الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداويصفحات 155-194
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،

صفحات 155-194
عن هذه الطبعة
عَلَم
المرداوي
الكتاب
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
المؤلف
علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي
الطبعة
الثانية - بدون تاريخ
عدد الأجزاء
12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ (عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْصِبَ فِي كُلِّ إقْلِيمٍ قَاضِيًا) . وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ، وَأَوْرَعَهُمْ) . قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَفِي مُنْتَخَبِ الْأَدَمِيّ الْبَغْدَادِيِّ: عَلَى الْإِمَامِ نَصْبُ مَنْ يُكْتَفَى بِهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيًا مِنْ أَفْضَلِ وَأَصْلَحِ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَدِينًا.
وَعَنْهُ: وَوَرَعًا وَنَزَاهَةً وَصِيَانَةً وَأَمَانَةً.

قَوْلُهُ (وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ: الدُّخُولُ فِيهِ) . يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَمُرَادُهُ: إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَجَزَمَ بِهِ الْوَجِيزُ، وَغَيْرُهُ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالِامْتِنَاعِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ؟ قَالَ: لَا يَأْثَمُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَعَنْهُ: لَا يُسَنُّ دُخُولُهُ فِيهِ.
نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُعْجِبُنِي.
هُوَ أَسْلَمُ

وَذَكَرَ مَا رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَرْفُوعًا «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ» . قَالَ فِي الْحَاوِي عَنْ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ الضَّعْفَ فِيهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ كَانَ الْحُكَّامُ يَحْمِلُونَ فِيهِ الْقُضَاةَ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الْحُكْمُ بِالْحَقِّ.
انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إذَا طُلِبَ " أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ.
وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
وَقِيلَ: يَحْرُمُ الطَّلَبُ، لِخَوْفِهِ مَيْلًا.
فَائِدَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ وَثِقَ بِغَيْرِهِ: فَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَالشَّهَادَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: مُخْتَلِفٌ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ: كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ) . يَعْنِي: فِيمَا إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ لَهُ طَلَبُهُ لِقَصْدِ الْحَقِّ، وَدَفْعِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ مَعَ وُجُودِ أَصْلَحَ مِنْهُ، أَوْ غِنَاهُ عَنْهُ أَوْ شُهْرَتِهِ.
ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِقَصْدِ الْحَقِّ.
وَدَفْعِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ: يَحْرُمُ بِدُونِهِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ طُلِبَ، فَالْأَفْضَلُ: أَنْ لَا يُجِيبَ إلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) . يَعْنِي: إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ وَطُلِبَ هُوَ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْأَفْضَلُ الْإِجَابَةُ إذَا أَمِنَ مِنْ نَفْسِهِ.
ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ.
وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ مَعَ خُمُولِهِ.
قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّارِحِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ رَجُلًا خَامِلًا لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ، فَالْأَوْلَى: لَهُ التَّوْلِيَةُ لِيُرْجَعَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَيَقُومَ الْحَقُّ بِهِ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي النَّاسِ بِالْعِلْمِ، وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فِي تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى لَهُ اشْتِغَالٌ بِذَلِكَ.
انْتَهَيَا.
فَلَعَلَّ ابْنَ حَامِدٍ لَهُ قَوْلَانِ.
وَقَدْ حَكَاهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ قَوْلَيْنِ.
وَقِيلَ: الْإِجَابَةُ أَفْضَلُ مَعَ خُمُولِهِ وَفَقْرِهِ.

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ بَذْلُ الْمَالِ فِي ذَلِكَ.
وَيَحْرُمُ أَخْذُهُ وَطَلَبُهُ وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ لَهُ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ تَخْصِيصِهِمْ الْكَرَاهَةَ بِالطَّلَبِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَوْلِيَةُ الْحَرِيصِ، وَلَا يَنْفِي أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى.
قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ.

قُلْت: هَذَا التَّوْجِيهُ هُوَ الصَّوَابُ.
الثَّانِيَةُ: تَصِحُّ وِلَايَةُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ.

قَوْلُهُ (وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا: مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَتَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْبُلْدَانِ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ، أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا، وَاسْتِشْهَادُ شَاهِدَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ) . قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وِلَايَتِهِ: إمَّا بِالْمُكَاتَبَةِ.
وَإِمَّا الْمُشَافَهَةُ، وَاسْتِشْهَادُ شَاهِدَيْنِ عَلَى ذَلِكَ فَقَطْ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ.
قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ، فِي تَذْكِرَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ إذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا.
فَتَسْتَفِيضُ فِيهِ أَخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَجُزِمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَالْوَجِيزِ، وَالشَّرْحِ.
وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ.
إلَّا أَنْ تَكُونَ النُّسْخَةُ مَغْلُوطَةً.
وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ " كِتَابِ الشَّهَادَاتِ ". تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: حَدَّ الْأَصْحَابُ الْبَلَدَ الْقَرِيبَ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ فَمَا دُونَ.
وَأَطْلَقَ الْأَدَمِيُّ الِاسْتِفَاضَةَ.
وَظَاهِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوِلَايَةُ بِمُجَرَّدِ الْكِتَابَةِ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ.
وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتُتَوَجَّهُ صِحَّتُهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْخَطِّ.
وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ.
ذَكَرَهُ فِي " بَابِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ ".

قَوْلُهُ (وَهَلْ تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي؟) بِكَسْرِ اللَّازِمِ، اسْمُ فَاعِلٍ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ؛ وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، فِي نَائِبِ الْإِمَامِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي بَعْدَ أَنْ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ وَقِيلَ: الرِّوَايَتَانِ فِي نَائِبِ الْإِمَامِ دُونَهُ.
إحْدَاهُمَا: لَا تُشْتَرَطُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَغَيْرِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيُّ، وَغَيْرِهِمَا.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ فِي الْإِمَامِ.
وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَغَيْرِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا تُشْتَرَطُ.
وَعَنْهُ: تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي سِوَى الْإِمَامِ.

وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي.
ثُمَّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ قُلْنَا الْحَاكِمُ نَائِبُ الشَّرْعِ: صَحَّتْ مِنْهُمَا.
وَإِلَّا فَلَا.
قُلْت: فِي الْإِمَامِ وَجْهَانِ: هَلْ تَصَرُّفُهُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ، أَوْ الْوِلَايَةِ؟ . اخْتَارَ الْقَاضِي: الْأَوَّلَ.
وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ.
وَإِذَا كَانَ الْمُوَلِّي نَائِبَ الْإِمَامِ: لَمْ تُشْتَرَطْ عَدَالَتُهُ.

قَوْلُهُ (وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَةٌ " وَلَّيْتُك الْحُكْمَ " وَ " قَلَّدْتُك " وَ " اسْتَنَبْتُكَ " وَ " اسْتَخْلَفْتُك " وَ " رَدَدْت إلَيْك " وَ " فَوَّضْت إلَيْك " وَ " جَعَلْت إلَيْك الْحُكْمَ ") . زَادَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي: وَ " اسْتَكْفَيْتُك ". وَذَكَرَهَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ " اسْتَنَبْتُكَ ". وَقِيلَ: " رَدَدْته، فَوَّضْته، وَجَعَلْته إلَيْك " كِنَايَةً.
قَوْلُهُ (فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُوَلَّى: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ) . وَكَذَا قَالَ فِي الْوَجِيزِ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي: فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَجَوَابُهَا مِنْ الْمُوَلَّى بِالْقَبُولِ: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ: فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا، وَقَبُولُ الْمُوَلَّى فِي الْمَجْلِسِ إنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ فِيمَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ غَائِبًا: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ.
وَفِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ: فَإِذَا أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَاتَّصَلَ الْقَبُولُ: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ.
زَادَ فِي الشَّرْحِ: كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَفِي مُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ: يُشْتَرَطُ فَوْرِيَّةُ الْقَبُولِ مَعَ الْحُضُورِ.
وَفِي الْمُنَوِّرِ: وَفَوْرِيَّةُ الْقَبُولِ.
هَذِهِ عِبَارَاتُهُمْ.
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَمَنْ تَابَعَهُ: مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَمَنْ تَابَعَهُ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْحَاضِرِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ.
وَأَنَّ مُرَادَهُ فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ بِالِاتِّصَالِ: الْمَجْلِسُ.
بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ ". وَأَمَّا الْمُنْتَخَبُ، وَالْمُنَوِّرُ: فَمُخَالِفٌ لَهُمْ.
وَكَلَامُهُ فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ: يَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَمَنْ تَابَعَهُ: عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْقَبُولِ الْمَجْلِسُ.
وَلَمْ نَرَهُ صَرِيحًا.
فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ.
وَكَلَامُهُ فِي الْمُنْتَخَبِ وَالْمُنَوِّرِ وَجْهٌ ثَالِثٌ.
وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: هَلْ الْقُضَاةُ نُوَّابُ الْإِمَامِ، أَوْ نُوَّابُ الْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي: عَزْلُ الْقَاضِي نَفْسَهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ: هَلْ هُوَ وَكِيلٌ لِلْمُسْلِمِينَ، أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: هَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ.
وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُشْتَرَطُ لِلْوَكِيلِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ (وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُوَلَّى) . إنْ قَبِلَ بِاللَّفْظِ فَلَا نِزَاعَ فِي انْعِقَادِهَا.
وَإِنْ قَبِلَ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: انْعِقَادُ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَصَحُّ أَوْ شَرَعَ غَائِبٌ فِي الْعَمَلِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: قُلْت وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبُ الشَّرْعِ، كَفَى الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبُ مَنْ وَلَّاهُ، فَلَا.
وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ.
وَجَعَلَ مَأْخَذَهُمَا: هَلْ يَجْرِي الْفِعْلُ مَجْرَى النُّطْقِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ؟ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْخَمْسِينَ: وَيَحْسُنُ بِنَاؤُهُمَا عَلَى أَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ عَقْدٌ جَائِزٌ، أَوْ لَازِمٌ.

قَوْلُهُ (وَالْكِنَايَةُ: نَحْوَ " اعْتَمَدْت عَلَيْك " وَ " عَوَّلْت " وَ " وَكَّلْت إلَيْك " وَ " أَسْنَدْت إلَيْك الْحُكْمَ " فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا، حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ.
نَحْوَ " فَاحْكُمْ " أَوْ " فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْت عَلَيْك " وَمَا أَشْبَهَهُ) . وَتَقَدَّمَ قَوْلٌ: إنَّ فِي " رَدَدْته " وَ " فَوَّضْته " وَ " جَعَلْته إلَيْك " كِنَايَةً فَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ الْقَرِينَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَتْ الْوِلَايَةُ، وَكَانَتْ عَامَّةً: اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ: فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ، مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَالْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ فِي عَمَلِهِ بِإِجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا، وَتَزْوِيجُ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ، وَإِقَامَةُ الْحُدُدِ، وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ) .

وَكَذَا إقَامَةُ الْعِيدِ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَطَعُوا بِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَالَ النَّاظِمُ: وَقَبْضُ خَرَاجٍ وَالزَّكَاةُ أُجْرَةٌ وَأَنْ يَلِيَ جُمُعَةً وَالْعِيدَ فِي الْمُتَجَوَّدِ فَظَاهِرُهُ: إجْرَاءُ الْخِلَافِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ.
وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
وَلَعَلَّ الْخِلَافَ عَائِدٌ إلَى قَبْضِ الْخَرَاجِ وَالزَّكَاةِ.
تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا: مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُخَصَّا بِإِمَامٍ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ " وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ " وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَمُنْتَخَبُ الْأَدَمِيِّ، وَالْمُنَوِّرُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَإِمَامَةُ الْجُمُعَةِ بِالْمِيمِ بَدَلُ الْقَافِ.
وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ وَتَقَدَّمَ عِبَارَةُ النَّاظِمِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: قَالَ الشَّيْخُ: وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِالْقَافِ.
وَعُلِّلَ بِأَنَّ الْأَئِمَّةَ كَانُوا يُقِيمُونَهَا، وَالْقَاضِي يَنُوبُ عَنْهُمْ.
وَ " الْإِقَامَةُ " قَدْ يُرَادُ بِهَا وِلَايَةُ الْإِذْنِ فِي إقَامَتِهَا، وَمُبَاشَرَةُ الْإِمَامَةِ فِيهَا.
وَقَدْ يُرَادُ بِهَا نَصْبُ الْأَئِمَّةِ مَعَ عَدَمِ وِلَايَةِ أَصْلِ الْإِذْنِ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إمَامَةٌ بِالْمِيمِ كَقَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ.
وَكَذَا الْقَاضِي.
فَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ نَصْبِ الْأَئِمَّةِ.
وَهَذَا أَظْهَرُ.
وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ.
فَإِنَّ النَّصْبَ فِيهِمَا إقَامَةٌ لَهُمَا.
وَعَلَى هَذَا: نَصْبُ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ.

وَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ فِعْلِ الْإِمَامَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ شُيُوخِنَا فِي مُصَنَّفِهِ.
قَالَ: وَأَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، مَعَ عَدَمِ إمَامٍ خَاصٍّ لَهُمَا.
إلَّا أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْإِقَامَةُ أَوَالْإِمَامَة إلَّا فِي بُقْعَةٍ مِنْ عَمَلِهِ، لَا فِي جَمِيعِ عَمَلِهِ.
إذْ لَا يُمْكِنُ مِنْهُ الْفِعْلُ إلَّا فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُ.
وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ إطْلَاقِ: أَنَّ لَهُ فِعْلَ ذَلِكَ فِي عَمَلِهِ.
انْتَهَى.
قُلْت: عِبَارَتُهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي " وَأَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ " كَمَا فِي نَقْلِ الْحَارِثِيِّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ.
فَائِدَةٌ مِنْ جُمْلَةِ مَا نَسْتَفِيدُهُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا: النَّظَرُ فِي عَمَلِ مَصَالِحِ عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَقَلِّيَّتِهِمْ، وَتَصَفُّحِ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، وَالِاسْتِبْدَالِ مِمَّنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ.
وَيَنْظُرُ أَيْضًا فِي أَقْوَالِ الْغَائِبِينَ.
عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَوَاخِرِ " بَابِ آدَابِ الْقَاضِي ".

قَوْلُهُ (فَأَمَّا جِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ: فَعَلَى وَجْهَيْنِ) . وَمَحَلُّهُمَا إذَا لَمْ يَخْتَصَّا بِعَامِلٍ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.
أَحَدُهُمَا: يُسْتَفَادَانِ بِالْوِلَايَةِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ.
كَمَا تَقَدَّمَ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْتَفَادَانِ بِهَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ.

وَقِيلَ: لَا يُسْتَفَادُ الْخَرَاجُ فَقَطْ.
تَنْبِيهٌ مَفْهُومُ قَوْلِهِ " اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ " أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ غَيْرَهَا.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَيَسْتَفِيدُ أَيْضًا الِاحْتِسَابَ عَلَى الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ، وَإِلْزَامَهُمْ بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْوِلَايَةِ لَا حَدَّ لَهُ شَرْعًا.
بَلْ يُتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: أَمِيرُ الْبَلَدِ إنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى الْأَدَبِ.
وَلَيْسَ لَهُ الْمَوَارِيثُ وَالْوَصَايَا.
وَالْفُرُوجُ وَالْحُدُودُ.
إنَّمَا يَكُونُ هَذَا إلَى الْقَاضِي.

قَوْلُهُ (وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْحَاوِي.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ مَعَ الْحَاجَةِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا: فَعَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ.
أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ.
وَلَهُ أَخْذُهُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَالنَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَغَيْرِهِ.

وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ: وَبِدُونِ حَاجَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَلَا لَهُ أَخْذُهُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقِيلَ: لَهُ الْأَخْذُ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: لَا يَأْخُذُ أُجْرَةً عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ.

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَكْفِيهِ، فَفِي جَوَازِ أَخْذِهِ مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ، فَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ شَيْءٌ، فَقَالَ: لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إلَّا بِجُعْلٍ: جَازَ.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي رِزْقٌ فَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ: لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا حَتَّى تَجْعَلَا لِي عَلَيْهِ جُعْلًا: جَازَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ.
انْتَهَيَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ.
اخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَيَأْتِي حُكْمُ الْهَدِيَّةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ وَلَهُ كِفَايَةٌ.
فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي آدَابِ الْمُفْتِي، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَأُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ، وَفُرُوعِهِ.
وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ عَدَمَ الْجَوَازِ.

وَمَنْ أَخَذَ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَأْخُذْ أُجْرَةً لِفُتْيَاهُ.
وَفِي أُجْرَةِ خَطِّهِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ.
قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ.
الثَّانِي: لَا يَجُوزُ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَنْ يُسْأَلُ عَنْ الْعِلْمِ، فَرُبَّمَا أُهْدِيَ لَهُ؟ قَالَ: لَا يَقْبَلُ، إلَّا أَنْ يُكَافَأَ.
وَيَأْتِي أَيْضًا حُكْمُ هَدِيَّةِ الْمُفْتِي عِنْدَ ذِكْرِ هَدِيَّةِ الْقَاضِي.

قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا فِي أَحَدِهِمَا أَوْ فِيهِمَا) . (فَيُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ) . بِلَا نِزَاعٍ.

قَوْلُهُ (فَيَنْفُذُ) (قَضَاؤُهُ فِي أَهْلِهِ، وَمَنْ طَرَأَ إلَيْهِ) . بِلَا نِزَاعٍ أَيْضًا.
لَكِنْ لَا يَسْمَعُ بَيِّنَةً فِي غَيْرِ عَمَلِهِ.
وَهُوَ مَحَلُّ حُكْمِهِ.
وَيَجِبُ إعَادَةُ الشَّهَادَةِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا لِتَعْدِيلِهَا.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: إخْبَارُ الْحَاكِمِ لِحَاكِمٍ آخَرَ بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ فِي عَمَلِهِمَا أَوْ فِي غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ.
وَيَجْعَلُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلًا فَيَجْعَلُ إلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِلَى الْآخَرِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ، دُونَ غَيْرِهَا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ.
وَقِيلَ: إنْ اتَّحَدَ الزَّمَنُ أَوْ الْمَحَلُّ: لَمْ يَجُزْ تَوْلِيَةُ قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ.
وَإِلَّا جَازَ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ جَعَلَ إلَيْهِمَا عَمَلًا وَاحِدًا: جَازَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ: وَالْأَقْوَى عِنْدِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ.
وَقِيلَ: إنْ اتَّحَدَ عَمَلُهُمَا، أَوْ الزَّمَنُ أَوْ الْمَحَلُّ: لَمْ يَجُزْ.
وَإِلَّا جَازَ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

[فَوَائِدُ جَعْلُ قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي عَمَلٍ وَاحِدٍ]

فَوَائِدُ الْأُولَى: حَيْثُ جَوَّزْنَا جَعْلَ قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي عَمَلٍ وَاحِدٍ، لَوْ تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ أَحَدِهِمْ: قُدِّمَ قَوْلُ صَاحِبِ الْحَقِّ.
وَهُوَ الطَّالِبُ.
وَلَوْ طَلَبَ حُكْمَ النَّائِبِ أُجِيبَ.
فَلَوْ كَانَا مُدَّعِيَيْنِ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ بَاقٍ: اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحُكْمَيْنِ.
ثُمَّ الْقُرْعَةُ.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُهُمَا.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُقَدَّمُ مِنْهُمَا مَنْ طَلَبَ حُكْمَ الْمُسْتَنِيبِ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ تَنَازَعَا أُقْرِعَ.

قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْأَخِيرَةِ: لَوْ اخْتَلَفَ خَصْمَانِ فِيمَنْ يَحْتَكِمَانِ إلَيْهِ.
قُدِّمَ الْمُدَّعِي فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى.
اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ إلَيْهِمَا.
فَإِنْ اسْتَوَيَا: أُقْرِعَ بَيْنَهَا.
وَقِيلَ: يُمْنَعَانِ مِنْ التَّخَاصُمِ حَتَّى يَتَّفِقَانِ عَلَى أَحَدِهِمَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِقَوْلِنَا.

الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَجُوزُ لِكُلِّ ذِي مَذْهَبٍ أَنْ يُوَلِّيَ مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ.
ذَكَرَهُ فِي مَكَانَيْنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَقَالَ: فَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةٍ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
انْتَهَى.
قُلْت: الصَّوَابُ الْجَوَازُ.
وَقَالَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى أَيْضًا، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
قَالَ النَّاظِمُ: وَتَوْلِيَةُ الْمَرْءِ الْمُخَالِفِ مَذْهَبَ ... الْمُوَلِّي أُجِزْ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مُقَيَّدٍ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَتَى اسْتَنَابَ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ إنْ كَانَ لِكَوْنِهِ أَرْجَحَ، فَقَدْ أَحْسَنَ مَعَ صِحَّةِ ذَلِكَ.
وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي " بَابِ الْوَكَالَةِ " وَيُتَوَجَّهُ جَوَازُهَا إذَا جَازَ لَهُ الْحُكْمُ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ.
وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ غَيْرِ إمَامِهِ.
وَإِلَّا انْبَنَى عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يَسْتَنِيبُ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ، كَتَوْكِيلِ مُسْلِمٍ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ؟ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ الْمِرْدَاوِيُّ، صَاحِبُ الِانْتِصَارِ فِي الْحَدِيثِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ جَوَّزَ الْمُنَاقَلَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ.
قَالَ: وَلَمْ يَقُلْ بِجَوَازِ ذَلِكَ مِنْ الْأَصْحَابِ إلَّا ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتَيْهِ.
انْتَهَى.

الثَّالِثَةُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ.
قَالَا: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.

وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إمَامٍ بِعَيْنِهِ: اُسْتُتِيبَ.
فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
قَالَ: وَإِنْ قَالَ: يَنْبَغِي، كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا.
قَالَ: وَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِإِمَامٍ، فَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، أَوْ لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا أَعْلَمَ وَأَتْقَى: فَقَدْ أَحْسَنَ.
وَلَمْ يُقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ.
قَالَ: وَهَذِهِ الْحَالُ تَجُوزُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ أَيْضًا: بَلْ تَجِبُ.
وَأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَصَّ عَلَيْهِ.
انْتَهَى.
وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي أَحْكَامِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي.

قَوْلُهُ (فَإِنْ) (مَاتَ الْمُوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّازِمِ (أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِهَا (مَعَ صَلَاحِيَتِهِ) : (لَمْ تَبْطُلْ وِلَايَتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . إذَا مَاتَ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّازِمِ فَهَلْ يَنْعَزِلُ الْمُوَلَّى؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَطْلَقَهُمَا الْمُصَنِّفُ هُنَا.
وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَزِلُ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَالنَّظْمِ، وَالتَّصْحِيحِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَوْلًا وَاحِدًا.
انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي " بَابِ نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ " فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْمَحْرَمِ: الْمَشْهُورُ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَنْعَزِلُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ، أَوْ الْعَازِلُ قَاضِيًا.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، إنْ قُلْنَا: الْحَاكِمُ نَائِبُ الشَّرْعِ: لَمْ يَنْعَزِلْ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبُ مَنْ وَلَّاهُ: انْعَزَلَ.
وَأَمَّا إذَا عَزَلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ الْقَاضِيَ الْمُوَلَّى مَعَ صَلَاحِيَتِهِ فَهَلْ يَنْعَزِلُ، وَتَبْطُلُ وِلَايَتُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا.
أَحَدُهُمَا: لَا تَبْطُلُ وِلَايَتُهُ.
وَلَا يَنْعَزِلُ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
جَزَمَ بِهِ الْأَدَمِيُّ فِي مُنْتَخَبِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ.
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَبْطُلُ وِلَايَتُهُ وَيَنْعَزِلُ.
صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ.
وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: كَالْوَلِيِّ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَعَقْدِ وَصِيٍّ وَنَاظِرٍ عَقْدًا جَائِزًا، كَوَكَالَةٍ وَشَرِكَةٍ، وَمُضَارَبَةٍ.
انْتَهَى.
وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْقُضَاةَ هَلْ هُمْ نُوَّابُ الْإِمَامِ، أَوَالْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَغَيْرِهِ.
أَحَدُهُمَا: هُمْ نُوَّابُ الْمُسْلِمِينَ.
فَعَلَيْهِ: لَا يَنْعَزِلُونَ بِالْعَزْلِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَالثَّانِي: هُمْ نُوَّابُ الْإِمَامِ.
فَيَنْعَزِلُونَ بِالْعَزْلِ.

فَوَائِدُ الْأُولَى: مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ: كُلُّ عَقْدٍ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَوَالٍ، وَمَنْ يُنْصَبُ لِجِبَايَةِ مَالٍ وَصَرْفِهِ، وَأَمِيرِ الْجِهَادِ، وَوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَالْمُحْتَسِبِ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي الْكُلِّ: لَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِ الْمُسْتَنِيبِ وَمَوْتِهِ حَتَّى يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي نَائِبِهِ فِي الْحَكَمِ وَقَيِّمِ الْأَيْتَامِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِمْ أَوْجُهٌ ثَالِثُهَا: إنْ اسْتَخْلَفَهُمْ بِإِذْنِ مَنْ وَلَّاهُ، وَقِيلَ: وَقَالَ اُسْتُخْلِفَ عَنْك: انْعَزِلُوا انْتَهَى.
وَلَا يَبْطُلُ مَا فَرَضَهُ فَارِضٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَفِيهِ احْتِمَالٌ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ قَاضِيًا، فَزَالَتْ وِلَايَتُهُ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ: انْعَزَلَ نَائِبُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْعَزِلْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَبْلَهَا.
هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَغَيْرِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَكُلُّ قَاضٍ مَاتَ أَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ وَصَحَّ عَزْلُهُ فِي الْأَصَحِّ أَوْ عَزْلُ مَنْ وَلَّاهُ وَصَحَّ عَزْلُهُ أَوْ انْعَزَلَ بِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ: انْعَزَلَ نَائِبُهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ، كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ خَاصَّةٍ وَبَيْعِ تَرِكَةِ مَيِّتٍ خَاصَّةٍ.
وَقَالَ: وَفِي خُلَفَائِهِ وَنَائِبِهِ فِي الْحُكْمِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وَبَلَدٍ وَقَرْيَةٍ، وَقَيِّمِ الْأَيْتَامِ وَنَاظِرِ الْوُقُوفِ وَنَحْوِهِمْ أَوْجُهٌ: الْعَزْلُ وَعَدَمُهُ.
وَهُوَ بَعِيدٌ.

وَالثَّالِثُ: إنْ اسْتَخْلَفَهُمْ بِإِذْنِ مَنْ وَلَّاهُ انْعَزِلُوا.
وَالرَّابِعُ: إنْ قَالَ لِلْمُوَلِّي: اُسْتُخْلِفَ عَنْك: انْعَزَلُوا.
وَإِنْ قَالَ: اُسْتُخْلِفَ عَنِّي: فَلَا كَمَا تَقَدَّمَ.
انْتَهَى.
وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْأَصْحَابِ: يَنْعَزِلُ نُوَّابُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُمْ نُوَّابُهُ.
وَلَا يَنْعَزِلُ الْقُضَاةُ.
لِأَنَّهُمْ نُوَّابُ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: لَا يَنْعَزِلُ نُوَّابُ الْقُضَاةِ.
وَاخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ.
وَجَزَمَ فِي التَّرْغِيبِ أَيْضًا: أَنَّهُ يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ فِي أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، مِنْ سَمَاعِ شَهَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِحْضَارِ مُسْتَعْدًى عَلَيْهِ.
وَقَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: لَوْ عَزَلَهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ.
قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مِنْ عِنْدِهِ: وَمَنْ لَزِمَهُ قَبُولُ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا: لَهُ عَزْلُ نَائِبِهِ بِأَفْضَلَ مِنْهُ.
وَقِيلَ: بِمِثْلِهِ.
وَقِيلَ: بِدُونِهِ لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: عَزْلُ نَفْسِهِ يَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ: هَلْ هُوَ وَكِيلٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.

نُصَّ عَلَيْهِمَا فِي خَطَأِ الْإِمَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: فِي بَيْتِ الْمَالِ فَهُوَ وَكِيلٌ، فَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَلَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: هَلْ لِمَنْ وَلَّاهُ عَزْلُهُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّالِفُ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي " بَابِ الْعَاقِلَةِ " وَخَطَأُ إمَامٍ وَحَاكِمٍ: فِي حُكْمِ بَيْتِ الْمَالِ.
وَعَلَيْهَا: لِلْإِمَامِ عَزْلُ نَفْسِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ " بَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ " الْخِلَافُ فِي تَصَرُّفِ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ: هَلْ هُوَ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ، أَوْ الْوِلَايَةِ؟ فَلْيُعَاوَدْ.

قَوْلُهُ (وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ) وَبِنَاءُ الْخِلَافِ هُنَا عَلَى رِوَايَتَيْ عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِانْعِزَالِهِ.
قَالَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرِهِمْ.
فَيَكُونُ الْمُرَجَّحُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ عَزْلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ.
وَذَكَرَهُمَا مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي الْمُذَهَّبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
أَحَدُهُمَا: يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ.
صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ.
صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ انْعَزَلَ الْوَكِيلُ.
وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَ: هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَالَ: لِأَنَّ فِي وِلَايَتِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ وَكِيلٌ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِنَسْخِ الْأَحْكَامِ.
لَا يَثْبُتُ قَبْلَ بُلُوغِ النَّاسِخِ.
عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافَ الْوَكَالَةِ الْمَحْضَةِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي الْعُقُودُ وَالْفُسُوخُ، فَتَعْظُمُ الْبَلْوَى بِإِبْطَالِهَا قَبْلَ الْعِلْمِ، بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ.
قُلْت: وَهَذَا الصَّوَابُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا بَقَاؤُهُ حَتَّى يَعْلَمَ بِهِ.

فَائِدَةٌ لَوْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ قَاضِي بَلَدٍ، فَوَلَّى غَيْرُهُ حَيًّا: لَمْ يَنْعَزِلْ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: يَنْعَزِلُ.

وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ قَدْ وَلَّيْته: لَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَنْظُرُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَذَلِكَ لِجَهَالَةِ الْمُوَلَّى مِنْهُمَا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَعَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ عَلَّقَ الْوِلَايَةَ بِشَرْطٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِالْجَوَازِ لِلْخَبَرِ " أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ ". قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمَعْرُوفُ صِحَّةُ الْوِلَايَةِ بِشَرْطٍ.

وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ بِالشَّرْطِ.
وَأَمَّا إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ بَعْدَ مَوْتِهِ: فَسَبَقَ ذَلِكَ فِي " بَابِ الْمُوصَى إلَيْهِ ".

تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: وَلَّيْت فُلَانًا وَفُلَانًا.
فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي: انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ) . لِأَنَّهُ وَلَّاهُمَا.
ثُمَّ عَيَّنَ مَنْ سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ.

قَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ) : (أَنْ يَكُونَ بَالِغًا) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ فِي كُتُبِهِ " بَالِغًا " وَظَاهِرُهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ.

قَوْلُهُ (حُرًّا) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ.
وَقِيلَ: لَا تُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا.
قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَأَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَالَ أَيْضًا: يَجُوزُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ.

فَائِدَةٌ يَصِحُّ وِلَايَةُ الْعَبْدِ إمَارَةَ السَّرَايَا، وَقَسْمَ الصَّدَقَاتِ وَالْفَيْءِ، وَإِمَامَةَ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَحَلَّ وِفَاقٍ.

قَوْلُهُ (مُسْلِمًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَطَعُوا بِهِ.
وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ، فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ: لَا نَعْرِفُ فِيهِ رِوَايَةً.
وَإِنْ سَلِمَ.
وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يُحْتَمَلُ الْمَنْعُ، وَإِنْ سَلِمَ.

قَوْلُهُ (عَدْلًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَلَوْ كَانَ تَائِبًا مِنْ قَذْفٍ.
نُصَّ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَجُزِمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: إنْ فُسِّقَ بِشُبْهَةٍ.
فَوَجْهَانِ.
وَيَأْتِي بَيَانُ الْعَدَالَةِ فِي " بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ". وَقَدْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْعَدَالَةُ الْمُشْتَرَطَةُ هُنَا: هَلْ هِيَ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَمَا فِي الْحُدُودِ أَوْ ظَاهِرًا فَقَطْ، كَمَا فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ وَالْحَاضِنِ وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَفِيهَا الْخِلَافُ، كَمَا فِي الْعَدَالَةِ فِي الْأَمْوَالِ، ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهَا كَاَلَّتِي فِي الْأَمْوَالِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ كَاَلَّتِي فِي الْحُدُودِ.
انْتَهَى.

قَوْلُهُ (سَمِيعًا بَصِيرًا) هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطَانِ.

قَوْلُهُ (مُجْتَهِدًا) . هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ.
وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا إجْمَاعًا.

وَقَالَ: أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِحَاكِمٍ وَلَا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ.
فَلَا يَحْكُمُ وَلَا يُفْتِي إلَّا بِقَوْلِهِ.
وَقَالَ فِي الْإِفْصَاحِ: الْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى تَقْلِيدِ كُلٍّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي خُطْبَةِ الْمُغْنِي: النِّسْبَةُ إلَى إمَامٍ فِي الْفُرُوعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ.
فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ، وَاتِّفَاقَهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ.
قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ مَا فَهِمَهُ هَذَا الْحَنَفِيُّ.
انْتَهَى وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ: وَمُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ لِلضَّرُورَةِ.
وَاخْتَارَ فِي الْإِفْصَاحِ وَالرِّعَايَةِ: أَوْ مُقَلِّدًا.
قُلْت: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَإِلَّا تَعَطَّلَتْ أَحْكَامُ النَّاسِ وَقِيلَ فِي الْمُقَلِّدِ: يُفْتِي ضَرُورَةً.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ ابْنَ شَاقِلَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَكُونُ فَقِيهًا حَتَّى يَحْفَظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ.
فَقَالَ: إنْ كُنْت لَا أَحْفَظُهُ، فَإِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ أَكْثَرَ مِنْهُ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا يَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّدُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِمَنْعِهِ الْفُتْيَا بِلَا عِلْمٍ.
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: ظَاهِرُهُ تَقْلِيدُهُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَخْذِهِ طُرُقَ الْعِلْمِ عَنْهُ

وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: مَا أَعِيبُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ خَمْسَ مَسَائِلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُفْتِي بِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مِنْهُ مُبَالَغَةٌ فِي فَضْلِهِ.
وَظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ: يُفْتِي غَيْرُ مُجْتَهِدٍ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْحَاجَةِ.
فَعَلَى هَذَا: يُرَاعِي أَلْفَاظَ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا، وَيُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْكُمُ وَلَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ.
لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الظَّاهِرِ عَنْهُ.
فَيُتَوَجَّهُ مَعَ الِاسْتِوَاءِ الْخِلَافُ فِي مُجْتَهِدٍ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي أُصُولِهِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مُخَالَفَةُ الْمُفْتِي نَصَّ إمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ كَمُخَالَفَةِ الْمُفْتِي نَصَّ الشَّارِعِ.

فَائِدَةٌ يَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِالْهَوَى إجْمَاعًا، وَبِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا.
وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ أَوْ عَلَيْهِ إجْمَاعًا.
قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَيَأْتِي قَرِيبًا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُفْتِي.

قَوْلُهُ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذَهَّبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الشُّرُوطِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَالْكَاتِبُ أَوْلَى.
وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُشْتَرَطُ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.
لَكِنْ صَحَّحَ الْأَوَّلَ.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ.
لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُنْكِرُوهُ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ، وَالْحَلْوَانِيُّ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ وَرِعًا.
وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ وَرِعًا زَاهِدًا.
وَأَطْلَقَ فِي التَّرْغِيبِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ فِيهِمَا وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا مُغَفَّلًا.
قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الَّذِي يَظْهَرُ: الْجَزْمُ بِهِ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ.
وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: لَا بَلِيدًا.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: لَا نَافِيًا لِلْقِيَاسِ.

وَجَعَلَهُ ظَاهِرَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْوِلَايَةُ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ، وَالْأَمَانَةُ.
فَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ: تَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْلِ، وَتَنْفِيذِ الْحُكْمِ.
وَالْأَمَانَةُ: تَرْجِعُ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ: وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تُعْتَبَرُ حَسْبَ الْإِمْكَانِ.
وَيَجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيْرِهِ.
فَيُوَلِّي لِلْعَدَمِ: أَنْفَعَ الْفَاسِقِينَ.
وَأَقَلَّهُمَا شَرًّا، وَأَعْدَلَ الْمُقَلِّدِينَ وَأُعْرَفَهُمَا بِالتَّقْلِيدِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ كَمَا قَالَ.
فَإِنَّ الْمَرُّوذِيَّ نَقَلَ فِيمَنْ قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ الْحُكْمَ بِالْعَدْلِ: يَصِيرُ الْحُكْمُ إلَى أَعْدَلَ مِنْهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا فَاسِقٌ، عَالِمٌ، أَوْ جَاهِلُ دِينٍ: قُدِّمَ مَا الْحَاجَةُ إلَيْهِ أَكْثَرُ إذَنْ.
انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ.
وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ.
فَالشَّابُّ الْمُتَّصِفُ بِالصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ كَغَيْرِهِ.
لَكِنَّ الْأَسَنَّ أَوْلَى مَعَ التَّسَاوِي.
وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمَنْ كَانَ أَكْمَلَ فِي الصِّفَاتِ.
وَيُوَلَّى الْمُوَلَّى مَعَ أَهْلِيَّتِهِ.

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: كُلُّ مَا يَمْنَعُ مِنْ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ ابْتِدَاءً: يَمْنَعُهَا دَوَامًا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
فَيَنْعَزِلُ إذَا طَرَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالْوَجِيزِ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ: مَا فُقِدَ مِنْ الشُّرُوطِ

فِي الدَّوَامِ: أَزَالَ الْوِلَايَةَ، إلَّا فَقْدَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فِيمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ.
فَإِنَّ وِلَايَةَ حُكْمِهِ بَاقِيَةٌ فِيهِ.
وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: فِي فَقْدِ الْبَصَرِ فَقَطْ.
وَقِيلَ: إنْ تَابَ فَاسِقٌ، أَوْ أَفَاقَ مَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَقُلْنَا.
يَنْعَزِلُ بِالْإِغْمَاءِ فَوِلَايَتُهُ بَاقِيَةٌ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ: احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ فِي الْمُعْتَمَدِ: إنْ طَرَأَ جُنُونٌ، فَقِيلَ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُطْبَقًا لَمْ يُعْزَلْ كَالْإِغْمَاءِ.
وَإِنْ أُطْبِقَ بِهِ: وَجَبَ عَزْلُهُ.
وَقَالَ: الْأَشْبَهُ.
بِقَوْلِنَا: يُعْزَلُ إنْ أُطْبِقَ شَهْرًا.
لِأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجَازَ شَهَادَةَ مَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ.
وَقَالَ: فِي الشَّهْرِ مَرَّةً.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ مَرِضَ مَرَضًا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ: تَعَيَّنَ عَزْلُهُ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: يَنْعَزِلُ.

قَوْلُهُ (وَالْمُجْتَهِدُ: مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْمُجْمَلَ، وَالْمُبَيَّنَ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَعْرِفُ مِنْ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَمُتَوَاتِرَهَا مِنْ آحَادِهَا، وَمُرْسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْأَحْكَامِ خَاصَّةً.
وَيَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ.
وَالْقِيَاسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ، وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ، وَالْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَمَا يُوَالِيهِمْ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ.
فَمَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَرُزِقَ فَهْمَهُ: صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ.
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) . وَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَمَنْ عَرَفَ أَكْثَرَهُ: صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ.
قَالَ فِي الْوَجِيزِ: فَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ وَفَهِمَهُ: صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهِ، وَرُزِقَ فَهْمَهُ: صَلُحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ.
انْتَهَى.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ أَكْثَرَ فُرُوعِ الْفِقْهِ.
وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: يَجِبُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: مَنْ حَصَّلَ أُصُولَ الْفِقْهِ وَفُرُوعَهُ: فَمُجْتَهِدٌ.
انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَالْمُفْتِي الْعَالِمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ، وَمَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ، وَالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مُفَصَّلَةً، وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا غَالِبًا.
وَاعْتَبَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَعْرِفَةَ أَكْثَرِ الْفِقْهِ.
وَالْأَشْهَرُ: لَا.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: لَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ أَوْ إشْكَالٍ.
لَكِنْ يَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ.
وَيَكْفِيهِ أَخْذُ الْأَحْكَامِ مِنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا.
زَادَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي التَّذْكِرَةِ: وَيَعْرِفُ الِاسْتِدْلَالَ، وَاسْتِصْحَابَ الْحَالِ، وَالْقُدْرَةَ عَلَى إبْطَالِ شُبْهَةِ الْمُخَالِفِ، وَإِقَامَةَ الدَّلَائِلِ عَلَى مَذْهَبِهِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي أَيْضًا: وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْحِسَابِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَيْهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
وَيَأْتِي بَعْدَ فَرَاغِ الْكِتَابِ: أَقْسَامُ الْمُجْتَهِدِينَ.

وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ " مُجْتَهِدٌ " أَنَّهُ لَا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ.

[فَوَائِد أَدَّى اجْتِهَادُ الْقَاضِي ي إلَى حُكْمٍ]

فَوَائِدُ مِنْهَا: لَوْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ: لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ إجْمَاعًا.
وَيَأْتِي هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فِي قَوْلِهِ " وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ.
وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ ". وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ أَيْضًا مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: قَالَهُ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ.
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ.
اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ، وَقَالَ: مَذْهَبُنَا جَوَازُ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهَذَا لَا نَعْرِفُهُ عَنْ أَصْحَابِنَا.
نَقَلَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي الْخُطْبَةِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ لِأَعْلَمَ مِنْهُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقَلِّدُ صَحَابِيًّا، وَيُخَيَّرُ فِيهِمْ.
وَمِنْ التَّابِعِينَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَطْ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لِلْعُلَمَاءِ عِدَّةُ أَقْوَالٍ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُمَا فِي " بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ". وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ لِخَوْفِهِ عَلَى خُصُومٍ مُسَافِرِينَ فَوْتَ رُفْقَتِهِمْ فِي الْأَصَحِّ

وَمِنْهَا: يُتَحَرَّى الِاجْتِهَادُ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: قَالَهُ أَصْحَابُنَا.

وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ.
وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَتَحَرَّى.
وَقِيلَ: يَتَحَرَّى فِي بَابٍ، لَا فِي مَسْأَلَةٍ.

وَمِنْهَا: وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فِي أَحْكَامِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي.
تَقَدَّمَ قَرِيبًا تَحْرِيمُ الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا بِالْهَوَى، وَبِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - كَانُوا يَهَابُونَ الْفُتْيَا، وَيُشَدِّدُونَ فِيهَا، وَيَتَدَافَعُونَهَا.
وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ تَهَجَّمَ فِي الْجَوَابِ.
وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ مَا يُسْتَفْتَى.
وَقَالَ: إذَا هَابَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنْ يَقُولَ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَفِي وُجُوبِ تَقْدِيمِ مَعْرِفَةِ فُرُوعِ الْفِقْهِ عَلَى أُصُولِهِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ تَقْدِيمُ مَعْرِفَةِ فُرُوعِ الْفِقْهِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ قَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: وَهُوَ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: يَجِبُ تَقْدِيمُ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: وَقَدْ أَوْجَبَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ: تَقْدِيمَ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى فُرُوعِهِ.
وَلِهَذَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَابْنُ الْبَنَّا، فِي أَوَائِلِ كُتُبِهِمْ الْفُرُوعِيَّةِ.

وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ: أَبْلَغُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إحْكَامِ الْأَحْكَامِ: إتْقَانُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَطَرَفٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي أُصُولِهِ، تَبَعًا لِمُسَوَّدَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: تَقْدِيمُ مَعْرِفَتِهَا أَوْلَى مِنْ الْفُرُوعِ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ، وَغَيْرِهِ.
قُلْت: فِي غَيْرِ فَرْضِ الْعَيْنِ.
وَعِنْدَ الْقَاضِي: عَكْسُهُ.
فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى.
وَكَلَامُ غَيْرِهِمْ فِي الْوُجُوبِ.
وَتَقَدَّمَ: هَلْ لِلْمُفْتِي الْأَخْذُ مِنْ الْمُسْتَفْتِي إذَا كَانَ لَهُ كِفَايَةٌ، أَمْ لَا؟ وَيَأْتِي: هَلْ لَهُ أَخْذُ الْهَدِيَّةِ أَمْ لَا؟ عِنْدَ أَحْكَامِ هَدِيَّةِ الْحَاكِمِ.
وَالْمُفْتِي: مَنْ يُبَيِّنُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، وَيُخْبِرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إلْزَامٍ.
وَالْحَاكِمُ: مَنْ يُبَيِّنُهُ وَيُلْزِمُ بِهِ.
قَالَهُ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ.
وَلَا يُفْتِي فِي حَالٍ لَا يُحْكَمُ فِيهَا، كَغَضَبٍ وَنَحْوِهِ.
عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: فَظَاهِرُهُ يَحْرُمُ كَالْحُكْمِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَا يُفْتِي فِي هَذِهِ الْحَالِ.
فَإِنْ أَفْتَى وَأَصَابَ: صَحَّ وَكُرِهَ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ.
وَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي قَضَاءِ الْغَضْبَانِ وَنَحْوِهِ وَتَصِحُّ فَتْوَى الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْقَرِيبِ وَالْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ الْمَفْهُومِ الْإِشَارَةُ أَوْ الْكِتَابَةُ.
وَتَصِحُّ مَعَ جَرِّ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ.
وَتَصِحُّ مِنْ الْعَدُوِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَآدَابِ الْمُفْتِي، وَالْفُرُوعِ فِي " بَابِ أَدَبِ الْقَاضِي ".

وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ كَالْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ.
وَلَا تَصِحُّ مِنْ فَاسِقٍ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، لَكِنْ يُفْتِي نَفْسَهُ وَلَا يَسْأَلُ غَيْرَهُ.
وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَغَيْرِهِ: لَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ فِي اجْتِهَادِهِ، بَلْ فِي قَبُولِ فُتْيَاهُ وَخَبَرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ، قُلْت: الصَّوَابُ جَوَازُ اسْتِفْتَاءِ الْفَاسِقِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ، دَاعِيًا إلَى بِدْعَتِهِ.
فَحُكْمُ اسْتِفْتَائِهِ حُكْمُ إمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ.
وَلَا تَصِحُّ مِنْ مَسْتُورِ الْحَالِ أَيْضًا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ.
قَدَّمَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي.
وَعَمِلَ النَّاسُ عَلَيْهِ.
وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ.
وَقِيلَ: تَصِحُّ إنْ اكْتَفَيْنَا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالْحَاكِمُ كَغَيْرِهِ فِي الْفُتْيَا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ لَهُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، دُونَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، وَنَحْوِهِمَا.
وَيَحْرُمُ تَسَاهُلُ مُفْتٍ، وَتَقْلِيدُ مَعْرُوفٍ بِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ إلَّا مَنْ يُفْتِي بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ مَا يُسْتَفْتَى فِيهِ.
وَيَأْتِي: هَلْ لَهُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ، أَمْ لَا؟ وَلَيْسَ لِمَنْ انْتَسَبَ إلَى مَذْهَبِ إمَامٍ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ: أَنْ

يَتَخَيَّرَ.
فَيَعْمَلَ أَوْ يُفْتِيَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، بَلْ إنْ عَلِمَ تَارِيخَ الْقَوْلَيْنِ: عَمِلَ بِالْمُتَأَخِّرِ، إنْ صَرَّحَ بِرُجُوعِهِ عَنْ الْأَوَّلِ.
وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِمَا.
وَهَلْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا إذَا تَرَجَّحَ أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِقَائِلِهِمَا؟ وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: إذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ بِالدَّلِيلِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوَالْوَجْهَيْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ فِي التَّرْجِيحِ إلَى صِفَاتِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ.
فَيَعْمَلَ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَالْأَعْلَمِ وَالْأَوْرَعِ.
فَإِنْ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِصِفَةٍ مِنْهَا، وَالْآخَرُ بِصِفَةٍ أُخْرَى: قُدِّمَ الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بِالصَّوَابِ.
فَالْأَعْلَمُ الْأَوْرَعُ: مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوْرَعِ الْعَالِمِ.
وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِهِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا: اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلَيْهِمَا وَقَابِلَيْهِمَا.
وَيُرَجِّحُ مَا وَافَقَ مِنْهُمَا أَئِمَّةَ أَكْثَرِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ، أَوْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ.
انْتَهَى.
قُلْت: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ.
وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ تَحْرِيرُ ذَلِكَ.
وَإِذَا اعْتَدَلَ عِنْدَهُ قَوْلَانِ وَقُلْنَا: يَجُوزُ أَفْتَى بِأَيِّهِمَا شَاءَ.
قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْكِفَايَةِ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ.
كَمَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَعْمَلَ بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ.
وَقِيلَ: يُخَيَّرُ الْمُسْتَفْتِي، وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْأَحْوَطُ.
وَيَلْزَمُ الْمُفْتِي تَكْرِيرَ النَّظَرِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْوَاقِعَةِ مُطْلَقًا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ.
وَقَالَ: وَإِلَّا كَانَ.
مُقَلِّدًا لِنَفْسِهِ.
لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ.
وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ.
لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَعَدَمُ غَيْرِهِ، وَلُزُومُ السُّؤَالِ ثَانِيًا فِيهِ الْخِلَافُ.
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْآمِدِيِّ: إنْ ذَكَرَ الْمُفْتِي طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ: لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِلَّا لَزِمَهُ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَإِنْ حَدَثَ مَا لَا قَوْلَ فِيهِ تَكَلَّمَ فِيهِ حَاكِمٌ وَمُجْتَهِدٌ وَمُفْتٍ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ فِي أُصُولِ الدِّينِ.
قَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلَامِ مُفَصَّلًا.
بَلْ يُمْنَعَ السَّائِلُ وَسَائِرُ الْعَامَّةِ مِنْ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا.
وَقَدَّمَهُ فِي مُقْنِعِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَقَدَّمَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، لَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ.
وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ.
وَقَالَ فِي خُطْبَةِ الْإِرْشَادِ: لَا بُدَّ مِنْ الْجَوَابِ.
وَقَالَ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْأَقْوَالَ وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بَلْ يُسْتَحَبُّ، أَوْ يَجِبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَهْلِيَّةِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ.
فَإِنْ عُدِمَ الْأَمْرَانِ: لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا: اُحْتُمِلَ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ، وَالْجَوَابُ عِنْدَ الْحَاجَةِ دُونَ عَدَمِهَا.
انْتَهَى.
وَلَهُ تَخْيِيرُ مَنْ اسْتَفْتَاهُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مُخَالِفِهِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، أَوْ كَانَ أَرْجَحَ.

وَسَأَلَهُ أَبُو دَاوُد: الرَّجُلُ يَسْأَلُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، أَدُلُّهُ عَلَى إنْسَانٍ يَسْأَلُهُ؟ قَالَ: إذَا كَانَ، الَّذِي أُرْشِدَ إلَيْهِ يَتْبَعُ وَيُفْتِي بِالسُّنَّةِ.
فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ يُرِيدُ الِاتِّبَاعَ، وَلَيْسَ كُلُّ قَوْلِهِ يُصِيبُ.
قَالَ: وَمَنْ يُصِيبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ؟ وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْخُلْعِ: التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا يَلْزَمُ جَوَابٌ مَا لَمْ يَقَعْ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إجَابَتُهُ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ.
قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَلَا يَجِبُ جَوَابُ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُ السَّائِلِ، وَلَا مَا لَا نَفْعَ فِيهِ.
وَمَنْ عَدِمَ مُفْتِيًا فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَدَّمَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: وَهُوَ أَقْيَسُ.
وَقِيلَ: مَتَى خَلَتْ الْبَلْدَةُ مِنْ مُفْتٍ: حَرُمَتْ السُّكْنَى فِيهَا.
ذَكَرَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي.
وَلَهُ رَدُّ الْفُتْيَا، إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا.
وَقَطَعَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْعَامَّةِ بِفُتْيَا، وَهُوَ جَاهِلٌ: تَعَيَّنَ الْجَوَابُ عَلَى الْعَالِمِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْأَظْهَرُ لَا يَجُوزُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، كَسُؤَالِ عَامِّيٍّ عَمَّا لَمْ يَقَعْ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ مِثْلُهُ حَاكِمٌ فِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ، لَا يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ وَإِلَّا لَزِمَهُ.
وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، فِي شَهَادَةِ الْعَبْدِ: الْحُكْمُ يَتَعَيَّنُ بِوِلَايَتِهِ، حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ رَدُّ مُحْتَكِمِينَ إلَيْهِ.
وَيُمْكِنُهُ رَدُّ مَنْ يَسْتَشْهِدُهُ.

وَإِنْ كَانَ مُتَحَمِّلًا لِشَهَادَةٍ: فَنَادِرٌ أَنْ لَا يَكُونَ سِوَاهُ.
وَفِي الْحُكْمِ لَا يَنُوبُ الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ.
وَلَا يَقُولُ لِمَنْ ارْتَفَعَ إلَيْهِ: امْضِ إلَى غَيْرِي مِنْ الْحُكَّامِ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ مِنْ الْوَجْهِ فِي إثْمِ مَنْ دُعِيَ لِشَهَادَةٍ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِدُعَائِهِ.
لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إثْمُ مَنْ عَيَّنَ فِي كُلِّ فَرْضِ كِفَايَةٍ فَامْتَنَعَ.
قَالَ: وَكَلَامُهُمْ فِي الْحَاكِمِ، وَدَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ.
وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ: خِلَافُهُ.
انْتَهَى.
وَمَنْ قَوِيَ عِنْدَهُ مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ: أَفْتَى بِهِ وَأَعْلَمَ السَّائِلَ.
وَمَنْ أَرَادَ كِتَابَةً عَلَى فُتْيَا، أَوْ شَهَادَةٍ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَبِّرَ خَطَّهُ، لِتَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ، وَلَا حَاجَةَ كَمَا لَوْ أَبَاحَهُ قَمِيصَهُ فَاسْتَعْمَلَهُ فِيمَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْعَادَةِ بِلَا حَاجَةٍ.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ، وَغَيْرِهِ.
وَكَذَا قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إذَا أَرَادَ أَنْ يُفْتِيَ، أَوْ يَكْتُبَ شَهَادَةً: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ الْأَسْطُرَ، وَلَا يُكْثِرُ إذَا أَمْكَنَ الِاخْتِصَارُ.
لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ، وَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ.
وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي أُصُولِهِ: وَيُتَوَجَّهُ مَعَ قَرِينَةِ خِلَافٍ.
وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ فِي الْفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ إجْمَاعًا، بَلْ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ.
فَلَوْ سُئِلَ: هَلْ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ بَعْدَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ، لَا الثَّانِي.
وَمَسْأَلَةُ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي الطَّيِّبِ مَعَ قَوْمٍ مَعْلُومِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لَا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِدٌ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ.

فَيُرَاعِي أَلْفَاظَ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا.
وَيُقَلِّدُ كِبَارَ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ.
وَالْعَامِّيُّ يُخَيَّرُ فِي فَتْوَاهُ فَقَطْ.
فَيَقُولُ: مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: النَّاظِرُ الْمُجَرَّدُ يَكُونُ حَاكِيًا، لَا مُفْتِيًا.
وَقَالَ فِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إنْ كَانَ الْفَقِيهُ مُجْتَهِدًا، يَعْرِفُ صِحَّةَ الدَّلِيلِ: كَتَبَ الْجَوَابَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الدَّلِيلَ، قَالَ: مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَذَا.
مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا.
فَيَكُونُ مُخْبِرًا، لَا مُفْتِيًا.
وَيُقَلِّدُ الْعَامِّيُّ مَنْ عَرَفَهُ عَالِمًا عَدْلًا، أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا مُعَظَّمًا.
وَلَا يُقَلِّدُ مَنْ عَرَفَهُ جَاهِلًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهَا: يَكْفِيهِ قَوْلُ عَدْلٍ.
وَمُرَادُهُ: خَبِيرٌ.
وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ الِاسْتِفَاضَةَ بِكَوْنِهِ عَالِمًا، لَا مُجَرَّدَ اعْتِزَائِهِ إلَى الْعِلْمِ، وَلَوْ بِمَنْصِبِ تَدْرِيسٍ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ سُؤَالُ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْخَيْرِ.
قَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: يُقَلِّدُ مَنْ عَلِمَهُ أَوْ ظَنَّهُ أَهْلًا بِطَرِيقِ مَا، اتِّفَاقًا.
فَإِنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ: فَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ وَجْهَانِ.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْجَوَازِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ، وَالطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَغَيْرُهُمَا.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ.
قَدَّمَهُ فِي آدَابِ الْمُفْتِي.
وَتَقَدَّمَ: هَلْ يَصِحُّ فُتْيَا فَاسِقٍ، أَوْ مَسْتُورِ الْحَالِ، أَمْ لَا؟

وَيُقَلِّدُ مَيِّتًا.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ.
وَقِيلَ: لَا يُقَلِّدُ مَيِّتًا.
وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَاخْتَارَهُ فِي التَّمْهِيدِ، فِي أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لِمَوْتِهِمَا.
وَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَحْفَظَ الْأَدَبَ مَعَ الْمُفْتِي وَيُجِلَّهُ.
فَلَا يَقُولُ أَوْ يَفْعَلُ مَا جَرَتْ عَادَةُ الْعَوَّامِ بِهِ، كَإِيمَاءٍ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ، وَمَا مَذْهَبُ إمَامِك فِي كَذَا؟ وَمَا تَحْفَظُ فِي كَذَا؟ أَوْ أَفْتَانِي غَيْرُك، أَوْ فُلَانٌ بِكَذَا أَوْ كَذَا.
قُلْت أَنَا: أَوْ وَقِّعْ لِي، أَوْ إنْ كَانَ جَوَابُك مُوَافِقًا فَاكْتُبْ.
لَكِنْ إنْ عَلِمَ غَرَضَ السَّائِلِ فِي شَيْءٍ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ بِغَيْرِهِ.
أَوْ يَسْأَلَهُ فِي حَالِ ضَجَرٍ، أَوْ هَمٍّ، أَوْ قِيَامِهِ، وَنَحْوِهِ.
وَلَا يُطَالِبُهُ بِالْحُجَّةِ.
وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ.
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: قَالَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَدَّمَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.
قَالَ فِي فُرُوعِهِ فِي " اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ " لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْأَوْثَقِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: عَلَى الْأَقْيَسِ.
وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِيهِمَا.
فَيُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ.
وَمَعْنَاهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ كَالْقِبْلَةِ فِي الْأَعْمَى وَالْعَامِّيِّ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: أَمَّا لَوْ بَانَ لِلْعَامِّيِّ الْأَرْجَحُ مِنْهُمَا: لَزِمَهُ تَقْلِيدُهُ.
زَادَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: فِي الْأَظْهَرِ.
قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ.

وَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ: إنْ رَجَحَ دِينُ وَاحِدٍ.
قَدَّمَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِي الْآخَرِ: لَا.
لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَا تُنْكِرُ عَلَى الْعَامِّيِّ تَرْكَهُ.
وَقَالَ أَيْضًا: فِي تَقْدِيمِ الْأَدْيَنِ عَلَى الْأَعْلَمِ وَعَكْسُهُ وَجْهَانِ.
قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: تَقْدِيمُ الْأَدْيَنِ، حَيْثُ قِيلَ لَهُ: مَنْ نَسْأَلُ بَعْدَك؟ قَالَ: عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ.
فَإِنَّهُ صَالِحٌ، مِثْلُهُ يُوَفَّقُ لِلْحَقِّ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يَكْفِيهِ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إلَيْهِ.
وَقُدِّمَ الْأَعْلَمُ عَلَى الْأَوْرَعِ انْتَهَى.
فَإِنْ اسْتَوَى مُجْتَهِدَانِ تَخَيَّرَ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هَلْ يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ، وَالْأَخْذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قُلْت: قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي أَثْنَاءِ " بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ " وَأَمَّا لُزُومُ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ، وَامْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ: فَفِيهِ وَجْهَانِ، وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَعَدَمُهُ أَشْهَرُ.
انْتَهَى.
قَالَ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ: وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.
وَقَالَ فِي أُصُولِهِ: عَدَمُ اللُّزُومِ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَيَتَخَيَّرُ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَلْزَمُ كُلَّ مُقَلِّدٍ أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فِي الْأَشْهَرِ فَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَ أَهْلِهِ.
وَقِيلَ: بَلَى.
وَقِيلَ: ضَرُورَةً.

فصول الكتاب · 4 فصل · 570 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي · 570 صفحة
المقدمة
ِ كِتَابِ الصَّلَاةِ:
بَابِ الرَّهْنِ:
ِ " بَابِ الذَّكَاةِ "،
جارٍ التحميل