فَصْلٌ فِي الرُّشْدِ وَالْحَجْرِ
(1) وَلِوَلِيِّهِمْ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ فِي التَّصَرُّفِ؛ لِيَخْتَبِرَ رُشْدَهُ (2)، وَالرُّشْدُ: الصَّلاحُ فِي الْمَالِ (3)، الشرح:
(1)
قوله «فَصْلٌ فِي الرُّشْدِ وَالْحَجْرِ»:
سبق بيان جملة من الأحكام المتعلقة بهذا الفصل، وبعض الأحكام المتعلقة بالحجر على السفيه والصبي والمجنون في آخر باب أحكام الدين فالتراجع.
(2)
قوله «وَلِوَلِيِّهِمْ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ فِي التَّصَرُّفِ؛ لِيَخْتَبِرَ رُشْدَهُ»:
ذكر المؤلف هنا بعض الأحكام التي ينفك بها الحجر عن الصبيان القصر، فمتى بلغ الصبي رشداً انفك الحجر عنه، ولا يكون ذلك إلا بعد الاختبار لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ.. ﴾ (1)، أي اختبروا اليتامى في التصرف بما لهم قبل البلوغ، ليتمرنوا على التصرف ويتهيئوا لدفع الأموال إليهم، فإذا بلغوا وعلم الرشد منهم وجب دفع أموالهم إليهم.
(3)
قوله «وَالرُّشْدُ: الصَّلاحُ فِي الْمَالِ»:
الرشد عرفه المؤلف هنا: بأنه الصلاح في المال؛ أي إحسان التصرف في المال وعدم التبذير فيه، ووضعه في مواضعه وهذا معنى الرشد، فمتى تصرف في ماله تصرفاً حسناً فباع واشترى ولم يُغْبن غبناً فاحشاً، ولم يبذل ماله في حرام، أو بذله فيما له فائدة فيه من الأشياء المباحة في ذاتها فهو رشيد.
أما إن كان فيه فسقاً يتعلق بأمور الدين خاصة فلا يجب الحجر عليه، ولذا قال المؤلف «الصَّلاحُ فِي الْمَالِ» ولم يقل الصلاح في الدين.1
فَمَنْ آنَسَ رُشْدَهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ إِذَا بَلَغَ (1)، (1)
قوله «فَمَنْ آنَسَ رُشْدَهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ إِذَا بَلَغَ»:
تكلمنا فيما سبق ع
ما يحصل به البلوغ للذكر والأنثى،
وقلنا بأنه يحصل للذكر بواحد من ثلاثة أمور:
1 - إنزال المني بجماع أو احتلام أو غير ذلك: وهذا بإجماع أهل العلم 1.
2 - نبات الشعر الخشن حول القبل: وهذا محل خلاف بين الفقهاء، فمالك والشافعي في قول عنه وأحمد في المشهور عنه، وهو قول إسحاق وابن حزم 2 أن إنبات الشعر الخشن حول ذكر الرجل وفرج المرأة علامة على البلوغ، وفي رواية للإمام أحمد وهو قول أبي حنيفة وقول للشافعي 3 أنه لا يحصل البلوغ بذلك، قلت: والصحيح هو القول الأول، لكن لابد أن يكون ذلك مقيداً بأن يكون الإنبات بدون علاج ولا أدوية تؤخذ له، كأن يدهن بما ينبت الشعر ونحو ذلك، فإن انبت بعلاج فلم يحكم ببلوغه.
3 - تمام خمس عشرة سنة: هذا هو العلامة الثانية للبلوغ، وهو مذهب الشافعية 4، والحنابلة 5، ورواية عن أبي حنيفة 6، واحتجوا لذلك بما ثبت عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال «عرضني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد للقتال وأنا ابن أربع عشرة سنة لم يجزني وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني -صلى الله عليه وسلم- 7. قالوا: ولأن العادة الفاشية والغالبة أن الاحتلام والحيض =
وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ (1)،
= يكونان في هذا السن، ولا يتأخر عنه إلا القليل والعبرة بالعام والغالب لا بالقليل.
وذهب ابن حزم (1) وبعض أهل العلم أنه لا دليل على أن البلوغ يكون بالسن الخامسة عشرة، قال ابن حزم «وأما من جعل كمال خمسة عشر عاماً بلوغاً، وإن لم يكن هناك حيض ولا احتلام ولا إنبات فقوله لا دليل عليه».
قلت والراجح عندي: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).
4 - وهو زيادة على ما ذكرنا «الحيض والحمل» بالنسبة للجارية، وهو مجمع عليه عند أهل العلم لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ» (3)، والمراد بالحائض البالغة، ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق قبول صلاة الحائض بالخمار، فدل على اعتبار الحيض علامة على البلوغ، أما الحمل فإن المرأة إذا حملت حكم ببلوغها، لأن الله تعالى أجرى العادة أن الولد لا يخلق إلا من ماء الرجل وماء المرأة فحملها دليل على إنزالها، والإنزال علامة على البلوغ.
(1)
قوله «وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ»:
أي إذا دفع إليه ماله أشهد على دفعه لقوله تعالى ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ 4 وعلى ذلك يكون دفع المال إلى الصبي بأمور ثلاثة:123
ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (1)، فَإِنْ عَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيْدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ (2)، وَلا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلاَّ الْحَاكِمُ (3)، وَلا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ إِلاَّ بِحُكْمِهِ (4)،
1 - الصلاح في المال.
2 - البلوغ.
3 - الإشهاد على الدفع.
(1)
قوله «ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى»:
أي متى تحقق في الصغير الأمور السابقة فإنه يدفع إليه ماله سواء كان ذكراً أو أنثى لعموم قوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً.. ﴾ (1)، فهي لم تفرق بين الذكر والأنثى في دفع المال إليه، وعلى ذلك ما يفعله بعض الناس من الإمساك على مال البنت إلى حين زواجها أو إلى ما بعد زواجها هذا خطأ، بل متى تحقق في البنت الرشد والبلوغ وحسن التصرف في مالها فإنه يدفعه إليها.
(2)
قوله «فَإِنْ عَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيْدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ»:
أي إن أعطى الصغير ماله لتحقق الشروط فيه يدفع المال إليه ثم لما أعطاه المال عاد إليه السفه فأصبح يبذر في المال وينفقه فيما لا فائدة فيه ويسرف في إنفاقه وغير ذلك فإنه يعاود الحجر عليه مرة ثانية.
(3)
قوله «وَلا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلاَّ الْحَاكِمُ»:
أو من يقوم مقامه كأمير البلد أو قاضيها فإنهم ينظرون في أموال اليتامى بما فيه مصلحة لهم، فإذا وجدوا أن الموصي إليه فرط في أموالهم ولم يحفظها حفظاً جيداً أو أخذها لنفسه فإن القاضي أو الأمير أو الحاكم ينزع الوصاية منه أو يضيف إليه وصي آخر كما سبق.
(4)
قوله «وَلا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ إِلاَّ بِحُكْمِهِ»:
أي إلا بحكم الحاكم أو القاضي أو الوالي أو الأمير وهكذا فمتى رشد وبلغ وأصبح ممن يصح دفع المال إليه=1
وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَالِ (1)، وَيُقْبَلُ فِي الْحُدُوْدِ وَالْقِصَاصِ وَالطَّلاقِ (2)، وَإِنْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ، نَفَذَ طَلاقُهُ دُوْنَ إِعْتَاقِهِ (3).
=يذهب به وصيه إلى الحاكم أو من يقوم مقامه ليفك الحجر عنه ويعطيه ماله مع الإشهاد عليه كما سبق.
وقيل: بل متى بلغ الصبي أو عقل فإنه يدفع إليه ماله بغير حكم حاكم لأنه ثبت الحجر بغير حكمه، فزال لزوال موجبه بغير حكمه، والراجح عندي هو القول الأول.
(1)
قوله «وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَالِ»:
أي لا يقبل إقرار الصبي في المال بمعنى أنه إن ادعى أن بعض الناس يطالبه بدين فإنه لم يقبل قوله وهو على هذه الحال أي حال الحجر عليه، لكن لصاحب الدين أن يطالبه بهذا الدين بعد فك الحجر عنه.
(2)
قوله «وَيُقْبَلُ فِي الْحُدُوْدِ وَالْقِصَاصِ وَالطَّلاقِ»:
أي أما في هذه المذكورات وهي الحدود كأن يرتكب معصية توجب عليه حداً أو قصاصاً أو طلاقاً فإن إقراره يقبل في ذلك لأن الحجر عليه إنما كان من أجل حفظ ماله، وهو غير متهم مع إقراره على نفسه بهذه الأمور، فيقبل إقراره فيها.
قال ابن المنذر (1) أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن إقرار المحجور عليه على نفسه جائز إذا كان إقراره بزنا أو سرقة أو شربه خمر أو قذف أو قتل، وأن الحدود تقام عليه، وذلك أنه غير متهم في حق نفسه.
(3)
قوله «وَإِنْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ، نَفَذَ طَلاقُهُ دُوْنَ إِعْتَاقِهِ»:
وذلك لأنه كما سبق أن تصرفاته في حقوق أمواله لا يجوز قبل انفكاك الحجر وتصرفه في الإعتاق =1
..................................
= نوع من التصرف في المال فهنا لا ينفذ عتقه، بخلاف الطلاق
فليس فيه تصرف في المال وهذا أحد القولين في المسألة.
وفي قول آخر أنه إن أعتق نفذ عتقه لأنه عتق من مال مكلف أشبه الرهن.
قلت والأظهر عندي هو المذهب.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: من أعطى هؤلاء «السفيه - الصغير - المجنون» ماله بيعاً أو قرضاً رجع بعينه وإن أتلفوه لم يضمنوا.
مثال ذلك: رجل باع على سفيه ساعة ثم أتلفها فهنا نقول إن أخذ ثمنها من السفيه وجب عليه رده, ولا يضمنها السفيه إن أتلفها لأن الرجل هو الذي سلطه على ماله وهكذا في هؤلاء الثلاث. - الفائدة الثانية: يلزم هؤلاء أرش الجناية وضمان مال من لم يدفعه إليهم فلو أن هؤلاء الثلاثة اعتدوا على شاة إنسان فكسروها ألزمهم أرش الجناية، ولو اعتدوا على صاحب هذه الشاة فكسروا يده لزمهم أرش الجناية، لأن حق الآدمي لا يفرق فيه بين المكلف وغير المكلف.
وكذلك يضمنون مال من لم يدفعه إليهم، فإن لم يكن عندهم مال لا يؤخذ من وليهم، لكن يبقى في ذممهم حتى يكبروا ويتوظفوا أو يتجروا ويؤخذ منهم. - الفائدة الثالثة: ولي هؤلاء «المحجور عليهم لحظهم» هو الأب ثم وصي الأب وهو من أوصى أنه بعده ثم الحاكم ثم القاضي وهذا هو المذهب 1.=
..................................
=والصحيح عندي: أن الولاية تكون لأولى الناس لهؤلاء، فهي للأب، فإن عدم فالجد، فإن عدم فالأخ الكبير، وهكذا.
ولو كانت الأم إذا كانت رشيدة لأن المقصود حماية هؤلاء، فإذا وجد من يقوم بحمايتهم من أقاربهم فهو أولى من غيره.
الفائدة الرابعة: لا يجوز لولي اليتيم أن يأكل من ماله إلا عند الحاجة
لقوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (1)، والمعروف ما جرى به العرف من غير إسراف ولا تقتير.
وقال أهل العلم: المعروف هو الأقل من كفايته أو أجرة مثله ولا يلزم الولي عند أكله من ماله بالمعروف العوض إذا أيسر.
- الفائدة الخامسة: في حكم تعدد الأوصياء:
يجوز أن يجعل الموصي أكثر من موصي إليه لا سيما إذا كان فيه مصلحة ظاهرة كأن يجعل أحد الأوصياء على العقار، والأخر على سائر المال أو أحدهما على الأولاد والثاني على المال وهكذا.
- الفائدة السادسة: إذا أوصى لشخص ثم أوصى بالشيء نفسه لشخص آخر:
فهنا قيل يشتركان، وقيل بل تكون للثاني وتلغى الوصية الأولى، وهذا هو الأولى، وهو ما يميل إليه شيخنا، وقد سبق بيان ذلك.
الفائدة السابعة: إذا فوضه أن يصرفه فيما يراه
: لم يجز أن يصرفه على نفسه ولا على أولاده وأصوله.
- الفائدة الثامنة: ينقسم الحجر إلى قسمين: قسم لمصلحة المحجور عليه، =1
..................................
=كالحجر على المجنون والسفيه والصغير مطلقاً لأموالهم.
وقسم لحظ غيره كحجر المدين المفلس لصالح غرمائه وحجر الرهن لحق المرتهن في العين المرهونة وحق المريض مرض الموت لحق الورثة فيما زاد على ثلث التركة حيث لا دين وحجر الرقيق لحق سيده.
- الفائدة التاسعة: الصغير يحجر عليه حتى يبلغ ويكون البلوغ كما ذكرنا سابقاً بالإنبات والإنزال وتمام خمس عشرة سنة في أصح قولي العلماء، وقيل سبعة عشر سنة، وقيل ثمانية عشر سنة، وتزيد الأنثى بالحيض.
- الفائدة العاشرة: الرشد هو البصيرة المالية التي يكون بها الشخص حسن التصرف بالمال وبهذا يقول الجمهور 1 وقال الشافعي 2 إن الرشد هو صلاح في الدين والمال ولا يعتبر الإنسان رشيداً بمجرد البلوغ بل لابد من ثبوت الرشد بعد الاختبار.
- الفائدة الحادية عشر: تصرفات الصبي على ثلاثة أقسام:
1 - تصرف نفع محض كأن يوهب أحد للصبي مالاً فلا ينبغي للولي أن يمنعه.
2 - تصرف غير محض مثل أن يريد الصبي إتلاف ماله فللولي أن يمنعه.
3 - تصرف يدور بين النفع والضر, كالبيع والشراء فهذا حسب الواقع فإن كان صالحاً فللولي أن يمضي ببيعه وشرائه وإن كان غير ذلك فله منعه.
فَصْلٌ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُوْنِ
(1) وَإِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ (2)، وَلا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلاَّ فِيْ قَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ (3)، وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ يَتَصَرَّفُ فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ بِهَذَا مَأْذُوْنًا لَهُ (4). الشرح:
(1)
قوله «فَصْلٌ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُوْنِ»:
العبد المأذون هو من أجاز سيده بأن يعمل له في ماله، وهذا العبد تصرفه في مال سيده له أحكام تخصه فمن ذلك ما ذكره المؤلف هنا بقوله.
(2)
قوله «وَإِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ»:
أي إذا أذن السيد لعبد من عبيده بأن يتاجر في سلعة فإن بيعه يصح، وكذا شراءه وكذلك إقرار السيد، كأن يبيع العبد سلعة فيقره سيده على بيعها بإقراره، والإقرار إما أن يكون بالقول، فيقول له أحسنت في بيعها أو لا بأس ونحو ذلك من العبارات التي تدل على الإقرار، أو يكون إقراراً بالسكوت فيسكت على بيع عبده للسلعة.
(3)
قوله «وَلا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلاَّ فِيْ قَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ»:
أي لا يتصرف العبد بشيء أذن له فيه إلا بالقدر الذي أذن له سيده ولا يزد على ذلك.
(4) قوله «وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ يَتَصَرَّفُ فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ بِهَذَا مَأْذُوْنًا لَهُ»: وقيل بل يكون مأذوناً له لأن سكوته رضاً بصنيعه بل سكوته بمثابة الإقرار لتصرفه، قلت: والأول أولى.
كِتابُ الْفَرَائِضِ (1) وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيْرَاثِ (2)، الشرح:
(1)
قوله «كِتابُ الْفَرَائِضِ»:
الفرائض لغة: جمع فريضة بمعنى الشيء الموجب المقطوع،
والمقصود بعلم الفرائض
فهمها وفقهها، أما حسابها فهو وسيلة محضة تسلك عند الحاجة إليها.
أما موضوع هذا العلم فهو التركات، وفائدته هو إيصال نصيب كل وارث إليه.
أما حكمه: فهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الفرض عن بقية الناس.
وقول المؤلف -رحمه الله- «كِتابُ الْفَرَائِضِ» ترجم له المؤلف بالكتاب، وذلك لأن علم الفرائض جنس مستقل بنفسه فهو لا علاقة له بما قبله ولا علاقة له بما بعده لأنه علم يختص بالمواريث.
وقول المؤلف «الْفَرَائِضِ» ولم يقل المواريث لأن الفرائض هي الأصل لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهْوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (1)، وإلا فلو عبر عنه بكتاب المواريث كما عبر به غيره من العلماء لكان أولى لأن المواريث أعم، فهي تشمل أصحاب الفرائض والتعصيب والرحم.
(2)
قوله «وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيْرَاثِ»:
هذا هو تعريف الفرائض وهو قسمة المواريث، وقد تولى الله سبحانه وتعالى قسمتها وحددها فلا مجال فيها للاجتهاد، =1