ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المرداوي
- الكتاب
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
- المؤلف
- علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
- الناشر
- دار إحياء التراث العربي
- الطبعة
- الثانية - بدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ غَيْرِ بَرْزَةٍ: لَمْ يُحْضِرْهَا.
وَأَمَرَهَا بِالتَّوْكِيلِ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ.
وَأَطْلَقَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ: إحْضَارَهَا.
لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ مَبْنَاهُ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ وَلِأَنَّ مَعَهَا أَمِينَ الْحَاكِمِ.
فَلَا يَحْصُلُ مَعَهُ خِيفَةُ الْفُجُورِ.
وَالْمُدَّةُ يَسِيرَةٌ، كَسَفَرِهَا مِنْ مَحَلَّةٍ إلَيَّ مَحَلَّةٍ.
وَلِأَنَّهَا لَمْ تُنْشِئْ هِيَ إنَّمَا أُنْشِئَ بِهَا.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ تَعَذَّرَ حُصُولُ الْحَقِّ بِدُونِ إحْضَارِهَا: أَحْضَرَهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ الْحَاكِمَ يَبْعَثُ مَنْ يَقْضِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا.
فَوَائِدُ
الْأُولَى: لَا يُعْتَبَرُ لِامْرَأَةٍ بَرْزَةٍ فِي حُضُورِهَا مَحْرَمٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَغَيْرُهَا: تُوَكِّلُ، كَمَا تَقَدَّمَ وَأَطْلَقَ فِي الِانْتِصَارِ: النَّصَّ فِي الْمَرْأَةِ.
وَاخْتَارَهُ إنْ تَعَذَّرَ الْحَقُّ بِدُونِ حُضُورِهَا.
كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِيَةُ: " الْبَرْزَةُ " هِيَ الَّتِي تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ فِي الْمَطْلَعِ.
هِيَ الْكَهْلَةُ الَّتِي لَا تَحْتَجِبُ احْتِجَابَ الشَّوَابِّ.
وَ " الْمُخَدَّرَةُ " بِخِلَافِهَا.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ خَرَجَتْ لِلْعَزَاءِ وَالزِّيَارَاتِ وَلَمْ تُكْثِرْ.
فَهِيَ مُخَدَّرَةٌ.
الثَّالِثَةُ: الْمَرِيضُ يُوَكِّلُ كَالْمُخَدَّرَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنْ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ: كَتَبَ إلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، لِيَتَوَسَّطُوا بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، قِيلَ لِلْخَصْمِ: حَقِّقْ مَا تَدَّعِيهِ.
ثُمَّ يُحْضِرُهُ، وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ: يُحْضِرُهُ مِنْ مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَقَلَّ.
وَقِيلَ: لَا يُحْضِرُهُ إلَّا إذَا كَانَ لِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَعَنْهُ: لِدُونِ يَوْمٍ جَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ، وَزَادَ: بِلَا مُؤْنَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقِيلَ: إنْ جَاءَ وَعَادَ فِي يَوْمٍ: أُحْضِرَ، وَلَوْ قَبْلَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا يُحْضِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ حَتَّى تَتَحَرَّرَ دَعْوَاهُ.
وَفِي التَّرْغِيبِ أَيْضًا: يَتَوَقَّفُ إحْضَارُهُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ إذَا كَانَتْ مِمَّا لَا يَقْضِي فِيهِ بِالنُّكُولِ.
قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُحْضِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ، حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ مَا ادَّعَاهُ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّبْصِرَةِ.
تَنْبِيهٌ:
مَحَلُّ هَذَا إذَا كَانَ الْغَائِبُ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: لَوْ ادَّعَى قَبْلَهُ شَهَادَةً: لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَلَمْ يُعْدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْلِفْ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ.
قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ، وَحَنْبَلٍ.
وَقَالَ: لَوْ قَالَ " أَنَا أَعْلَمُهَا وَلَا أُؤَدِّيهَا " فَظَاهِرٌ.
وَلَوْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا ادَّعَى بِهِ إنْ قِيلَ: كِتْمَانُهَا مُوجِبٌ لِضَمَانِ مَا تَلِفَ.
وَلَا يَبْعُدُ كَمَا يَضْمَنُ فِي تَرْكِ الْإِطْعَامِ الْوَاجِبِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ طَلَبَهُ خَصْمُهُ، أَوْ حَاكِمٌ لِيُحْضِرَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ: لَزِمَهُ الْحُضُورُ.
حَيْثُ يَلْزَم إحْضَارُهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ.
[بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ]
ِ قَوْلُهُ (إذَا جَلَسَ إلَيْهِ خَصْمَانِ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا؟ وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا) الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا جَلَسَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ " مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا؟ " وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْدَأَ.
وَالْأَشْهَرُ أَنْ يَقُولَ: أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي؟ . وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: لَا يَقُولُهُ حَتَّى يَبْدَأَ بِأَنْفُسِهِمَا.
فَإِنْ سَكَتَا، أَوْ سَكَتَ الْحَاكِمُ: قَالَ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِ الْقَاضِي " مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا؟ ". فَائِدَتَانِ الْأُولَى: لَا يَقُولُ الْحَاكِمُ وَلَا الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ لِأَحَدِهِمَا " تَكَلَّمْ " لِأَنَّ فِي إفْرَادِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلًا لَهُ وَتَرْكًا لِلْإِنْصَافِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ بَدَأَ أَحَدُهُمَا فَادَّعَى، فَقَالَ خَصْمُهُ " أَنَا الْمُدَّعِي " لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَيُقَالُ لَهُ " أَجِبْ عَنْ دَعْوَاهُ، ثُمَّ اُدْعُ بِمَا شِئْت ". قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَيَا مَعًا: قَدَّمَ أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الشَّارِحُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْحَاكِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى الْمَقْلُوبَةُ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ: وَسَمِعَهَا بَعْضُهُمْ، وَاسْتَنْبَطَهَا.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ اسْتَنْبَطَهَا مِنْ الشُّفْعَةِ فِيمَا إذَا ادَّعَى الشَّفِيعُ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ اشْتَرَى الشِّقْصَ، وَقَالَ " بَلْ اتَّهَبْته " أَوْ " وَرِثْته " فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَلَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ بِالشِّرَاءِ: فَلَهُ أَخْذُهُ وَدَفْعُ ثَمَنِهِ.
فَإِنْ قَالَ " لَا أَسْتَحِقُّهُ " قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تَقْبَلَ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَهُ.
عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ.
وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ.
فَلَوْ ادَّعَى الشَّفِيعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ: سَاغَ.
وَكَانَتْ شَبِيهَةٌ بِالدَّعْوَى الْمَقْلُوبَةِ.
وَمِثْلَهُ فِي الشُّفْعَةِ أَيْضًا: لَوْ أَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي وَقُلْنَا: تَجِبُ الشُّفْعَةُ وَكَانَ الْبَائِعُ مُقِرًّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي.
فَإِنَّ الثَّمَنَ الَّذِي فِي يَدِ الشَّفِيعِ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ.
فَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إمَّا أَنْ تَقْبِضَ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ.
عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَقَالَ الْأَصْحَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَوْ جَاءَهُ بِالسَّلَمِ قَبْلَ مَحَلِّهِ، وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ: لَزِمَهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْقَبْضِ قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَ حَقَّك أَوْ تَبْرَأ مِنْهُ.
فَإِنْ أَبَى: رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ.
عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ السَّلَمِ.
وَكَذَا فِي الْكِتَابَةِ.
فَيُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ: صِحَّةُ الدَّعْوَى الْمَقْلُوبَةِ.
الثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ " بَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ " فِي قَوْلِهِ " وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ " انْتَهَى.
وَتَصِحُّ الدَّعْوَى عَلَى السَّفِيهِ مِمَّا يُؤْخَذُ بِهِ فِي حَالِ عَجْزِهِ لِسَفَهٍ، وَبَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ.
وَيَحْلِفُ إذَا أَنْكَرَ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: مَا تَقُولُ فِيمَا ادَّعَاهُ؟) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ: هَذَا أَصَحُّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَمْلِكُ سُؤَالَهُ، حَتَّى يَقُولَ الْمُدَّعِي " وَأَسْأَلُ سُؤَالَهُ عَنْ ذَلِكَ ". وَفِي الْمَذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ: وَجْهَانِ.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِ: أَنَّ الدَّعْوَى تُسْمَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا تُسْمَعُ فِي مِثْلِ مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، وَلَا يُعَدَّى حَاكِمٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ: لَمْ يَحْكُمْ لَهُ، حَتَّى يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِالْحُكْمِ) هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا يَحْكُمُ لَهُ إلَّا بِسُؤَالِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي.
لِأَنَّ الْحَالَ يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ ذَلِكَ.
فَاكْتَفَى بِهَا، كَمَا اكْتَفَى فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابَ.
وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ مُطَالَبَةَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ.
انْتَهَى.
وَمَالَ إلَيْهِ فِي الْكَافِي.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا: فَإِنْ أَقَرَّ حَكَمَ.
قَالَهُ جَمَاعَةٌ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ أَقَرَّ فَقَدْ ثَبَتَ.
وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى قَوْلِهِ " قَضَيْت " فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
بِخِلَافِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ.
لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِإِقْرَارِهِ وَبِدُونِ حُكْمٍ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ قَالَ الْحَاكِمُ لِلْخَصْمِ " يُسْتَحَقُّ عَلَيْك كَذَا؟ " فَقَالَ " نَعَمْ " لَزِمَهُ.
ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ، فِي قَوْلِ الْخَاطِبِ لِلْوَلِيِّ " أَزَوَّجْت؟ " قَالَ " نَعَمْ ". وَقَوْلُهُ (وَإِنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي " أَقْرَضْته أَلْفًا " أَوْ " بِعْته " فَيَقُولُ " مَا أَقْرَضَنِي، وَلَا بَاعَنِي " أَوْ " مَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ " أَوْ " لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ صَحَّ الْجَوَابُ) .
مُرَادُهُ: مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِسَبَبِ الْحَقِّ.
فَلَوْ اعْتَرَفَ بِسَبَبِ الْحَقِّ، مِثْلَ مَا لَوْ ادَّعَتْ مَنْ تَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ: الْمَهْرَ.
فَقَالَ " لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا " لَمْ يَصِحَّ الْجَوَابُ.
وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ، إنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِإِسْقَاطِهِ، كَجَوَابِهِ فِي دَعْوَى قَرْضٍ اعْتَرَفَ بِهِ " لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا ". وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّتْ فِي مَرَضِهَا " لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ " لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ: أَنَّهَا أَخَذَتْهُ نَقَلَهُ مُهَنَّا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ فِي الصِّحَّةِ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: لَوْ قَالَ لِمُدَّعٍ دِينَارًا " لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ حَبَّةً " فَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ.
لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي دَفْعِ الدَّعْوَى إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا يُكْتَفَى بِالظَّاهِرِ.
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ " وَاَللَّهِ إنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا ادَّعَيْته عَلَيْهِ " أَوْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ " إنَّهُ لَكَاذِبٌ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَيَّ " لَمْ يُقْبَلْ.
وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَعُمُّ الْحَبَّاتِ، وَمَا لَمْ يَنْدَرِجْ فِي لَفْظِ حَبَّةٍ، مِنْ بَابِ الْفَحْوَى.
إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَعُمَّ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ وَجْهَانِ: هَلْ يُشْتَرَطُ قَوْله " فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ؟ ".
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ " لِي عَلَيْك مِائَةٌ " فَقَالَ " لَيْسَ لَك عَلَيَّ مِائَةٌ " فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ " وَلَا شَيْءَ مِنْهَا " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَالْيَمِينِ.
وَقِيلَ: لَا يُعْتَبَرُ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ نَكَلَ عَمَّا دُونَ الْمِائَةِ: حُكِمَ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ إلَّا جُزْءًا.
وَإِنْ قُلْنَا يُرَدُّ الْيَمِينُ: حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى مَا دُونَ الْمِائَةِ، إذَا لَمْ يُسْنِدْ الْمِائَةَ إلَى عَقْدٍ.
لِكَوْنِ الثَّمَنِ لَا يَقَعُ إلَّا مَعَ ذِكْرِ النِّسْبِيَّةِ.
لِيُطَابِق الدَّعْوَى.
ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ.
وَإِنْ أَجَابَ مُشْتَرٍ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْبَيْعَ بِمُجَرَّدِ الْإِنْكَارِ " رَجَعَ عَلَيَّ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ "
وَإِنْ قَالَ " هُوَ مِلْكِي اشْتَرَيْته مِنْ فُلَانٍ، وَهُوَ مِلْكُهُ " فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
وَإِنْ انْتَزَعَ الْمَبِيعَ مِنْ يَدِ مُشْتَرٍ بِبَيِّنَةِ مِلْكٍ مُطْلَقٍ: رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَمَا يَرْجِعُ فِي بَيِّنَةِ مِلْكٍ سَابِقٍ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يُحْتَمَلُ عِنْدِي: أَنْ لَا يَرْجِعَ.
لِأَنَّ الْمُطْلَقَةَ تَقْتَضِي الزَّوَالَ مِنْ وَقْتِهِ.
لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ غَيْرُ مَشْهُودٍ بِهِ.
قَالَ الْأَزَجِيُّ: وَلَوْ قَالَ " لَك عَلَيَّ شَيْءٌ " فَقَالَ " لَيْسَ لِي عَلَيْك شَيْءٌ، إنَّمَا لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ " لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ دَعْوَى " الْأَلْفِ " لِأَنَّهُ نَفَاهَا بِنَفْيِ " الشَّيْءِ " وَلَوْ قَالَ " لَيْسَ عَلَيَّ دِرْهَمٌ " فَقَالَ " لَيْسَ لِي عَلَيْك دِرْهَمٌ وَلَا دَانَقٌ، إنَّمَا لِي عَلَيْك أَلْفٌ " قُبِلَ مِنْهُ دَعْوَى " الْأَلْفِ " لِأَنَّ مَعْنَى نَفْيِهِ: لَيْسَ حَقِّي هَذَا الْقَدْرُ.
قَالَ: وَلَوْ قَالَ " لَيْسَ لَك عَلَيَّ شَيْءٌ إلَّا دِرْهَمٌ " صَحَّ ذَلِكَ.
وَلَوْ قَالَ " لَيْسَ لَك عَلَيَّ عَشْرَةٌ، إلَّا خَمْسَةً " فَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، لِتَخَبُّطِ اللَّفْظِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا أَثْبَتَهُ.
وَهِيَ الْخَمْسَةُ.
لِأَنَّ التَّقْدِيرَ " لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ، لَكِنْ خَمْسَةٌ " وَلِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ النَّفْيِ.
فَيَكُونُ إثْبَاتًا.
قَوْلُهُ (وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ " لِي بَيِّنَةٌ " وَإِنْ لَمْ يَقُلْ، قَالَ الْحَاكِمُ " أَلِك بَيِّنَةٌ؟ ") . وَلَهُ قَوْلُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعِي " لِي بَيِّنَةٌ " فَإِنْ قَالَ " لِي بَيِّنَةٌ " أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا.
وَمَعْنَاهُ: إنْ شِئْت فَأَحْضِرْهَا.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمَا: وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ الْمُدَّعِي " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: لَا يَقُولُ الْحَاكِمُ لِلْمُدَّعِي " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " إلَّا إذَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي: فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي " لِي بَيِّنَةٌ " وَأَحْضَرَهَا: حَكَمَ بِهَا.
وَإِنْ جَهِلَ أَنَّهُ مَوْضِعُهَا: قَالَ لَهُ " أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ " فَإِنْ قَالَ (نَعَمْ) طَلَبَهَا وَحَكَمَ بِهَا.
وَكَذَا إنْ قَالَ " إنْ كَانَتْ لَك بَيِّنَةٌ فَأَحْضِرْهَا إنْ شِئْت " فَفَعَلَ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي: لَا يَأْمُرُهُ بِإِحْضَارِهَا.
لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ.
فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى.
قَوْلُهُ (فَإِذَا أَحْضَرَهَا: سَمِعَهَا الْحَاكِمُ) . بِلَا نِزَاعٍ.
لَكِنْ لَا يَسْأَلُهَا الْحَاكِمُ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
وَقَالَ: وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ.
فَائِدَةٌ:
لَا يَقُولُ الْحَاكِمُ لَهُمَا " أَشْهَدَا " وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَقِّنَهُمَا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الْمُوجِزِ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، كَتَعْنِيفِهِمَا وَانْتِهَارِهِمَا.
وَظَاهِرُ الْكَافِي فِي التَّعْنِيفِ وَالِانْتِهَارِ: يَحْرُمُ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا أَحْضَرَهَا: سَمِعَهَا الْحَاكِمُ.
وَحَكَمَ بِهَا إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي) . الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِسُؤَالِ الْمُدَّعِي.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ سُؤَالِهِ.
وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِمَا إذَا أَقَرَّ لَهُ.
عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
فَائِدَةٌ:
إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ: لَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْدِيدُهَا وَيْحُكُمْ فِي الْحَالِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ ظَنَّ الصُّلْحَ: أَخَّرَ الْحُكْمَ.
وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: وَأَحْبَبْنَا لَهُ أَمْرَهُمَا بِالصُّلْحِ، وَيُؤَخِّرُهُ.
فَإِنْ أَبَيَا: حَكَمَ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: يَقُولُ لَهُ الْحَاكِمُ " قَدْ شَهِدَا عَلَيْك.
فَإِنْ كَانَ قَادِحٌ فَبَيِّنْهُ عِنْدِي " يَعْنِي: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ.
وَذَكَرَهُ غَيْرُهُمَا.
وَذَكَرَهُ فِي الْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، فِيمَا إذَا ارْتَابَ فِيهِمَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ مَعَ الرِّيبَةِ.
قُلْت: الْحُكْمُ مَعَ الرِّيبَةِ: فِيهِ نَظَرٌ بَيِّنٌ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَغَيْرِهِ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِضِدِّ مَا يَعْلَمُهُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ.
وَمَعَ اللَّبْسِ يَأْمُرُ بِالصُّلْحِ.
فَإِنْ عَجَّلَ فَحَكَمَ قَبْلَ الْبَيَانِ: حَرُمَ وَلَمْ يَصِحَّ.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَإِذَا أَحْضَرَهَا سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ " أَنَّ الشَّهَادَةَ.
لَا تُسْمَعُ قَبْلَ الدَّعْوَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ حَقَّانِ: حَقٌّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، وَحَقٌّ لِلَّهِ.
فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ قَبْلَ الدَّعْوَى.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
ذَكَرَاهُ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَسَمِعَهَا الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ.
وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هُوَ غَرِيبٌ.
وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ: أَنَّهَا تُسْمَعُ بِالْوَكَالَةِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ.
وَنَقَلَهُ مُهَنَّا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تُسْمَعُ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ.
وَبَنَاهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ: عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
انْتَهَى.
وَالْوَصِيَّةُ: مِثْلُ الْوَكَالَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْوَكَالَةُ إنَّمَا تُثْبِتُ اسْتِيفَاءَ حَقٍّ، أَوْ إبْقَاءَهُ.
وَهُوَ مِمَّا لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي عَلَيْهِ فِيهِ.
فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْوَكِيلِ وَإِلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ.
وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا رِضَاهُ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى كَالْعِبَادَاتِ، وَالْحُدُودِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْكَفَّارَةِ: لَمْ تَصِحَّ بِهِ الدَّعْوَى، بَلْ وَلَا تُسْمَعُ.
وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي التَّعْلِيقِ: شَهَادَةُ الشُّهُودِ دَعْوَى.
قَالَ: لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَيِّنَةِ الزِّنَا تَحْتَاجُ إلَى مُدَّعٍ؟ فَذَكَرَ خَبَرَ
أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ مُدَّعٍ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: تَصِحُّ دَعْوَى حِسْبَةٍ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَعِدَّةٍ، وَحَدٍّ، وَرِدَّةٍ، وَعِتْقٍ وَاسْتِيلَادٍ، وَطَلَاقٍ، وَكَفَّارَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِكُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ مُسْتَحِقُّهُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: لِنَائِبِ الْإِمَامِ مُطَالَبَةُ رَبِّ مَالٍ بَاطِنٍ بِزَكَاةٍ، إذَا ظَهَرَ لَهُ تَقْصِيرٌ.
وَفِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَحْوِهِ: وَجْهَانِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ فِيمَنْ تَرَكَ الزَّكَاةَ: هِيَ آكَدُ.
لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُطَالِبَ بِهَا، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ.
وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: فِي حَجْرِهِ عَلَى مُفْلِسِ الزَّكَاةِ، كَمَسْأَلَتِنَا، إذَا ثَبَتَ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ، لَا الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: مَا شَمَلَهُ حَقُّ اللَّهِ وَالْآدَمِيِّ، كَسَرِقَةٍ: تُسْمَعُ الدَّعْوَى فِي الْمَالِ، وَيَحْلِفُ مُنْكِرٌ.
وَلَوْ عَادَ إلَى مَالِكِهِ، أَوْ مَلَكَهُ سَارِقُهُ: لَمْ تُسْمَعْ.
لِتَمَحُّضِ حَقِّ اللَّهِ.
وَقَالَ فِي السَّرِقَةِ: إنْ شَهِدَتْ بِسَرِقَةٍ قَبْلَ الدَّعْوَى، فَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ: لَا تُسْمَعُ.
وَتُسْمَعُ إنْ شَهِدَتْ: أَنَّهُ بَاعَهُ فُلَانٌ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: كَسَرِقَةٍ وَزِنَاهُ بِأَمَتِهِ لِمَهْرِهَا: تُسْمَعُ.
وَيَقْضِي عَلَى نَاكِلٍ بِمَالٍ.
وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ.
فَائِدَةٌ:
تُقْبَلُ بَيِّنَةُ عِتْقٍ، وَلَوْ أَنْكَرَ الْعَبْدُ.
نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ.
وَذَكَرَهُ فِي الْمُوجِزِ، وَالتَّبْصِرَةِ.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
تَنْبِيهٌ:
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي أَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ وَلَا تُسْمَعُ.
وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ قَبْلَ الدَّعْوَى فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ.
كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ رِبَاطٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ لِأَحَدِهِمَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَكَذَا عُقُوبَةُ كَذَّابٍ مُفْتَرٍ عَلَى النَّاسِ، وَالتَّكَلُّمُ فِيهِمْ.
وَتَقَدَّمَ فِي التَّعْزِيرِ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَالْأَصْحَابِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي حِفْظِ وَقْفٍ وَغَيْرِهِ بِالثَّبَاتِ عَنْ خَصْمٍ مُقَدَّرٍ: تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةُ فِيهِ بِلَا خَصْمٍ.
وَهَذَا قَدْ يَدْخُلُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي.
وَفَائِدَتُهُ:
كَفَائِدَةِ الشَّهَادَةِ.
وَهُوَ مِثْلُ كِتَابِ الْقَاضِي إذَا كَانَ فِيهِ ثُبُوتٌ مَحْضٌ.
فَإِنَّهُ هُنَاكَ يَكُونُ مُدَّعٍ فَقَطْ بِلَا مُدَّعَى عَلَيْهِ حَاضِرٌ.
لَكِنَّ هُنَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَخَوِّفٌ.
وَإِنَّمَا الْمُدَّعِي يَطْلُبُ مِنْ الْقَاضِي سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارَ كَمَا يَسْمَعُ ذَلِكَ شُهُودُ الْفَرْعِ.
فَيَقُولُ الْقَاضِي (ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدِي، بِلَا مُدَّعًى عَلَيْهِ) . قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
وَفَعَلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
وَفَعَلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْقُضَاةِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا طَوَائِفُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْحُكْمِ فَصْلُ الْخُصُومَةِ.
وَمَنْ قَالَ بِالْخَصْمِ الْمُسَخَّرِ: نَصَبَ الشَّرَّ، ثُمَّ قَطَعَهُ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ احْتِيَالِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ الْمُقَرَّ لَهُ بِالْبَيْعِ قَدْ قَبَضَ الْمَبِيعَ وَسَلَّمَ الثَّمَنَ.
فَهُوَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا، وَلَا يُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَإِنَّمَا غَرَضُهُ تَثْبِيتُ الْإِقْرَارِ وَالْعَقْدِ.
وَالْمَقْصُودُ سَمَاعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ.
وَحُكْمُهُ بِمُوجِبِهَا مِنْ غَيْرِ وُجُودِ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ عَلَى أَحَدٍ.
لَكِنْ خَوْفًا مِنْ حُدُوثِ خَصْمٍ مُسْتَقْبَلٍ.
فَيَكُونُ
هَذَا الثُّبُوتُ حُجَّةً بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ بِلَا هَذِهِ الدَّعْوَى وَإِلَّا امْتَنَعَ مِنْ سَمَاعِهَا مُطْلَقًا، وَعَطَّلَ هَذَا الْمَقْصُودَ الَّذِي احْتَالُوا لَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ هُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا الِاحْتِيَالِ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَاتٍ مِنْ الْقُضَاةِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ دَخَلُوا مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَسَمَّوْهُ " الْخَصْمَ الْمُسَخَّرَ ".
قَالَ: وَأَمَّا عَلَى أَصْلِنَا الصَّحِيحِ، وَأَصْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَإِمَّا أَنْ نَمْنَعَ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ مُنَازَعٍ، فَتَثْبُتُ الْحُقُوقُ بِالشَّهَادَاتِ عَلَى الشَّهَادَاتِ، كَمَا ذَكَرَهُ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَإِمَّا أَنْ نَسْمَعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ بِلَا خَصْمٍ.
كَمَا ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَصْحَابُنَا فِي مَوَاضِعَ.
لِأَنَّا نَسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَائِبِ وَالْمُمْتَنِعِ.
وَكَذَا عَلَى الْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ فِي الْمَنْصُوصِ.
فَمَعَ عَدَمِ خَصْمٍ: أَوْلَى.
قَالَ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: كِتَابُ الْحَاكِمِ كَشُهُودِ الْفَرْعِ.
قَالُوا: لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ يُحْكَمُ بِمَا قَامَ مَقَامَهُ غَيْرُهُ.
لِأَنَّ إعْلَامَ الْقَاضِي لِلْقَاضِي قَائِمٌ مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ.
فَجَعَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ كِتَابِ الْحَاكِمِ، وَشُهُودِ الْفَرْعِ: قَائِمًا مَقَامَ غَيْرِهِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ شُهُودِ الْأَصْلِ.
وَجَعَلُوا كِتَابَ الْقَاضِي كَخِطَابِهِ.
وَإِنَّمَا خَصُّوهُ بِالْكِتَابِ: لِأَنَّ الْعَادَةَ تَبَاعُدُ الْحَاكِمَيْنِ.
وَإِلَّا فَلَوْ كَانَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ: كَانَ مُخَاطَبَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخِرِ أَبْلَغُ مِنْ الْكِتَابِ.
وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ بِالشَّهَادَةِ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ.
وَإِنَّمَا يُعْلِمُ بِهِ حَاكِمًا آخَرَ لِيَحْكُمَ بِهِ، كَمَا يُعْلِمُ الْفُرُوعَ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ.
قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا سُمِعَتْ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ فِي غَيْرِ وَجْهِ خَصْمٍ وَهُوَ يُفِيدُ: أَنَّ كُلَّ مَا يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ: يُثْبِتُهُ الْقَاضِي بِكِتَابِهِ قَالَ: وَلِأَنَّ النَّاسَ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى إثْبَاتِ حُقُوقِهِمْ بِإِثْبَاتِ الْقُضَاةِ، كَإِثْبَاتِهَا بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ.
وَإِثْبَاتُ الْقُضَاةِ أَنْفَعُ لِكَوْنِهِ كَفَى مُؤْنَةَ النَّظَرِ فِي الشُّهُودِ.
وَبِهِمْ حَاجَةٌ إلَى الْحُكْمِ فِيمَا فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ خِلَافٌ لِرَفْعٍ.
وَإِنَّمَا يَخَافُونَ مِنْ خَصْمٍ حَادِثٍ
قَوْلُهُ (وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فِي مَجْلِسِهِ، إذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ) بِلَا نِزَاعٍ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ، أَوْ سَمِعَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ: فَلَهُ الْحُكْمُ بِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ) . فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ وَالزَّرْكَشِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْكُمُ بِهِ.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَمْ يُحْمَلْ بِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَقَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي: إنْ سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ: حَكَمَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ: مِمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ) يَعْنِي فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ.
(نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ) .
وَهُوَ الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: اخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: فَلَا يَجُوزُ فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ، وَالْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
سَوَاءٌ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إذَا رَآهُ عَلَى حَدٍّ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ إلَّا بِشَهَادَةٍ مِنْ شَهِدَ مَعَهُ.
لِأَنَّ شَهَادَتَهُ شَهَادَةُ رَجُلٍ.
وَنَقَلَ حَرْبٌ: فَيَذْهَبَانِ إلَى حَاكِمٍ.
فَأَمَّا إنْ شَهِدَ عِنْدَ نَفْسِهِ فَلَا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ " مَا لِي بَيِّنَةٌ " فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ.
فَيُعْلِمُهُ: أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ.
وَإِنْ سَأَلَ إحْلَافَهُ: أَحْلَفَهُ.
وَخَلَّى سَبِيلَهُ) . وَلَيْسَ لَهُ اسْتِحْلَافُهُ قَبْلَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي.
لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ لَهُ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي " مَا لِي بَيِّنَةٌ " أَعْلَمَهُ الْحَاكِمُ بِأَنَّ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ.
قَالَ: وَلَهُ تَحْلِيفُهُ مَعَ عِلْمِهِ قُدْرَتَهُ عَلَى حَقِّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: إنْ عَلِمَ عِنْدَهُ مَالًا لَا يُؤَدِّي إلَيْهِ حَقَّهُ، أَرْجُو أَنْ لَا يَأْثَمَ.
وَظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: يُكْرَهُ.
وَقَالَهُ شَيْخُنَا.
وَنَقَلَهُ مِنْ حَوَاشِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ تَحْلِيفِ الْبَرِيءِ دُونَ الظَّالِمِ.
انْتَهَى.
فَائِدَةٌ:
يَكُونُ تَحْلِيفُهُ عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ لِخَصْمِهِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
ذَكَرَاهُ فِي آخِرِ بَابِ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: يَحْلِفُ عَلَى صِفَةِ الدَّعْوَى وَعَنْهُ: يَكْفِي تَحْلِيفُهُ " لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ ".
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ قَوْلِهِ (أَحْلَفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ) أَنَّهُ لَا يُحَلِّفُهُ ثَانِيًا بِدَعْوَى أُخْرَى.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
فَيَحْرُمُ تَحْلِيفُهُ.
أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالرِّعَايَةِ: لَهُ تَحْلِيفُهُ عِنْدَ مَنْ جَهِلَ حَلِفَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ.
لِبَقَاءِ الْحَقِّ.
بِدَلِيلِ أَخْذِهِ بِبَيِّنَةِ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: لَوْ أَمْسَكَ عَنْ تَحْلِيفِهِ، وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَعْوَاهُ الْمُتَقَدِّمَةِ: كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ يَمِينِهِ بَرِئَ مِنْهَا: فِي هَذِهِ الدَّعْوَى.
فَلَوْ جَدَّدَ الدَّعْوَى وَطَلَبَ الْيَمِينَ: كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ
الثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ يَمِينٌ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى، وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ، وَالتَّزْكِيَةِ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يَنْبَغِي أَنْ تَتَقَدَّمَ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ، وَتَزْكِيَةُ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْلَفَهُ، أَوْ حَلَفَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْمُدَّعِي: لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَالْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ.
وَعَنْهُ: يَبْرَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُدَّعِي.
وَعَنْهُ: يَبْرَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُدَّعِي وَحَلِفِهِ لَهُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُحَلِّفْهُ.
ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَنَّ رَجُلًا اتَّهَمَ رَجُلًا بِشَيْءٍ فَحَلَفَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ " لَا أَرْضَى إلَّا أَنْ تَحْلِفَ لِي عِنْدَ السُّلْطَانِ " أَلَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، قَدْ ظَلَمَهُ وَتَعَنَّتَهُ.
وَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ: تَحْلِيفَهُ، وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ مُهَنَّا.
فَوَائِدُ
الْأُولَى: يُشْتَرَطُ فِي الْيَمِينِ أَنْ لَا يَصِلَهَا بِاسْتِثْنَاءِ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: وَكَذَا بِمَا لَا يُفْهَمُ.
لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُزِيلُ حُكْمَ الْيَمِينِ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: هِيَ يَمِينٌ كَاذِبَةٌ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْحَاكِم الْمُحَلِّفُ لَهُ.
الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ التَّوْرِيَةُ وَالتَّأْوِيلُ إلَّا لِمَظْلُومٍ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: ظُلْمًا لَيْسَ بِجَارٍ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ.
فَالنِّيَّةُ عَلَى نِيَّةِ الْحَاكِمِ الْمُحَلِّفِ، وَاعْتِقَادِهِ.
فَالتَّأْوِيلُ عَلَى خِلَافِهِ لَا يَنْفَعُ.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ " بَابِ التَّأْوِيلِ فِي الْحَلِفِ ".
الثَّالِثَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُعْسِرُ " لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ " وَلَوْ نَوَى: السَّاعَةَ، سَوَاءٌ خَافَ أَنْ يُحْبَسَ أَوْ لَا.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَجَوَّزَهُ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ بِالنِّيَّةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ، إنَّ خَافَ حَبْسًا.
وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا: أَنْ يَحْلِفَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، إذَا أَرَادَ غَرِيمُهُ مَنْعَهُ مِنْ سَفَرٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَكَلَ: قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. مَرِيضًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَهُ وَاخْتَارَهُ الْجَمَاعَةُ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَتَخَرَّجُ حَبْسُهُ، لِيُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ.
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَقَالَ: قَدْ صَوَّبَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ.
نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ: يُقَالُ لَهُ: احْلِفْ وَخُذْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَجُوزُ رَدُّهَا.
وَذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ، فَقَالُوا: وَعَنْهُ يَرُدُّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعِي قَالَ: وَلَعَلَّ ظَاهِرَهُ يَجِبُ.
وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ الشَّيْخُ يَعْنِي بِهِ الْمُصَنِّفَ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِالنُّكُولِ، وَلَكِنْ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ.
وَقَالَ: قَدْ صَوَّبَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي طَالِبِ الْمَذْكُورَةِ.
وَظَاهِرُهَا: جَوَازُ الرَّدِّ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْدَةِ رَدَّهَا.
وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَزَادَ: بِإِذْنِ النَّاكِلِ فِيهِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مَعَ عِلْمِ مُدَّعٍ وَحْدَهُ بِالْمُدَّعِي بِهِ: لَهُمْ رَدُّهَا.
وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَأْخُذْ كَالدَّعْوَى عَلَى وَرَثَةِ مَيِّتٍ حَقًّا عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْعَالِمُ بِالْمُدَّعَى بِهِ، دُونَ الْمُدَّعِي، مِثْلَ: أَنْ يَدَّعِيَ الْوَرَثَةُ أَوْ الْوَصِيُّ عَلَى غَرِيمٍ لِلْمَيِّتِ، فَيُنْكِرُ: فَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي.
قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي الْعِلْمَ، وَالْمُنْكِرُ يَدَّعِي الْعِلْمَ: فَهُنَا يُتَوَجَّهُ الْقَوْلَانِ، يَعْنِي الرِّوَايَتَيْنِ.
فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: إذَا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي: فَهَلْ تَكُونُ يَمِينُهُ كَالْبَيِّنَةِ، أَمْ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقِيَمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ: أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا: أَنَّهَا كَإِقْرَارٍ.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعِي، فَإِنْ قِيلَ: يَمِينُهُ كَالْبَيِّنَةِ، سُمِعَتْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَإِنْ قِيلَ: هِيَ كَالْإِقْرَارِ لَمْ تُسْمَعْ لِكَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ بِالْإِقْرَارِ.
الثَّانِيَةُ: إذْ قَضَى بِالنُّكُولِ، فَهَلْ يَكُونُ كَالْإِقْرَارِ، أَوْ كَالْبَدَلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَامِعِ: النُّكُولُ إقْرَارٌ وَقَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى مَا يَأْتِي.
وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَا إذَا ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ، وَاسْتَحْلَفْنَاهَا، فَنَكَلَتْ.
فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهَا بِالنُّكُولِ، وَتُجْعَلُ زَوْجَتَهُ؟ إذَا قُلْنَا هُوَ إقْرَارٌ: حُكِمَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ.
وَإِنْ قُلْنَا: بَذْلٌ، لَمْ يُحْكَمْ بِذَلِكَ.
لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْبَذْلِ.
وَكَذَا لَوْ ادَّعَى رِقَّ مَجْهُولِ النَّسَبِ.
وَقُلْنَا.
يَسْتَحْلِفُ.
فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى قَذْفَهُ، وَاسْتَحْلَفْنَاهُ فَنَكَلَ فَهَلْ يُحَدُّ لِلْقَذْفِ؟ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النُّكُولَ يَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ وَالْبَيِّنَةِ، لَا مَقَامَ الْإِقْرَارِ وَالْبَدَلِ.
لِأَنَّ النَّاكِلَ قَدْ صَرَّحَ بِالْإِنْكَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعَى بِهِ وَهُوَ يُصِرُّ عَلَى ذَلِكَ، فَتَوَرَّعَ عَنْ الْيَمِينِ.
فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهُ مُقِرٌّ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَيُجْعَلُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ؟ وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ مُقِرًّا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ نُكُولُهُ بِالْإِبْرَاءِ وَالْأَدَاءِ.
فَإِنَّهُ يَكُونُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ، وَشَهَادَةٌ مِنْ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُقِرًّا شَاهِدًا عَلَى نَفْسِهِ بِسُكُوتِهِ؟ وَالْبَذْلُ إبَاحَةٌ وَتَبَرُّعٌ، وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ.
وَلَمْ يَخْطِرْ عَلَى قَلْبِهِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ.
فَلَوْ كَانَ النُّكُولُ بَذْلًا وَإِبَاحَةً: اُعْتُبِرَ خُرُوجُ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ الثُّلُثِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا إقْرَارَ وَلَا إبَاحَةَ.
بَلْ هُوَ جَارٍ مَجْرَى الشَّاهِدِ وَالْبَيِّنَةِ.
انْتَهَى.
قَوْلُهُ (فَيَقُولُ " إنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك " ثَلَاثًا) . يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَهُ ثَلَاثًا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: يَقُولُهُ مَرَّةً.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: ثَلَاثًا، أَوْ مَرَّةً.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: مَرَّةً.
وَقِيلَ: ثَلَاثًا.
انْتَهَى.
وَاَلَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا نَكَلَ لَزِمَهُ الْحَقُّ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ: قَضَى عَلَيْهِ، إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: يَحْكُمُ لَهُ قَبْلَ سُؤَالِهِ.
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ أَيْضًا.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ " لَك رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي ". فَإِنْ رَدَّهَا حَلَفَ الْمُدَّعِي وَحَكَمَ لَهُ) . أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إذْنُ النَّاكِلِ فِي رَدِّ الْيَمِينِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْقَوْلِ بِالرَّدِّ إذْنُ النَّاكِلِ فِي الرَّدِّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ
قَوْلُهُ (وَإِنْ نَكَلَ أَيْضًا: صَرَفَهُمَا.
فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا، فَبَذَلَ الْيَمِينَ لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ) . قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَمَنْ بَذَلَ مِنْهُمَا الْيَمِينَ بَعْدَ نُكُولِهِ: لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ إلَّا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، بِشَرْطِ عَدَمِ الْحُكْمِ.
وَكَذَا قَالَ فِي الْمُغْنِي.
وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ.
وَقِيلَ: تُسْمَعُ وَلَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ.
وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الرِّعَايَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي: سُئِلَ عَنْ سَبَبِ نُكُولِهِ؟ فَإِنْ قَالَ " امْتَنَعْت لِأَنَّ لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا " أَوْ " حِسَابًا أَنْظُرُ فِيهِ " فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنْ الْيَمِينِ.
وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِي الْيَمِينِ، بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ " لَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ " فَهُوَ نَاكِلٌ.
وَقِيلَ: يُمْهَلُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْمَالِ.
ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
فَوَائِدُ
مَتَى تَعَذَّرَ رَدُّ الْيَمِينِ، فَهَلْ: يَقْضِي بِنُكُولِهِ، أَوْ يَحْلِفُ وَلِيٌّ، أَوْ إنْ بَاشَرَ مَا ادَّعَاهُ، أَوْ لَا يَحْلِفُ حَاكِمٌ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ.
قَطَعَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: بِأَنَّ الْأَبَ، وَالْوَصِيَّ، وَالْإِمَامَ وَالْأَمِينَ: لَا يَحْلِفُونَ.
وَقَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَكُلُّ مَالٍ لَا تُرَدُّ فِيهِ الْيَمِينُ: يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ.
كَالْإِمَامِ إذَا ادَّعَى لِبَيْتِ الْمَالِ، أَوْ وَكِيلِ الْفُقَرَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
انْتَهَى.
وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.
وَقَالَ: وَكَذَا الْأَبُ، وَوَصِيُّهُ، وَأَمِينُ الْحَاكِمِ، إذَا ادَّعَوْا حَقًّا لِصَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ.
وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَقَيِّمِ الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ فِي الْكُبْرَى: قَضَى بِالنُّكُولِ فِي الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ، أَوْ يَحْلِفَ.
وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي مِنْهُمْ وَيَأْخُذُ مَا ادَّعَاهُ وَقِيلَ: إنْ كَانَ قَدْ بَاشَرَ مَا ادَّعَاهُ: حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا.
قُلْت: لَا يَحْلِفُ إمَامٌ وَلَا حَاكِمٌ.
انْتَهَى.
وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ يَحْلِفُ إذَا عَقَلَ وَبَلَغَ.
وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ مَحْضَرًا بِنُكُولِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ، حَلَفَ لِنَفْيِهِ، إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ وُجُوبَ تَسْلِيمِهِ مِنْ مُوَلِّيهِ.
فَإِنْ أَبَى: حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَخَذَهُ، إنْ جَعَلَ النُّكُولَ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي كَبَيِّنَةٍ، لَا كَإِقْرَارِ خَصْمِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا خِلَافَ بَيْنَنَا: أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ رَدُّهَا يُقْضَى بِنُكُولِهِ بِأَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الدَّعْوَى غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ، أَوْ يَكُونُ الْإِمَامُ، بِأَنْ يَدَّعِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ دَيْنًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، فِي صُورَةِ الْحَاكِمِ: يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ وَيَحْلِف.
وَقِيلَ: يَحْكُمُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: يَحْلِفُ الْحَاكِمُ.
وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: نَزَّلَ أَصْحَابُنَا نُكُولَهُ مَنْزِلَةً بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ.
فَقَالُوا: لَا يُقْضَى بِهِ فِي قَوْدٍ وَحَدٍّ.
وَحَكَمُوا بِهِ فِي حَقِّ مَرِيضٍ وَعَبْدٍ وَصَبِيٍّ مَأْذُونٍ لَهُمَا.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الْقَسَامَةِ: مَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ بِالدِّيَةِ: فَفِي مَالِهِ.
لِأَنَّهُ كَإِقْرَارِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَامِعِ.
لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْلِفُ ابْتِدَاءً مَعَ اللَّوْثِ.
وَأَنَّ الدَّعْوَى فِي التُّهْمَةِ كَسَرِقَةٍ، يُعَاقَبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْفَاجِرُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ.
وَيُحْبَسُ الْمَسْتُورُ، لِيَبِينَ أَمْرُهُ وَلَوْ ثَلَاثًا، عَلَى وَجْهَيْنِ.
نَقَلَ حَنْبَلٌ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ عَلَى حَبْسِهِ.
وَقَالَ: إنَّ تَحْلِيفَ كُلِّ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَإِرْسَالَهُ مَجَّانًا: لَيْسَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ.
وَاحْتَجَّ فِي مَكَان آخَرَ بِأَنَّ قَوْمًا اتَّهَمُوا نَاسًا فِي سَرِقَةٍ، فَرَفَعُوهُمْ إلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ.
فَقَالُوا لَهُ: خَلَّيْت سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا امْتِحَانٍ؟ فَقَالَ: إنْ شَتَمَ ضَرَبْتهمْ.
فَإِنْ ظَهَرَ مَا لَكُمْ وَإِلَّا ضَرَبْتُكُمْ مِثْلَهُ.
فَقَالُوا: هَذَا حُكْمُك؟ فَقَالَ: حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَالَ بِهِ.
وَقَالَ بِهِ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يَحْبِسُهُ وَالٍ.
قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَقَاضٍ أَيْضًا، وَأَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: 8] حَمَلْنَا عَلَى الْحَبْسِ لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْأَوَّلَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَاخْتَارَ: تَعْزِيرَ مُدَّعٍ بِسَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَنْ يُعْلَمْ بَرَاءَتُهُ.
وَاخْتَارَ: أَنَّ خَبَرَ مَنْ ادَّعَى بِحَقٍّ بِأَنَّ فُلَانًا سَرَقَ كَذَا: كَخَبَرِ إنْسِيٍّ مَجْهُولٍ.
فَيُفِيدُ تُهْمَةً كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يَضْرِبُهُ الْوَالِي مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ تَعْزِيرًا.
فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ: لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ، فَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ: قُطِعَ ضَرْبُهُ، وَأُعِيدَ إقْرَارُهُ لِيُؤْخَذَ بِهِ.
وَيُكْرَهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوَّلِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ الْمُنَاسِبِ لِلتُّهْمَةِ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَضْرِبُهُ الْوَالِي عِنْدَ الْقَاضِي.
وَذَكَرَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي " لِي بَيِّنَةٌ " بَعْدَ قَوْلِهِ " مَا لِي بَيِّنَةٌ " لَمْ تُسْمَعْ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالتَّرْغِيبِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
وَيَحْصُلُ أَنْ تُسْمَعَ.
وَهُوَ وَجْهٌ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهُ حَلِفِهِ أَوَّلًا.
وَجَزَمَ فِي التَّرْغِيبِ بِالْأَوَّلِ
وَقَالَ: وَكَذَا قَوْلُهُ " كَذَبَ شُهُودِي " وَأَوْلَى.
وَلَا تَبْطُلُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَا تُرَدُّ بِذِكْرِ السَّبَبِ.
بَلْ بِذِكْرِ سَبَبِ الْمُدَّعِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا، فَشَهِدَتْ بِهِ وَبِسَبَبِهِ وَقُلْنَا: تَرَجَّحَ بِذِكْرِ السَّبَبِ لَمْ تُفِدْهُ إلَّا أَنْ تُعَادَ بَعْدَ الدَّعْوَى.
فَوَائِدُ
إحْدَاهَا: لَوْ ادَّعَى شَيْئًا.
فَشَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِغَيْرِهِ: فَهُوَ مُكَذِّبٌ لَهُمْ.
قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَبُو بَكْرٍ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ، فَيَدَّعِيهِ ثُمَّ يُقِيمُهَا.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ أَيْضًا وَالرِّعَايَةِ: إنْ قَالَ " أَسْتَحِقُّهُ وَمَا شَهِدْت بِهِ، وَإِنَّمَا ادَّعَيْت بِأَحَدِهِمَا لِأَدَّعِيَ بِالْآخِرِ وَقْتًا آخَرَ " ثُمَّ شَهِدْت بِهِ: قُبِلَتْ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ ادَّعَى شَيْئًا، فَأَقَرَّ لَهُ بِغَيْرِهِ: لَزِمَهُ إذَا صَدَّقَهُ الْمُقِرُّ لَهُ.
وَالدَّعْوَى.
بِحَالِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ سَأَلَ مُلَازَمَتَهُ حَتَّى يُقِيمَهَا: أُجِيبَ فِي الْمَجْلِسِ.
عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرِّوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهَا فِي الْمَجْلِسِ صَرَفَهُ.
وَقِيلَ: يَنْظُرُ ثَلَاثًا.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: وَيُجَابُ مَعَ قُرْبِهَا.
وَعَنْهُ: وَبُعْدِهَا كَكَفِيلٍ فِيمَا ذَكَرَ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَأَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلًا.
مَتَى مَضَى فَلَا كَفَالَةَ وَنَصُّهُ: لَا يُجَابُ إلَى كَفِيلٍ، كَحَبْسِهِ.
وَفِي مُلَازَمَتِهِ حَتَّى يَفْرُغَ لَهُ الْحَاكِمُ مِنْ شُغْلِهِ، مَعَ غَيْبَةٍ بِبَيِّنَةٍ وَبَعْدَهَا: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَهُ الْمَيْمُونِيُّ: لَمْ أَرَهُ يَذْهَبُ إلَى الْمُلَازَمَةِ إلَى أَنْ يُعَطِّلَهُ مِنْ عَمَلِهِ.
وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ عَنَتِ خَصْمِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ " لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ يَمِينَهُ " فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً) . يَعْنِي: عَنْ الْمَجْلِسِ (فَلَهُ إحْلَافُهُ) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ كَانَتْ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَغَيْرِهِمْ.
قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: الْقَرِيبَةُ كَالْحَاضِرَةِ فِي الْمَجْلِسِ.
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهَا إلَّا إذَا كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ.
وَقِيلَ.
لَيْسَ لَهُ إحْلَافُهُ مُطْلَقًا، بَلْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ فَقَطْ.
وَقَطَعُوا بِهِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا.
أَحَدُهُمَا: لَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَوْ تَحْلِيفُهُ إذَا كَانَتْ حَاضِرَةً فِي الْمَجْلِسِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
نَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَمْلِكُهُمَا، فَيُحَلِّفُهُ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَهُ.
وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ إلَّا إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ فَقَطْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَطَعُوا بِهِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ سَأَلَ تَحْلِيفَهُ وَلَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ، فَحَلَفَ: فَفِي جَوَازِ إقَامَتهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَجْهَانِ.
قَالَهُ الْقَاضِي.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ إقَامَتُهَا بَعْدَ تَحْلِيفِهِ.
صَحَّحَهُ النَّاظِمُ.
وَالثَّانِي: لَهُ إقَامَتُهَا.
قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ.
قَالَ لَهُ الْقَاضِي: إنْ أَجَبْت، وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا.
وَقَضَيْت عَلَيْك) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: يَحْبِسُهُ حَتَّى يُجِيبَ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ.
وَذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ عَنْ الْأَصْحَابِ.
وَمُرَادُهُمْ بِهَذَا الْوَجْهِ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ: قَضَى بِهَا وَجْهًا وَاحِدًا.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: مِثْلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ: لَوْ قَالَ " لَا أَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ ". ذَكَرَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَالْمُنْتَخَبِ.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ " يَقُولُ لَهُ الْقَاضِي: إنْ أَجَبْت وَإِلَّا أَجْعَلُك نَاكِلًا " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ " لِي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ " لَمْ يَلْزَمْ الْمُدَّعِي إنْظَارَهُ) . هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إنْظَارُهُ ثَلَاثًا.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَزِمَ إنْظَارُهُ فِي الْأَصَحِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُنَوِّرِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ قَالَ " إنْ ادَّعَيْت أَلْفًا بِرَهْنِ كَذَا لِي بِيَدِك أَجَبْت، وَإِنْ ادَّعَيْت هَذَا ثَمَنُ كَذَا بِعْتنِيهِ وَلَمْ تُقْبِضْنِيهِ فَنَعَمْ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَك عَلَيَّ " فَهُوَ جَوَابٌ صَحِيحٌ.
قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ " قَدْ قَضَيْته " أَوْ " قَدْ أَبْرَأَنِي.
وَلِي بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ أَوْ بِالْإِبْرَاءِ " وَسَأَلَ الْإِنْظَارَ: أُنْظِرَ ثَلَاثًا.
وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: لَا يُنْظَرُ.
كَقَوْلِهِ " لِي بَيِّنَةٌ تَدْفَعُ دَعْوَاهُ " تَنْبِيهٌ:
مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْخَصْمُ أَنْكَرَ أَوَّلًا سَبَبَ الْحَقِّ.
أَمَّا إنْ كَانَ أَنْكَرَ أَوَّلًا سَبَبَ الْحَقِّ، ثُمَّ ثَبَتَ.
فَادَّعَى قَضَاءً أَوْ إبْرَاءً سَابِقًا: لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ وَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ.
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي أَوَاخِرِ " بَابِ الْوَدِيعَةِ ".
فَائِدَةٌ:
مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ: لَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ، وَجَعَلْنَاهُ مُقِرًّا بِذَلِكَ.
قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ (فَإِنْ عَجَزَ) . يَعْنِي: عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِالْقَضَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ.
(حَلَّفَهُ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ.
وَاسْتَحَقَّ) بِلَا نِزَاعٍ.
لَكِنَّ لَوْ نَكَلَ الْمُدَّعِي حُكِمَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قِيلَ بِرَدِّ الْيَمِينِ: فَلَهُ تَحْلِيفُ خَصْمِهِ، فَإِنْ أَبَى حُكِمَ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَقَالَهُ فِي بَيْعٍ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ.
وَلَوْ قَالَ " أَبْرَأَنِي مِنْ الدَّعْوَى " فَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: انْبَنَى عَلَى الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ.
وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ، لَمْ تُسْمَعْ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ.
فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ: جُعِلَ الْخَصْمُ فِيهَا.
وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟) وَهُوَ الْمُقِرُّ (عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
أَحَدِهِمَا: لَا يَحْلِفُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْلِفُ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ.
إذَا نَكَلَ أُخِذَ مِنْهُ بَدَلَهَا.
قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ لَهُ حَاضِرًا مُكَلَّفًا سُئِلَ.
فَإِنْ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ: حَلَفَ وَأَخَذَهَا) . فَإِذَا أَخَذَهَا فَأَقَامَ الْآخِرُ بَيِّنَةً: أَخَذَهَا مِنْهُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلِلْمُقِرِّ لَهُ قِيمَتُهَا عَلَى الْمُقِرِّ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ " لَيْسَتْ لِي، وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ؟ " سُلِّمَتْ إلَى الْمُدَّعِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ اقْتَرَعَا عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ، وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ، وَغَيْرُهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
(وَفِي الْآخِرِ: لَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَيَجْعَلُهَا الْحَاكِمُ عِنْدَ أَمِينٍ) . ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: تُقِرُّ بِيَدِ رَبِّ الْيَدِ.
وَذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُذَهَّبِ وَضَعَّفَهُ فِي التَّرْغِيبِ.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُغْنِي.
فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ: يَحْلِفُ لِلْمُدَّعِي.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَحْلِفُ، إنْ قُلْنَا: تُرَدُّ الْيَمِينُ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا وَجْهٌ: أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْلِفُ: أَنَّهَا لَهُ وَتُسَلَّمُ إلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّ الْيَمِينِ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَتَتَلَخَّصُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: تُسَلَّمُ لِلْمُدَّعِي، أَوْ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ تُقِرُّ بِيَدِ رَبِّ الْيَدِ، أَوْ يَأْخُذُهَا الْمُدَّعِي وَيَحْلِفُ إنْ قُلْنَا تُرَدُّ الْيَمِينُ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَذَّبَهُ الْمُقِرُّ لَهُ، وَجَهِلَ لِمَنْ هِيَ؟ .
الثَّانِيَةُ: لَوْ عَادَ فَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ،
أَوْ لِثَالِثٍ: لَمْ يُقْبَلْ.
عَلَى ظَاهِرِ مَا فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ: تُقْبَلُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ.
وَهُوَ الَّذِي قَالَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ.
ثُمَّ إنْ عَادَ الْمُقِرُّ لَهُ أَوَّلًا إلَى دَعْوَاهُ: لَمْ تُقْبَلْ.
وَإِنْ عَادَ قَبْلَ ذَلِكَ: فَوَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَإِنْ أَقَرَّتْ بِرِقِّهَا لِشَخْصٍ، وَكَانَ الْمُقِرُّ بِهِ عَبْدًا: فَهُوَ كَمَالِ غَيْرِهِ وَعَلَى الَّذِي قَبِلَهُ: يُعْتَقَانِ وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمُقِرِّ.
فَتَصِيرُ وَجْهًا خَامِسًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِغَائِبٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ: سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى.
ثُمَّ إنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ: سُلِّمْت إلَيْهِ.
وَهَلْ يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَذَكَرَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ: رِوَايَتَيْنِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي شَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْلِفُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ.
. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ.
قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَيَحْلِفُ مَعَهَا، عَلَى رَأْي.
وَقِيلَ: إنْ جُعِلَ قَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ: حَلَفَ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ: حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ، وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ) .
وَهُوَ صَحِيحٌ.
لَكِنْ لَوْ نَكَلَ: غَرِمَ بَدَلَهَا.
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي اثْنَيْنِ: لَزِمَهُ لَهَا عِوَضَانِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً: أَنَّهَا لِمَنْ سَمَّى.
فَلَا يَحْلِفُ) وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ، لِفَائِدَةِ زَوَالِ التُّهْمَةِ وَسُقُوطِ الْيَمِينِ عَنْهُ.
وَيَقْضِي بِالْمِلْكِ إنْ قَدَّمَتْ بَيِّنَةَ دَاخِلٍ.
وَلَوْ كَانَ لِلْمُودِعِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ الْمُحَاكِمَةُ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَخَرَّجَ الْقَاضِي الْقَضَاءَ بِالْمِلْكِ.
بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْمُودَعِ وَنَحْوِهِ الْمُخَاصَمَةَ فِيمَا فِي يَدِهِ.
وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالْمِلْكِ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِهَا الْغَائِبُ وَلَا وَكِيلُهُ وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ.
تَنْبِيهَانِ
أَحَدُهُمَا: قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَقَدَّمَ أَنَّ الدَّعْوَى لِلْغَائِبِ لَا تَصِحُّ إلَّا تَبَعًا وَذَكَرُوا: أَنَّ الْحَاكِمَ يَقْضِي عَنْهُ، وَيَبِيعُ مَالَهُ.
فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ لِلْغَائِبِ وَأَعْلَى طَرِيقَةً: الْبَيِّنَةُ.
فَتَكُونُ مِنْ الْمُدَّعِي لِلْغَائِبِ تَبَعًا أَوْ مُطْلَقًا لِلْحَاجَةِ إلَى إيفَاءِ الْحَاضِرِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْغَائِبِ.
الثَّانِي قَوْلُهُ (إنْ أَقَرَّ بِهَا لِمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تُعَرِّفَهُ أَوْ نَجْعَلَك نَاكِلًا) . وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ.
لَكِنَّ لَوْ عَادَ فَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ، فَقِيلَ: تُسْمَعُ.
لِعَدَمِ صِحَّةِ قَوْلِهِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْأَشْهَرِ.
وَقِيلَ: لَا تُسْمَعُ.
لِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا.
صَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي بَابِ الدَّعَاوَى.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالزَّرْكَشِيِّ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ أَصَرَّ حُكِمَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ.
فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ " هِيَ لِي " لَمْ يُقْبَلْ فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ: وَكَذَا تَخْرُجُ إذَا أَكَذَبَهُ الْمُقِرُّ لَهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: غَلِطْت.
وَيَدُهُ بَاقِيَةٌ.
تَنْبِيهٌ:
بَعْضُ الْأَصْحَابِ يَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي " بَابِ الدَّعَاوَى " وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُهَا هُنَا.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يَعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعِي) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّ مَسْأَلَةَ الدَّعْوَى وَفُرُوعَهَا ضَعِيفَةٌ لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ.
وَأَنَّ الثُّبُوتَ الْمَحْضَ يَصِحُّ بِلَا مُدَّعًى عَلَيْهِ.
وَقَالَ: إذَا قِيلَ: لَا تُسْمَعُ إلَّا مُحَرَّرَةً، فَالْوَاجِبُ أَنَّ مَنْ ادَّعَى مُجْمَلًا: اسْتَفْصَلَهُ الْحَاكِمُ.
وَقَالَ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ مُبْهَمًا، كَدَعْوَى الْأَنْصَارِ قَتْلَ صَاحِبِهِمْ، وَدَعْوَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ عَلَى بَنِي أُبَيْرِقٍ.
ثُمَّ الْمَجْهُولُ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا.
وَقَدْ يَنْحَصِرُ فِي قَوْمٍ، كَقَوْلِهَا " نَكَحَنِي أَحَدُهُمَا " وَقَوْلُهُ " زَوِّجْنِي إحْدَاهُمَا ". انْتَهَى.
وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْأَوَّلِ.
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُعْتَبَرُ التَّصْرِيحُ فِي الدَّعْوَى.
فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ " لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا " حَتَّى يَقُولَ " وَأَنَا الْآنَ مُطَالِبٌ لَهُ بِهِ ". ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَقَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يَكْفِي الظَّاهِرُ.
قُلْت: وَهُوَ أَظْهَرُ.
فَائِدَتَانِ
إحْدَاهُمَا: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مُتَمَيِّزًا مَشْهُورًا عِنْدَ الْخَصْمَيْنِ وَالْحَاكِمِ: كَفَّتْ شُهْرَتُهُ عَنْ تَحْدِيدِهِ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَكْفِي شُهْرَتُهُ عِنْدَهُمَا.
وَعِنْدَ الْحَاكِمِ عَنْ تَحْدِيدِهِ.
لِحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ، وَالْكَنَدِيِّ.
قَالَ: وَظَاهِرُهُ عَمَلُهُ بِعِلْمِهِ أَنَّ مُوَرِّثَهُ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ.
انْتَهَى.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ " غَصَبْت ثَوْبِي.
فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فَلِي رَدُّهُ وَإِلَّا قِيمَتُهُ " صَحَّ اصْطِلَاحًا.
وَقِيلَ: يَدَّعِيهِ.
فَإِنْ خَفِيَ: ادَّعَى قِيمَتَهُ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: لَوْ أَعْطَى دَلَّالًا ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ لِيَبِيعَهُ بِعِشْرِينَ.
فَجَحَدَهُ.
فَقَالَ " أَدَّعِي ثَوْبًا، إنْ كَانَ بَاعَهُ فَلِي عِشْرُونَ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فَلِي عَيْنُهُ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلِي عَشَرَةٌ ". قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَقَدْ اصْطَلَحَ الْقُضَاةُ عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الدَّعْوَى الْمُرَدِّدَةِ لِلْحَاجَةِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: صَحَّ اصْطِلَاحًا.
وَقِيلَ: بَلَى.
انْتَهَى.
وَإِنْ ادَّعَى " أَنَّ لَهُ الْآنَ " لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةٌ " أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَمْسِ " أَوْ " فِي يَدِهِ " فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، حَتَّى يُبَيِّنَ سَبَبَ يَدِ الثَّانِي نَحْوَ غَاصِبِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدْت أَنَّهُ كَانَ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ، اشْتَرَاهُ مِنْ رَبِّ الْيَدِ.
فَإِنَّهُ يُقْبَلُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ قَالَ " وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا " قُبِلَ كَعِلْمِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ يُلَبِّسُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُعْتَبَرُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ " وَأَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ إلَى الْآنَ " بَلْ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ سَبْقُ الْحَقِّ إجْمَاعًا.
وَقَالَ أَيْضًا فِيمَنْ بِيَدِهِ عَقَارٌ، فَادَّعَى رَجُلٌ بِمَثْبُوتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ " أَنَّهُ كَانَ لِجَدِّهِ إلَى مَوْتِهِ، ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ " وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مُخْلِفٌ عَنْ مَوْرُوثِهِ لَا يُنْزَعُ مِنْهُ بِذَلِكَ.
لِأَنَّ أَصْلَيْنِ تَعَارَضَا.
وَأَسْبَابُ انْتِقَالِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْإِرْثِ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِسُكُوتِهِمْ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ.
وَلَوْ فَتَحَ هَذَا لَانْتَزَعَ كَثِيرٌ مِنْ عَقَارِ النَّاسِ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ.
وَقَالَ فِيمَنْ بِيَدِهِ عَقَارٌ، فَادَّعَى آخَرُ " أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِأَبِيهِ " فَهَلْ يُسْمَعُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ قَالَ: لَا يُسْمَعُ إلَّا بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، أَوْ إقْرَارِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، أَوْ تَحْتَ حُكْمِهِ.
وَقَالَ فِي بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُ بِمِلْكِهِ إلَى حِينِ وَقْفِهِ، وَأَقَامَ الْوَارِثُ بَيِّنَةً " أَنَّ مَوْرُوثَهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْوَاقِفِ قَبْلَ وَقْفِهِ " قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ وَارِثٍ.
لِأَنَّ مَعَهَا مَزِيدَ عِلْمٍ لِتَقْدِيمِ مَنْ شَهِدَ بِأَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ.
انْتَهَى.
قَوْلُهُ (إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ.
فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالْمَجْهُولِ) . وَكَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ الْمُطَلِّقِ فِي الْمَهْرِ، إذَا قُلْنَا: يَصِحُّ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ كَوَصِيَّةٍ، وَعَبْدِ مُطَلِّقٍ فِي مَهْرٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
وَقِيلَ: أَوْ إقْرَارٍ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ: وَلَا تَصِحُّ إلَّا مُحَرَّرَةً، يَعْلَمُ بِهَا الْمُدَّعِي، إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ خَاصَّةً.
فَإِنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الْمَجْهُولِ.
وَقَالَهُ غَيْرُهُمْ.
وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ، لِئَلَّا يَسْقُطَ حَقُّ الْمُقِرِّ لَهُ.
وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى.
لِأَنَّهَا حَقٌّ لَهُ.
فَإِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَدَلَ إلَى مَعْلُومٍ.
وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ: أَنَّ دَعْوَى الْإِقْرَارِ بِالْمَعْلُومِ لَا تَصِحُّ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِالْحَقِّ وَلَا مُوجِبُهُ، فَكَيْفَ بِالْمَجْهُولِ؟ .
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ أَيْضًا: لَوْ ادَّعَى دِرْهَمًا، وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى إقْرَارِهِ: قُبِلَ.
وَلَا يَدَّعِي الْإِقْرَارَ، لِمُوَافَقَتِهِ لَفْظَ الشُّهُودِ، بَلْ لَوْ ادَّعَى لَمْ تُسْمَعْ.
وَفِي التَّرْغِيبِ فِي اللُّقَطَةِ: لَا تُسْمَعُ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ " أَنَّ زَوْجَهَا: أَقَرَّ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، أَوْ ابْنَتَهُ " وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ.
فَأَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ: لَمْ تُقْبَلْ.
لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ عَلَى الرَّضَاعِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَعَلَّ مَأْخَذَهُ: أَنَّهَا ادَّعَتْ بِالْإِقْرَارِ لَا بِالْمُقَرِّ بِهِ.
وَلَكِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ تُسْمَعُ بِغَيْرِ دَعْوَى.
لِمَا فِيهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ.
عَلَى أَنَّ الدَّعْوَى بِالْإِقْرَارِ فِيهَا نَظَرٌ.
فَإِنَّ الدَّعْوَى بِهَا تَصْدِيقُ الْمُقِرِّ.
فَوَائِدُ
الْأُولَى: مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى: أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِالْحَالِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: تُسْمَعُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ لِإِثْبَاتِهِ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا تُسْمَعُ.
فَيَثْبُتُ أَصْلُ الْحَقِّ لِلُزُومِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَدَعْوَى تَدْبِيرٍ، وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي قَوْلِهِ " قَتَلَ أَبِي أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ " أَنَّهَا تُسْمَعُ لِلْحَاجَةِ، لِوُقُوعِهِ كَثِيرًا.
وَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمْ.
وَكَذَا دَعْوَى غَصْبٍ وَإِتْلَافٍ وَسَرِقَةٍ، لَا إقْرَارٍ وَبَيْعٍ.
إذَا قَالَ: نَسِيت.
لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ.