الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويصفحات 207-246
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابِ الرَّهْنِ:

صفحات 207-246
عن هذه الطبعة
عَلَم
المرداوي
الكتاب
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
المؤلف
علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الطبعة
الثانية - بدون تاريخ
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَوَائِدُ إحْدَاهَا: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَذَفَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ، وَادَّعَى رِقَّهَا، وَأَنْكَرَتْهُ وَلَا بَيِّنَةَ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا.
قَالَهُ الْمَجْدُ، وَالنَّاظِمُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ هُنَا: أَنَّهُ يُحَدُّ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَّهُ لَا يُحَدُّ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ: زَنَيْت وَأَنْتِ مُشْرِكَةٌ.
فَقَالَتْ: أَرَدْت قَذْفِي بِالزِّنَا وَالشِّرْكِ مَعًا.
فَقَالَ: بَلْ أَرَدْت قَذْفَك بِالزِّنَا إذْ كُنْت مُشْرِكَةً: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَنَصُّهُمَا.
وَعَنْهُ: يُحَدُّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ.
ثُمَّ ثَبَتَ زِنَاهَا فِي حَالِ كُفْرِهَا: لَمْ تُحَدَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
كَثُبُوتِهِ فِي إسْلَامٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: إنْ قَذَفَهُ بِمَا أَتَى فِي الْكُفْرِ: حُدَّ لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ.
وَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ: رَجُلٌ رَمَى امْرَأَةً بِمَا فَعَلَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: يُحَدُّ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِي فِي الْحَالِ، فَأَنْكَرَهَا: فَعَلَى وَجْهَيْنِ) .

وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْمُسْتَوْعِبِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُحَدُّ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَابْنُ الْبَنَّاءِ وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُحَدُّ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ مِثْلُهُ إنْ أَضَافَهُ إلَى جُنُونٍ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُجَنُّ: لَمْ يُحَدُّ بِقَذْفِهِ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: إنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَجْنُونًا حِينَ قَذَفَهُ، فَأَنْكَرَ وَعُرِفَ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ وَإِفَاقَةٍ: فَوَجْهَانِ.

فَائِدَةٌ: لَوْ قَذَفَ ابْنَ الْمُلَاعَنَةِ: حُدَّ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَكَذَا لَوْ قَذَفَ الْمُلَاعَنَةَ نَفْسَهَا وَوَلَدَ الزِّنَا.
قَالَهُ الْأَصْحَابُ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَزَالَ إحْصَانُهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ: لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
حَكَمَ حَاكِمٌ بِوُجُوبِهِ أَوْ لَا.
قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَالْقَذْفُ مُحَرَّمٌ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرَى امْرَأَتَهُ تَزْنِي فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ) . زَادَ فِي التَّرْغِيبِ: وَلَوْ دُونَ الْفَرْجِ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ: أَوْ تُقِرُّ بِهِ.
فَيُصَدِّقُهَا قَوْلُهُ (فَيَعْتَزِلُهَا، وَتَأْتِي بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الزَّانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَذْفُهَا وَنَفْيُ وَلَدِهَا) . بِلَا نِزَاعٍ.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ: وَكَذَا لَوْ وَطِئَهَا فِي طُهْرٍ زَنَتْ فِيهِ، وَظَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: نَفْيُهُ مُحَرَّمٌ مَعَ التَّرَدُّدِ.
فَإِنْ تَرَجَّحَ النَّفْيُ، بِأَنْ اسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ: فَوَجْهَانِ، وَاخْتَارَ جَوَازَهُ مَعَ أَمَارَةِ الزِّنَا.
وَلَا وُجُوبَ.
وَلَوْ رَآهَا تَزْنِي، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الزَّانِي: حَرُمَ نَفْيُهُ.
وَلَوْ نَفَاهُ وَلَاعَنَ: انْتَفَيَا.
قَوْلُهُ (وَالثَّانِي: أَنْ لَا تَأْتِيَ بِوَلَدٍ يَجِبُ نَفْيُهُ) . يَعْنِي: يَرَاهَا تَزْنِي وَلَا تَأْتِي بِوَلَدٍ يَجِبُ نَفْيُهُ.
(أَوْ اسْتَفَاضَ زِنَاهَا فِي النَّاسِ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ ثِقَةٌ، أَوْ رَأَى رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ يَدْخُلُ إلَيْهَا) . زَادَ فِي التَّرْغِيبِ، فَقَالَ.
" يَدْخُلُ إلَيْهَا خَلْوَةً ". وَاعْتُبِرَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ هُنَا: اسْتِفَاضَةُ زِنَاهَا، وَقَدَّمَا: أَنَّهُ لَا يَكْفِي اسْتِفَاضَةٌ بِلَا قَرِينَةٍ، وَقَوْلُهُ (فَيُبَاحُ قَذْفُهَا وَلَا يَجِبُ) . قَالَ الْأَصْحَابُ: فِرَاقُهَا أَوْلَى مِنْ قَذْفِهَا، وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: أَنَّ الْقَذْفَ الْمُبَاحَ: أَنْ يَرَاهَا تَزْنِي أَوْ يَظُنَّهُ وَلَا وَلَدَ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ " كِتَابِ الطَّلَاقِ " مَنْ يُسْتَحَبُّ طَلَاقُهَا وَمَنْ يُكْرَهُ، وَمَنْ يُبَاحُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَهُمَا: لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِذَلِكَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ إبَاحَتُهُ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ.
فَإِنْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ: فَإِنَّهُ يُبَاحُ نَفْيُهُ.

قَوْلُهُ (فَصْلٌ وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ.
فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: يَا زَانِي، يَا عَاهِرُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَرَدْت يَا زَانِيَ الْعَيْنِ.
وَلَا يَا عَاهِرَ الْيَدِ.
وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: لَمْ يُقْبَلْ مَعَ سَبْقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى قَذْفٍ صَرِيحٍ، وَإِلَّا قُبِلَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: يَا لُوطِيُّ، أَوْ يَا مَعْفُوجُ: فَهُوَ صَرِيحٌ) . إذَا قَالَ لَهُ " يَا لُوطِيُّ " فَهُوَ صَرِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: عَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ.
وَعَنْهُ: صَرِيحٌ مَعَ الْغَضَبِ وَنَحْوِهِ، دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إذَا قَالَ " أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ " فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ بَعِيدٌ.

قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: إذَا قَالَ " أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ " هَذَا لَا يُعْرَفُ.
انْتَهَى وَكَذَا لَوْ قَالَ " نَوَيْت أَنَّ دِينَهُ دِينُ قَوْمِ لُوطٍ " وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَإِذَا قَالَ " يَا مَعْفُوجُ " فَهُوَ صَرِيحٌ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُحَدُّ بِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ كِنَايَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ.
وَعَلَيْهِ جَرَى الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّك تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غَيْرَ إتْيَانِ الرِّجَالِ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ) . بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَنْصُوصَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ هُنَاكَ صَرِيحٌ: لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِهِ هُنَا، وَإِلَّا قُبِلَ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ.
وَقِيلَ: الْوَجْهَانِ عَلَى غَيْرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: فَيُقْبَلُ مِنْهُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ، تَبَعًا لِأَبِي الْبَرَكَاتِ يَعْنِي الْمَجْدَ فِي الْمُحَرَّرِ.
فَائِدَةٌ: وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ: قَوْلُهُ " يَا مَنْيُوكُ أَوْ يَا مَنْيُوكَةُ ". لَكِنْ لَوْ فَسَّرَ قَوْلَهُ " يَا مَنْيُوكَةُ " بِفِعْلِ الزَّوْجِ: لَمْ يَكُنْ قَذْفًا.
ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ.

وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
قُلْت: لَوْ قِيلَ: إنَّهُ قَذْفٌ بِقَرِينَةِ غَضَبٍ وَخُصُومَةٍ وَنَحْوِهِمَا: لَكَانَ مُتَّجَهًا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: لَسْت بِوَلَدِ فُلَانٍ: فَقَدْ قَذَفَ أُمَّهُ) . إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ أَبُوهُ، وَلَمْ يُفَسِّرْهُ بِزِنَى أُمِّهِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ بِقَذْفٍ لِأُمِّهِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: وَكَذَا الْحَكَمُ خِلَافًا وَمَذْهَبًا لَوْ نَفَاهُ مِنْ قَبِيلَتِهِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِنَفْيِ الرَّجُلِ عَنْ قَبِيلَتِهِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ قَذَفَ ابْنَ الْمُلَاعَنَةِ: حُدَّ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: لَسْت بِوَلَدِي: فَعَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ بِقَذْفٍ إذَا فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ.
فَيَكُونُ كِنَايَةً.
وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَغَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ قَذْفٌ بِكُلِّ حَالٍ.
فَيَكُونُ صَرِيحًا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْت أَزَنَى النَّاسِ، أَوْ أَزَنَى مِنْ فُلَانَةَ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ، أَوْ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِي، أَوْ قَالَ: زَنَتْ يَدَاك، أَوْ رِجْلَاك: فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْقَذْفِ، فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ) . إذَا قَالَ " أَنْت أَزَنَى النَّاسِ " أَوْ " مِنْ فُلَانَةَ " أَوْ قَالَ لَهُ " يَا زَانِيَةُ " أَوْ لَهَا " يَا زَانِي " فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْقَذْفِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: فِي قَذْفِ فُلَانَةَ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ بِقَاذِفٍ لَهَا، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ أَقْيَسُ.
وَالثَّانِي: هُوَ قَذْفٌ أَيْضًا لَهَا، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَإِذَا قَالَ " زَنَتْ يَدَاك أَوْ رِجْلَاك " فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْقَذْفِ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَاهُ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي الْأَصَحِّ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
وَبَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لِلرَّجُلِ " يَا زَانِيَةُ " وَلِلْمَرْأَةِ " يَا زَانِي " صَرِيحٌ.
فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحَكَمُ لَوْ قَالَ " زَنَتْ يَدُك " أَوْ " رِجْلُك " وَكَذَا قَوْلُهُ " زَنَى بَدَنُك " قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.

وَكَذَا قَوْلُهُ " زَنَتْ عَيْنُك " قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ " زَنَتْ عَيْنُك " وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالصَّوَابِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ " زَنَأْت فِي الْجَبَلِ " مَهْمُوزًا: فَهُوَ صَرِيحٌ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ: لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا.
وَيُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ: أَرَدْت صُعُودَ الْجَبَلِ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ إمَامِنَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ " بهشتم " إنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ طَلَاقٌ: لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ " فِي الْجَبَلِ " فَهَلْ هُوَ صَرِيحٌ، أَوْ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . يَعْنِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ أَحَدُهُمَا: هُوَ صَرِيحٌ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حُكْمُهَا حُكْمُ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَقِيلَ: لَا قَذْفَ هُنَا.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ مِثْلَهَا لَفْظَةُ " عِلْقٍ " ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَرِيحَةً.
وَمَعْنَاهُ قَوْلُ ابْنِ رَزِينٍ: كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عُرْفًا.

قَوْلُهُ (وَالْكِنَايَةُ: نَحْوُ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: قَدْ فَضَحْتِيهِ، وَغَطَّيْت أَوْ نَكَّسْت رَأْسَهُ، وَجَعَلْت لَهُ قُرُونًا، أَوْ عَلَّقْت عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَفْسَدْت فِرَاشَهُ، أَوْ يَقُولُ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: يَا حَلَالُ بْنَ الْحَلَالِ.
مَا يَعْرِفُك النَّاسُ بِالزِّنَا، يَا عَفِيفُ، أَوْ يَا فَاجِرَةُ يَا قَحْبَةُ يَا خَبِيثَةُ) . وَكَذَا قَوْلُهُ " يَا نَظِيفُ، يَا خَنِيثُ " بِالنُّونِ.
وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْبَاءِ.
ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
أَوْ يَقُولُ لِعَرَبِيٍّ " يَا نَبَطِيُّ، يَا فَارِسِيُّ، يَا رُومِيُّ ". أَوْ يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ " يَا عَرَبِيُّ " أَوْ " مَا أَنَا بِزَانٍ " أَوْ " مَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ ". أَوْ يَسْمَعُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا فَيَقُولُ " صَدَقْت " أَوْ " أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّك زَنَيْت ". أَوْ " أَشْهَدَنِي فُلَانٌ أَنَّك زَنَيْت " وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ.
فَهَذَا كِنَايَةٌ.
إنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُ الْقَذْفِ: قُبِلَ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَهُمَا رِوَايَتَانِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّصْحِيحِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ.
وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِقَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ

وَفِي الْآخَرِ: جَمِيعُهُ صَرِيحٌ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ عَنْ الْخِرَقِيِّ.
وَأَطْلَقَهَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ.
وَعَنْهُ: لَا يُحَدُّ إلَّا بِنِيَّتِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةً: أَنَّهُ لَا يُحَدُّ إلَّا بِالصَّرِيحِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ أَلْفَاظَ الْكِنَايَاتِ مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ: صَرَائِحُ.
فَوَائِدُ الْأُولَى: وَكَذَا الْحُكْمُ وَالْخِلَافُ لَوْ سَمِعَ رَجُلًا يَقْذِفُ، فَقَالَ " صَدَقْت " كَمَا تَقَدَّمَ.
لَكِنْ لَوْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ " صَدَقْت فِيمَا قُلْت " فَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَقِيلَ: يُحَدُّ بِكُلِّ حَالٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
الثَّانِيَةُ: الْقَرِينَةُ هُنَا: كَكِنَايَةِ الطَّلَاقِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: هُوَ قَذْفٌ بِنِيَّةٍ.
وَلَا يَحْلِفُ مُنْكِرُهَا.
وَفِي قِيَامِ قَرِينَةٍ مَقَامَ النِّيَّةِ: مَا تَقَدَّمَ.
فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ بَاطِنًا بِالنِّيَّةِ.
وَفِي لُزُومِ إظْهَارِهَا وَجْهَانِ، وَأَنَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ صَرِيحٌ: يُقْبَلُ تَأْوِيلُهُ.
وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: لَوْ قَالَ " أَحَدُكُمَا زَانٍ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا " أَنَا " فَقَالَ " لَا " إنَّهُ قَذْفٌ لِلْآخَرِ.

وَذَكَرَهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا.

الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي غَضَبٍ " اعْتَدِّي " وَظَهَرَتْ مِنْهُ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ، أَوْ فَسَّرَهُ بِهِ: وَقَعَ الطَّلَاقُ.
وَهَلْ يُحَدُّ؟ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَجْهَيْنِ.
وَجَزَمَ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ: أَنَّهُ يُحَدُّ.
ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَ.
الرَّابِعَةُ: حَيْثُ قُلْنَا: لَا يُحَدُّ بِالتَّعْرِيضِ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ.
نَقَلَهُ حَنْبَلٌ.
وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو يَعْلَى.

الْخَامِسَةُ: يُعَزَّرُ بِقَوْلِهِ " يَا كَافِرُ، يَا فَاجِرُ، يَا حِمَارُ، يَا تَيْسُ، يَا رَافِضِيُّ، يَا خَبِيثَ الْبَطْنِ، أَوْ الْفَرْجِ، يَا عَدُوَّ اللَّهِ، يَا ظَالِمُ، يَا كَذَّابُ، يَا خَائِنُ، يَا شَارِبَ الْخَمْرِ، يَا مُخَنَّثُ " نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
وَقِيلَ " يَا فَاسِقُ " كِنَايَةٌ، وَ " يَا مُخَنَّثُ " تَعْرِيضٌ.
وَيُعَزَّرُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ " يَا قَرْنَانُ " " يَا قَوَّادُ " وَنَحْوَهَا.
وَسَأَلَهُ حَرْبٌ عَنْ " دَيُّوثٍ "؟ فَقَالَ: يُعَزَّرُ.
قُلْت: هَذَا عِنْدَ النَّاسِ أَقْبَحُ مِنْ الْفِرْيَةِ؟ فَسَكَتَ.
وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ " يَا دَيُّوثُ " قَذْفٌ لِامْرَأَتِهِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: الدَّيُّوثُ هُوَ الَّذِي يُدْخِلُ الرِّجَالَ عَلَى امْرَأَتِهِ.
وَمِثْلُهُ " كَشْحَانِ " وَ " قَرْطَبَانُ ". قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِي " مَأْبُونٍ " كَمُخَنَّثٍ.
وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ قَوْلَهُ " يَا عِلْقُ " تَعْرِيضٌ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهَا صَرِيحَةٌ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلُهُ " لَمْ أَجِدْك عَذْرَاءَ " كِنَايَةٌ.

تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ، لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَا مِنْ جَمِيعِهِمْ: عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعُوا بِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ بِقَذْفٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَا عَارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
وَيُعَزَّرُ كَسَبِّهِمْ بِغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ أَحَدٌ.
يُؤَيِّدُهُ: أَنَّ فِي الْمُغْنِي جَعَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَصْلًا لِقَذْفِ الصَّغِيرَةِ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحْتَاجُ فِي التَّعْزِيرِ إلَى مُطَالَبَةٍ.
وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: وَيُعَزَّرُ حَيْثُ لَا حَدَّ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: اقْذِفْنِي فَقَذَفَهُ.
فَهَلْ يُحَدُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الْخِلَافِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ: لَمْ يُحَدَّ هَاهُنَا وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ: حُدَّ، وَصَحَّحَ فِي التَّرْغِيبِ: أَنَّهُ يُحَدُّ أَيْضًا عَلَى قَوْلِنَا: إنَّهُ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: بِك زَنَيْت، لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً.
وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا) ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ " زَنَى بِك فُلَانٌ " كَانَ قَذْفًا لَهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِيهِمَا.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا.
وَخَرَجَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ الْأُخْرَى.
وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي هِدَايَتِهِ: يَكُونُ الرَّجُلُ قَاذِفًا

لَهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهَا إلَى الزِّنَا، وَتَصْدِيقُهَا لَمْ تُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ.
بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ لَوَجَبَ كَوْنُهَا قَاذِفَةً.
انْتَهَى، وَاَلَّذِي قَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ قَاذِفَةً.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ " قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي غَيْرِ هِدَايَتِهِ " فَسَقَطَ لَفْظَةُ " غَيْرِ ".

قَوْلُهُ (وَإِذَا قُذِفَتْ الْمَرْأَةُ: لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ إذَا كَانَتْ الْأُمُّ فِي الْحَيَاةِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قُذِفَتْ وَهِيَ مَيِّتَةٌ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً حُدَّ الْقَاذِفُ إذَا طَالَبَ الِابْنُ، وَكَانَ مُسْلِمًا حُرًّا.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ.
وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي غَيْرِ أُمَّهَاتِهِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ أُمَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَالِابْنُ مُشْرِكٌ أَوْ عَبْدٌ: أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّف، وَالشَّارِحُ، وَنَصَرَاهُ.

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ قَذَفَ جَدَّتَهُ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ كَقَذْفِ أُمِّهِ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَاقْتَصَرَا عَلَيْهِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ قَذَفَ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ، أَوْ كَانَ وَاحِدًا مِنْ أَقَارِبِهِ غَيْرَ أُمَّهَاتِهِ، بَعْدَ مَوْتِهِ: لَمْ يُحَدَّ بِقَذْفِهِ فِي ظَاهِرِ الْخِرَقِيِّ، وَالْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّ حَدَّ قَذْفِ الْمَيِّتِ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، حَتَّى الزَّوْجَيْنِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَذْفِ الْمَوْرُوثِ لَا غَيْرُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ: سَقَطَ الْحَدُّ) . إذَا قُذِفَ قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ مَاتَ.
فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ طَالَبَ، أَوْ لَا.
فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُطَالِبْ: سَقَطَ الْحَدُّ بِلَا إشْكَالٍ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ.
وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا بِالْإِرْثِ وَالْمُطَالَبَةِ.
وَإِنْ كَانَ طَالَبَ بِهِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ، وَلِلْوَرَثَةِ طَلَبُهُ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَمَنْ قُذِفَ لَهُ مَوْرُوثٌ حَيٌّ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ فِي حَيَاتِهِ بِمُوجَبِ قَذْفِهِ.
فَإِنْ مَاتَ، وَقَدْ وَرِثَ، أَوْ قُلْنَا: يُورَثُ مُطْلَقًا، صَارَ لِلْوَارِثِ بِصِفَةِ مَا كَانَ لِلْمَوْرُوثِ، اعْتِبَارًا بِإِحْصَانِهِ.
انْتَهَى وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَيَسْتَوْفِيهِ الْوَرَثَةُ بِحُكْمِ الْإِرْثِ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيمَا قَرَأْته بِخَطِّهِ: إنَّمَا يُسْتَوْفَى لِلْمَيِّتِ بِمُطَالَبَتِهِ مِنْهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ.

وَكَذَا الشُّفْعَةُ فِيهِ.
فَإِنَّ مِلْكَ الْوَارِثِ وَإِنْ كَانَ طَارِئًا عَلَى الْبَيْعِ إلَّا أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مِلْكِ مَوْرُوثِهِ.
انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةً: أَنَّهُ لَا يُورَثُ حَدُّ قَذْفٍ، وَلَوْ طَلَبَهُ مَقْذُوفٌ كَحَدِّ الزِّنَا.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ آخِرَ " خِيَارِ الشَّرْطِ ".

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: حَقُّ الْقَذْفِ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، حَتَّى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقِيلَ: لَهُمْ سِوَى الزَّوْجَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: هُوَ لِلْعَصَبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ: يَرِثُهُ الْإِمَامُ أَيْضًا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ.
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أَوْ غَيْرُهُ فِي " بَابِ مَا يُكْرَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ " وَحُكْمُ الْقَضَاءِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ: حُدَّ لِلْبَاقِي كَامِلًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَقِيلَ: يَسْقُطُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: لَعَلَّهُ " وَقِيلَ: بِقِسْطِهِ " انْتَهَى.
قُلْت: وَيَدُلُّ مَا يَأْتِي قَرِيبًا عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إنْ مَاتَ بَعْدَ طَلَبِهِ: مَلَكَهُ وَارِثُهُ.
فَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ: حُدَّ لِمَنْ طَلَبَ بِقِسْطِهِ، وَسَقَطَ قِسْطُ مَنْ عَفَا، بِخِلَافِ الْقَذْفِ إذَا عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يَتَبَعَّضُ.
وَهَذَا يَتَبَعَّضُ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
يُكَفَّرُ الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَعَنْهُ: إنْ تَابَ لَمْ يُقْتَلْ.
وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ.
وَهِيَ، مُخَرَّجَةٌ مِنْ نَصِّهِ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السَّاحِرِ الْمُسْلِمِ وَالسَّاحِرِ الذِّمِّيِّ، عَلَى مَا يَأْتِي.
قَالَ فِي الْمَنْثُورِ: وَهَذَا كَافِرٌ قُتِلَ مِنْ سَبِّهِ.
فَيُعَايَى بِهَا.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ.

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَذْفُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَقَذْفِ أُمِّهِ.
وَيَسْقُطُ سَبُّهُ بِالْإِسْلَامِ كَسَبِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِيهِ خِلَافٌ فِي الْمُرْتَدِّ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَكَذَا مَنْ سَبَّ نِسَاءَهُ، لِقَدْحِهِ فِي دِينِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلْهُمْ لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا قَبْلَ عِلْمِهِ بِبَرَاءَتِهَا، وَأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ - لِإِمْكَانِ الْمُفَارَقَةِ.
فَتَخْرُجُ بِالْمُفَارَقَةِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَتَحِلُّ لِغَيْرِهِ فِي وَجْهٍ.
وَقِيلَ: لَا.
وَقِيلَ: فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا.

الثَّانِيَةُ: اخْتَارَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: كُفْرَ مَنْ سَبَّ أُمَّ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا غَيْرَ نَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ كَأُمِّ نَبِيِّنَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ.

قُلْت: وَهُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ.
وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ وَتَعْلِيلُهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَذْكُرُوا مَا بَيَّنَّا فِيهِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إذَا طَالَبُوا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) . فَيُحَدُّ لِمَنْ طَلَبَ.
ثُمَّ لَا حَدَّ بَعْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: إنْ طَالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ: حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا، وَإِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ.
وَعَنْهُ: يُحَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا مُطْلَقًا.
وَعَنْهُ: إنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً: تَعَدَّدَ الْوَاجِبُ هُنَا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، كَمَا لَوْ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ: حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تَعَدَّدَ الْحَدُّ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: حَدٌّ وَاحِدٌ.
وَعَنْهُ: إنْ تَعَدَّدَ الطَّلَبُ: تَعَدَّدَ الْحَدُّ، وَإِلَّا فَلَا.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ الزِّنَا.
أَمَّا إنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ جَمِيعِهِمْ: فَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ فَأَعَادَهُ: لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَلَوْ بَعْدَ لِعَانِهِ زَوْجَتَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: يَتَعَدَّدُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: يُحَدُّ إنْ كَانَ حَدًّا.
أَوْ لَاعَنَ.
نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
فَوَائِدُ الْأُولَى: مَتَى قُلْنَا: لَا يُحَدُّ هُنَا: فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ.
وَعَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ لَا لِعَانَ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يُلَاعِنُ، إلَّا أَنْ يَقْذِفَهَا بِزِنًا لَاعَنَ عَلَيْهِ مَرَّةً، وَاعْتَرَفَ.
أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُلَاعِنُ لِنَفْيِ التَّعْزِيرِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ قَذَفَهُ بِزِنًا آخَرَ بَعْدَ حَدِّهِ.
فَعَنْهُ: يُحَدُّ.
وَعَنْهُ: لَا يُحَدُّ.
وَعَنْهُ: يُحَدُّ مَعَ طُولِ الزَّمَنِ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالنَّظْمِ.
وَقَالَ: يُحَدُّ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ فِي الْأُولَى.
وَأَطْلَقَ الْأَخِيرَتَيْنِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ.
وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ قَذَفَهُ بِزِنًا آخَرَ عَقِبَ هَذَا: فَرِوَايَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: يَجِبُ حَدَّانِ، وَالثَّانِيَةُ: حَدٌّ وَتَعْزِيرٌ.
وَإِنْ قَذَفَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ: حُدَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً، ثُمَّ نَكَحَهَا قَبْلَ حَدِّهِ فَقَذَفَهَا.
فَإِنْ طَالَبَتْ بِأَوَّلِهِمَا، فَحُدَّ: فَفِي الثَّانِي رِوَايَتَانِ وَإِنْ طَالَبَتْ بِالثَّانِي، فَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ لَاعَنَ: لَمْ يُحَدَّ لِلْأَوَّلِ.

الثَّالِثَةُ: مَنْ تَابَ مِنْ الزِّنَا ثُمَّ قُذِفَ: حُدَّ قَاذِفُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: يُعَزَّرُ فَقَطْ، وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ: يُحَدُّ بِقَذْفِهِ بِزِنًا جَدِيدٍ لِكَذِبِهِ يَقِينًا.

الرَّابِعَةُ: لَوْ قُذِفَ مَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَا مَرَّةً وَفِي الْمُبْهِجِ: أَرْبَعًا أَوْ شَهِدَ بِهِ اثْنَانِ، أَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا: فَلَا لِعَانَ، وَيُعَزَّرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يُعَزَّرُ.

الْخَامِسَةُ: لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَوْبَةٍ مِنْ قَذْفٍ وَغِيبَتِهِ وَنَحْوِهِمَا: إعْلَامُهُ، وَالتَّحَلُّلُ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: يَحْرُمُ إعْلَامُهُ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ.
وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا إعْلَامُهُ.
قُلْت: وَهِيَ بَعِيدَةٌ عَلَى إطْلَاقِهَا.
وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ بِهِ الْمَظْلُومُ، وَإِلَّا دَعَا لَهُ وَاسْتَغْفَرَ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ.

وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ: وَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، لَا يَجِبُ الِاعْتِرَافُ لَوْ سَأَلَهُ، فَيُعْرِضُ.
وَلَوْ مَعَ اسْتِحْلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ لِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ.
وَمَنْ جَوَّزَ التَّصْرِيحَ فِي الْكَذِبِ الْمُبَاحِ: فَهُنَا فِيهِ نَظَرٌ.
وَمَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ وَالْإِحْسَانِ: تَعْرِيضُهُ كَذِبٌ، وَيَمِينُهُ غَمُوسٌ.
قَالَ: وَاخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا لَا يُعْلِمُهُ، بَلْ يَدْعُو لَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَظْلِمَتِهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْضًا: وَزِنَاهُ بِزَوْجَةِ غَيْرِهِ كَالْغِيبَةِ.
قُلْت: بَلْ أَوْلَى بِكَثِيرٍ.
وَاَلَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعْلِمَهُ، وَإِنْ أَعْلَمَهُ بِالْغِيبَةِ.
فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي فِي الْغَالِبِ إلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ.
وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْقَتْلِ.
وَذُكِرَ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ: إنْ تَأَذَّى بِمَعْرِفَتِهِ كَزِنَاهُ بِجَارِيَتِهِ وَأَهْلِهِ وَغِيبَتِهِ بِعَيْبٍ خَفِيٍّ يَعْظُمُ أَذَاهُ بِهِ فَهُنَا لَا طَرِيقَ إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّهُ.
وَيَبْقَى عَلَيْهِ مَظْلِمَةٌ مَا، فَيَجْبُرُهُ بِالْحَسَنَاتِ، كَمَا تُجْبَرُ مَظْلِمَةُ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ.
انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي زِنَاهُ بِزَوْجَةِ غَيْرِهِ احْتِمَالًا لِبَعْضِهِمْ: لَا يَصِحُّ إحْلَالُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ بِإِبَاحَتِهِ ابْتِدَاءً.
قُلْت: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَبْرَأُ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ إبَاحَتَهَا ابْتِدَاءً كَالذَّمِّ وَالْقَذْفِ.
قَالَ: وَيَنْبَغِي اسْتِحْلَالُهُ.
فَإِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ أَصْبَحَ فَتَصَدَّقَ بِعِرْضِهِ عَلَى النَّاسِ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَمْ يُبَحْ.
وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ لَا يَصِحُّ، وَإِذْنُهُ فِي عِرْضِهِ كَإِذْنِهِ فِي قَذْفِهِ هِيَ كَإِذْنِهِ فِي دَمِهِ وَمَالِهِ.
وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ لَهُ إبَاحَةُ الْمُحَرَّمِ.
وَلِهَذَا لَوْ رَضِيَ بِأَنْ يُشْتَمَ أَوْ يُغْتَابَ: لَمْ يُبَحْ ذَلِكَ انْتَهَى.
فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِمَا فَعَلَ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَحَلَّلَهُ: فَهُوَ كَإِبْرَاءٍ مِنْ مَجْهُولٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ: لَا يَكْفِي الِاسْتِحْلَالُ الْمُبْهَمُ، لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ قَدْرَ ظُلْمِهِ: لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِالْإِحْلَالِ إلَى أَنْ قَالَ: فَإِنْ تَعَذَّرَ: فَيُكْثِرُ الْحَسَنَاتِ.
فَإِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَيُلْزِمُهُ قَبُولَ حَسَنَاتِهِ مُقَابَلَةً لِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ كَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا فَجَاءَ بِمِثْلِهِ، وَأَبَى قَبُولَهُ وَأَبْرَأَهُ: حَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ.

[بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ]

ِ قَوْلُهُ (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَيُسَمَّى خَمْرًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَأَبَاحَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: مِنْ نَقِيعِ التَّمْرِ إذَا طُبِخَ مَا دُونَ السُّكْرِ.
قَالَ الْخَلَّالُ: فُتْيَاهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي ضِمْنِ مَسْأَلَةِ جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ أَنَّ الْخَمْرَ إذَا طُبِخَ لَمْ يُسَمَّ خَمْرًا.
وَيَحْرُمُ إذَا حَدَثَتْ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ.
ثُمَّ صَرَّحَ فِي مَنْعِ ثُبُوتِ الْأَسْمَاءِ بِالْقِيَاسِ أَنَّ الْخَمْرَ إنَّمَا سُمِّيَ خَمْرًا؛ لِأَنَّهُ عَصِيرُ الْعِنَبِ الْمُشْتَدِّ.
وَلِهَذَا يَقُولُ الْقَائِلُ: أَمَعَك نَبِيذٌ، أَمْ خَمْرٌ؟ قَالَ: وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ.» وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ " مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهَا مِنْ وَجْهٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ نَفْيَ الِاسْمِ فِي الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ دُونَ الشَّرْعِيَّةِ: فَلَهُ مَسَاغٌ.
فَإِنَّ مَقْصُودَنَا يَحْصُلُ بِأَنْ يَكُونَ اسْمُ الْخَمْرِ فِي الشَّرْعِ يَعُمُّ الْأَشْرِبَةَ الْمُسْكِرَةَ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي اللُّغَةِ أَخَصَّ.
وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الِاسْمَ الْحَقِيقِيَّ مَسْلُوبٌ مُطْلَقًا: فَهَذَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَهُوَ تَأْسِيسٌ لِمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ: إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ خَمْرًا.
انْتَهَى.
وَعَنْهُ: لَا يُحَدُّ بِالْيَسِيرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
ذَكَرَهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْوَاضِحِ.
نَقَلَهَا ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وُجُوبَ الْحَدِّ بِأَكْلِ الْحَشِيشَةِ الْقِنَّبِيَّةِ.

وَقَالَ: هِيَ حَرَامٌ، سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهَا، أَوْ لَمْ يَسْكَرْ.
وَالسُّكْرُ مِنْهَا حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَضَرَرُهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْخَمْرِ.
قَالَ: وَلِهَذَا أَوْجَبَ الْفُقَهَاءُ بِهَا الْحَدَّ كَالْخَمْرِ.
وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحَدِّ بِهَا، وَأَنَّ أَكْلَهَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ بِمَا دُونَ الْحَدِّ: فِيهِ نَظَرٌ.
إذْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.
وَأَكَلَتُهَا يَنْتَشُونَ عَنْهَا وَيَشْتَهُونَهَا كَشَرَابِ الْخَمْرِ وَأَكْثَرَ، وَتَصُدُّهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي خُصُوصِهَا لِأَنَّ أَكْلَهَا إنَّمَا حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ ظُهُورُهَا مَعَ ظُهُورِ سَيْفِ جِنْكِيزْ خَانْ.
انْتَهَى.

قَوْلُهُ (وَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ، وَلَا لِلتَّدَاوِي، وَلَا لِعَطَشٍ، وَلَا غَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غُصَّ بِهَا، فَيَجُوزُ) . يَعْنِي: إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إلَيْهِ ". قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَخَافَ تَلَفًا.
فَائِدَةٌ: لَوْ وَجَدَ بَوْلًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ قُدِّمَ عَلَى الْخَمْرِ، لِوُجُوبِ الْحَدِّ بِشُرْبِهِ دُونَ الْبَوْلِ.
فَهُوَ أَخَفُّ تَحْرِيمًا، وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمَا.
وَلَوْ وَجَدَ مَاءً نَجِسًا قُدِّمَ عَلَيْهِمَا.

قَوْلُهُ (وَمَنْ شَرِبَهُ مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا: فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: أَرْبَعُونَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ، وَالتَّسْهِيلِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ.
وَجَوَّزَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الثَّمَانِينَ لِلْمَصْلَحَةِ ، وَقَالَ: هِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ.
فَالزِّيَادَةُ عِنْدَهُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ إلَى الثَّمَانِينَ: لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا مُحَرَّمَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ.
بَلْ يُرْجَعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
كَمَا جَوَّزْنَا لَهُ الِاجْتِهَادَ فِي صِفَةِ الضَّرْبِ فِيهِ: بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ.
بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْحُدُودِ.
انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْضًا: يُقْتَلُ شَارِبُ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى قَتْلِهِ، إذَا لَمْ يَنْتَهِ النَّاسُ بِدُونِهِ.
انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي " كِتَابِ الْحُدُودِ " أَنَّهُ لَا يُحَدُّ حَتَّى يَصْحُوَ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " مُخْتَارًا " أَنَّ غَيْرَ الْمُخْتَارِ لِشُرْبِهَا: لَا يُحَدُّ.
وَهُوَ الْمُكْرَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمَا، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُ.
وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.

وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا قُلْنَا: يَحْرُمُ شُرْبُهَا.
فَوَائِدُ: الْأُولَى: إذَا أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا: حَلَّ شُرْبُهَا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَقَالَ: كَمَا لَا يُبَاحُ لِمُضْطَرٍّ.
الثَّانِيَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى أَفْضَلُ مِنْ شُرْبِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَكَذَا كُلُّ مَا جَازَ فِعْلُهُ لِلْمُكْرَهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: رَخَّصَ أَكْبَرُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ لِحَقِّ اللَّهِ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ " عَالِمًا " بِلَا نِزَاعٍ.
لَكِنْ لَوْ ادَّعَى: أَنَّهُ جَاهِلٌ بِالتَّحْرِيمِ، مَعَ نُشُوئِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: لَمْ يُقْبَلْ وَإِلَّا قُبِلَ.
وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْجَهْلِ بِالْحَدِّ.
قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ سَكِرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: جُلِدَ ثَمَانِينَ حَدًّا، وَعِشْرِينَ تَعْزِيرًا.
نَقَلَهُ صَالِحٌ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُغَلَّظُ عَلَيْهِ كَمَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ.
ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ.

قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: إذَا سَكِرَ فِي رَمَضَانَ: غُلِّظَ حَدُّهُ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: يُعَزَّرُ بِعَشْرَةٍ فَأَقَلَّ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: عُزِّرَ بِعَشْرَيْنِ لِفِطْرِهِ.
الْخَامِسَةُ: يُحَدُّ مَنْ احْتَقَنَ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اسْتَعَطَ بِهَا، أَوْ عَجَنَ بِهَا دَقِيقًا فَأَكَلَهُ.
وَقِيلَ: لَا يُحَدُّ مَنْ احْتَقَنَ بِهَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَاخْتَارَاهُ وَاخْتَارَ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يُحَدُّ إذَا عَجَنَ بِهِ دَقِيقًا وَأَكَلَهُ.
وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ: لَوْ خَلَطَ خَمْرًا بِمَاءٍ، وَاسْتُهْلِكَ فِيهِ، ثُمَّ شَرِبَهُ: لَمْ يُحَدَّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَسَوَاءٌ قِيلَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ، أَوْ لَا.
وَفِي التَّنْبِيهِ لِأَبِي بَكْرٍ: مَنْ لَتَّ بِالْخَمْرِ سَوِيقًا، أَوْ صَبَّهَا فِي لَبَنٍ، أَوْ مَاءٍ حَارٍّ ثُمَّ شَرِبَهَا: فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ وَعَدَمِهِ.
انْتَهَى.
وَأَمَّا إذَا خُبِزَ الْعَجِينُ: فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِأَكْلِ الْخُبْزِ.
لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُحَدُّ إنْ تَمَضْمَضَ بِهِ.
وَكَذَا رَوَاهُ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الرَّجُلِ يَسْتَعِطْ بِالْخَمْرِ، أَوْ يَحْتَقِنُ بِهِ، أَوْ يَتَمَضْمَضُ بِهِ أَرَى عَلَيْهِ الْحَدُّ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَصَلَتْ إلَى حَلْقِهِ.
وَذَكَرَ مَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ وَصَلَ جَوْفَهُ: حُدَّ.
قَوْلُهُ (إلَّا الذِّمِّيَّ: فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِهِ بِشُرْبِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ) وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ.

وَكَذَا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ: الْمَذْهَبُ لَا يُحَدُّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: وَلَوْ رَضِيَ بِحُكْمِنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الِانْقِيَادَ فِي مُخَالَفَةِ دِينِهِ.
وَعَنْهُ: يُحَدُّ الذِّمِّيُّ، دُونَ الْحَرْبِيِّ.
وَعَنْهُ: يُحَدُّ إنْ سَكِرَ، اخْتَارَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَكَلَامُ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ يُشْعِرُ بِبِنَاءِ هَذَا الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ: هَلْ هُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ تُبْنَى الرِّوَايَتَانِ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ.
لَكِنَّ الْمَذْهَبَ ثَمَّ قَطْعًا: تَكْلِيفُهُمْ بِهَا.

قَوْلُهُ (وَهَلْ يُحَدُّ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ إحْدَاهُمَا: لَا يُحَدُّ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُحَدُّ إذَا لَمْ يَدَّعِ شُبْهَةً.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ: هَذِهِ أَظْهَرُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَدَّمَهَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
وَعَنْهُ: يُحَدُّ وَإِنْ ادَّعَى شُبْهَةً.
ذَكَرَهَا فِي الْفُرُوعِ.
وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ " بَابِ حَدِّ الزِّنَا ". وَأَطْلَقَهُنَّ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ.
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُؤَدَّبُ بِرَائِحَتِهِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ كَالْحَاضِرِ مَعَ مَنْ يَشْرَبُهُ نَقَلَهُ.
أَبُو طَالِبٍ.

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: لَوْ وُجِدَ سَكْرَانَ وَقَدْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ، فَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الرَّائِحَةِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَقِيلَ: يُحَدُّ هُنَا، وَإِنْ لَمْ نَحُدَّهُ بِالرَّائِحَةِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْإِرْشَادِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.

الثَّانِيَةُ: يَثْبُتُ شُرْبُهُ لِلْخَمْرِ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
كَحَدِّ الْقَذْفِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَعَنْهُ: مَرَّتَيْنِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ.

وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِ.
وَجَعَلَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّ بَقِيَّةَ الْحُدُودِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِي حَدِّ الْخَمْرِ بِمَرَّتَيْنِ: وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ فَلِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا، بِخِلَافِ حَدِّ السَّرِقَةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ حَدِّ الْقَذْفِ وَغَيْرِهِ إلَّا بِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ كَالْقَوَدِ.
فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ فِيهِ، قَالَ: وَهَذَا مُتَّجَهٌ.
وَيَثْبُتُ أَيْضًا شُرْبُهَا: بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: وَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُمَا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُخْتَارًا.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

قَوْلُهُ (وَالْعَصِيرُ إذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ: حَرُمَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمَا، فَقَالُوا: بِلَيَالِيِهِنَّ.
وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ.
وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ مَا لَمْ يَغْلِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَحَمَلَ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَعِنْدِي أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ يَتَخَمَّرُ فِي ثَلَاثٍ غَالِبًا.
فَائِدَةٌ: لَوْ طُبِخَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ: حَلَّ.
إنْ ذَهَبَ ثُلُثَاهُ.
وَبَقِيَ ثُلُثُهُ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ إجْمَاعٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحِ، وَغَيْرِهِمَا: الِاعْتِبَارُ فِي حِلِّهِ عَدَمُ الْإِسْكَارِ.
سَوَاءٌ ذَهَبَ بِطَبْخِهِ ثُلُثَاهُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، أَوْ لَمْ يُسْكِرْ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يُغْلَى قَبْلَ ذَلِكَ.
فَيَحْرُمُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: إذَا غُلِيَ أَكْرَهُهُ، وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ.
فَإِذَا أَسْكَرَ فَحَرَامٌ.
وَعَنْهُ: الْوَقْفُ فِيمَا نَشَّ.

قَوْلُهُ (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ فِي الْمَاءِ تَمْرًا، أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ، لِيَأْخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ أَوْ يَأْتِ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: إذَا نَقَعَ زَبِيبًا، أَوْ تَمْرًا هِنْدِيًّا، أَوْ عُنَّابًا وَنَحْوَهُ لِدَوَاءٍ غَدْوَةً وَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، أَوْ عَشِيَّةً وَيَشْرَبُهُ غَدْوَةً: هَذَا نَبِيذٌ أَكْرَهُهُ.
وَلَكِنْ يَطْبُخُهُ وَيَشْرَبُهُ عَلَى الْمَكَانِ.
فَهَذَا لَيْسَ بِنَبِيذٍ.

فَائِدَةٌ: لَوْ غَلَى الْعِنَبُ وَهُوَ عِنَبٌ عَلَى حَالِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.

قَوْلُهُ (وَلَا يُكْرَهُ الِانْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.

وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ.
قَالَ الْخَلَّالُ: عَلَيْهِ الْعَمَلُ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْهَدْيِ رِوَايَةً: أَنَّهُ يَحْرُمُ.
وَعَنْهُ يُكْرَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ، وَفِي غَيْرِهَا، إلَّا سِقَاءً يُوكَى حَيْثُ بَلَغَ الشَّرَابُ، وَلَا يَتْرُكُهُ يَتَنَفَّسُ.
نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: وَلَا يُعْجِبُنِي إلَّا هُوَ.
وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: أَنَّهُ كَرِهَ السِّقَاءَ الْغَلِيظَ.

قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ.
وَهُوَ أَنْ يَنْتَبِذَ شَيْئَيْنِ، كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) . وَكَذَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ وَنَحْوُهُ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْخَلِيطَانِ حَرَامٌ.
قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ " حَرَامٌ " إذَا اشْتَدَّ وَأَسْكَرَ.
وَإِذَا لَمْ يُسْكِرْ: لَمْ يَحْرُمْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.

وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: لَا يُكْرَهُ مَا كَانَ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ وَيُكْرَهُ مَا كَانَ فِي مُدَّةٍ يُحْتَمَلُ إفْضَاؤُهُ فِيهَا إلَى الْإِسْكَارِ.
وَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مَا لَمْ يَغْلِ.
أَوْ تَمْضِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ انْتِبَاذُ الْمُذْنِبِ وَحْدَهُ.
قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْكِرُ وَيَفْسُدُ إذَا بَقِيَ.
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ.
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ.
ذَكَرَهَا فِي الْوَسِيلَةِ.
قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَشَذَّ مَنْ نَقَلَ تَحْرِيمَهُ.
فَائِدَةٌ: جَعَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَضْعَ زَبِيبٍ فِي خَرْدَلٍ: كَعَصِيرٍ.
وَأَنَّهُ إنْ صُبَّ فِيهِ خَلٌّ: أُكِلَ.

بَابُ التَّعْزِيرِ قَوْلُهُ (وَهُوَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ كَالِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ، وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ) إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ كَمَا مَثَّلَ الْمُصَنِّفُ وَفَعَلَهَا: فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ.
وَقَدْ يَفْعَلُ مَعْصِيَةً لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَلَا حَدَّ، وَلَا تَعْزِيرَ أَيْضًا.
كَمَا لَوْ شَتَمَ نَفْسَهُ أَوْ سَبَّهَا.
قَالَهُ الْقَاضِي.
وَمَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إلَى وُجُوبِ التَّعْزِيرِ.
قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا حَدٌّ: فَقَدْ يُعَزَّرُ مَعَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ.
مِنْهَا: الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَدِّ إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يُشْرَعُ التَّعْزِيرُ فِيمَا فِيهِ حَدٌّ.
إلَّا عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَارِبِ الْخَمْرِ يَعْنِي: فِي جَوَازِ قَتْلِهِ وَفِيمَا إذَا أَتَى حَدًّا فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ قَالَ: يُغَلَّظُ.
وَهُوَ نَظِيرُ تَغْلِيظِ الدِّيَةِ بِالْقَتْلِ فِي ذَلِكَ.
انْتَهَى.
وَإِنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ فِيهَا كَفَّارَةٌ كَالظِّهَارِ، وَقَتْلِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَنَحْوِهِ، كَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ فَهَذَا لَا تَعْزِيرَ فِيهِ مَعَ الْكَفَّارَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَصَاحِبِ الْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ الْأَشْهُرُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي.
ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي النُّكَتِ.
وَقِيلَ: يُعَزَّرُ أَيْضًا.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَوْلُنَا " لَا كَفَّارَةَ " فَائِدَتُهُ فِي الظِّهَارِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَنَحْوِهِمَا لَا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ إنْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ؛ لِاخْتِلَافِ سَبَبِهَا وَسَبَبِ التَّعْزِيرِ.
فَيَجِبُ التَّعْزِيرُ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِيهَا.
قَوْلُهُ (وَهُوَ وَاجِبٌ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي سَبِّ الصَّحَابِيِّ.
كَحَدٍّ، وَكَحَقِّ آدَمِيٍّ طَلَبَهُ.
وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ: مَنْدُوبٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي تَعْزِيرِ رَقِيقِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَشَاهِدِ زُورٍ.
وَفِي الْوَاضِحِ: فِي وُجُوبِ التَّعْزِيرِ رِوَايَتَانِ.
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إنْ تَشَاتَمَ وَالِدٌ وَوَلَدُهُ: لَمْ يُعَزَّرْ الْوَالِدُ لِحَقِّ وَلَدِهِ.
وَيُعَزَّرُ الْوَلَدُ لِحَقِّ وَالِدِهِ.
وَلَا يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ الْوَالِدِ.
وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي قَذْفِ الصَّغِيرِ: لَا يُحْتَاجُ فِي التَّعْزِيرِ إلَى مُطَالَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِتَأْدِيبِهِ.
فَلِلْإِمَامِ تَعْزِيرُهُ إذَا رَآهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُؤَيِّدُهُ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا: يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ تَأْدِيبُهُ.
وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِطَلَبِ وَارِثٍ.
مَعَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ أَوْ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَهُ وَارِثٌ.
وَقَدْ نَصَّ فِي مَوَاضِعَ عَلَى التَّعْزِيرِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
إلَّا مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ.

وَيَأْتِي فِي أَوَّلِ " بَابِ أَدَبِ الْقَاضِي " إذَا افْتَاتَ خَصْمٌ عَلَى الْحَاكِمِ: لَهُ تَعْزِيرُهُ.
مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ إجْمَاعًا.
فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ كَحَقِّ آدَمِيٍّ، الْمُفْتَقِرِ جَوَازُ إقَامَتِهِ إلَى طَلَبٍ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: إنْ كَانَ التَّعْزِيرُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ كَوَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، أَوْ الْمُشْتَرَكَةِ وَجَبَ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ: وَجَبَ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِهِ.
وَإِنْ رَأَى الْعَفْوَ عَنْهُ جَازَ.
وَيَجِبُ إذَا طَالَبَ الْآدَمِيُّ بِحَقِّهِ.
وَقَالَ فِي الْكَافِي: يَجِبُ فِي مَوْضِعَيْنِ، فِيهِمَا الْخَبَرُ.
إلَّا إنْ جَاءَ تَائِبًا، فَلَهُ تَرْكُهُ.
قَالَ الْمَجْدُ: فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ تَائِبًا: لَمْ يُعَزَّرْ عِنْدِي.
انْتَهَى.
وَإِنْ لَمْ يَجِئْ تَائِبًا وَجَبَ.
وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ.
مَعَ أَنَّ فِيهَا: لَهُ الْعَفْوُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ.
وَقَالَ: إنْ تَشَاتَمَ اثْنَانِ عُزِّرَا.
وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ.
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يَسْقُطُ بِعَفْوِ آدَمِيٍّ حَقُّهُ وَحَقُّ السَّلْطَنَةِ.
وَفِيهِ احْتِمَالٌ: لَا يَسْقُطُ، لِلتَّهْدِيدِ وَالتَّقْوِيمِ.
وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: وَلَوْ قَذَفَ مُسْلِمٌ كَافِرًا: التَّعْزِيرُ لِلَّهِ.
فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ.
نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِيمَنْ زَنَى صَغِيرًا لَمْ نَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي صَبِيٍّ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي لَيْسَ قَوْلُهُ شَيْئًا.
وَكَذَا فِي التَّبْصِرَةِ: أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ.
وَكَذَا فِي الْمُغْنِي، وَزَادَ: وَلَا لِعَانَ، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ: لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ يُعَاقَبُ عَلَى الْفَاحِشَةِ تَعْزِيرًا بَلِيغًا.
وَكَذَا الْمَجْنُونُ يُضْرَبُ عَلَى مَا فَعَلَ لِيَنْزَجِرَ.
لَكِنْ لَا عُقُوبَةَ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَمَا أَوْجَبَ حَدًّا عَلَى مُكَلَّفٍ: عُزِّرَ بِهِ الْمُمَيِّزُ، كَالْقَذْفِ.
قَالَ فِي الْوَاضِحِ: مَنْ شَرَعَ فِي عَشْرٍ: صَلُحَ تَأْدِيبُهُ فِي تَعْزِيرٍ عَلَى طَهَارَةٍ وَصَلَاةٍ فَكَذَا مِثْلُهُ زِنًا.
وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي.
وَذَكَرَ مَا نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ فِي الْغِلْمَانِ يَتَمَرَّدُونَ: لَا بَأْسَ بِضَرْبِهِمْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَاضِي: يَجِبُ ضَرْبُهُ عَلَى صَلَاةٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي تَأْدِيبِهِ فِي الْإِجَارَةِ، وَالدِّيَاتِ: أَنَّهُ جَائِزٌ.
وَأَمَّا الْقِصَاصُ مِثْلُ أَنْ يَظْلِمَ صَبِيٌّ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونٌ مَجْنُونًا، أَوْ بَهِيمَةٌ بَهِيمَةً فَيَقْتَصُّ الْمَظْلُومُ مِنْ الظَّالِمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ زَجْرٌ.
لَكِنْ لِاسْتِيفَاءِ الْمَظْلُومِ وَأَخْذِ حَقِّهِ، وَجَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ: إذَا زَنَى ابْنُ عَشْرٍ، أَوْ بِنْتُ تِسْعٍ: لَا بَأْسَ بِالتَّعْزِيرِ.
ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي أَثْنَاءِ " بَابِ الْمُرْتَدِّ ". فَائِدَةٌ: فِي جَوَازِ عَفْوِ وَلِيِّ الْأَمْرِ عَنْ التَّعْزِيرِ: الرِّوَايَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ فِي وُجُوبِ التَّعْزِيرِ وَنَدْبِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " كَالِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ". قَالَ الْأَصْحَابُ: يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هَلْ حَدُّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ؟ وَإِنَّ التَّعْزِيرَ لِمَا دُونَ الْفَرْجِ مِثْلُهُ؟ .

قَوْلُهُ (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) بِلَا نِزَاعٍ فِي الْجُمْلَةِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ أَحَلَّتْهَا لَهُ: فَيُجْلَدُ مِائَةً) .

هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْعُمْدَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمُذْهَبِ.
وَعَنْهُ: يُجْلَدُ مِائَةً إلَّا سَوْطًا.
وَعَنْهُ: يُضْرَبُ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ.
وَهُمَا مِنْ الْمُفْرَدَاتِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَالْفُرُوعِ.
إحْدَاهُمَا: يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْعَمَلُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْجَلْدِ أَوْ الرَّجْمِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنْ ظَنَّ جَوَازَهُ: لَحِقَهُ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ فِيهِ وَفِي حَدِّهِ.
وَعَنْهُ: يُحَدُّ.
فَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ كَمَا لَوْ لَمْ تُحِلَّهَا لَهُ، وَلَوْ مَعَ ظَنِّ حِلِّهَا.
نَقَلَهُ مُهَنَّا

وَعَنْهُ فِيمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ إنْ أَكْرَهَهَا: عَتَقَتْ، وَغَرِمَ مِثْلَهَا.
وَإِلَّا مَلَكَهَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْ الْأُصُولِ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ: ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

قَوْلُهُ (وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ، فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ) . هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ.
نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، إلَّا فِي وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ عَلَى مَا يَأْتِي.
قَالَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْهَبُ عِنْدِي: أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ، إلَّا فِي وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَجَارِيَةِ زَوْجَتِهِ إذَا أَحَلَّتْهَا لَهُ.
انْتَهَى.
قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ حَسَنٌ.
وَعَنْهُ: لَا يُزَادُ عَلَى تِسْعِ جَلْدَاتٍ.
نَقَلَهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ بَعْدَهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يَظْهَرُ لِي وَجْهُهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فِي عُقُوبَةِ أَصْحَابِ الْجَرَائِمِ: أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا: ضُرِبَ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ.
مَنْقُولٌ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّةَ فِي كِتَابِ الْحَمَّامِ: أَنَّ عُقُوبَةَ مَنْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ مِئْزَرٍ: يُجْلَدُ خَمْسَ عَشْرَةَ جَلْدَةً.
انْتَهَى.
وَعَنْهُ: مَا كَانَ سَبَبُهُ الْوَطْءَ كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَنَحْوِهِ ضُرِبَ مِائَةً.
وَيَسْقُطُ عَنْهُ النَّفْيُ.
وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا.

قَالَ: وَكَذَلِكَ تَخَرَّجَ فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً.
يَعْنِي إذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُحَدُّ.
وَهَذَا التَّخْرِيجُ لِأَبِي الْخَطَّابِ.
اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا وَطِئَ جَارِيَتَهُ الْمُشْتَرَكَةَ: يُعَزَّرُ بِضَرْبِ مِائَةٍ إلَّا سَوْطًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ.
وَعَنْهُ: يُضْرَبُ مِائَةً.
وَيَسْقُطُ عَنْهُ النَّفْيُ.
وَلَهُ نَقْصُهُ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: أَنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةً.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: فَمَا كَانَ سَبَبُهُ الْوَطْءَ: يُضْرَبُ فِيهِ مِائَةً.
وَيَسْقُطُ النَّفْيُ.
وَقِيلَ: عَشْرَ جَلْدَاتٍ.
انْتَهَى وَجَزَمَ بِهِ الْأَدَمِيُّ فِي مُنْتَخَبِهِ.
وَعَنْهُ: لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ.
وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا.
وَأَمَّا إذَا وَطِئَ جَارِيَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ، أَوْ الْمُحَرَّمَةَ بِرَضَاعٍ إذَا قُلْنَا: لَا يُحَدُّ بِذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " بَابِ حَدِّ الزِّنَا " فَعَنْهُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَشْهَرُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ وَإِنْ زِدْنَا عَلَيْهَا فِي وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْمَذْهَبُ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.

وَأَمَّا إذَا وَطِئَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَنَقَلَ يَعْقُوبُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ، عَلَى مَا قَدَّمُوهُ.
وَعَنْهُ: لَا يُزَادُ فِيهِ عَلَى عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ، وَإِنْ زِدْنَا فِي الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى الْمُصْطَلَحِ كَمَا تَقَدَّمَ.

فَائِدَةٌ: لَوْ وَطِئَ مَيِّتَةً وَقُلْنَا: لَا يُحَدُّ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ عُزِّرَ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ.
وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ: عُزِّرَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَيَكُونُ مِائَةً.
وَقِيلَ: لَا يُعَزَّرُ.
وَقِيلَ: إنْ حَمَلَتْ مِنْهُ مَلَكَهَا، وَإِلَّا عُزِّرَ.
وَإِنْ وَطِئَ أَمَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ وَقُلْنَا: لَا يُحَدُّ عُزِّرَ بِمِائَةِ سَوْطٍ.
وَكَذَا لَوْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ.
قَالَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِ.
وَيَأْتِي فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِي نَظَائِرِهِ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحُرَّ يُعَزَّرُ بِمِائَةٍ أَوْ بِمِائَةٍ إلَّا سَوْطًا: فَإِنَّهُ يُجْلَدُ خَمْسِينَ إلَّا سَوْطًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: خَمْسُونَ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَغَيْرُ الْوَطْءِ لَا يَبْلُغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ " مِنْ تَتِمَّةِ الرِّوَايَةِ، أَوْ رِوَايَةٌ بِرَأْسِهَا.

فصول الكتاب · 4 فصل · 570 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي · 570 صفحة
المقدمة
ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
بَابِ الرَّهْنِ:
ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
جارٍ التحميل