الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويصفحات 101-140
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابِ الرَّهْنِ:

صفحات 101-140
عن هذه الطبعة
عَلَم
المرداوي
الكتاب
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
المؤلف
علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الطبعة
الثانية - بدون تاريخ
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَعَنْهُ: يَصِحُّ كَاخْتَارِي، وَأَمْرُك بِيَدِك.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت وَشَاءَ أَبُوك: لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَشَاءَا) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: تَطْلُقُ بِمَشِيئَةِ أَحَدِهِمَا، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، قُلْتُ: هُوَ بَعِيدٌ، وَالْمَشِيئَةُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى التَّرَاخِي، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ.

فَائِدَةٌ: لَوْ قَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ، إنْ شَاءَ زَيْدٌ، فَشَاءَهُمَا " وَلَا نِيَّةَ: وَقَعَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: يَقَعَانِ، وَلَوْ تَعَذَّرَتْ الْإِشَاءَةُ بِمَوْتٍ وَنَحْوِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ: أَوْ غَابَ، وَحَكَاهُ فِي الْمُنْتَخَبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ زَيْدٌ، فَمَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ: لَمْ تَطْلُقْ) ، أَمَّا إذَا مَاتَ أَوْ جُنَّ: فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ: لَمْ يَقَعْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ.

وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ [فِي الْهِدَايَةِ] وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، حَكَاهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ، وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَأَمَّا الْأَخْرَسُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ فَهِيَ كَنُطْقِهِ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ: إنْ خَرِسَ بَعْدَ يَمِينِهِ: لَمْ تَطْلُقْ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالشَّرْحِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ غَابَ: لَمْ تَطْلُقْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ: تَطْلُقُ، وَحَكَاهُ فِي الْمُنْتَخَبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ شَاءَ وَهُوَ سَكْرَانُ: خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِي طَلَاقِهِ) ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ هُنَا: عَدَمَ الْوُقُوعِ، وَإِنْ وَقَعَ هُنَاكَ، وَفَرَّقَا بَيْنَهُمَا، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ، فَشَاءَ: طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ إذَا شَاءَ تَطْلُقُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: هُوَ كَطَلَاقِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ: أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ طَلَاقَهُ يَقَعُ عَلَى زَوْجَتِهِ

قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ: وَإِنْ شَاءَ مُمَيِّزٌ فَكَطَلَاقِهِ، وَجَزَمَ بِالْوُقُوعِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا تَطْلُقُ، كَطَلَاقِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ فَمَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ خَرِسَ: طَلُقَتْ) ، إذَا مَاتَ أَوْ جُنَّ: طَلُقَتْ بِلَا نِزَاعٍ، وَفِي وَقْتِ الْوُقُوعِ أَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: يَقَعُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ.
الثَّانِي: تَطْلُقُ آخِرَ حَيَاتِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ.
الثَّالِثُ: يَتَبَيَّنُ حِنْثُهُ مِنْ حِينِ حَلَفَ، وَذَكَرَ لِلْقَاضِي فِي " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إنْ شَاءَ زَيْدٌ " يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، وَأَمَّا إذَا خَرِسَ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ إشَارَتَهُ الْمَفْهُومَةَ كَنُطْقِهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إنْ حَصَلَ خَرَسُهُ بَعْدَ يَمِينِهِ: فَلَيْسَ كَنُطْقِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ النَّاظِمُ: لَوْ قِيلَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ إذَا خَرِسَ أَوْ جُنَّ إلَى حِينِ الْمَوْتِ: لَمْ يَكُنْ بِبَعِيدٍ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ ثَلَاثًا، فَشَاءَ ثَلَاثًا: طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، صَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ الْوَجِيزُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ،

وَفِي الْآخِرِ لَا تَطْلُقُ يَعْنِي لَا تَطْلُقُ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ الْمُنَجَّزَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ.
فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ تَشَائِي ثَلَاثًا " فَشَاءَتْ ثَلَاثًا، وَوُقُوعُ الثَّلَاثِ هُنَا مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلُهَا فِي الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، أَوْ تَشَائِي وَاحِدَةً " فَيَشَاءُ زَيْدٌ أَوْ هِيَ وَاحِدَةً.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ: طَلُقَتْ، وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ: عَتَقَتْ) وَكَذَا لَوْ قَدَّمَ الشَّرْطَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ الْجَمَاعَةُ، مِنْهُمْ: ابْنُ مَنْصُورٍ، وَحَنْبَلٌ، وَالْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ، وَأَبُو النَّضْرِ، وَالْأَثْرَمُ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ، قُلْتُ: مِمَّنْ نَقَلَ ذَلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ، وَصَالِحٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ هَانِئٍ، وَأَبُو الْحَارِثِ، وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلَاقِ،

حَكَاهُ عَنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَطَعَ الْمَجْدُ، وَغَيْرُهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَبَيَّنُوا وَجْهَ الْغَلَطِ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يَقَعُ الطَّلَاقُ دُونَ الْعِتْقِ، وَعَنْهُ: لَا يَقَعَانِ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَيْمَانِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَكُونُ مَعْنَاهُ: هِيَ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ هَذَا، وَاَللَّهُ لَا يَشَاؤُهُ إلَّا بِتَكَلُّمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ أَيْضًا: إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا بِهَذَا التَّطْلِيقِ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ كَقَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ " وَلَيْسَ قَوْلُهُ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعْلِيقًا، بَلْ تَأْكِيدٌ لِلْوُقُوعِ وَتَحْقِيقٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ عَلَى مَشِيئَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ: لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ شَاءَ اللَّهُ وُقُوعَ طَلَاقِهَا حِينَئِذٍ، وَكَذَا إنْ قَصَدَ بِقَوْلِهِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " أَنْ يَقَعَ هَذَا الطَّلَاقُ الْآنَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُعَلَّقًا أَيْضًا عَلَى الْمَشِيئَةِ، فَإِذَا شَاءَ اللَّهُ وُقُوعَهُ، فَيَقَعُ حِينَئِذٍ، وَلَا يَشَاءُ اللَّهُ وُقُوعَهُ حَتَّى يُوقِعَهُ ثَانِيًا.
انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ، لَوْ قَالَ " يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى " تَطْلُقُ، بَلْ هِيَ أَوْلَى بِالْوُقُوعِ مِنْ قَوْلِهِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَفِي الرِّعَايَةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ: طَلُقَتْ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا تَطْلُقُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.

أَحَدُهُمَا: يَقَعُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِتَضَادِّ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، فَلَغَا تَعْلِيقُهُ، بِخِلَافِ الْمُسْتَحِيلِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ الْبَغْدَادِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَقَعُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
فَائِدَةٌ: وَكَذَا الْحُكْمُ خِلَافًا وَمَذْهَبًا لَوْ قَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ يَشَأْ اللَّهُ ". قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَدَخَلَتْ، فَهَلْ تَطْلُقُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي.
أَحَدُهُمَا: لَا تَطْلُقُ صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَقَالَ: لَا تَطْلُقُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ مُحَقِّقِي الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ الْبَغْدَادِيِّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تَطْلُقُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ: أَصَحُّهُمَا تَطْلُقُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ: إنْ نَوَى رَدَّ الْمَشِيئَةِ إلَى الْفِعْلِ لَمْ يَقَعْ، كَقَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ لَا فَعَلْت، أَوْ لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ، قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، يَعْنِي فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ إذَا نَوَى رَدَّ الْمَشِيئَةِ إلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ يُوجَدُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَقَدْ وُجِدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ وُقُوعِهِ؟ . انْتَهَى.

وَقَدْ حَرَّرَ الْعَلَامَةُ ابْنُ رَجَبٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي صِيغَةِ الْقَسَمِ كَقَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ لَا تَدْخُلِينَ الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ " أَوْ " أَنْتِ طَالِقٌ لَتَدْخُلِنَّ الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَنَحْوِهِ لِلْأَصْحَابِ سَبْعُ طُرُقٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، أَوْ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُقْتَضَى كَلَامِ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ، كَأَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَغَيْرِهِمْ.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْحَلِفِ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، وَفِي التَّعْلِيقِ عَلَى شَرْطٍ يُقْصَدُ بِهِ الْحَضُّ أَوْ الْمَنْعُ، دُونَ التَّعْلِيقِ عَلَى شَرْطٍ يُقْصَدُ بِهِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بَتَّةً، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ.
الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِيغَةِ التَّعْلِيقِ إذَا قَصَدَ رَدَّ الْمَشِيئَةِ إلَى الطَّلَاقِ، أَوْ أَطْلَقَ، فَأَمَّا إنْ رَدَّ الْمَشِيئَةَ إلَى الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَذَا إنْ حَلَفَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ، الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ إذَا لَمْ يَرُدَّ الْمَشِيئَةَ إلَى الطَّلَاقِ، فَإِنْ رَدَّهَا إلَى الطَّلَاقِ فَهُوَ كَمَا لَوْ نَجَّزَ الطَّلَاقَ وَاسْتَثْنَى فِيهِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُغْنِي، وَإِنْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ: فَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ إلَى الْفِعْلِ دُونَ الطَّلَاقِ وَيَحْتَمِلُ عَوْدُهُ إلَى الطَّلَاقِ، وَإِنْ رَدَّ الْمَشِيئَةَ إلَى الْفِعْلِ نَفَعَهُ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ تُوَافِقُ طَرِيقَةَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، إلَّا أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَهَا فِي أَنَّهُ إذَا عَادَ

الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الطَّلَاقِ لَمْ يَنْفَعْ، كَمَا لَا يَنْفَعُ فِي الْمُنَجَّزِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ.
الطَّرِيقَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ مَحْمُولَتَانِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ نَفْيًا: لَمْ تَطْلُقْ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ " أَنْتِ طَالِقٌ إنَّ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَلَمْ يَفْعَلْهُ، فَلَا يَحْنَثُ، فَإِنْ كَانَ إثْبَاتًا حَنِثَ، نَحْوُ " إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ "، وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. الطَّرِيقَةُ السَّادِسَةُ: طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، فَإِنَّهُ قَالَ: عِنْدِي فِيهَا تَفْصِيلٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا مَضْمُونُهُ: أَنَّهُ إذَا لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ.
الَّتِي هِيَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الطَّلَاقِ، انْبَنَى الْحُكْمُ عَلَى عِلَّةِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُنَجَّزِ الْمُسْتَثْنَى فِيهِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْعِلَّةُ أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةٍ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا: لَمْ يَقَعْ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِصِفَتَيْنِ.
إحْدَاهُمَا: دُخُولُ الدَّارِ مَثَلًا، وَالْأُخْرَى: الْمَشِيئَةُ، وَمَا وُجِدَتَا، فَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ قُلْنَا: الْعِلَّةُ عِلْمُنَا بِوُجُودِ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِوُجُودِ لَفْظِ الطَّلَاقِ: انْبَنَى عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَتَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ " إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَشَاءَ زَيْدٌ " فَدَخَلَتْ وَلَمْ يَشَأْ زَيْدٌ، فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، كَذَا هُنَا يُخْرَجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَمَّا إنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ وَهِيَ دُخُولُ الدَّارِ فَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى التَّعْلِيلَيْنِ أَيْضًا، فَإِنْ قُلْنَا: قَدْ عَلِمْنَا مَشِيئَةَ الطَّلَاقِ: وَقَعَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، لِوُجُودِ الصِّفَتَيْنِ جَمِيعًا،

وَإِنْ قُلْنَا: لَمْ نَعْلَمْ مَشِيئَتَهُ: انْبَنَى عَلَى مَا إذَا عَلَّقَهُ عَلَى صِفَتَيْنِ فَوُجِدَ إحْدَاهُمَا، وَيُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
الطَّرِيقَةُ السَّابِعَةُ: طَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِدُونِ وُجُودِ الصِّفَةِ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِهَا: فَيَقَعُ الطَّلَاقُ قَوْلًا وَاحِدًا، قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، وَهِيَ أَضْعَفُ الطُّرُقِ وَذَكَرَ فَسَادَهَا مِنْ وَجْهَيْنِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ، أَوْ مَشِيئَتِهِ: طَلُقَتْ فِي الْحَالِ) بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ.
(فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الشَّرْطَ: دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا.
إحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قُبِلَ حُكْمًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُنَوِّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، قَالَ الْأَدَمِيُّ فِي مُنْتَخَبِهِ: دُيِّنَ بَاطِنًا.

فَائِدَةٌ: لَوْ قَالَ " إنْ رَضِيَ أَبُوك فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَقَالَ " مَا رَضِيت " ثُمَّ قَالَ " رَضِيت " طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ، فَكَانَ مُتَرَاخِيًا، ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ، وَقَالَ: قَالَ قَوْمٌ يَنْقَطِعُ بِالْأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ " إنْ كَانَ أَبُوك يَرْضَى بِمَا فَعَلْته فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَقَالَ " مَا رَضِيت "

ثُمَّ قَالَ " رَضِيت " طَلُقَتْ، لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى رِضًى مُسْتَقْبَلٍ وَقَدْ وُجِدَ، بِخِلَافِ " إنْ كَانَ أَبُوك رَاضِيًا بِهِ "؛ لِأَنَّهُ مَاضٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ بِالنَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِك فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: أَنَا أُحِبُّهُ) ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهَا، وَقَالَ: دَعْنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ الْقَاضِي: تَطْلُقُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً، سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ فِي الْأُولَى، وَصَحَّحَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا " وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إذَا كَانَتْ كَاذِبَةً "، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ: لِاسْتِحَالَتِهِ عَادَةً، كَقَوْلِهِ " إنْ كُنْت تَعْتَقِدِينَ أَنَّ الْجَمَلَ يَدْخُلُ فِي خُرْمِ الْإِبْرَةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَقَالَتْ " أَعْتَقِدُهُ " فَإِنَّ عَاقِلًا لَا يُجَوِّزُهُ، فَضْلًا عَنْ اعْتِقَادِهِ، وَقِيلَ: لَا تَطْلُقُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَقِيلَ: لَا تَطْلُقُ فِي قَوْلِهِ " إنَّ كُنْت تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِك " وَإِنْ طَلُقَتْ فِي الْأُولَى، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْهِدَايَةِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: مِثْلُ ذَلِكَ خِلَافًا وَمَذْهَبًا لَوْ قَالَ " إنْ كُنْت تُبْغِضِينَ الْجَنَّةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَقَالَتْ " أَنَا أَبْغَضُهَا " وَكَذَا لَوْ قَالَ " إنْ كُنْت تُبْغِضِينَ الْحَيَاةَ " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهَا تُحِبُّهُ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَتْ امْرَأَتُهُ " أُرِيدُ أَنْ تُطَلِّقَنِي " فَقَالَ " إنْ كُنْت تُرِيدِينَ " أَوْ " إذَا أَرَدْت أَنْ أُطَلِّقَك فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَظَاهِرُ الْكَلَامِ: يَقْتَضِي أَنَّهَا تَطْلُقُ بِإِرَادَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، وَدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ إيقَاعَهُ، لِلْإِرَادَةِ الَّتِي أَخْبَرَتْهُ بِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ، وَنَصَرَ الثَّانِيَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقِيَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ.

[فَصْلٌ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا رَأَيْتِ الْهِلَالَ]

قَوْلُهُ (فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ) (إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا رَأَيْتِ الْهِلَالَ: طَلُقَتْ إذَا رُئِيَ) أَوْ أَكْمَلَتْ الْعِدَّةَ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَقِيقَةَ رُؤْيَتِهَا، فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى تَرَاهُ) ، إذَا نَوَى حَقِيقَةَ رُؤْيَتِهَا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى تَرَاهُ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ، وَيُدَيَّنُ بِلَا نِزَاعٍ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قُبِلَ حُكْمًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ بِقَرِينَةٍ.
تَنْبِيهَانِ.
أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " طَلُقَتْ إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ " أَنَّهَا تَطْلُقُ إذَا رُئِيَ، سَوَاءٌ رُئِيَ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا إذَا رُئِيَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

الثَّانِي: تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصِّيَامِ إذَا قَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ " مَتَى تَطْلُقُ.
فَوَائِدُ إحْدَاهَا: لَوْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ حَتَّى أَقَمَرَ: لَمْ تَطْلُقْ، وَهَلْ يُقْمِرُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ؟ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَوْ بِاسْتِدَارَتِهِ، أَوْ بِبُهْرِ ضَوْئِهِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، قَالَ الْقَاضِي: لَا يَبْهَرُ ضَوْءُهُ إلَّا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ، حَكَاهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ " إنْ رَأَيْتِ فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَرَأَتْهُ وَلَوْ مَيِّتًا طَلُقَتْ، وَلَوْ رَأَتْهُ فِي مَاءٍ أَوْ فِي زُجَاجٍ شَفَّافٍ: طَلُقَتْ، إلَّا مَعَ نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ وَلَوْ رَأَتْهُ مُكْرَهَةً: لَمْ تَطْلُقْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تَطْلُقُ، وَلَوْ رَأَتْ خَيَالَهُ فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ: لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ جَالَسَتْهُ، وَهِيَ عَمْيَاءُ: لَمْ تَطْلُقْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: تَطْلُقُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.

الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَإِنْ قَالَ: مَنْ بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي فَهِيَ طَالِقٌ، فَأَخْبَرَتْهُ بِهِ امْرَأَتَاهُ: طَلُقَتْ الْأُولَى مِنْهُمَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ هِيَ الصَّادِقَةَ وَحْدَهَا، فَتَطْلُقُ وَحْدَهَا) ، أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَتَاهُ مَعًا تَطْلُقَانِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَتْنِي بِقُدُومِهِ فَهِيَ طَالِقٌ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي) ، يَعْنِي أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْحُكْمِ،

كَذَا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: إنْ أَخْبَرَتَاهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِمَا عَلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَيُسَمَّى خَبَرًا وَإِنْ تَكَرَّرَ، وَالْبِشَارَةُ الْقَصْدُ بِهَا السُّرُورُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ الصِّدْقِ، وَيَكُونُ مِنْ الْأُولَى لَا غَيْرُ، وَقِيلَ: تَطْلُقَانِ مَعَ الصِّدْقِ فَقَطْ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.

فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ قَالَ " إنْ لَبِسْت ثَوْبًا فَأَنْتِ طَالِقٌ " وَنَوَى مُعَيَّنًا: دُيِّنَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: لَا يُدَيَّنُ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَخَرَّجَهُ الْحَلْوَانِيُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَشَذَّ طَائِفَةٌ فَحَكَوْا الْخِلَافَ فِي تَدْيِينِهِ فِي الْبَاطِنِ، مِنْهُمْ الْحَلْوَانِيُّ وَابْنُهُ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْأَيْمَانِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ لِلْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ سَهْوٌ.
انْتَهَى.
وَيُقْبَلُ حُكْمًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ " ثَوْبًا " فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ، وَقَدَّمَهُ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ حُكْمًا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْحِيَلِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَإِنْ حَلَفَ " لَا لُبْسَ " وَنَوَى مُعَيَّنًا: دُيِّنَ، وَفِي الْحُكْمِ رِوَايَتَانِ، سَوَاءٌ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَلَى الْأَصَحِّ.
انْتَهَى.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ " إنْ قَرِبْت دَارِ أَبِيك بِكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ قَرِبْت فَأَنْتِ

طَالِقٌ " لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَدْخُلَهَا، وَإِنْ قَالَ " إنْ قَرُبْت " بِضَمِّ الرَّاءِ طَلُقَتْ بِوُقُوفِهَا تَحْتَ فِنَائِهَا وَلُصُوقِهَا بِجِدَارِهَا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ) (حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا) وَكَذَا جَاهِلًا (حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَمْ يَحْنَثْ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: هِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرُوهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، ذَكَرُوهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ، وَعَنْهُ: لَا يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، بَلْ يَمِينُهُ بَاقِيَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَهُوَ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا أَظْهَرُ، قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَ: إنَّ رُوَاتِهَا بِقَدْرِ رُوَاةِ التَّفْرِيقِ، وَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَعَلَهُ حَالِفًا لَا مُعَلَّقًا، وَالْحِنْثُ لَا يُوجِبُ وُقُوعَ الْمَحْلُوفِ بِهِ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ أَيْضًا، ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَقَالَ الْأَصْحَابُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يَمِينُهُ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا وَيَأْتِي أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ " إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا " فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، أَوْ لَا يُكَلِّمُهُ، أَوْ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ حَقَّهُ، فَدَخَلَ بَيْتًا هُوَ فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، أَوْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ، أَوْ قَضَاهُ حَقَّهُ: فَفَارَقَهُ فَخَرَجَ رَدِيئًا، أَوْ أَحَالَهُ بِحَقِّهِ فَفَارَقَهُ ظَنًّا أَنَّهُ قَدْ بَرَّ: خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ) ، وَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ، وَقَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ فِي غَيْرِ الْكَلَامِ وَالسَّلَامِ، قَالَ الشَّارِحُ: وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ لِزَيْدٍ ثَوْبًا، فَوَكَّلَ زَيْدٌ مَنْ يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَبِيعُهُ، فَدَفَعَهُ إلَى الْحَالِفِ فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، فَهِيَ كَالنَّاسِي، وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ يَحْسَبُهُ أَجْنَبِيًّا، وَأَطْلَقَ فِي التَّرْغِيبِ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ فِيمَا إذَا " حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى فُلَانٍ " فَدَخَلَ وَلَمْ يَعْلَمْ، أَوْ " لَا فَارَقَهُ إلَّا بِقَبْضِ حَقِّهِ " فَقَبَضَهُ فَفَارَقَهُ فَخَرَجَ رَدِيئًا، أَوْ أَحَالَهُ فَفَارَقَهُ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ، أَوْ لَا يُكَلِّمُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَجَهِلَهُ، وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَجَزَمَ فِي الْمُنْتَخَبِ: أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالْحَوَالَةِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ فِي بَابِ الضَّمَانِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْقَضَاءِ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا: لَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ وَهُوَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُ وَقُلْنَا: يَحْنَثُ كَالنَّاسِي فَهَلْ يَحْنَثُ هُنَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ فَلَمْ يَنْوِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ بِقَلْبِهِ فَرِوَايَتَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَحْنَثُ، وَإِنْ قَصَدَ حَنِثَ، وَفِي التَّرْغِيبِ وَجْهٌ: لَا يَحْنَثُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِثْلُهَا الدُّخُولُ عَلَى فُلَانٍ، وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَنَوَى السَّلَامَ عَلَى الْجَمِيعِ، أَوْ كَلَامَهُمْ: حَنِثَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ نَوَى السَّلَامَ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ كَلَامَ غَيْرِهِ: لَمْ يَحْنَثْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ أَطْلَقَ فَرِوَايَتَانِ

فَوَائِدُ.
الْأُولَى: لَوْ حَلَفَ عَلَى مَنْ يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ وَقَصَدَ مَنْعَهُ كَالزَّوْجَةِ، وَالْوَلَدِ، وَنَحْوِهِمَا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا: فَفِيهِ الرِّوَايَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ، قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ: أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ مَاشٍ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ، وَقِيلَ: يَحْنَثُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ هُنَاكَ، وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ قَصَدَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ لَمْ يَحْنَثْ النَّاسِي، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ لَيَفْعَلْنَهُ فَخَالَفَهُ: لَمْ يَحْنَثْ إنْ قَصَدَ إكْرَامَهُ لَا إلْزَامَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَمْرِ وَلَا يَجِبُ لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِوُقُوفِهِ فِي الصَّفِّ وَلَمْ يَقِفْ، وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْسَمَ لَيُخْبِرَنَّهُ بِالصَّوَابِ وَالْخَطَأِ لَمَّا فَسَّرَ الرُّؤْيَا، فَقَالَ " لَا تُقْسِمْ " لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْإِقْسَامَ عَلَيْهِ مَعَ الْمَصْلَحَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْكَتْمِ وَقَالَ أَيْضًا: إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ فَكَالنَّاسِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَدَمُ حِنْثِهِ هُنَا أَظْهَرُ.
انْتَهَى.
وَأَمَّا إنْ قَصَدَ بِمَنْعِهِمْ أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ، وَفَعَلُوهُ كُرْهًا: لَمْ يَحْنَثْ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمَا: وَإِنْ كَانَ الْحَلِفُ عَلَى مَنْ لَا يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ كَالسُّلْطَانِ، وَالْحَاجِّ اسْتَوَى الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالْإِكْرَاهُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَهُ فِي الْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي السُّلْطَانِ، الثَّالِثَةُ: لَوْ فَعَلَهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ: لَمْ يَحْنَثْ.
كَالنَّائِمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي،

وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ النَّاسِي.
الرَّابِعَةُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ مُكْرَهًا: لَمْ يَحْنَثْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ، وَقِيلَ: هُوَ كَالنَّاسِي، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَيَأْتِي مَعْنَى ذَلِكَ فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ حَلَفَ " لَا تَأْخُذُ حَقَّك مِنِّي " فَأُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ، أَوْ أَخْذِهِ مِنْهُ قَهْرًا: حَنِثَ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَعَلَ الْأَخْذَ مُخْتَارًا، وَإِنْ أُكْرِهَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى أَخْذِهِ تَخَرَّجَ عَلَى الْخِلَافِ إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَهُ مُكْرَهًا، خَرَّجَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَ بَعْضَهُ: لَمْ يَحْنَثْ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ، مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبٌ أَوْ قَرِينَةٌ، قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَنْهُ: يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جَمِيعَهُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، مِنْهُمْ: الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وَالشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الْبَنَّاءِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ، وَغَيْرِهِمْ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَأَدْخَلَهَا بَعْضَ جَسَدِهِ، أَوْ دَخَلَ طَاقَ الْبَابِ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ فَشَرِبَ بَعْضَهُ: خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ عَبْدَهُ وَلَا يَهَبُهُ، فَبَاعَ نِصْفَهُ وَوَهَبَ نِصْفَهُ، وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ الدَّارِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمِنْ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَأَدْخَلَهَا بَعْضَ جَسَدِهِ، وَفِيهَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ، فَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى التَّحْنِيثِ كَمَسْأَلَةِ الْغَزْلِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ اخْتَارَا عَدَمَ التَّحْنِيثِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ فِي مَسْأَلَةِ الْغَزْلِ وَغَيْرِهَا الْحِنْثَ، كَالْجَمَاعَةِ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ الرِّوَايَتَيْنِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ حَلَفَ " لَا أَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا " وَلَمْ يَقُلْ " ثَوْبًا " فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْهُ، أَوْ " لَا آكُلُ طَعَامًا اشْتَرَتْهُ " فَأَكَلَ طَعَامًا شُورِكَتْ فِي شِرَائِهِ، فَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقِيلَ: يَحْنَثُ هُنَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي.

قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، أَوْ نَسَجَهُ، أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا طَبَخَهُ زَيْدٌ، فَلَبِسَ ثَوْبًا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، أَوْ اشْتَرَيَاهُ، أَوْ أَكَلَ مِنْ طَعَامٍ طَبَخَاهُ: فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا،

إحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَقَدَّمَ اخْتِيَارُ الْمَجْدِ فِي الْمُشَارَكَةِ فِي الشِّرَاءِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَغَيْرِهِمْ فِي الْجَمِيعِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْنَثُ، وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ قَالَ: يَحْنَثُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا، كَمَا حَكَى فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الْبَنَّا، وَغَيْرُهُمْ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى غَيْرُهُ شَيْئًا فَخَلَطَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ فَأَكَلَ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ: حَنِثَ، وَإِنْ أَكَلَ مِثْلَهُ: فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، ذَكَرَهُ فِي أَوَاخِرِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَالثَّانِي: يَحْنَثُ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ أَقَلَّ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَحْنَثُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
فَائِدَتَانِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ بَاعَهُ: حَنِثَ بِأَكْلِهِ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ.
وَالثَّانِيَةُ: الشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالسَّلَمُ وَالصُّلْحُ عَلَى مَالٍ: شِرَاءٌ.

[بَابُ التَّأْوِيلِ فِي الْحَلِفِ]

ِ تَنْبِيهٌ: شَمِلَ قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا فَلَهُ تَأْوِيلُهُ) ، أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا وَلَا مَظْلُومًا يَنْفَعُهُ تَأْوِيلُهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَنْفَعُهُ تَأْوِيلُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، حَكَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَنْعُ مِنْ الْيَمِينِ بِهِ، وَيَأْتِي مَا يُشْبِهُ هَذَا قَرِيبًا فِي التَّعْرِيضِ.
فَوَائِدُ.
الْأُولَى: قَوْلُهُ " وَإِنْ " لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا فَلَهُ تَأْوِيلُهُ " فَعَلَى هَذَا: يَنْوِي بِاللِّبَاسِ: اللَّيْلَ، وَبِالْفِرَاشِ وَالْبِسَاطِ: الْأَرْضَ، وَبِالْأَوْتَادِ الْجِبَالَ، وَبِالسَّقْفِ وَالْبِنَاءِ: السَّمَاءَ وَبِالْأُخُوَّةِ: أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ، وَمَا ذَكَرْت فُلَانًا: أَيْ مَا قَطَعْت ذَكَرَهُ، وَمَا رَأَيْته: أَيْ مَا ضَرَبْت رِئَتَهُ، وَبِنِسَائِيِّ طَوَالِقُ: أَيْ نِسَاؤُهُ الْأَقَارِبُ مِنْهُ، وَبِجَوَارِيَّ أَحْرَارٌ: سُفُنَهُ، وَبِمَا كَاتَبْت فُلَانًا: مُكَاتَبَةَ الرَّقِيقِ، وَبِمَا عَرَفْته: جَعَلْته عَرِيفًا، وَلَا أَعْلَمْته أَوْ أَعْلَمَ السَّفَهَ، وَلَا سَأَلْته حَاجَةً، وَهِيَ الشَّجَرَةُ الصَّغِيرَةُ، وَلَا أَكَلْت لَهُ دَجَاجَةً، وَهِيَ الْكُبَّةُ مِنْ الْغَزْلِ، وَلَا فَرُّوجَةً، وَهِيَ الدُّرَّاعَةُ، وَلَا فِي بَيْتِي فِرَاشٌ، وَهِيَ الصِّغَارُ مِنْ الْإِبِلِ، وَلَا حَصِيرٌ، وَهُوَ الْحَبْسُ، وَلَا بَارِيَةٌ، وَهِيَ السِّكِّينُ الَّتِي يُبْرَى بِهَا، وَيَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَيَعْنِي بِهِ الْبَاقِي، كَذَا مَا أَخَذْت مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ خِلَافُهُ إذَا عَنَاهُ بِيَمِينِهِ، فَهُوَ تَأْوِيلٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ زِيَادَاتٌ عَلَى هَذَا.
الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ التَّعْرِيضُ فِي الْمُخَاطَبَةِ لِغَيْرِ ظَالِمٍ بِلَا حَاجَةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ،

وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاخْتَارَهُ.
لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ كَتَدْلِيسِ الْبَيْعِ، وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّدْلِيسَ، وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي، وَالْمَنْصُوصُ: لَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ مَعَ الْيَمِينِ، وَيُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ مَعَ قُرْبِ الِاحْتِمَالِ مِنْ الظَّاهِرِ، وَلَا يُقْبَلُ مَعَ بُعْدِهِ، وَمَعَ تَوَسُّطِهِ رِوَايَتَانِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، يَعْنِي سَوَاءً قَرُبَ الِاحْتِمَالُ أَوْ تَوَسَّطَ.
إحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ فِي أَوَّلِ بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ وَالزُّبْدَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ (فَإِذَا أَكَلَ تَمْرًا فَحَلَفَ لَتُخْبِرِنِّي بِعَدَدِ مَا أَكَلْت أَوْ لَتُمَيِّزَنَّ نَوَى مَا أَكَلْت فَإِنَّهَا تُفْرِدُ كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا وَتَعُدُّ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَدَدٍ يَتَحَقَّقُ دُخُولُ مَا أَكَلَ فِيهِ) ، قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَقَالَ وَقِيلَ: إنْ نَوَاهُ وَإِلَّا حَنِثَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ غَالِبَ هَذَا الْبَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ بِالْحِيَلِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّ الْحِيَلَ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا، وَلَا يَبَرُّ بِهَا، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَسَائِلَ، مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا حَلَفَ " لَيَطَأَنَّهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ " ثُمَّ سَافَرَ، وَوَطِئَهَا، فَنَصُّهُ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ حِيلَةٌ، وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ احْتَالَ بِحِيلَةٍ فَهُوَ حَانِثٌ، وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ: نَحْنُ لَا نَرَى الْحِيلَةَ إلَّا بِمَا يَجُوزُ،

فَقَالَ لَهُ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ عَلَى دَرَجَةِ سُلَّمٍ " إنْ صَعِدْت أَوْ نَزَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَقَالُوا: تُحْمَلُ عَنْهُ، أَوْ تَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى سُلَّمٍ آخَرَ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا حِيلَةً، هَذَا هُوَ الْحِنْثُ بِعَيْنِهِ.
وَقَالُوا: إذَا حَلَفَ لَا يَطَأُ بِسَاطًا فَوَطِئَ عَلَى اثْنَيْنِ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَحُمِلَ وَأُدْخِلَ إلَيْهَا طَائِعًا، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: جُمْلَةُ مَذْهَبِهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَيُّلُ فِي الْيَمِينِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا بِمَا وَرَدَ بِهِ سَمْعٌ، كَنِسْيَانٍ وَإِكْرَاهٍ وَاسْتِثْنَاءٍ، قَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَقَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ التَّحَيُّلُ لِإِسْقَاطِ حُكْمِ الْيَمِينِ، وَلَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ «لَعَنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ " لَعَنْ اللَّهُ صَاحِبَ الْمَرَقِ لَقَدْ احْتَالَ حَتَّى أَكَلَ " وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَيَطَأَنَّهَا الْيَوْمَ، فَإِذَا هِيَ حَائِضٌ، أَوْ لَيَسْقِيَنَّ ابْنَهُ خَمْرًا لَا يَفْعَلُ، وَتَطْلُقُ، فَهَذِهِ نُصُوصُهُ، وَقَوْلُ أَصْحَابِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ جَوَازَ ذَلِكَ، وَذَكَرُوا مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلَ كَثِيرَةً مَذْكُورَةً فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَعْظَمُهُمْ فِي ذَلِكَ: صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ فِيهِمَا، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بَعْضَهَا، قُلْتُ: الَّذِي نَقْطَعُ بِهِ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعَ هَذِهِ النُّصُوصِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْحِنْثِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ مَا يُخَالِفُهَا، وَلَكِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، فَنَحْنُ نَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَخْلُو كِتَابُنَا مِنْهُ، فِي آخِرِ الْبَابِ، تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ.

فَمِنْ ذَلِكَ: مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا (وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيَةٍ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يُدْخِلُهُ بَارِيَةً، فَإِنَّهُ يُدْخِلُهُ قَصَبًا فَيَنْسِجُهُ فِيهِ) ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَقَالَ وَقِيلَ: إنْ أَدْخَلَ بَيْتَهُ قَصَبًا لِذَلِكَ فَنُسِجَتْ فِيهِ: حَنِثَ، وَإِنْ طَرَأَ قَصْدُهُ وَحَلِفُهُ وَالْقَصَبُ فِيهِ فَوَجْهَانِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَطْبُخَنَّ قِدْرًا بِرِطْلِ مِلْحٍ وَيَأْكُلُ مِنْهُ وَلَا يَجِدُ طَعْمَ الْمِلْحِ، فَإِنَّهُ يَسْلُقُ فِيهِ بَيْضًا، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا وَلَا تُفَّاحًا، وَلَيَأْكُلَنَّ مِمَّا فِي هَذَا الْوِعَاءِ، فَوَجَدَهُ بَيْضًا وَتُفَّاحًا، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ مِنْ الْبَيْضِ نَاطِفًا، وَمِنْ التُّفَّاحِ شَرَابًا) ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَقِيلَ: يَحْنَثُ لِلتَّعْيِينِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سُلَّمٍ فَحَلَفَ " لَا صَعِدْت إلَيْك، وَلَا نَزَلْت إلَى هَذِهِ، وَلَا أَقَمْت مَكَانِي سَاعَةً " فَلْتَنْزِلْ الْعُلْيَا وَلْتَصْعَدْ السُّفْلَى، فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ، وَإِنْ حَلَفَ " لَا أَقَمْت عَلَيْهِ، وَلَا نَزَلْت مِنْهُ، وَلَا صَعِدْت فِيهِ " فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى سُلَّمٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا أَقَمْت فِي هَذَا الْمَاءِ، وَلَا خَرَجْت مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا لَمْ يَحْنَثْ إذَا نَوَى ذَلِكَ الْمَاءَ بِعَيْنِهِ) ، قَدَّمَهُ الشَّارِحُ، وَقَالَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ حَنِثَ بِقَصْدٍ أَوْ سَبَبٍ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: إنْ كَانَ فِي مَاءٍ جَارٍ وَلَا نِيَّةَ لَهُ: لَمْ تَطْلُقْ، وَقِيلَ: إنْ نَوَى الْمَاءَ بِعَيْنِهِ وَإِلَّا حَنِثَ، كَمَا لَوْ قَصَدَ خُرُوجَهَا مِنْ النَّهْرِ، أَوْ أَفَادَتْ قَرِينَةٌ.

قَالَ الْقَاضِي فِي كِتَابٍ آخَرَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَيْنَ الْمَاءِ الَّذِي هِيَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ يَمِينِهِ تَقْتَضِي خُرُوجَهَا مِنْ النَّهْرِ أَوْ إقَامَتَهَا فِيهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ وَاقِفًا حُمِلَ مِنْهُ مُكْرَهًا) ، هَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ حِيلَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، قَوْلُهُ (وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ مَا لِفُلَانٍ عِنْدَك وَدِيعَةٌ، كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِمَا " الَّذِي " وَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ) ، وَيَبَرُّ، أَيْضًا إذَا نَوَى غَيْرَ الْوَدِيعَةِ وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ أَثِمَ، وَهُوَ دُونَ إثْمِ إقْرَارِهِ بِهَا، وَيُكَفِّرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالرِّوَايَتَيْنِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَعَزَّاهُمَا الْحَارِثِيُّ إلَى فَتَاوَى أَبِي الْخَطَّابِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَرَهُمَا فِيهَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ يَجُوزُ جَحْدُهَا، بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: لَا يَسْقُطُ ضَمَانُهُ، كَخَوْفِهِ مِنْ وُقُوعِ طَلَاقٍ، بَلْ يَضْمَنُ بِدَفْعِهَا افْتِدَاءً عَنْ يَمِينِهِ، وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: إنْ أَبَى الْيَمِينَ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَصَارَ ذَرِيعَةً إلَى أَخْذِهَا، فَكَإِقْرَارِهِ طَائِعًا، وَهُوَ تَفْرِيطٌ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ.
انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَهُ مَا فُلَانٌ هَاهُنَا) ، وَعَنِيَ مَوْضِعًا مُعَيَّنًا: بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الْمَرُّوذِيُّ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، بَلْ تَبَسَّمَ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا سَرَقْت مِنِّي شَيْئًا، فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَةٍ: لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: حَنِثَ بِقَصْدٍ أَوْ سَبَبٍ.

فَوَائِدُ.
مِمَّا ذَكَرَ هَهُنَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ: لَوْ كَانَ فِي فَمِهَا رُطَبَةٌ، فَقَالَ " إنْ أَكَلْتِيهَا، أَوْ أَلْقَيْتِيهَا، أَوْ أَمْسَكْتِيهَا، فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَإِنَّهَا تَأْكُلُ بَعْضَهَا وَتَرْمِي الْبَاقِيَ، وَلَا تَطْلُقُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
بِنَاءً عَلَى مَنْ حَلَفَ " لَا يَفْعَلُ شَيْئًا " فَفَعَلَ بَعْضَهُ.
عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ حَلَفَ " لَتَصْدُقَنَّ: هَلْ سَرَقْت مِنِّي أَمْ لَا؟ " وَكَانَتْ قَدْ سَرَقَتْ، فَقَالَتْ " سَرَقْت مِنْك مَا سَرَقْت مِنْك " لَمْ تَطْلُقْ.
.

فَإِنْ قَالَ " إنْ قُلْتِ لِي شَيْئًا وَلَمْ أَقُلْ لَك مِثْلَهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَقَالَتْ " أَنْتِ طَالِقٌ " بِكَسْرِ التَّاءِ فَقَالَ مِثْلُهَا، وَعَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يَتَعَذَّرُ: لَمْ تَطْلُقُ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ ذَلِكَ إذَا كَسَرَ التَّاءَ أَوْ فَتَحَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ " بَابِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَاتِهِ " مُسْتَوْفًى، فَلْيُعَاوَدْ ذَلِكَ.

وَإِنْ قَالَ لَهَا " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ سَأَلْتِينِي الْخُلْعَ وَلَمْ أَخْلَعْك عَقِبَ سُؤَالِك " فَقَالَتْ " عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ أَسْأَلْك الْخُلْعَ الْيَوْمَ "، فَخَلَاصُهَا: أَنْ تَسْأَلَهُ الْخُلْعَ فِي الْيَوْمِ، فَيَقُولُ الزَّوْجُ " قَدْ خَلَعْتُك عَلَى مَا بَذَلْت إنْ فَعَلْت الْيَوْمَ كَذَا " فَتَقُولُ الزَّوْجَةُ " قَدْ قَبِلْت " وَلَا تَفْعَلُ هِيَ مَا عَلَّقَ خَلْعَهَا عَلَى فِعْلِهِ، فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ اشْتَرَى خِمَارَيْنِ، وَلَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، فَحَلَفَ " لَتَخْتَمِرَنَّ كُلُّ وَاحِدَةٍ عِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ الشَّهْرِ " اخْتَمَرَتْ الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَأَخَذَتْهُ الصُّغْرَى مِنْ الْكُبْرَى إلَى آخِرِ الشَّهْرِ، وَاخْتَمَرَتْ الْكُبْرَى بِخِمَارِ الْوُسْطَى بَعْدَ الْعِشْرِينَ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ.
وَكَذَا رُكُوبُهُنَّ لِبَغْلَيْنِ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ، فَإِنْ حَلَفَ " لَيَقْسِمَنَّ بَيْنَهُنَّ ثَلَاثِينَ قَارُورَةً: عَشْرًا مَمْلُوءَةً، وَعَشْرًا فَارِغَةً، وَعَشْرًا مُنَصَّفَةً، قَلَبَ كُلَّ مُنَصَّفَةٍ فِي أُخْرَى " فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسَةٌ مَمْلُوءَةٌ وَخَمْسَةٌ فَارِغَةٌ.

فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ نَعْجَةً: عَشْرٌ نَتَجَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ سَخْلَاتٍ، وَعَشْرٌ نَتَجَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَخْلَتَيْنِ، وَعَشْرٌ نَتَجَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَخْلَةً، ثُمَّ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ " لَيَقْسِمَنَّهَا بَيْنَهُنَّ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثُونَ رَأْسًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ السِّخَالِ وَأُمَّهَاتِهِنَّ " فَإِنَّهُ يُعْطِي إحْدَاهُنَّ الْعَشْرَ الَّتِي نَتَجَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَخْلَتَيْنِ، وَيَقْسِمُ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ مَا بَقِيَ بِالسَّوِيَّةِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسٌ مِمَّا نِتَاجُهَا ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ مِمَّا نِتَاجُهَا وَاحِدَةٌ.

وَإِنْ حَلَفَ " لَا شَرِبْت هَذَا الْمَاءَ، وَلَا أَرَقْتِيهِ، وَلَا تَرَكْتِيهِ فِي الْإِنَاءِ، وَلَا فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُك " فَإِذَا طَرَحَتْ فِي الْإِنَاءِ ثَوْبًا فَشَرِبَ الْمَاءَ، ثُمَّ جَفَّفَتْهُ بِالشَّمْسِ: لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ " لَتَقْسِمَنَّ هَذَا الدُّهْنَ نِصْفَيْنِ، وَلَا تَسْتَعِيرُ كَيْلًا وَلَا مِيزَانًا " وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ فِي ظَرْفٍ، وَمَعَهُ آخَرُ يَسْعَ خَمْسَةً وَآخَرُ يَسْعَ ثَلَاثَةً، أَخَذَ بِظَرْفِ الثَّلَاثَةِ مَرَّتَيْنِ، وَأَلْقَاهُ فِي ظَرْفِ الْخَمْسَةِ، وَتَرَكَ الْخَمْسَةَ فِي ظَرْفِ الثَّمَانِيَةِ، وَمَا بَقِيَ فِي الثُّلَاثِيِّ يَضَعُهُ فِي الْخُمَاسِيِّ، ثُمَّ مَلَأَ الثُّلَاثِيَّ مِنْ الثُّمَانِيِّ وَأَلْقَاهُ فِي الْخُمَاسِيِّ، فَيَصِيرُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ، وَفِي الثُّمَانِيِّ أَرْبَعَةٌ.

وَإِنْ وَرَدَ الشَّطَّ أَرْبَعَةٌ فَأَكْثَرَ، مَعَهُمْ نِسَاؤُهُمْ، وَالسَّفِينَةُ لَا تَسَعُ غَيْرَ اثْنَيْنِ فَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ " لَا رَكِبَتْ زَوْجَتُهُ مَعَ رَجُلٍ فَأَكْثَرَ إلَّا وَأَنَا مَعَهَا " فَإِنَّهُ يَعْبُرُ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ، ثُمَّ يَصْعَدُ زَوْجُهَا وَتَعُودُ هِيَ، فَتَعْبُرُ أُخْرَى، وَتَصْعَدُ الْأُولَى إلَى زَوْجِهَا، وَتَعُودُ الثَّانِيَةُ فَتَعْبُرُ بِزَوْجِهَا فَيَصْعَدُ، وَتَعُودُ امْرَأَتُهُ فَتَعْبُرُ الثَّالِثَةُ، وَتَصْعَدُ هِيَ إلَى زَوْجِهَا، وَتَعُودُ الثَّالِثَةُ فَيَعْبُرُ زَوْجُهَا، فَيَصْعَدُ هُوَ وَتَعُودُ هِيَ، فَتَعْبُرُ الرَّابِعَةُ وَتَصْعَدُ الثَّالِثَةُ إلَى زَوْجِهَا، وَتَعُودُ الرَّابِعَةُ، فَيَعْبُرُ زَوْجُهَا فَيَصْعَدَانِ مَعًا، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَتَخَلَّصُونَ وَلَوْ كَانُوا أَلْفًا، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً، فَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ " لَا قَرُبْت جَانِبَ النَّهْرِ، وَفِيهِ رَجُلٌ إلَّا وَأَنَا مَعَك " فَتَعْبُرُ امْرَأَتَانِ، فَتَصْعَدُ إحْدَاهُمَا، وَتَرْجِعُ الْأُخْرَى فَتَأْخُذُ الثَّالِثَةُ وَتَرْجِعُ

إلَى زَوْجِهَا، وَيَنْزِلُ زَوْجَا الْمَرْأَتَيْنِ فَيَصْعَدَانِ إلَيْهِمَا، وَيَنْزِلُ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ فَيَعْبُرَانِ فَتَصْعَدُ امْرَأَتُهُ، وَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ فَيَعْبُرَانِ، وَتَنْزِلُ الْمَرْأَةُ الثَّالِثَةُ فَتَعْبُرُ بِالْمَرْأَتَيْنِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَيَصْعَدْنَ الثَّلَاثُ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَلَا تُتَصَوَّرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنْ قَالَ " فَإِنْ وَلَدْت وَلَدَيْنِ ذَكَرَيْنِ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ، أَوْ حَيَّيْنِ أَوْ مَيِّتَيْنِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَوَلَدَتْ اثْنَيْنِ، فَلَمْ تَطْلُقْ، فَقَدْ وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، حَيًّا وَمَيِّتًا، وَإِنْ حَلَفَ " لَا يُقِرُّ عَلَى سَارِقٍ " وَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ؟ فَقَالَ: لَا، وَسُئِلَ عَنْ خَصْمِهِ فَسَكَتَ، وَعَلِمَ بِهِ: لَمْ يَحْنَثْ، قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَقِيلَ: يَحْنَثُ إنْ سَأَلَهُ الْوَالِي عَنْ قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ؟ فَبَرَّأَهُمْ وَسَكَتَ يُرِيدُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ حَقِيقَةَ النُّطْقِ وَالْغَمْزِ.

فَإِنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ فِي شَعْبَانَ بِالثَّلَاثِ أَنْ يُجَامِعَهَا فِي نَهَارِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَدَخَلَ رَمَضَانُ، فَالْحِيلَةُ: أَنْ يُسَافِرَ بِهَا، قَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ، فَإِنْ حَاضَتْ: وَطِئَ وَكَفَّرَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَاب الْحَيْضِ، وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ، وَيُطَلِّقُ، وَهُوَ الصَّوَابُ.

فَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنِّي أُحِبُّ الْفِتْنَةَ، وَأَكْرَهُ الْحَقَّ، وَأَشْهَدُ بِمَا لَمْ تَرَهُ عَيْنِي، وَلَا أَخَافُ مِنْ اللَّهِ، وَلَا مِنْ رَسُولِهِ، وَأَنَا عَدْلٌ مُؤْمِنٌ مَعَ ذَلِكَ: لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، فَهَذَا رَجُلٌ يُحِبُّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15] وَيَكْرَهُ الْمَوْتُ، وَهُوَ حَقٌّ، وَيَشْهَدُ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، وَلَا يَخَافُ مِنْ اللَّهِ وَلَا مِنْ رَسُولِهِ الظُّلْمَ وَالْجَوْرَ.

وَإِنْ حَلَفَ أَنَّ امْرَأَتَهُ بَعَثَتْ إلَيْهِ، فَقَالَتْ " قَدْ حَرُمْت عَلَيْك، وَتَزَوَّجْت بِغَيْرِك، وَأَوْجَبْت عَلَيْك أَنْ تَنْفُذَ إلَيَّ بِنَفَقَتِي وَنَفَقَةِ زَوْجِي " وَتَكُونُ عَلَى الْحَقِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ امْرَأَةٌ زَوَّجَهَا أَبُوهَا مِنْ مَمْلُوكٍ، ثُمَّ بَعَثَ الْمَمْلُوكَ فِي تِجَارَةٍ، وَمَاتَ الْأَبُ، فَإِنَّ الْبِنْتَ تَرِثُهُ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْعَبْدِ، وَتَقْضِي الْعِدَّةَ، وَتَتَزَوَّجُ بِرَجُلٍ فَتَنْفُذُ إلَيْهِ: ابْعَثْ لِي مِنْ الْمَالِ الَّذِي مَعَك، فَهُوَ لِي، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ: إحْدَاهُمَا فِي الْغُرْفَةِ، وَالْأُخْرَى فِي الدَّارِ، فَصَعِدَ فِي الدَّرَجَةِ، فَقَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ " إلَيَّ " فَحَلَفَ " لَا صَعِدْت إلَيْك، وَلَا نَزَلْت إلَيْك، وَلَا أَقَمْت مَقَامِي سَاعَتِي " فَإِنَّ الَّتِي فِي الدَّارِ تَصْعَدُ، وَاَلَّتِي فِي الْغُرْفَةِ تَنْزِلُ، وَلَهُ أَنْ يَصْعَدَ وَيَنْزِلَ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.

فَإِنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ " لَا لَبِسْت هَذَا الْقَمِيصَ، وَلَا وَطِئْتُك إلَّا فِيهِ " فَلَبِسَهُ وَوَطِئَهَا: لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ " لَيُجَامِعَنَّهَا عَلَى رَأْسِ رُمْحٍ " فَنَقَبَ السَّقْفَ فَانْفَرَجَ مِنْهُ رَأْسُ الرُّمْحِ يَسِيرًا، وَجَامَعَهَا: عَلَيْهِ بَرَّ، وَإِنْ حَلَفَ " لَتُخْبِرَنَّهُ بِشَيْءٍ رَأْسُهُ فِي عَذَابٍ، وَأَسْفَلُهُ فِي شَرَابٍ، وَوَسَطُهُ فِي طَعَامٍ، وَحَوْلُهُ سَلَاسِلُ وَأَغْلَالٌ، وَحَبْسُهُ فِي بَيْتٍ صَغُرَ " فَهُوَ فَتِيلَةُ الْقِنْدِيلِ، وَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ " يَطَأُ فِي يَوْمٍ، وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلَا تَفُوتُهُ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ " فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَعَهُ الْفَجْرَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَيَطَأُ بَعْدَهَا، وَيَغْتَسِلُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَيُصَلِّي مَعَهُ، فَإِنْ حَلَفَ فِي يَوْمٍ " إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشْرَ رَكْعَةً، وَصَدَقَ " فَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ،

وَإِنْ قَالَ " تِسْعَةَ عَشَرَ " فَهُوَ يَوْمُ عِيدٍ إنْ وَجَبَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ حَلَفَ " أَنَّهُ بَاعَ تَمْرًا، كُلَّ رِطْلٍ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَتِبْنًا كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَزَبِيبًا كُلَّ رِطْلٍ بِثَلَاثَةٍ، فَبَلَغَ الثَّمَنُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَالْوَزْنُ عِشْرُونَ رِطْلًا " وَبَرَّ، فَالتَّمْرُ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَالتِّبْنُ خَمْسَةٌ، وَالزَّبِيبُ رِطْلٌ، فَإِنْ حَلَفَ " أَنِّي رَأَيْت رَجُلًا يُصَلِّي إمَامًا بِنَفْسَيْنِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ، فَنَظَرَ إلَى قَوْمٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ، وَبَطَلَ صَوْمُهُ، وَصَلَاتُهُ، وَوَجَبَ جَلْدُ الْمَأْمُومِينَ، وَنَقْضُ الْمَسْجِدِ " وَهُوَ صَادِقٌ، فَهَذَا رَجُلٌ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَشَهِدَ الْمَأْمُومَانِ بِوَفَاتِهِ، وَأَنَّهُ وَصَّى بِدَارِهِ أَنْ تُجْعَلَ مَسْجِدًا، وَكَانَ عَلَى طَهَارَةٍ صَائِمًا، فَالْتَفَتَ فَرَأْي زَوْجَ الْمَرْأَةِ قَدْ قَدِمَ، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: قَدْ خَرَجَ يَوْمُ الصَّوْمِ، وَدَخَلَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ هِلَالَ شَوَّالٍ قَدْ رُئِيَ، وَرُئِيَ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ، أَوْ كَانَ مُتَيَمِّمًا فَرَأَى الْمَاءَ بِقُرْبِهِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَحْرُمُ بِقُدُومِ الزَّوْجِ، وَصَوْمُهُ يَبْطُلُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ، وَصَلَاتُهُ تَبْطُلُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةِ، وَيُجْلَدُ الرَّجُلَانِ لِكَوْنِهِمَا قَدْ شَهِدَا بِالزُّورِ، وَيَجِبُ نَقْضُ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مَا صَحَّتْ، وَالدَّارُ لِمَالِكِهَا.

فَإِنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ " لَا أَبْصَرْتُك إلَّا وَأَنْتَ لَابِسَةٌ عَارِيَّةٌ حَافِيَةٌ رَاجِلَةٌ رَاكِبَةٌ " فَأَبْصَرَهَا، وَلَمْ تَطْلُقْ، فَإِنَّهَا تَجِيئُهُ بِاللَّيْلِ عُرْيَانَةَ حَافِيَةً رَاكِبَةً فِي سَفِينَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: 10] ، وَ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: 41] ، فَإِنْ حَلَفَ " أَنَّهُ رَأَى ثَلَاثَةَ إخْوَةٍ لِأَبَوَيْنِ، أَحَدُهُمْ: عَبْدٌ، وَالْآخَرُ مَوْلًى، وَالْآخَرُ عَرَبِيٌّ " وَبَرَّ، فَإِنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ أَمَةً، فَأَتَتْ بِابْنٍ، فَهُوَ عَبْدٌ، ثُمَّ كُوتِبَتْ فَأَدَّتْ وَهِيَ حَامِلٌ بِابْنِ، فَتَبِعَهَا فِي الْعِتْقِ، فَهُوَ مَوْلًى، ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَ الْأَدَاءِ ابْنًا فَهُوَ عَرَبِيٌّ، وَإِنْ حَلَفَ " أَنَّ خَمْسَةً زَنَوْا بِامْرَأَةٍ، لَزِمَ الْأَوَّلَ الْقَتْلُ، وَالثَّانِيَ الرَّجْمُ، وَالثَّالِثَ الْجَلْدُ، وَالرَّابِعَ نِصْفُ الْجَلْدِ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْخَامِسَ شَيْءٌ " وَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، فَالْأَوَّلُ ذِمِّيٌّ، وَالثَّانِي مُحْصَنٌ، وَالثَّالِثُ بِكْرٌ، وَالرَّابِعُ عَبْدٌ.
وَالْخَامِسُ حَرْبِيٌّ.

فَوَائِدُ فِي الْمَخَارِجِ مِنْ مَضَايِقِ الْأَيْمَانِ، وَمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ حَالَ عَقْدِ الْيَمِينِ وَمَا يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْحِنْثِ.
إذَا أَرَادَ تَخْوِيفَ زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ دَارِهَا، فَقَالَ لَهَا " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي " وَنَوَى بِقَلْبِهِ: طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ، أَوْ مِنْ الْعَمَلِ الْفُلَانِيِّ كَالْخِيَاطَةِ، وَالْغَزْلِ، أَوْ التَّطْرِيزِ وَنَوَى بِقَوْلِهِ " ثَلَاثًا " ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَهُ نِيَّتُهُ، فَإِنْ خَرَجَتْ لَمْ تَطْلُقْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا فِي الْحُكْمِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، قُلْتُ: الصَّوَابُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا نَوَى بِقَوْلِهِ " طَالِقٌ " الطَّالِقُ مِنْ الْإِبِلِ، وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي يُطْلِقُهَا الرَّاعِي وَحْدَهَا أَوَّلَ الْإِبِلِ إلَى الْمَرْعَى، وَيَحْبِسُ لَبَنَهَا وَلَا يَحْلُبُهَا إلَّا عِنْدَ الْوُرُودِ، أَوْ نَوَى بِالطَّالِقِ النَّاقَةَ الَّتِي يَحِلُّ عِقَالُهَا، وَكَذَا إنْ نَوَى " إنْ خَرَجَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ " أَوْ " إنْ خَرَجَتْ، وَعَلَيْهَا ثِيَابُ خَزٍّ أَوْ إبْرَيْسِمَ " أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ خَرَجَتْ عُرْيَانَةَ، أَوْ رَاكِبَةً بَغْلًا أَوْ حِمَارًا، أَوْ إنْ خَرَجَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَمَتَى خَرَجَتْ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الَّتِي نَوَاهَا: لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا قَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَبِسْت " وَنَوَى ثَوْبًا دُونَ ثَوْبٍ، فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِعَتَاقٍ، وَكَذَا إنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ضَفِيرَةِ شَعْرِهَا، وَقَالَ " أَنْتِ طَالِقٌ " وَنَوَى مُخَاطَبَةَ الضَّفِيرَةِ، أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى شَعْرِ عَبْدِهِ، وَقَالَ " أَنْتَ حُرٌّ " وَنَوَى مُخَاطَبَةَ الشَّعْرِ،

أَوْ " إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ " أَوْ " إنْ سَرَقْت مِنِّي " أَوْ " إنْ خُنْتِينِي فِي مَالٍ " أَوْ " إنْ أَفْشَيْت سِرِّي " أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُرِيدُ مَنَعَهَا مِنْهُ، فَلَهُ نِيَّتُهُ.

وَكَذَا إنْ أَرَادَ ظَالِمٌ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ أَوْ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا لِشَيْءٍ لَا يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ بِهِ، فَحَلَفَ وَنَوَى شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا: لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا إنْ قَالَ لَهُ " قُلْ: زَوْجَتِي، أَوْ كُلُّ زَوْجَةٍ لِي طَالِقٌ، إنْ فَعَلَتْ كَذَا "، أَوْ " إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا، أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا " فَقَالَ: وَنَوَى زَوْجَتَهُ الْعَمْيَاءَ، أَوْ الْيَهُودِيَّةَ، أَوْ كُلَّ زَوْجَةٍ لَهُ عَمْيَاءَ، أَوْ يَهُودِيَّةٍ، أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ، أَوْ عَوْرَاءَ، أَوْ خَرْسَاءَ، أَوْ حَبَشِيَّةٍ، أَوْ رُومِيَّةٍ، أَوْ مَكِّيَّةً، أَوْ مَدَنِيَّةٍ، أَوْ خُرَاسَانِيَّةٍ، أَوْ نَوَى كُلَّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجْتهَا بِالصِّينِ، أَوْ بِالْبَصْرَةِ، أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَمَتَى لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي نَوَاهَا، وَكَانَ لَهُ زَوْجَاتٌ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الصِّفَاتِ: لَمْ يَحْنَثْ.
وَكَذَا حُكْمُ الْعَتَاقِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ " نِسَاؤُهُ طَوَالِقُ " وَنَوَى بِنِسَائِهِ بَنَاتِهِ، أَوْ عَمَّاتِهِ، أَوْ خَالَاتِهِ لِلْآيَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَكَذَا إنْ قَالَ " إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا " وَنَوَى: إنْ كُنْت فَعَلْته بِالصِّينِ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَمَاكِنِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهَا: لَمْ يَحْنَثْ، فَإِنْ أَحْلَفَهُ مَعَ الطَّلَاقِ بِصَدَقَةِ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُ، فَحَلَفَ وَنَوَى جِنْسًا مِنْ الْأَمْوَالِ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ مِنْهُ شَيْءٌ: لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا إنْ أَحْلَفَهُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الَّذِي بِمَكَّةَ، فَقَالَ " عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الَّذِي بِمَكَّةَ " وَنَوَى بِقَوْلِهِ " بَيْتُ اللَّهِ " مَسْجِدَ الْجَامِعِ، وَبِقَوْلِهِ " الْحَرَامِ الَّذِي بِمَكَّةَ " الْمُحْرِمَ الَّذِي بِمَكَّةَ لِحَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ، ثُمَّ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ " يَلْزَمُهُ تَمَامُ حِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ " فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
فَإِنْ ابْتَدَأَ إحْلَافَهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ " قُلْ: وَاَللَّهِ " فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ " هُوَ

اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ " وَيُدْغِمُ الْهَاءَ فِي الْوَاوِ حَتَّى لَا يَفْهَمَ مُحَلِّفُهُ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ لَهُ الْمُحَلِّفُ: أَنَا أَحْلِفُك بِمَا أُرِيدُ، وَقُلْ أَنْتَ " نَعَمْ " كُلَّمَا ذَكَرْت أَنَا فَصْلًا وَوَقَفْت، فَقُلْ: أَنْتَ " نَعَمْ " وَكَتَبَ لَهُ نُسْخَةَ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَصَدَقَةِ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ، فَالْحِيلَةُ: أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ " نَعَمْ " بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، وَلَا يَحْنَثُ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: الْيَمِينُ الَّتِي أُحَلِّفُك بِهَا لَازِمَةٌ لَك قُلْ " نَعَمْ " أَوْ قَالَ لَهُ: قُلْ " الْيَمِينُ الَّتِي تُحَلِّفُنِي بِهَا لَازِمَةٌ لِي " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْيَمِينِ يَدَهُ، فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَا إنْ قَالَ لَهُ " أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ لَازِمَةٌ لَك " أَوْ قَالَ لَهُ: قُلْ " أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ لَازِمَةٌ لِي " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْأَيْمَانِ الْأَيْدِي الَّتِي تَنْبَسِطُ عِنْدَ أَخْذِ الْأَيْدِي، وَيُصَفِّقُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَا إنْ قَالَ لَهُ " وَالْيَمِينُ يَمِينِي، وَالنِّيَّةُ نِيَّتُك " فَقَالَ، وَنَوَى بِيَمِينِهِ: يَدَهُ، وَبِالنِّيَّةِ: الْبِضْعَةَ مِنْ اللَّحْمِ، فَلَهُ نِيَّتُهُ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: قُلْ " إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا، فَامْرَأَتِي عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي "، فَالْحِيلَةُ: أَنْ يَنْوِيَ بِالظَّهْرِ مَا يُرْكَبُ مِنْ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْإِبِلِ، فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ: لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ إبْطَالِ الْحِيَلِ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ الْحِيَلِ الْمُبَاحَةِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ " قُلْ: فَأَنَا مُظَاهِرٌ مِنْ زَوْجَتِي " فَالْحِيلَةُ: أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ " مُظَاهِرٌ " مُفَاعِلٌ مِنْ ظَهْرِ الْإِنْسَانِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ " ظَاهَرْتهَا فَنَظَرْت أَيَّنَا أَشَدَّ ظَهْرًا " قَالَ " وَالْمُظَاهِرُ " أَيْضًا: الَّذِي قَدْ لَبِسَ حَرِيرَةً بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَثَوْبًا بَيْنَ ثَوْبَيْنِ، فَأَيَّ ذَلِكَ نَوَى فَلَهُ نِيَّتُهُ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: قُلْ " وَإِلَّا فَقَعِيدَةُ بَيْتِي الَّتِي يَجُوزُ عَلَيْهَا أَمْرِي طَالِقٌ " أَوْ " هِيَ حَرَامٌ " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْقَعِيدَةِ: نَسِيجَةً تُنْسَجُ كَهَيْئَةِ الْعَبَاءَةِ، فَلَهُ نِيَّتُهُ،

فَإِنْ قَالَ: قُلْ " وَإِلَّا فَمَالِي عَلَى الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ " فَالْحِيلَةُ: أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ " مَالَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ " مِنْ دَيْنٍ، وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، فَإِنْ قَالَ: قُلْ " وَإِلَّا فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ " فَالْحِيلَةُ: أَنْ يَنْوِيَ بِالْمَمْلُوكِ الدَّقِيقِ الْمَلْتُوتِ بِالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ.

فَإِنْ قَالَ: قُلْ " فَكُلُّ عَبْدٍ لِي حُرٌّ " فَالْحِيلَةُ: أَنْ يَنْوِيَ بِالْحُرِّ غَيْرِ ضِدِّ الْعَبْدِ، وَذَلِكَ أَشْيَاءُ، فَالْحُرُّ: اسْمٌ لِلْحَيَّةِ الذَّكَرِ، وَالْحُرُّ أَيْضًا: الْفِعْلُ الْجَمِيلُ، وَالْحُرُّ أَيْضًا مِنْ الرَّمْلِ: الَّذِي مَا وُطِئَ، فَإِنْ قَالَ: قُلْ " وَإِلَّا فَكُلُّ جَارِيَةٍ لِي حُرَّةٌ " فَالْحِيلَةُ: أَنْ يَنْوِيَ بِالْجَارِيَةِ السَّفِينَةَ، وَالْجَارِيَةُ أَيْضًا: الْعَادَةُ الَّتِي جَرَتْ، فَأَيُّ ذَلِكَ نَوَى فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ نَوَى بِالْحُرَّةِ الْأُذُنَ، فَإِنَّهَا تُسَمَّى حُرَّةً، وَالْحُرَّةُ أَيْضًا: السَّحَابَةُ الْكَثِيرَةُ الْمَطَرِ، وَالْحُرَّةُ أَيْضًا: الْكَرِيمَةُ مِنْ النُّوقِ، فَأَيُّ ذَلِكَ نَوَى فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: قُلْ " وَإِلَّا فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْأَحْرَارِ: الْبَقْلَ، فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ: قُلْ " وَإِلَّا فَجَوَارِيَّ حَرَائِرُ " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْحَرَائِرِ الْأَيَّامَ، فَلَهُ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ تُسَمَّى حَرَائِرَ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: قُلْ " كُلُّ شَيْءٍ فِي مِلْكِي صَدَقَةٌ " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْمِلْكِ مَحَجَّةَ الطَّرِيقِ، فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَا إنْ قَالَ: قُلْ " جَمِيعُ مَا أَمْلِكُهُ مِنْ عَقَارٍ وَدَارٍ وَضَيْعَةٍ، فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْوَقْفِ السِّوَارَ مِنْ الْعَاجِ: فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَا إنْ قَالَ: قُلْ " وَإِلَّا فَعَلَيَّ الْحَجُّ " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْحَجِّ أَخْذَ الطَّبِيبِ مَا حَوْلَ الشَّجَّةِ مِنْ الشَّعْرِ: فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَا إنْ قَالَ قُلْ " وَإِلَّا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْحَجَّةِ الْقُصَّةَ

مِنْ الشَّعْرِ الَّذِي حَوْلَ الشَّجَّةِ، وَنَوَى بِالْعُمْرَةِ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا، فَلَهُ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى مُعْتَمِرًا، وَكَذَا إنْ قَالَ: قُلْ " وَإِلَّا فَعَلَيَّ حِجَّةٌ " بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَنَوَى بِهَا شَحْمَةَ الْأُذُنِ فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَا إنْ قَالَ: قُلْ " وَإِلَّا فَلَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً " فَقَالَ، وَنَوَى بِالصَّوْمِ ذَرْقَ النَّعَامِ، أَوْ النَّوْعَ مِنْ الشَّجَرِ، وَنَوَى بِالصَّلَاةِ بَيْتًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ يُصَلُّونَ فِيهِ، فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَكَذَا إنْ قَالَ: قُلْ " وَإِلَّا فَمَا صَلَّيْت لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى " فَقَالَ، وَنَوَى بِقَوْلِهِ " صَلَّيْت " أَيْ أَخَذْت بَصَلِيِّ الْفَرَسِ، وَهُوَ مَا اتَّصَلَ بِخَاصِرَتِهِ إلَى فَخِذَيْهِ، أَوْ نَوَى بِصَلَّيْتُ: أَيْ شَوَيْت شَيْئًا فِي النَّارِ، فَلَهُ نِيَّتُهُ، قُلْتُ: أَوْ يَنْوِي بِ " مَا " النَّافِيَةِ، وَكَذَا إنْ قَالَ قُلْ " وَإِلَّا فَأَنَا كَافِرٌ بِكَذَا وَكَذَا " فَقَالَ، وَنَوَى بِالْكَافِرِ الْمُسْتَتَرِ الْمُتَغَطَّى، أَوْ السَّاتِرِ الْمُغَطِّي، فَلَهُ نِيَّتُهُ.

فَوَائِدُ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي يَسْتَحْلِفُ بِهَا النِّسَاءُ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا اسْتَحْلَفَتْهُ زَوْجَتُهُ: أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَحَلَفَ وَنَوَى شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا أَوَّلًا، فَلَهُ نِيَّتُهُ، فَإِنْ أَرَادَتْ إحْلَافَهُ بِطَلَاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا عَلَيْهَا، أَوْ " إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فُلَانَةَ، فَهِيَ طَالِقٌ " وَقُلْنَا يَصِحُّ، عَلَى رِوَايَةٍ تَقَدَّمَتْ، أَوْ أَرَادَتْ إحْلَافَهُ بِعِتْقِ كُلِّ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا عَلَيْهَا، وَقُلْنَا: يَصِحُّ عَلَى رَأْيٍ، فَإِذَا قَالَ " كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك، وَكُلُّ جَارِيَةٍ أَشْتَرِيهَا " وَنَوَى جِنْسًا مِنْ الْأَجْنَاسِ، أَوْ مِنْ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ نَوَى أَنْ يَكُونَ صَدَاقُهَا، أَوْ ثَمَنُ الْجَارِيَةِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَالِ بِعَيْنِهِ، فَمَتَى تَزَوَّجَ أَوْ اشْتَرَى بِغَيْرِ الصِّفَةِ الَّتِي نَوَاهَا: لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا إنْ نَوَى " كُلَّ زَوْجَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك " أَيْ عَلَى طَلَاقِك، أَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ " عَلَيْك " أَيْ عَلَى رَقَبَتِك، أَيْ تَكُونُ رَقَبَتُك صَدَاقًا لَهَا، فَلَهُ نِيَّتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْم؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ إبْطَالِ الْحِيَلِ، فَإِنْ أَحَلَفْته بِطَلَاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ يَطَؤُهَا غَيْرَهَا، وَلَمْ يَكُنْ تَزَوَّجَ غَيْرَهَا، فَأَيُّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَوَطِئَهَا لَا تَطْلُقُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ " كُلُّ جَارِيَةٍ أَطَؤُهَا حُرَّةٌ " وَلَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ جَارِيَةٌ، ثُمَّ اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَطِئَهَا، فَإِنَّهَا لَا تُعْتَقُ، سَوَاءٌ قُلْنَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمِلْكِ أَوْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، وَلَا مُضَافَةٌ إلَى مِلْكٍ، فَلَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ " كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَأَطَؤُهَا " أَوْ " كُلُّ جَارِيَةٍ أَشْتَرِيهَا فَأَطَؤُهَا ". قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إذَا قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ " إنْ دَخَلْت دَارِي فَأَنْتِ طَالِقٌ " ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَدَخَلَتْ دَارِهِ: أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، وَكَذَا إنْ قَالَ لِأَمَةِ غَيْرِهِ " إنَّ ضَرَبْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ " ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَضَرَبَهَا: فَإِنَّهَا لَا تُعْتَقُ،

فَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ وَقْتَ الْيَمِينِ زَوْجَاتٌ أَوْ جَوَارٍ، وَقَالَتْ لَهُ: قُلْ " كُلُّ امْرَأَةٍ أَطَؤُهَا غَيْرَك طَالِقٌ، أَوْ حُرَّةٌ " وَقَالَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَأَيُّ زَوْجَةٍ وَطِئَ غَيْرَهَا مِنْهُنَّ طَلُقَتْ، وَأَيُّ جَارِيَةٍ وَطِئَهَا مِنْهُنَّ: عَتَقَتْ، فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ " كُلَّ جَارِيَةٍ أَطَؤُهَا وَكُلَّ امْرَأَةٍ أَطَؤُهَا غَيْرَك " بِرِجْلِي يَعْنِي يَطَؤُهَا بِرِجْلِهِ فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَلَا يَحْنَثُ بِجِمَاعِ غَيْرِهَا، زَوْجَةً كَانَتْ أَوْ سُرِّيَّةً، فَإِنْ أَرَادَتْ امْرَأَتُهُ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْيَمِينِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا فِي جَوَارِيهِ، وَخَافَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْحَاكِمِ فَلَا يُصَدِّقُهُ فِيمَا نَوَاهُ، فَالْحِيلَةُ: أَنْ يَبِيعَ جَوَارِيهِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ، وَيُشْهِدُ عَلَى بَيْعِهِنَّ شُهُودًا عُدُولًا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ الزَّوْجَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَحْلِفُ بِعِتْقِ كُلِّ جَارِيَةٍ يَطَؤُهَا مِنْهُنَّ، فَيَحْلِفُ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ مِنْهُنَّ، وَيُشْهِدُ عَلَى وَقْتِ الْيَمِينِ شُهُودَ الْبَيْعِ لِيَشْهَدُوا لَهُ بِالْحَالَيْنِ جَمِيعًا، فَإِنْ أَشْهَدَ غَيْرَهُمْ وَأَرَّخَ الْوَقْتَيْنِ، وَبَيْنَهُمَا مِنْ الْفَصْلِ مَا يَتَمَيَّزُ كُلُّ وَقْتٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ: كَفَاهُ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَ الْيَمِينِ يُقَايِلُ مُشْتَرِيَ الْجَوَارِي، أَوْ يَعُودُ وَيَشْتَرِيهِنَّ مِنْهُ، وَيَطَؤُهُنَّ وَلَا يَحْنَثُ.
فَإِنْ رَافَعَتْهُ إلَى الْحَاكِمِ، وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ بِالْيَمِينِ بِوَطْئِهِنَّ: أَقَامَ هُوَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ الْيَمِينِ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ مِنْهُنَّ، فَإِنْ قَالَتْ لَهُ: قُلْ " كُلُّ جَارِيَةٍ أَشْتَرِيهَا فَأَطَؤُهَا فَهِيَ حُرَّةٌ " فَلْيَقُلْ ذَلِكَ، وَيَنْوِي بِهِ الِاسْتِفْهَامَ، وَلَا يَنْوِي بِهِ الْحَلِفَ، فَلَا يَحْنَثُ، ذَكَرَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَمَنْ تَابَعَهُ، قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَجَدْت بِخَطِّ شَيْخِنَا أَبِي حَكِيمِ، قَالَ: حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إلَى بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ فَاسْأَلْهُ، ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُ؟

فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ: إذَا أَفْطَرَ أَهْلُك فَاقْعُدْ مَعَهُمْ وَلَا تُفْطِرُ، فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ فَكُلْ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَلُمُّوا إلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ» فَاسْتَحْسَنَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. انْتَهَى.
وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كِفَايَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

[بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ]

ِ فَوَائِدُ.
إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (إذَا شَكَّ: هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا؟ لَمْ تَطْلُقْ) ، بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمَنْ تَابَعَهُ: الْوَرَعُ الْتِزَامُ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ رَجْعِيًّا: رَاجَعَ امْرَأَتَهُ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِلَّا جَدَّدَ نِكَاحَهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَإِنْ شَكَّ فِي طَلَاقِ ثَلَاثٍ: طَلَّقَهَا وَاحِدَةً، وَتَرَكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، فَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ نِكَاحُهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا: فَيَقِينٌ نِكَاحُهُ بَاقٍ، فَلَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ.
انْتَهَى.

الثَّانِيَةُ: لَوْ شَكَّ فِي شَرْطِ الطَّلَاقِ: لَمْ يَلْزَمْهُ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ مَعَ شَرْطٍ عَدَمِيٍّ، نَحْوَ " لَقَدْ فَعَلْت كَذَا " أَوْ " إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ الْيَوْمَ " فَمَضَى وَشَكَّ فِي فِعْلِهِ، وَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا ثُمَّ نَسِيَهُ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْبِرِّ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ أَوْقَعَ بِزَوْجَتِهِ كَلِمَةً وَجَهِلَهَا، وَشَكَّ: هَلْ هِيَ طَلَاقٌ، أَوْ ظِهَارٌ؟ فَقِيلَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، قَالَ فِي الْفُنُونِ: لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تُخْرِجُ الْمُطَلَّقَةَ، فَيَخْرُجُ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ، وَقِيلَ: لَغْوٌ، قَدَّمَهُ فِي الْفُنُونِ.
كَمَنِيٍّ وُجِدَ فِي ثَوْبٍ لَا يُدْرَى مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ؟ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ مِثْلُهُ: مَنْ حَلَفَ يَمِينًا، ثُمَّ جَهِلَهَا،

يُؤَيِّدُ أَنَّهُ لَغْوٌ: قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا سَأَلَهُ رَجُلٌ حَلَفَ بِيَمِينٍ: لَا أَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ هِيَ؟ قَالَ: لَيْتَ أَنَّك إذَا دَرَيْت دَرَيْت أَنَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْقَاعِدَةِ السِّتِّينَ بَعْدَ الْمِائَةِ، فَقَالَ: وَالْمَنْصُوصُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِيَمِينٍ لَا يَدْرِي مَا هِيَ: طَلَاقٌ أَوْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يَعْلَمَ أَوْ يَسْتَيْقِنَ، وَتَوَقَّفَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ، أَحَدُهُمَا: يُقْرَعُ، فَمَا خَرَجَ بِالْقُرْعَةِ لَزِمَهُ، قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ كُلِّ يَمِينٍ شَكَّ فِيهَا وَجَهِلَهَا، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ: أَنَّهُ اُسْتُفْتِيَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَتَوَقَّفَ فِيهَا، ثُمَّ نَظَرَ، فَإِذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الْأَيْمَانِ كُلِّهَا: الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالظِّهَارِ، وَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَأَيُّ يَمِينٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ فَهِيَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، قَالَ: ثُمَّ وَجَدْت عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَقْتَضِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ هَذِهِ الْيَمِينِ، وَذَكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ.
انْتَهَى.
قُلْتُ: فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ ذَكَرَ رِوَايَةً: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَرِوَايَةُ: أَنَّهُ لَغْوٌ، يُؤَيِّدُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ: الرِّوَايَةُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ " أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ " وَلَا نِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُحْتَمَلٌ، فَثَبَتَ الْيَقِينُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ: بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، خِلَافَ الْخِرَقِيِّ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ،

قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ إذَا رَاجَعَهَا حَلَّتْ لَهُ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: تَصِحُّ الرَّجْعَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إذَا طَلَّقَ، فَلَمْ يَدْرِ: أَوَاحِدَةً طَلَّقَ، أَمْ ثَلَاثًا؟ لَا يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ؛ لِشَكِّهِ فِي حِلِّهِ بَعْدَ حُرْمَتِهِ، فَتُبَاحُ الرَّجْعَةُ، وَلَمْ يَبُحْ الْوَطْءُ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلِضَعْفِ هَذَا الْقَوْلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، وَحَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالسِّتِّينَ، فِي تَعْلِيلِ كَلَامِ الْخِرَقِيُّ: لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ سَبَبَ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ثَلَاثًا: فَقَدْ حَصَلَ بِهِ التَّحْرِيمُ بِدُونِ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدَةً: فَقَدْ حَصَلَ بِهِ التَّحْرِيمُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ بِدُونِ عَقْدٍ جَدِيدٍ، فَالرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ: لَا يَحْصُلُ بِهَا الْحِلُّ إلَّا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَقَطْ، فَلَا يُزِيلُ الشَّكَّ مُطْلَقًا، فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ تَيَقُّنَ سَبَبِ وُجُودِ التَّحْرِيمِ، مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ هَذَا الْمَانِعِ مِنْهُ، يَقُومُ مَقَامَ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْحُكْمِ مَعَ الشَّكِّ وَوُجُودِ الْمَانِعِ فَيُسْتَصْحَبُ حُكْمُ السَّبَبِ، كَمَا يُعْمَلُ بِالْحُكْمِ وَيُلْغَى الْمَانِعُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ، كَمَا يُلْغَى مَعَ تَيَقُّنِ وُجُودِ حُكْمِهِ.
قَالَ: وَقَدْ اسْتَشْكَلَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ فِي تَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُ تَيَقَّنَ التَّحْرِيمَ وَشَكَّ فِي التَّحْلِيلِ، فَظَنُّوا أَنَّهُ يَقُولُ بِتَحْرِيمِ الرَّجْعِيَّةِ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ، لِمَا ذَكَرْنَا.
انْتَهَى.

قَوْلُهُ (كَذَلِكَ قَالَ يَعْنِي الْخِرَقِيَّ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً، فَوَقَعَ فِي تَمْرٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً: مُنِعَ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ الَّتِي وَقَعَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ) ،

فصول الكتاب · 4 فصل · 570 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي · 570 صفحة
المقدمة
ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
بَابِ الرَّهْنِ:
ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
جارٍ التحميل