلَى حَمْلِهَا إنْ كَانَ قَدْ مَضَى زَمَنُ تَصْوِيرِهِ، وَإِلَّا صُلِّيَ عَلَيْهَا دُونَهُ.
هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ: لَا يَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَى حَمْلِهَا، وَعَلَّلَهُ بِالشَّكِّ فِي وُجُودِهِ.

قَوْلُهُ (وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تُكْرَهُ اخْتَارَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَاخْتَارَهَا أَيْضًا أَبُو حَفْصٍ.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ، وَهِيَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَعَلَيْهَا قُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ، وَسَمَّى الْمَرُّوذِيُّ، انْتَهَى، قُلْت: قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: رَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ مَرَّ بِضَرِيرٍ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرٍ فَنَهَاهُ، وَقَالَ: الْقِرَاءَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ.
فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ: يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي حَبَشٍ الْحَلَبِيِّ؟ فَقَالَ: ثِقَةٌ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُبَشِّرٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى إذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَقَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يُوصِي بِذَلِكَ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ارْجِعْ فَقُلْ لِلرَّجُلِ: يَقْرَأُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ وَقْتَ دَفْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَنْهُ يُسَنُّ وَقْتَ الدَّفْنِ اخْتَارَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ وَشَيْخُنَا، وَعَنْهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ بِدْعَةٌ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَلَا فِعْلِ أَصْحَابِهِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ: فَيُسْتَحَبُّ، عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ نَصَّ عَلَيْهِ أَخِيرًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ، بَلْ تُسْتَحَبُّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تُبَاحُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَتُبَاحُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.

قَوْلُهُ (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَلَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ

مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: مَنْ حَجَّ نَفْلًا عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَمَّنْ حَجَّ لِعَدَمِ إذْنِهِ.
فَائِدَةٌ: نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ثُمَّ قُولُوا: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَهُ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ يَعْنِي ثَوَابَهُ وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ " اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا، فَقَدْ جَعَلْتُ ثَوَابَهُ أَوْ مَا تَشَاءُ مِنْهُ لِفُلَانٍ " لِأَنَّهُ قَدْ يَتَخَلَّفُ فَلَا يَتَحَكَّمُ عَلَى اللَّهِ وَقَالَ الْمَجْدُ: مَنْ سَأَلَ الثَّوَابَ ثُمَّ أَهْدَاهُ، كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أَثِبْنِي عَلَى عَمَلِي هَذَا أَحْسَنَ الثَّوَابِ، وَاجْعَلْهُ لِفُلَانٍ كَانَ أَحْسَنَ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ فِعْلِ الْقُرْبَةِ [وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ فِعْلِ الْقُرْبَةِ] وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَتَقَدَّمَ نِيَّةٌ ذَلِكَ وَتُقَارِنُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِهْدَاءِ وَنَقْلِ الثَّوَابِ: أَنْ يَنْوِيَ الْمَيِّتَ بِهِ ابْتِدَاءً، كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبَعْدَهُ فَهُوَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِعُمُومِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ لَا وَجْهَ لَهُ، فِي أَثَرٍ لَهُ وَلَا نَظَرٍ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَقَعَ الْقُرْبَةُ عَنْ الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً بِالنِّيَّةِ لَهُ: فَهَذَا مُتَّجَهٌ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ثَوَابُ الْقُرْآنِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ إذَا نَوَاهُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْإِهْدَاءُ فَظَاهِرُهُ عَدَمُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ فِي التَّبْصِرَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: قَالَ حَنْبَلُ: يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ الْأَعْمَالِ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسْتَنِيبِ إلَّا بِالنِّيَّةِ مِنْ النَّائِبِ قَبْلَ الْفَرَاغِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ " وَكَذَا لَوْ أَهْدَى بَعْضَهُ كَنِصْفِهِ، أَوْ ثُلُثِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ.

وَهَذِهِ قَدْ يُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ: أَيْنَ لَنَا مَوْضِعٌ تَصِحُّ فِيهِ الْهَدِيَّةُ، مَعَ جَهَالَةِ الْمُهْدَى بِهَا؟ ذَكَرَهَا فِي النُّكَتِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْجُمُعَةِ كَرَاهَةُ إيثَارِ الْإِنْسَانِ بِالْمَكَانِ الْفَاضِلِ، وَهُوَ إيثَارٌ بِفَضِيلَةٍ فَيُحْتَاجُ إلَى تَفْرِقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إهْدَاءِ الْقُرَبِ.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا) الدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ، وَالْوَاجِبَ الَّذِي تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَالْعِتْقَ، وَحَجَّ التَّطَوُّعِ فَإِذَا فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَكَذَا تَصِلُ إلَيْهِ الْقِرَاءَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: قَالَ الْمَجْدُ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاءُ الْقُرَبِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْفُنُونِ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاءُ الْقُرَبِ، حَتَّى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَلَمْ يَرَهُ لِمَنْ لَهُ ثَوَابٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَأَجْرِ الْعَامِلِ، كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُعَلِّمِ الْخَيْرِ، بِخِلَافِ الْوَالِدِ فَإِنَّ لَهُ أَجْرًا كَأَجْرِ الْوَلَدِ.
الثَّانِيَةُ: الْحَيُّ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ كَالْمَيِّتِ فِي انْتِفَاعِهِ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ كَذَا الْقِرَاءَةُ وَنَحْوُهَا.
قَالَ الْقَاضِي: لَا نَعْرِفُ رِوَايَةً بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا أَصَحُّ قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الْحَيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي حَجِّ النَّفْلِ عَنْ الْحَيِّ لَا يَنْفَعُهُ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ: الْقِرَاءَةُ وَنَحْوُهَا لَا تَصِلُ إلَى الْحَيِّ.

قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ) بِلَا نِزَاعٍ، وَزَادَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: وَيَكُونُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ إذَا قَصَدَ أَهْلَ الْمَيِّتِ فَأَمَّا لِمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ: فَيُكْرَهُ لِلْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْمَكْرُوهِ.
انْتَهَى

قَوْلُهُ (وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ) يَعْنِي لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يُكْرَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَقِيلَ: يُحَرَّمُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ يُبَاحُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَلَا يُبَاحُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُسَنُّ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَيُكْرَهُ لِأَهْلِهِ.

قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ إجْمَاعًا قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا [بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ الرِّجَالِ الْقُبُورَ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا] فِي إبَاحَةِ زِيَارَتِهَا لِلرِّجَالِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: يُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ لَا بَأْسَ بِزِيَارَتِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ [وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ أَخَذَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْمَجْدُ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ: الْإِبَاحَةَ مِنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ] فَقَالُوا: وَقِيلَ: يُبَاحُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا: الِاسْتِحْبَابُ لِقَرِينَةِ تَذَكُّرِ الْمَوْتِ، أَوْ لِلْأَمْرِ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّرْحِ، إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ لَهُنَّ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَالْوَجِيزُ، وَالْمُنَوِّرُ، وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ مَنْجَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ قَالَ فِي النَّظْمِ: وَهُوَ أَوْلَى، وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ فَيُبَاحُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: يَحْرُمُ، كَمَا لَوْ عَلِمْت أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهَا مُحَرَّمٌ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَحَكَاهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا قَالَ فِي جَامِعِ الِاخْتِيَارَاتِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: تَرْجِيحُ التَّحْرِيمِ.
لِاحْتِجَاجِهِ بِلَعْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، وَتَصْحِيحُهُ إيَّاهُ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَتَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْحَمْلِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُنَّ اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: يَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ زِيَارَتُهُ لِلِاعْتِبَارِ، وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ زِيَارَةِ قَبْرِ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ.
الثَّانِيَةُ: الْأَوْلَى لِلزَّائِرِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ الْقَبْرِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يَقِفُ حَيْثُ شَاءَ، وَالْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ حَالَ الزِّيَارَةِ قَائِمًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ قُعُودُهُ كَقِيَامِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرُبَ مِنْهُ، كَزِيَارَتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْوَسِيلَةِ وَالتَّلْخِيصِ.
الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: اسْتِحْبَابُ كَثْرَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَيْفَ يَرِقُّ قَلْبِي؟ قَالَ: اُدْخُلْ الْمَقْبَرَةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ زِيَارَةِ الْمَوْتَى قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ سَلَفٌ.
الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ لَمْسُ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ قَالَ

أَبُو الْحُسَيْنِ فِي تَمَامِهِ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَقَالَ فِي الْوَسِيلَةِ: هَلْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ فَرَاغِ دَفْنِهِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَجُلُوسُهُ عَلَى جَانِيَيْهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.

قَوْلُهُ (وَيَقُولُ إذَا زَارَهَا، أَوْ مَرَّ بِهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ إلَى آخِرِهِ) نَكَّرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَفْظَ (السَّلَامِ) وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَوَرَدَ الْحَدِيثُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَقُولُ مُعَرِّفًا، فَيَقُولُ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَخَيَّرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا مِنْهُمْ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.
وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ ابْنُ نَاصِرٍ: يَقُولُ لِلْمَوْتَى " عَلَيْكُمْ السَّلَامُ ".

فَائِدَةٌ.
إذَا سَلَّمَ عَلَى الْحَيِّ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ: ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قُلْت: مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَنْهُ تَعْرِيفُهُ أَفْضَلُ قَالَ النَّاظِمُ كَالرَّدِّ، وَقِيلَ: تَنْكِيرُهُ أَفْضَلُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَرَدَّهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: سَلَامُ التَّحِيَّةِ مُنَكَّرٌ، وَسَلَامُ الْوَدَاعِ مُعَرَّفٌ.

قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلُ الْمَيِّتِ) يَعْنِي سَوَاءً كَانَ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، فِي التَّعْزِيَةِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوْلَى، لِلْإِيَاسِ التَّامِّ مِنْهُ.

فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ تَكْرَارُ التَّعْزِيَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فَلَا يُعَزِّي عِنْدَ الْقَبْرِ مَنْ عَزَّى قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ لِمَنْ عَزَّى وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ إلَّا لِمَنْ لَمْ يُعَزِّ، وَأَطْلَقَ جَوَازَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى.
انْتَهَى.
وَتُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ لِامْرَأَةٍ شَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لِلْفِتْنَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُتَوَجَّهُ فِيهِ مَا فِي تَشْمِيتِهَا إذَا عَطَسَتْ، وَيُعَزَّى مَنْ شَقَّ ثَوْبَهُ نَصَّ عَلَيْهِ، لِزَوَالِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الشَّقُّ وَيُكْرَهُ اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ.
تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَغَيْرُهُ: أَنَّ التَّعْزِيَةَ لَيْسَتْ مُحَدَّدَةً بِحَدٍّ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فَظَاهِرُهُ: يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: آخِرُهَا يَوْمَ الدَّفْنِ، وَقِيلَ: تُسْتَحَبُّ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ، وَالْآمِدِيُّ، وَأَبُو الْفَرَجِ، وَالْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُمْ: يُكْرَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ قَالَ الْمَجْدُ: لِإِذْنِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْدَادِ فِيهَا، وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِي آخِرِهَا كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: اتَّفَقُوا لِكَرَاهِيَتِهِ بَعْدَهَا، وَلَا يَبْعُدُ تَشْبِيهُهَا بِالْإِحْدَادِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِتَعْزِيَتِهِ إذَا حَضَرَ وَاخْتَارَهُ النَّاظِمُ، وَقَالَ: مَا لَمْ تُنْسَ الْمُصِيبَةُ الثَّانِي: قَوْلُهُ (وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ) وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ " أَهْلُ الْمَيِّتِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: أَهْلُ الْمُصِيبَةِ وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ

فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، لَا تَفَقُّهًا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ فِي النُّكَتِ: فَيُعَزَّى الْإِنْسَانُ فِي رَفِيقِهِ وَصَدِيقِهِ وَنَحْوِهِمَا، كَمَا يُعَزَّى فِي قَرِيبِهِ، وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ.
انْتَهَى.

قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: هَذَا اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ مَا يُعْجِبُنِي، وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَزَّى وَجَلَسَ قَالَ الْخَلَّالُ: سَهَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْجُلُوسِ إلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَقِيلَ: يُبَاحُ ثَلَاثًا كَالنَّعْيِ، وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَمَعْنَاهُ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ.
وَعَنْهُ الرُّخْصَةُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَلِغَيْرِهِمْ، خَوْفَ شِدَّةِ الْجَزَعِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَمَّا وَالْمَيِّتُ عِنْدَهُمْ: فَأَكْرَهُهُ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَمْنَعْ أَهْلَهُ، وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ، لِأَنَّ فِيهِ تَهْيِيجًا لِلْحُزْنِ.
فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ، لِيَتْبَعَ الْجِنَازَةَ، أَوْ يَخْرُجَ وَلِيُّهُ فَيُعَزِّيَهُ فَعَلَهُ السَّلَفُ.

قَوْلُهُ (وَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك) ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ.
بَلْ إنْ شَاءَ، قَالَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ فَقَدْ عَزَّى الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَجُلًا، فَقَالَ " آجَرَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، فِي هَذَا الرَّجُلِ " وَعَزَّى أَبَا طَالِبٍ فَقَالَ " أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكُمْ " قَوْلُهُ (وَفِي تَعْزِيَةٍ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) يَعْنِي إذَا عَزَّى مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَنْ مَيِّتٍ كَافِرٍ فَأَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهُ

يُعَزِّيهِ عَنْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يُعَزِّيهِ عَنْ كَافِرٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَقُولُ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَصَارَ لَك خَلَفًا عَنْهُ.
قَوْلُهُ (وَفِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَفِي تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك، وَلَا نَقَصَ عَدَدُك، أَوْ أَكْثَرَ عَدَدَك) فَيَدْعُو لِأَهْلِ الذِّمَّةِ بِمَا يَرْجِعُ إلَى طُولِ الْعُمُرِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَلَا يَدْعُو لِكَافِرٍ حَيٍّ بِالْأَجْرِ، وَلَا لِكَافِرٍ مَيِّتٍ بِالْمَغْفِرَةِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: وَيَقُولُ لَهُ أَيْضًا: وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ يَقُولُ: أَعْطَاك اللَّهُ عَلَى مُصِيبَتِك أَفْضَلَ مَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِك، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: قُلْت: لَا يَنْبَغِي تَعْزِيَتُهُ عَنْ كَافِرٍ، وَلَا الدُّعَاءُ بِالْإِخْلَافِ عَلَيْهِ، وَعَدَمِ تَنْقِيصِ عَدَدِهِ، بَلْ الْمَشْرُوعُ [الدُّعَاء] بِعَدَمِ الْكَافِرِينَ وَإِبَادَتِهِمْ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ.
انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِتَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ، أَوْ عَنْ كَافِرٍ حَيْثُ قِيلَ: بِجَوَازِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ ذَلِكَ أَوْ لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ: جَوَازُ التَّعْزِيَةِ عِنْدَهُ فَيَكُونُ قَدْ اخْتَارَ جَوَازَ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ: أَوْلَى، وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: تَحْرِيمُ تَعْزِيَتِهِمْ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ، وَلَنَا رِوَايَةٌ بِالْكَرَاهَةِ قَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَرِوَايَةٌ بِالْإِبَاحَةِ فَعَلَيْهَا يَقُولُ مَا تَقَدَّمَ.

فَوَائِدُ.
إحْدَاهَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ: هَلْ يَرُدُّ الْمُعَزَّى شَيْئًا أَمْ لَا؟

وَقَدْ رَدَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ عَزَّاهُ فَقَالَ: اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَك، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ.
انْتَهَى.
وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً وَمَتْبُوعًا، قُلْت: جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِيَةُ: مَعْنَى " التَّعْزِيَةِ " التَّسْلِيَةُ، وَالْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ.

الثَّالِثَةُ: لَا يُكْرَهُ أَخْذُهُ بِيَدِ مَنْ عَزَّاهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ الْوَقْفُ، وَكَرِهَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ قَالَ الْخَلَّالُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ عِنْدَ الْقَبْرِ.

قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ، لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَوَجَّهَ فِي الْفُرُوعِ احْتِمَالًا يُحْمَلُ النَّهْيُ عَنْ الْبُكَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ: عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ أَنَّهُ [كَرِهَ] كَثْرَةَ الْبُكَاءِ وَالدَّوَامِ عَلَيْهِ أَيَّامًا قَالَ جَمَاعَةٌ: الصَّبْرُ عَنْ الْبُكَاءِ أَجْمَلُ مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الْبُكَاءَ يُسْتَحَبُّ رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْفَرَحِ كَفَرَحِ الْفُضَيْلِ لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ عَلِيٌّ، قُلْت: اسْتِحْبَابُ الْبُكَاءِ رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ لَا يُعْدَلُ عَنْهَا.

قَوْلُهُ (وَأَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابَ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ) يَعْنِي يَجُوزُ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَامَةً يُعْرَفُ بِهَا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ لُبْسُهُ خِلَافَ زِيِّهِ الْمُعْتَادِ.
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ لِلْمُصَابِ تَغْيِيرُ حَالِهِ مِنْ خَلْعِ رِدَائِهِ وَنَعْلِهِ، وَتَغْلِيقِ حَانُوتِهِ،

وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مَسْأَلَةٍ يَوْمَ مَاتَ بِشْرٌ؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ جَوَابٍ هَذَا يَوْمُ حُزْنٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا بَأْسَ بِهَجْرِ الْمُصَابِ الزِّينَةَ وَحُسْنَ الثِّيَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ حَمْدَانَ.

قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ وَلَا النِّيَاحَةُ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنْتَخَبِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ وَعَنْهُ يُكْرَه النَّدْبُ وَالنَّوْحُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ بِصِدْقٍ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْكَافِي قَالَ الْآمِدِيُّ: يُكْرَهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ: وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ بَطَّةَ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَالْخِرَقِيُّ.
انْتَهَى.
نَقَلَهُ عَنْهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِمَا، وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، قُلْت: قَدْ نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ قَبْلَ الْمُصَنِّفِ، ذَكَرَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَقَطَعَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِيَسِيرِ النَّدْبِ إذَا كَانَ صِدْقًا، وَلَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ النَّوْحِ، وَلَا قُصِدَ نَظْمُهُ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَتَابَعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالزَّرْكَشِيُّ، قُلْت: وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيُبَاحُ يَسِيرُ النَّدْبِ الصِّدْقِ نَصَّ عَلَيْهِ.

فصول الكتاب · 4 فصل · 570 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي · 570 صفحة
المقدمة
ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
بَابِ الرَّهْنِ:
ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
جارٍ التحميل