..................................
= بخروجه، فلو خرج لمرض أو برد فلا غسل فيه، وبه قال مالك (1) وأكثر أهل العلم، وهذا هو الصحيح، وبه قال شيخنا (2) -رحمه الله-.
وفي قول آخر في المذهب (3) وجوب الغسل سواء خرج بشهوة أو بغير شهوة، وهو قول الشافعي (4).
فلو خرج المني بدون دفق ولا لذة سواء كان لمرض أو برد ونحوه فيجب فيه الغسل، والصحيح القول الأول.
تنبيهات
:
أولاً: يعرف المني بثلاث علامات:
الأول: خروجه دفقًا يعنى بقوة وشدة وعجلة.
الثاني: تميزه برائحة معروفة فمني الرجل يشبه رائحة طلع النخل ورائحة العجين ومني المرأة أصفر رقيق.
الثالث: فتور البدن بعد خروجه.
ثانيًا: لا يشترط الدفق واللذة إذا خرج المني من نائم فمتى وجد المني إذا استيقظ وجب عليه الغسل لحديث أم سليم السابق لأن النبي لم يشترط أكثر من رؤية المني فدل ذلك على وجوب الغسل إذا رأى المني سواء أحس به أم لم يحس.
ثالثًا: إذا استيقظ فوجد بللاً فما الحكم؟
1234
وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ (1)، =نقول هنا إن كان متيقنًا أن هذا البلل مني فهنا يجب الغسل، وإن كان متيقنًا أنه ليس بمني فهنا لا يجب عليه الغسل بل الواجب عليه أن يغسل ما أصابه لأن حكمه هنا حكم البول.
رابعًا: إن كان يجهل هل هو مني أم لا؟
نقول إن كان يجد ما يحال الحكم عليه بكونه منيًا أو مذيًا أحيل الحكم عليه وتكون الإحالة هنا بأن يتذكر مثلاً هل احتلم؟ فإن تذكر أنه احتلم جعله منيًا وإن تذكر أنه فكر في الجماع جعله مذيًا، فإن لم يتذكر لا هذا ولا هذا ولا يوجد ما يحيل عليه الحكم فالأصل الطهارة هنا.
خامسًا: إذا أحس بانتقال المني فحبسه
هل يجب الغسل؟ المذهب (1) يرى وجوبه؛ لأنه انتقل من محله.
وفي رواية في المذهب (2) أنه لا غسل عليه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علق الاغتسال على رؤية الماء فلا يثبت بدونه.
وهذه الرواية اختارها ابن قدامة (3)، وهي ظاهر كلام الخرقي (4)، وهي اختيار شيخنا (5) -رحمه الله- وهي الراجح.
(1)
قوله «وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ»
معناه تغييب الحشفة في الفرج، سواء كانا مختونين أو لا، ويحصل ذلك بتحاذي الختانين، فإذا غابت الحشفة من وراء حائل =12345
وَالْوَاجِبُ فِيْهِ: النِّيَّةُ (2)،
=وجب الغسل أيضًا، وهذا أحد الوجهين في المذهب (1).
قلت: هذا إذا كان الحائل رقيقًا لا يمنع اللذة يجب الغسل وإلا فلا وهذا أقرب والأحوط أن يغتسل وهو قول شيخنا (2) -رحمه الله-.
لكن هل يشترط للغسل نزول المني عند التقاء الختانين؟ لا يشترط نزول المني عند التقاء الخنتانين بل يجب الغسل وإن لم ينزل لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (3) وفي لفظ «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (4).
أما القول بأنه لا يجب إلا بالإنزال فهو قول ضعيف؛ لأنه نسخ كما قال أبي ابن كعب - رضي الله عنه - «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِيْ كَانُوْا يَفْتُوْنَ أَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ فِيْ بَدْءِ الإِسْلامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالاِغْتِسَالِ بَعْدُ» (5).
(1)
قوله «وَالْوَاجِبُ فِيْهِ: النِّيَّةُ»
وبوجوبها قال مالك 6، والشافعي 7، وقال الحنفية 8 بل سنة، والصحيح أنه واجبة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 9.12345
وَتَعْمِيْمُ بَدَنِهِ بِالْغَسْلِ، مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالْاِسْتِنْشَاقِ (1) =و
النية نيتان
:
الأولى: نية العمل ويراد بها إرادة الإنسان الغسل.
الثانية: نية المعمول له والمراد بها التقرب إلى الله تعالى بهذا الغسل وطاعته في ذلك وهذه يغفل عنها الكثير.
(1)
قوله «وَتَعْمِيْمُ بَدَنِهِ بِالْغَسْلِ، مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ»
هذا هو الغسل الواجب وهو المجزئ، أما الغسل الكامل فهو المشتمل على السنن الواردة فيه وصفته أن ينوي ثم يسمي ويغسل يديه ثلاثًا، ثم يغسل فرجه وما لوثه ويتوضأ ويحثي على رأسه ثلاثًا ترويه ويعمم بدنه ويدلكه ويتيامن ويغسل قدميه في مكان آخر هذه هي صفة الغسل الكامل.
وسيذكر المؤلف صفة الغسل الكامل مع ذكر الدليل، ومن أدلة ذلك أيضًا: حديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِيْنِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِيْ أُصُوْلِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (1).
وقوله «تَعْمِيْمُ الْبَدَنِ» المراد به غسل الظاهر منه، وما كان في حكمه من الباطن، وهو ما يمكن وصول الماء إليه، لكن
هل يجب غسل باطن الفرج من حيض أو جنابة؟
الصحيح أنه لا يجب، وهذا أصح القولين في المذهب 2، =1
وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ (1)، وَأَنْ يَدْلُكَ بَدَنَهُ بِيَدِهِ (2)، وَيَفْعَلَ كَمَا رَوَتْ مَيْمُوْنَةُ، قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَاغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِيْنِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ أَوِالأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوْءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ، ثَمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» (3).
= وبه قال شيخ الإسلام (1) رحمه الله.
وقوله «مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالْاِسْتِنْشَاقِ» القول بوجوبهما في الغسل محل خلاف، فالجمهور على سنيتها وهو قول في المذهب (2)، والصواب أنه لا يصح الغسل إلا بهما يعني المضمضة والاستنشاق كما ذكر المؤلف، وهو المذهب، وبه قال شيخنا (3) رحمه الله، وقد ذكرنا دليل ذلك في الوضوء.
(1)
قوله «وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ»
محل خلاف كما ذكرنا: فالمذهب (4) على وجوبها، وابن قدامة (5) هنا يقول بسنيتها، وهذا ما يرجحه شيخنا (6) رحمه الله، أي أنها ليست بواجبة في الوضوء ولا في الغسل.
(2)
قوله «وَأَنْ يَدْلُكَ بَدَنَهُ بِيَدِهِ»
وذلك ليصل الماء إلى جميع البدن واختلف في وجوب الدلك، والصحيح أن يقال: إذا علم أنه لا يصل الماء إلا به فهنا يجب وإن وصل بدونه فمستحب.
=123456 أخرجه البخاري في كتاب الغسل - باب التستر في الغسل عند الناس - رقم (277).
وَلا يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ فِيْ غَسْلِ الْجَنَابَةِ إِذَا رَوَّى أُصُوْلَهُ (1).
=قوله «وَيَفْعَلَ كَمَا رَوَتْ مَيْمُوْنَةُ، قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَاغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ... » هذا الحديث فيه صفة الغسل من الجنابة والمراد به الغسل الكامل، أما الغسل المجزئ فقد سبق بيانه وهم أن ينوي ثم يسمي ويعمم بدنه بالغسل مرة واحدة مع المضمضة والاستنشاق.
وقول ميمونة - رضي الله عنها- «ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ» فيه دليل على أنه لا يشرع غسل البدن ثلاثًا وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد (1)، وبه قال شيخ الإسلام (2) -رحمه الله-.
وقولها «ثَمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» أي غسلهما في مكان آخر غير الذي كان يغتسل فيه، وهذا ليس سنة مطلقة، بل عند الحاجة يشرع ذلك، أما لو كانت الحمامات نظيفة مثلاً أو كان المحل الذي يغتسل فيه نظيفًا فلا بأس بأن يغسلهما فيه.
(1)
قوله «وَلا يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ فِيْ غَسْلِ الْجَنَابَةِ إِذَا رَوَّى أُصُوْلَهُ»
لكن
هل يجب نقضه في غسل الحيض والنفاس؟
المذهب 3 يرى وجوب ذلك لحديث عائشة - رضي الله عنها- لما أخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها حائض فقال: «انْقُضِيْ رَأْسَكِ وَامْتَشِطِيْ» 4 وفي لفظ «انْقُضِيْ شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِيْ» 5. =12
وَإِذَا نَوَى بِغَسْلِهِ الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا (1). =وفي رواية في المذهب (1) أنه لا يجب نقض الحائض لشعرها في الحيض، دليل ذلك حديث أم سلمة - رضي الله عنها- قالت: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ: «لا إِنَّمَا يَكْفِيْكِ أَنْ تَحْثِيْ عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيْضِيْنَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِيْنَ» (2). وحملوا حديث عائشة السابق على الاستحباب لا على الوجوب، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار الشيخين (3).
تنبيه: هل يجب غسل المسترسل من الشعر؟
المشهور من المذهب (4) وجوب غسل المسترسل سواء كان مظفورًا أم لا، وقيل: لا يجب غسل المسترسل من الشعر بل الواجب غسل ما لم يتم غسل البشرة إلا به، أما المسترسل فلا يجب.
قلت: ولكن الاحتياط أن يغسل جميع الشعر ما لم يشق عليه.
هذه مسائل في النية:
(1)
قوله «وَإِذا نَوَى بِغَسْلِهِ الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا»
أي إذا نوى الطهارتين الصغرى والكبرى بغسله أجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب 5، وهو الصحيح، وبه قال شيخ الإسلام 6 والشيخان 7. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 8 والتطهير هنا الاغتسال=1234
وَكَذلِكَ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثَيْنِ وَالنَّجَاسَةِ عَلَى بَدَنِهِ أَجْزَأَ عَنْ جَمِيْعِهَا (1)،
=بدليل الآية الأخرى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (1)، وكذا قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» (2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِيْ الصَّلاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِيْ عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّيْ» (3)، فلم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى الغسل، ولم يذكر الوضوء، ولأنهما عبادتان من جنس واحد فتدخل الصغرى في الكبرى كالعمرة مع الحج، فمتى فعل ذلك أجزأه مع تركه للأفضل وهو الإتيان بصفة الكمال.
وفي رواية أخرى في المذهب (4) أنه لا يرتفع الأصغر إلا بوضوء مع الغسل بفعله قبله أو بعده.
والصحيح الأول لما ذكرناه من الأدلة، لكن الأفضل والأولى أن يأتي الإنسان بالسنة في غسله فيتوضأ وضوء الصلاة كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي بالغسل.
(1)
قوله «وَكَذلِكَ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثَيْنِ وَالنَّجاسَةِ عَلى بَدَنِهِ أَجْزَأَ عَنْ جَمِيْعِهَا»
أي إذا نوى بتيممه الحدث الأصغر والأكبر والنجاسة الموجودة على البدن أجزأه ذلك؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 5، لكن إن نوى أحدها كأن ينوي بتيممه الحدث الأكبر دون الأصغر أو العكس أو نوى عن نجاسة =1234
وَإِنْ نَوَى بَعْضَهَا فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ مَا نَوَى (1)
= بدنه فقط، فإنه لا يجزئ، هـ وهذا كله مبني على القول إن التيمم مبيح وليس برافع، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
والصحيح أنه رافع للحدث، وإذا قلنا بذلك فلو نوى بتيممه رفعه الحدث الأكبر فقط، وسكت عن الأصغر فإنه يرفعهما جميعًا على الصحيح من أقوال أهل العلم.
(1)
قوله «وَإِنْ نَوَى بَعْضَهَا فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ مَا نَوَى»
النية مع الغسل لها أربع حالات كما ذكر ذلك بعض أهل العلم:
الحالة الأولى: أن ينوي رفع الحدثين جميعًا وبينا الحكم آنفًا.
الحالة الثانية: أن ينوي الأكبر ويسكت عن الأصغر، فالمذهب كما ذكر المؤلف أنه ليس له إلا ما نوى، فيرتفع الأكبر ولا يرتفع الأصغر.
والصحيح أنه يرتفع الحدثان جميعًا لدخول الطهارة الصغرى في الكبرى، وللأدلة التي ذكرناها في الحالة الأولى، وبهذا قال شيخ الإسلام 1، وشيخنا 2 -رحمه الله-.
الحالة الثالثة: أن ينوي مالا يباح إلا بغسل ووضوء، فينوي الغسل للصلاة ولم ينوي رفع الحدث، فالصحيح أنه يرتفع عنه الحدثان لأن الصلاة لا تصح إلا بارتفاع الحدثين.
الحالة الرابعة: أن ينوي بغسله فعل ما يباح به فقط، دون الوضوء، كقراءة القرآن، أو المكث في المسجد، ولم ينو رفع الحدثين، فهنا يرتفع حدثه الأكبر، فإذا أراد الصلاة أو مس المصحف فلا بد من الوضوء.
بَابُ التَّيَمُّمِ
(1). وَصِفَتُهُ: أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ (2) عَلَى الصَّعِيْدِ الطَّيِّبِ (3) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ التَّيَمُّمِ»
التيمم في اللغة القصد، وفي الشرع: «هو التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين بنية»، والأصل في مشروعية التيمم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (1) في موضعين من كتاب الله، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الصَّعِيْدَ الطَّيِّبَ طَهُوْرُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ» (2)، وقوله أيضًا: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيْدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيْكَ» (3)، وقوله أيضًا: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوْرًا» (4)، وأما الإجماع فقد انعقد على مشروعيته.
(2)
قوله «وَصِفَتُهُ: أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ»
المراد باليدين هنا الكفان، وحد اليدين كما هو معروف من أطراف الأصابع إلى الكوعين.
(3)
قوله «عَلَى الصَّعِيْدِ الطَّيِّبِ»
الصعيد يطلق في اللغة على عدة معان، فيطلق على وجه الأرض وما يتصاعد عليها من تراب ورمل وحجر وجبس وغير ذلك، وقيل: يطلق على التراب وحده، ولكن الأول هو الأصوب.1234
ضَرْبَةً وَاحِدَةً (1)، =ومن هنا اختلفت الرواية في المذهب (1)
هل يجوز التيمم بغير التراب
أي بكل ما على وجه الأرض من تراب ورمل وحجر وجبس وغير ذلك أم لا يجوز غير التراب؟ نقول: بأن المذهب على اشتراط التراب وأنه لا يجزئ غيره.
والصحيح أنه يجوز التيمم بكل ما تصاعد على الأرض من تراب ورمل وجبس ونحو ذلك، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (2) وقول شيخنا (3) -رحمه الله-، وهو المذهب عند الحنفية (4) والمالكية (5).
وقوله «الطيب» المراد الطاهر، فيشترط فيما يتيمم به الطهارة، وهذا فيه إشارة إلى أن التراب ينقسم إلى ثلاثة أقسام كالماء: طهور، وطاهر، ونجس، فالتراب الطاهر يعني المستعمل أو المتساقط من الوجه أو الكفين بعد التيمم، على المذهب لا يجزئ لكونه ترابًا مستعملاً.
والصواب: كما ذكرنا في الماء، فكما أن الماء إما طهور أو نجس فكذلك التراب إما طهور أو نجس، فلا وجود للطاهر في الماء ولا التراب على الصحيح من أقوال أهل العلم كما ذكرنا.
(1)
قوله «ضَرْبَةً وَاحِدَةً»
هذا هو السنة، أي أن التيمم يجزئ بضربة واحدة، يمسح بها وجهه وكفيه، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ 6 والمسح يحصل بضربة واحدة وتراب واحد فلا يجب أكثر من ذلك.12345
فَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ (1)؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَمَّارِ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ هَكَذَا» وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
=وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال إن التيمم ضربة واحدة، وهذا هو مذهب الحنابلة (1)، والمالكية (2).
وقال الشافعية (3) أن التيمم يكون بضربتين ضربة للوجه وضربة للكفين.
وقال بعض السلف بأنه يكون بثلاث ضربات.
والصحيح هو المذهب، دليل ذلك ما جاء في المتفق عليه من حديث عمار ابن ياسر - رضي الله عنه - وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ أَنْ تَقُوْلَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِيْنِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» (4). وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (5)، والشيخين (6) - رحمهم الله -.
(1)
قوله «فَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ»
أي يمسح بيديه وجهه ثم كفيه، وذلك لأن الوجه مقدم على اليدين كما في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وكما في حديث عمار بن ياسر - رضي الله عنه -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ أَنْ تَقُوْلَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» وضرب بيده الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه.123456
وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ، أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ، جَازَ (1). وَلَهُ شُرُوْطٌ أَرْبَعَةٌ (2): أَحَدُهَا: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعَدَمِهِ (3)، (1)
قوله «وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ، أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ، جَازَ»
هنا مسألتان:
الأولى في التيمم بأكثر من ضربة
قال المؤلف يجوز ذلك، لكن هذا فيه تفصيل، فإن كان المراد بالزيادة هنا ضربة أخرى بحيث تصير ضربتين فهذا قد وقع فيه خلاف كما مرَّ بنا.
والصواب أنها ضربة واحدة، وإن كان المراد بالزيادة أكثر من ضربتين فهذا غير مشروع.
المسألة الثانية في الزيادة عن مسح اليدين إلى الكوعين، قال المؤلف «أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ، جَازَ» أي مسح زيادة عن الكوعين فمسحهما إلى المرفقين قال المؤلف يجوز ذلك.
والصواب أن المسح يكون إلى الكوعين، لكن إن مسح إلى المرفقين جاز كما قال المؤلف؛ لأن نصوص السنة الصحيحة جاءت إلى الكوعين، والأحاديث التي وردت في المسح إلى المرفقين ضعيفة.
(2)
قوله «وَلَهُ شُرُوْطٌ أَرْبَعَةٌ»
الضمير في قوله «له» يعود على التيمم.
(3)
قوله «أَحَدُها: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعَدَمِهِ»
أي لعدم وجود الماء نهائيًا، فهنا يشرع التيمم لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 1.
أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ؛ لِمَرَضٍ (1)، أَوْ بَرْدٍ شَدِيْدٍ (2) (1)
قوله «أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ؛ لِمَرَضٍ»
هذا هو العجز الحكمي أي أنه واجد للماء لكن عجز عن استعماله لخوف مرض، فهنا يشرع له التيمم لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (1). مثاله رجل مريض به حمى شديدة، أو به قروح في بدنه، أو أجري له عملية جراحية، فقال له الطبيب: إن اغتسلت ستموت أو سيزداد مرضك، فهنا يخاف على نفسه فينتقل من استخدام الماء إلى التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (2).
(2)
قوله «أَوْ بَرْدٍ شَدِيْدٍ»
أي يخاف من شدة البرد فإنه يتيمم، لكن إن أمكنه أن يسخن الماء لزمه تسخينه، فإن لم يجد ما يسخن به يتيمم لأنه يخاف على بدنه من الضرر.
دليل هذا الحكم حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - حين عدل إلى التيمم مع وجود الماء لما كان جنبًا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِيْ مَنَعَنِيْ مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّيْ سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فَضَحِكَ
رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» 3.12
أَوْ خَوْفِ الْعَطَشِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ أَوْ رَفِيْقِهِ (1)، أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِيْ طَلَبِهِ (2)، أَوْ إِعْوَازٍ إِلاَّ بِثَمَنٍ كَثِيْرٍ (3)، (1)
قوله «أَوْ خَوْفِ الْعَطَشِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ أَوْ رَفِيْقِهِ»
هذه أمور ثلاثة ذكرها المؤلف على سبيل التمثيل لا الحصر، فمتى خاف العطش «عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ» كأن يكون معه حيوان، إن استعمل الماء تضرر أو هلك، أو «رَفِيْقِهِ» كأن يكون معه رفقة والماء الذي معه قليل فإن استعمل الماء عطشوا وتضرروا فهنا نقول: يعدل إلى التيمم ويدع الماء له ولرفقته.
وهنا مسألة: إن أمكن المسافر حمل ماء معه لوضوئه، هل يلزمه حمله؟ قولان:
الأول: أنه يلزمه حمل الماء لوضوئه إن أمكنه.
والثاني: أنه لا يلزمه حمله؛ لأن الاستعداد للوضوء قبل وجوبه لا يجب.
والصواب الأول، فكما يستعد لسفره وترحاله لأمور معاشه فهنا يلزمه الاستعداد للعبادة حتى يؤديها على الوجه المطلوب منه.
(2)
قوله «أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِيْ طَلَبِهِ»
أي أنه مع وجود الماء يخاف إن ذهب للوضوء أو الغسل أن يهلك لما في الطريق إليه من السباع والهوام ونحو ذلك، أو يخاف إن ذهب إليه أن يسرق ماله أو سيارته أو خيمته، فهنا يشرع له التيمم.
(3)
قوله «أَوْ إِعْوَازٍ إِلاَّ بِثَمَنٍ كَثِيْرٍ»
أي متى تعذر حصول الماء إلا بثمن كثير وهذا قد يحصل للإنسان أحيانًا كحال سفره مثلاً فلا يكون معه ماء فيذهب إلى المحلات لشرائه، فهل يلزمه شراؤه لوضوئه وغسله؟ نقول في ذلك تفصيل: أولاً: إن كان الماء لا زيادة في قيمته بل ثمنه عادي ويستطيع فاقده أن يشتريه =
فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيْ بَعْضِ بَدَنِهِ (1)، أَوْ وَجَدَ مَاءً لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ (2).
= فهنا يجب عليه شراؤه؛ لأنه يدخل في حكم الواجد له.
ثانيًا: أن يكون الماء فيه زيادة في السعر فينظر هنا إلى هذه الزيادة، إن كانت الزيادة يسيرة ولا يتضرر شراؤها لزمه الشراء، وإن كانت الزيادة كثيرة فينظر في هذه الزيادة هل تجحف بماله أم لا؟ فإن كانت لا تجحف بماله ففيها قولان في المذهب (1):
الأول: لزمه الشراء وهذا يميل إليه شيخنا (2) -رحمه الله-، والقول الثاني: لا يلزمه الشراء لأن فيه ضرر.
والذي يظهر لي أنه إن كانت الزيادة باهظة خارجة عن العادة فلا يلزمه الشراء وإلا لزمه الشراء.
(1)
قوله «فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيْ بَعْضِ بَدَنِهِ، أَوْ وَجَدَ مَاءً لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ»
أي إن أمكنه استعمال الماء ببعض بدنه مثل أن يكون بعضه صحيحًا وبعضه جريحًا، أو يخاف البرد على نفسه.
(2)
قوله «أَوْ وَجَدَ مَاءً لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ»
وكذلك من كان عنده بعض ماء يكفي غسل بعض الأعضاء فإنه يستعمله ويتيمم للباقي، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال: الأول: أنه يلزمه استعمال الماء؛ لأمرين: ليصدق عليه أنه عادم الماء، ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ 3، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ=12
الثَّانِيْ: الْوَقْتُ، فَلا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا (1)،
= بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (1).
الثاني: أنه لا يجمع بين الطهارتين، بل يكفيه التيمم ولا يلزمه استعمال الماء، إلا إذا كان الماء يكفي لاستخدام نصف الأعضاء فأكثر، فهنا يستعمل الماء ولا يتيمم.
الثالث: أنه يستعمل الماء مطلقًا فيما يقدر عليه ولا يتيمم.
الرابع: إن كان أكثر بدنه صحيحًا غسله ولا يتيمم، وإن كان أكثره جريحًا يتيمم ولا غسل عليه.
والصواب: ما ذهب إليه المؤلف، وهذا هو قول شيخنا (2) -رحمه الله-.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: الْوَقْتُ، فَلا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا»
هذا هو الشرط الثاني من شروط التيمم وهو الوقت، والمقصود به دخول وقت الفريضة، فيشترط للتيمم دخول الوقت، وهذا مبني على القول بأن التيمم مبيح لا رافع، وعلى هذا فيقتصر فيه على الضرورة.
وقد اختلف الفقهاء
هل التيمم مبيح لما تجب له الطهارة أم رافع للحدث؟
وقبل ذلك نوضح
الفرق بين كونه مبيحًا وكونه رافعًا،
فنقول: أ - أننا إذا قلنا بأن التيمم مبيح، فإذا نوى بتيممه عبادة لم يجز له أن يؤدي ما فوقها، مثاله: تيمم لنافلة فلا يصلي بتيممه فريضة؛ لأن الفريضة أعلى، أو تيمم لمس مصحف لم يصل به نافلة؛ لأن الوضوء للنافلة أعلى من مسح المصحف=12
..................................
= أما إن قلنا بأنه رافع للحدث جاز له أن يصلي به فريضة أو يصلي نافلة، فحكمه حكم الماء حينئذ.
ب - أننا إذا قلنا بأنه مبيح فإنه يبطل بخروج وقت الصلاة؛ لأن المبيح يقتصر فيه على وقت الضرورة.
أما إن قلنا بأنه رافع جاز له أن يصلي بتيممه أكثر من فرض مادام لم ينقض تيممه بأي ناقض.
ج - أننا إذا قلنا بأنه مبيح اشترط أن ينوي ما يتيمم له، فإن نوى رفع الحدث فقط لم يرتفع.
أما إن قلنا بأنه رافع للحدث فإنه لا يشترط ذلك.
هذه هي بعض الفروق بين كونه مبيحًا أو رافعًا.
والراجح من القولين أنه رافع للحدث، وهذا هو مذهب الحنفية 1 ورواية في مذهب أحمد 2، وهي اختيار شيخ الإسلام 3 والشيخين 4؛ لأنه بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل، فكما أن طهارة الماء ترفع الحدث فكذلك طهارة التيمم، ولذلك سماه الله تعالى طهورًا في قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ 5.
وأيضًا سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - طهورًا في قوله: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوْرًا» 6
والطهور هو ما يتطهر به، وعلى هذا فقول المؤلف «فَلا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ =
وَلا لِنَافِلَةٍ فِيْ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا (1).
= وَقْتِهَا» مبني على القول بأنه مبيح وليس برافع، والصواب أنه يجوز له أن يتيمم قبل وقت الفريضة.
لكن هل يشرع له أن يؤخر الصلاة إلى نهاية وقتها لعله يجد الماء؟ اتفق الفقهاء على أن تأخير الصلاة بالتيمم آخر الوقت أفضل من تقديمه لمن كان يرجو الماء آخر الوقت، أما إذا يئس من وجوده فيستحب له تقديمه أول الوقت.
والصواب أنه يصلي في أول الوقت إلا إذا علم أن الماء سيأتي بعد نصف ساعة مثلاً كأن يذهب أحد الرفقة لإحضار الماء، فهنا نقول: أخِّر الصلاة في هذه الحالة.
تنبيه: يترجح تقديم الصلاة في أول وقتها في ثلاث حالات
:
الأولى: إذا علم عدم وجود الماء.
الثانية: إذا ترجح عنده عدم وجود الماء.
الثالثة: إذا لم يترجح عنده شيء.
(1)
قوله «وَلا لِنَافِلَةٍ فِيْ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا»
أي لا يتيمم لنافلة في وقت النهي، ولكن هذا خاص بالنوافل المطلقة، أما ما كان له سبب فهل يتيمم له؟ على كلام المؤلف لا يتيمم لأي نافلة وقت النهي.
والصواب أن له أن يتيمم لذوات الأسباب في أي وقت على الصحيح من أقوال أهل العلم، وخلاصة الكلام في هاتين المسألتين نقول كما قلنا في المسألة التي قبلها، يجوز له أن يتيمم في أي وقت شاء، ويجوز له أن يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات، سواء كانت نافلة أو فريضة ما دام أنه باق على تيممه، وهذا هو قول الحنفية 1 - كما ذكرنا - والشيخين 2، إلا إن وجد الماء فهنا يبطل تيممه ويجب عليه أن يستعمل الماء.
الثَّالِثُ: النِّيَّةُ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ، لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرِيْضَةً، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيْضَةٍ، فَلَهُ فِعْلُهَا، وَفِعْلُ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا (1). الرَّابِعُ: التُّرَابُ، فَلا يَتَيَمَّمَ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، لَهُ غُبَار (2). (1)
قوله «الثَّالِثُ: النِّيَّةُ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ، لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرِيْضَةً، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيْضَةٍ، فَلَهُ فِعْلُهَا، وَفِعْلُ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا» هذا هو الشرط الثالث من شروط التيمم، وهذا أيضاً يقال فيه كما قيل في المسألتين السابقتين، أن هذا محمول على أنه مبيح، والصواب أنه رافع، فمتى تيمم لفريضة أو نافلة أو غيرهما مما يتيمم له صحَّ له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، فلا وجود لهذا الشرط على القول الراجح، أما نية التيمم فلا شك أنها شرط لصحته؛ لأن الأعمال بالنيات.
(2)
قوله «الرَّابِعُ: التُّرَابُ، فَلا يَتَيَمَّمَ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، لَهُ غُبَار»
هذا هو الشرط الرابع من شروط التيمم، واشترط فيه ثلاثة أوصاف: الأول كونه ترابًا، والثاني كون التراب طاهرًا، والثالث كون التراب له غبار.
أما اشتراط التراب فقد سبق بيان الراجح أنه لا يشترط كون المتيمم به ترابًا، بل يجوز أن يتيمم بكل ما على وجه الأرض من رمل وأحجار وجبس وغيرها.
أما اشتراط الطهارة له أيضًا فهذا مبني على القول بأن التراب ينقسم إلى طهور وطاهر ونجس كالماء، وهذا أيضًا لا اعتبار له في الشريعة كما ذكرنا ذلك وقلنا بأنه يجوز له أن يتيمم بتراب مستعمل ونحوه إلا إذا كان نجسًا فلا يجوز.
أما اشتراط الغبار في التراب فهو المذهب عند الحنابلة 1، وقال بعض =
ويُبْطِلُ التَّيَمُّمَ مَا يُبْطِلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ (1)، وَخُرُوْجُ الوَقْتِ (2)، وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (3)، =العلماء منهم ابن سعدي (1) بأنه لا يشترط الغبار، وهذا قول شيخنا (2) -رحمه الله-، دليل ذلك حديث عمار - رضي الله عنه - وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «ضَرَبَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَخَ فِيْهِمَا» (3)، والنفخ يزيل الغبار وأثر التراب، وعلى ذلك يجوز التيمم على جدار الإسمنت وعلى البلاط ولو لم يكن عليه غبار، وذلك لأنهما الأصل في تكوينهما أنهما من الأحجار والتراب وغيره مما يكون على وجه الأرض، أما الجدران التي عليها بوية فلا يصح عليها التيمم، ولا على الفرش الموجودة في المنازل؛ لأنها ليست مما على وجه الأرض، إلا إذا كان عليها شيء يعلق باليد من تراب وجبس وإسمنت أو غبار ونحوها فيجوز له ذلك.
(1)
وقوله «ويُبْطِلُ التَّيَمُّمَ مَا يُبْطِلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ»
هذا لا إشكال فيه يعني أن نواقض الوضوء السابقة هي ناقضة أيضًا للتيمم.
(2)
قوله «وَخُرُوْجُ الْوَقْتِ»
والصحيح أنه مع خروج وقت الصلاة يبقى التيمم كما ذكرنا ذلك سابقًا.
(3)
قوله «وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ»
ويكون ذلك إما بأن يكون مريضًا=123
وَإِنْ كَانَ فِيْ الصَّلاةِ (1). =فبرئ، أو يكون عادمًا للماء فوجده، يقول المؤلف هذا أيضًا يعد من نواقض التيمم؛ لأنه واجد للماء في هذه الحالة، وهذا هو الصحيح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الصَّعِيْدَ الطَّيِّبَ طَهُوْرُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللهَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ» (1)، وهذا بإجماع أهل العلم، فمتى وجد الماء بطل التيمم.
(1)
قوله «وَإِنْ كَانَ فِيْ الصَّلاةِ»
هذا إشعار بأن المسألة فيها خلاف، وصورتها: أن يتيمم إنسان لعدم الماء وعندما شرع في الصلاة وجد الماء، هل نقول يلزمه الخروج من الصلاة لكي يتوضأ أم نقول له أكمل الصلاة؟ هذا محل خلاف بين الفقهاء: فالحنفية 2 والمذهب عند الحنابلة 3 على بطلان صلاة المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة لأن الأصل إيقاع الصلاة الوضوء، ولبطلان الصلاة بزوال سببها وهذا القول هو ما يميل إليه شيخنا 4 -رحمه الله-؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ».1
..................................
=وذهب المالكية (1) وهو قول للشافعية (2) ورواية في مذهب الحنابلة (3) بأنها لا تبطل لوجود الإذن بالدخول في الصلاة بالتيمم والأصل بقاؤه.
قلت: والذي أميل إليه أنه يحولها نافلة أي يكملها نافلة ثم يصلي الفريضة بطهارة الماء، وبهذا يجمع بين الأدلة؛ لأن تحويل الفريضة إلى نافلة جائز، فلو كان الإنسان يصلي منفردًا ثم حضرته جماعة يجوز له أن يحول هذا الفرض إلى نافلة ثم يصلي مع الجماعة الفريضة، وما ذكرناه هو الأحوط من قولنا إن صلاته تبطل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (4).
خلاصة ما نقول في التيمم
:
أ - التيمم الصحيح هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ 5.
ب - صفته أن يضرب التراب بيديه ضربة واحدة، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه كما جاء في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر - رضي الله عنه -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ أَنْ تَقُوْلَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى
الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» 6.
جـ - المشروع هو ضربة واحدة للوجه والكفين.
د -... يشترط أن يكون التراب طاهرًا أي غير نجس.1234
بَابُ الْحَيْضِ (1). الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْحَيْضِ»
الحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال، واصطلاحًا: دم طبيعة وجبلة يخرج من قعر الرحم في أوقات محددة معلومة، وهذا يخرج النفاس والاستحاضة.
والحيض أمر كتبه الله تعالى على النساء فينبغي عليهن أن لا تضيق صدورهن بسببه خصوصًا في رمضان وعند الحج والعمرة.
ومما ينبغي أيضًا أن ننبه عليه أنه لا ينبغي للمرأة أن تأخذ ما يمنع نزول الدم إلا لأمر ضروري كالحج والعمرة مثلاً، أما ما تفعله بعض النساء من منع الدم من أجل أن تصلي رمضان أو من أجل أن تصوم رمضان فالأولى عدمه فتترك الأمور على طبيعتها.
وقبل الشروع في شرح
باب الحيض
أبيّن بعض القواعد في هذا الباب بحيث يسهل على الطالب فهمه لا سيما وأن بعض أهل العلم قال: إن من أصعب أبواب الفقه ثلاثة أبواب: الحيض والربا والطلاق.
فنقول: لا تخرج النساء حال الحيض عن خمسة أحوال:
الأولى: أن تكون مبتدأة.
الثانية: أن تكون معتادة.
الثالثة: أن تكون مميزة.
الرابعة: أن تكون مستحاضة.
الخامسة: أن تكون متحيرة.
ولا تكاد أحكام الدماء تخرج عن هذه الأحوال الخمسة.
..................................
= الحالة الأولى: المبتدأة:
تعريفها: هي المرأة التي يأتيها الحيض لأول مرة، أي لم يتقدم لها حيض قبل ذلك وهذه فعلاً لا تدري كم يستمر معها الحيض، هل سيبقى معها يومًا أو يومين أو ثلاثة.
الحكم في هذه الحالة: المذهب 1 بأنها تجلس يومًا وليلة ثم تغتسل وتكون من الطاهرات حكمًا، فتصوم وتصلي ولا تعيد الصلاة وتؤدي جميع العبادات حتى وإن جازو الدم أقل الحيض لأنه مشكوك فيه، ولا يجوز للزوج أن يطأها في الزمن المجاوز لأقل الحيض قبل تكراره لأن الظاهر أنه حيض وإنما أمرت بالعبادة لبراءة الذمة فتعين ترك وطئها احتياطا ويجب عليها متى طهرت أن تغتسل مرة أخرى.
وذهب جمهور أهل العلم من الحنفية 2، والمالكية 3، والشافعية 4 إلى أن المبتدأة يجب عليها ما يجب على الحائض، فتجلس مادامت ترى الدم إلى خمسة عشر يوما ثم تغتسل وتؤدي جميع العبادات، وهذا هو الصواب، وهو رواية في المذهب 5.
وذهب شيخنا 6 إلى أن المبتدأة ترجع إلى عادة نسائها كأختها وأمها، وهو رواية في المذهب أيضًا 7، لكن قول الجمهور هو الأصوب والأضبط للمرأة.
..................................
الحالة الثانية: المعتادة:
تعريفها: هي التي لها عادة منضبطة (خمسة أيام، أو ستة أيام، أو سبعة أيام) فنقول لهذه المرأة المعتادة: اجلسي عادتك إلا إذا فعلت ما يؤثر على الدم كتناول حبوب أو وضع اللولب فتنتقلين إلى حكم المتحيرة وسيأتي.
أما إذا لم تفعلي ما يؤثر على الدم فنقول: إذا زاد الدم عن هذه الأيام المنضبطة، اغتسلي وتحفظي وصلي وتوضئي لكل صلاة.
الحالة الثالثة: المميزة:
تعريفها: هي امرأة أطبق عليها الدم لكن دمها متميز عشرة أيام دم أحمر يميل إلى السواد ثخين له رائحة وهذه هي صفة دم الحيض التي ينبغي أن تعرفها النساء معرفة جيدة:
أ - يميل إلى السواد.
ب - ثخين غليظ.
جـ - له رائحة نتنة.
فما دام دمها متميزًا نقول: اجلسي الدم المتميز وما عداه اغتسلي وتحفظي وصلي.
الحالة الرابعة: المستحاضة:
تعريفها: هي امرأة أطبق عليها الدم شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، نقول: هذه امرأة مستحاضة، فإن كانت متميزة فإنها تجلس تميزها، وإن كانت معتادة تجلس عادتها، وإن كانت متحيرة نقول: تجلس خمسة عشر يومًا، وما زاد يعتبر دم فساد أي استحاضة، فتتوضأ لكل صلاة وتتحفظ وتصلي وتأتي بجميع العبادات.
وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلاةِ، وَوُجُوْبَهَا (1)،
الحالة الخامسة: المتحيرة:
تعريفها: هي الآن أكثر الأحوال حدوثًا في وقتنا بسبب استعمال ما يمنع الدم، أو ما يمنع الحمل، أو استعمال بعض الأمور التي تمنع الدورة.
والمتحيرة هي التي تكون عادتها في شهر سبعة أيام، وفي شهر آخر ثمانية أيام، وفي شهر عشرة أيام، فهذه نقول: إنها متحيرة، ونقول لها: إذا كان الدم غير مميز وليس لكِ عادة تعرفينها، فاجلسي إلى خمسة عشر يومًا إذا كان متصلاً.
أما إذا كان يجيء في شهر خمسة أيام ثم ينقطع والشهر الآخر سبعة أيام ثم ينقطع والذي يليه ثمانية أيام أو عشرة أيام وهكذا فنقول: متى انقطع الدم عنكِ فيلزمكِ الاغتسال وتؤدين ما عليكِ من العبادات، وهذا هو الذي نرجحه.
ويرى شيخنا (1) -رحمه الله- أنه لا أقل للحيض ولا لأكثره، بل ما دام على وتيرة واحدة فإنه يعتبر دم حيض.
لكن الصواب أنه إن زاد على خمسة عشر يومًا تأخذ حكم الطاهرات وهذا هو الأحوط، ولا يعقل في واقع النساء أن يزيد الدم على خمسة عشر يومًا، ولهذا الذين يقولون لا حدّ لأكثره قولهم غير منضبط، فنقول لهم: لو جلس الدم سبعة وعشرين يومًا هل تقولون إنه دم دورة، ولهذا كان قول الجمهور هو الأحوط إن شاء الله.
(1)
قوله «وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلاةِ، وَوُجُوْبَهَا»
أي يمنع الحيض عشرة أشياء، أولها فعل الصلاة ووجوبها، والمراد بفعل الصلاة أي أداؤها في زمن=1
وَفِعْلَ الصِّيَامِ (2)،
=الحيض، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «.. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ... » (1) وقوله أيضًا: «... فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ... » (2)، وهذا بإجماع أهل العلم، فمتى صلت المرأة وهي حائض فهي آثمة، وهنا ننبه على خطأ يقع فيه كثير من النساء، فتراها مثلاً إذا ذهبت إلى حج أو عمرة أو كانت في جمع من النساء ثم جاءها الحيض لم تخبر أهلها حياءًا منهن فتصلي معهم أو تؤدي مناسك الحج والعمرة معهم، وهي بهذا تكون آثمة.
والمراد بقوله «وَوُجُوْبَهَا» أي لا تجب عليها الصلاة لأنه سبحانه أسقط عنها الوجوب بحيضها، فلا يجب عليها قضاؤها لقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ يُصِيْبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ» (3)، وهذا بإجماع أهل العلم.
(1)
قوله «وَفِعْلَ الصِّيَامِ»
هذا هو الأمر الثالث الذي تمنع منه المرأة حال حيضها وهو الصيام وذلك للحديث المتقدم «.. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ.. » لكن
هل يمنع الحيض وجوب الصوم؟
لا، بل يجب على المرأة الحائض الصوم، ولكنه لا يصح منها حال حيضها، بل متى طهرت يجب عليها قضاؤه لقول عائشة - رضي الله عنها - المتقدم «فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ».123
وَالطَّوَافَ (1)، =أما عن الحكمة في أمرها بقضاء الصوم دون الصلاة فقيل: الحكمة أن قضاء الصلاة فيه مشقة لتكرارها، أما الصيام فلا يتكرر إلا مرة واحدة في السنة، وهذا من كمال رحمته سبحانه وتعالى وشفقته بالمرأة.
(1)
قوله «وَالطَّوَافَ»
هذا هو الممنوع الرابع للمرأة حال حيضها، وهو قول الجمهور من المالكية 1، والشافعية 2، والحنابلة 3، فلا يجوز لها أن تطوف بالبيت حال حيضها لا لحج ولا لعمرة ولا لطواف نفل، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «افْعَلِيْ كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوْفِيْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِيْ» 4.
فالمرأة الحائض لا يجوز لها أن تطوف؛ لأن من شروط الطواف الطهارة، ولأن المرأة الحائض لا يجوز لها أن تدخل المسجد الحرام.
وذهب الحنفية 5 إلى صحته مع الكراهة التحريمية لأن الطهارة له واجب وهي غير طاهرة وعليها بدنة، وذهب شيخ الإسلام 6 إلى عدم اشتراط الطهارة للطواف بل يستحب له.
لكن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط الطهارة له، وهي إحدى الروايتين في المذهب 7، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة 8.
وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ (1)، وَمَسَّ الْمُصْحَفِ (2)، (1)
قوله «وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ»
هذا هو الممنوع الخامس للمرأة حال حيضها، فلا يجوز لها أن تقرأ القرآن، وهذا محل خلاف بين الفقهاء: فالجمهور على أن الحائض لا تجوز لها قراءة القرآن.
وذهب المالكية (1) إلى جواز قراءة الحائض للقرآن.
والراجح من القولين هو جواز قراءة الحائص وكذا النفساء للقرآن، وهو اختيار شيخ الإسلام (2)، وسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز (3)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (4) - رحمهم الله - وذلك لعدم ثبوت ما يدل على النهي، وقياس ذلك على الجنب قياس مع الفارق.
(2)
قوله «وَمَسَّ الْمُصْحَفِ»
هذا هو الممنوع السادس للحائض، فلا يجوز لها أن تمس المصحف إلا من وراء حائل أو تمسك بشيء تتصفح به، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ» 5، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، واستثنى المالكية 6 من ذلك المعلمة والمتعلمة فإنه يجوز لها مس المصحف.
والصواب أنه لا يجوز لهن مس المصحف مطلقًا.
وهل المحدث حدثًا أصغر يجوز له مس المصحف؟ محل خلاف بين أهل العلم؛ =1234
وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ (1)، =أصح الأقوال فيه أنه لا يجوز له أن يمس المصحف، وهو رأي الشيخين (1).
(1)
قوله «وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ»
هذا هو الممنوع السابع، وهو قول جمهور الفقهاء؛ لحديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ لِيْ رَسُوْلُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَاوِلِيْنِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ» قَالَتْ فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ فَقَالَ «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» 2، واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري ومسلم من أمر النساء الحيض أن يعتزلن المصلى في العيد 3.
وفي رواية في المذهب 4 جواز لبث الحائض وكذا النفساء في المسجد إذا توضأت وأمنت تلويثه، وذلك لعدم ورود الحديث الصحيح الصريح في المنع.
والذي نراه أنه لا يجوز لها أن تجلس في المسجد، ولكن لها أن تعبر المسجد لحاجة، وهذا هو قول الشيخين 5.
- تنبيه: أولاً: اختلف الفقهاء في دخول الحائض مصلى العيد: فالحنفية 6 والشافعية 7 علاجواز دخولها، والحنابلة 8 على عدم جواز الدخول.1
وَالْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ (1)،
=فالذين قالوا بجواز الدخول لأنه ليس له حكم المسجد فلا يأخذ حكمه، والذين قالوا بعدم الجواز احتجوا بقوله -صلى الله عليه وسلم- في حق الحائض وليعتزلن المصلى.
والذي يظهر لي أن المصلى ليس مسجدًا فيجوز لها الدخول لكن تبتعد عن محل صلاة الناس.
ثانيًا: مصليات المدارس، هل تدخل في حكم المساجد في منع الطالبات والمدرسات الحيض من دخولها؟ الظاهر أنها لا تأخذ حكم المساجد فيجوز للحائض دخولها والجلوس فيها.
(1)
قوله «وَالْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ»
هذا هو الممنوع الثامن، وهذا بإجماع أهل العلم، لا يجوز للرجل أن يجامع زوجته وهي حائض؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ 1. أما المباشرة فيما دون الفرج فلا بأس بها؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنِيْ أَنْ أَتَّزِرَ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يُبَاشِرُنِيْ» 2. ومن وطئ زوجته في فرجها حال حيضها فعليه التوبة والاستغفار ويتصدق وجوبًا في المذهب 3 بدينار أو نصف دينار؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الذي يأتي امرأته وهي حائض: «يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» 4، وهذا هو قول الشيخين 5. =
وَسُنَّةَ الطَّلاقِ (1)، وَالاِعْتِدَادَ بِالأَشْهُرِ (2)
=وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وجوب الكفارة بل يستغفر ويتوب، وهو قول الحنفية (1) والشافعية (2) وقول في المذهب (3).
والذي يترجح عندي أنه لا تجب كفارة على من وطئ امرأته وهي حائض ولكن تستحب في حقه ويجب عليه التوبة والاستغفار، وتحمل الأحاديث على الاستحباب في إخراج الكفارة، والذي يدل على ذلك التخيير بين الدينار ونصفه، إذ لا تخيير في جنس واحد بين الأقل والأكثر.
أما مقدار الدينار فهو على قول شيخنا أربعة جرامات وربع، والذي قررته في كتاب الزكاة وهو الراجح: ثلاثة جرامات ونصف، وإذا أردنا أن نعرف قيمته نسأل أهل الذهب في وقت إخراجه، كم قيمة جرام الذهب ونضرب القيمة في ثلاثة ونصف.
(1)
قوله «وَسُنَّةَ الطَّلاقِ»
هذا هو الممنوع التاسع، و
معنى قوله «سُنَّةَ الطَّلاقِ»
أنه إذا طلق زوجته في الحيض فليس طلاقًا سنِّيًّا بل هو طلاق بدعيّ، وطلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
(2)
قوله «وَالاِعْتِدَادَ بِالأَشْهُرِ»
أي أن المرأة التي تحيض يمنعها الحيض من الاعتداد بالأشهر، وإنما تعتد بالحيض ثلاث حيض، أما إن كانت لا تحيض فتعتد بالأشهر، ودليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 4.123
وَيُوْجِبُ الْغُسْلَ، وَالْبُلُوْغَ، وَالاِعْتِدَادَ بِهِ (1)، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، أُبِيْحَ فِعْلُ الصَّوْمِ (2)، (1)
قوله «وَيُوْجِبُ الْغُسْلَ، وَالْبُلُوْغَ، وَالاِعْتِدَادَ بِهِ»
هذه هي موجبات الحيض: أولاً: أنه يوجب الغسل، وذلك عند طهرها، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (1)، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن، وهذا بالإجماع عند أهل العلم، أي يجب على المرأة إذا طهرت من حيضها الاغتسال، والغسل هنا كالغسل من الجنابة، وهل يلزم المرأة أن تنقض ضفائرها؟ نقول: لا، ولا يلزم أن تغسل كل شعرها، وقد سبق بيان ذلك
ثانيًا: البلوغ، أي يوجب الحيض البلوغ، فمتى حاضت المرأة حكم ببلوغها، و
علامات البلوغ للرجل والمرأة
ثلاثة: إنزال المني بالاحتلام وغيره، وإنبات شعر العانة، وتمام خمس عشرة سنة.
أما المرأة فتزيد على ذلك أمرًا رابعًا وهو الحيض.
ثالثًا: الاعتداد به، هذا من موجبات الحيض أيضًا، فالمرأة التي تحيض تعتد بالحيض، أما إذا كانت لا تحيض لصغر أو لكبر أو لأمر طارئ فتعتد بالأشهر.
ومعنى قولنا تعتد بالحيض: أن تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فهنا تمت عدتها بعد طلاق زوجها.
(2) قوله «فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، أُبِيْحَ فِعْلُ الصَّوْمِ» أي إذا انقطع دم المرأة الحائض ولم تغتسل أبيح فعل الصوم، بل كان واجبًا عليها إن كان صوم فريضة كرمضان، مثال ذلك: امرأة انقطع الدم عنها بالليل ولم تتمكن من الاغتسال قبل الفجر، فيلزمها الصوم حتى وإن لم تغتسل لأن الصوم لا يشترط له =1
وَالطَّلاقُ (1)، وَلَمْ يُبَحْ سَائِرُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ (2)، وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ، بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحَ» (3).
=الطهارة وإنما الطهارة تشترط لفعل الصلاة.
(1) قوله «وَالطَّلاقُ» أي إذا انقطع الدم أبيح الصوم والطلاق ولو لم تغتسل، فلا يلزم أن تغتسل المرأة إذا طهرت من الحيض لوقوع الطلاق، ولا يأثم الزوج بذلك، لكن يأثم إذا طلقها أثناء الحيض.
وهل يقع الطلاق إذا طلقها أثناء الحيض أم لا يقع؟ قولان لأهل العلم كما سيأتي بيانه إن شاء الله في كتاب الطلاق.
(2)
قوله «وَلَمْ يُبَحْ سَائِرُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ»
أي لم يبح غير فعل الصوم والطلاق بلا اغتسال وما سواهما من العشرة المذكورة فلابد لها من الاغتسال وهي: الصلاة ووجوبها، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والوطء في الفرج.
(3)
قوله «وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ، بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ؛
لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحَ» أي يستمتع الرجل من الحائض بما دون الفرج.
وهل تجوز المباشرة فيما عدا ما بين السرة والركبة؟ قولان: أصحهما تجوز المباشرة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» (1).
و
هل تجوز المباشرة فيما بين السرة والركبة
عدا الفرج؟ جمهور الفقهاء على المنع، وهو قول في المذهب 2، وعللوا بأن المرأة تتزر، وما دامت تتزر فلا تباشر فيما يغطيه الإزار، واحتجوا لذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ما يحل للرجل=1
..................................
= من امرأته وهي حائض؟ قال: «لَكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ» 1، لكن الصواب جواز المباشرة دون الفرج خاصة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» وهو المذهب عند الحنابلة 2.
لكن إن استمتع بها فيما دون الفرج هل يلزمه غسل؟ الجواب: لا يجب عليه الغسل إلا أن ينزل، أما المرأة إذا أنزلت وهي حائض استحب لها الغسل للجنابة لئلا يبقى عليها أثر الجنابة، ولأنها قد تحتاج إلى قراءة القرآن للتعلم والتعليم.
لكن هنا مسألة قد تحتاج إليها المرأة وهي إذا طهرت المرأة في أي ساعة من نهار في شهر رمضان، هل يلزمها الإمساك بقية اليوم؟
الصحيح: أنه لا يلزمها الإمساك؛ لأننا نُعَرِّف الصيام بأنه الإمساك بنية التعبد لله بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فكون المرأة التي طهرت ظهرًا أو عصرًا أو ضحى تمسك بقية اليوم لا معنى لإمساكها، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله - في كتاب الصيام.
وقول المؤلف -رحمه الله- «وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ» محمول على عدم الخشية من الوقوع في الجماع المحرم، وإلا فلو علم الرجل أنه لا يستطيع أن يملك إربه من الوقوع في الجماع المحرم وقت الحيض فإنه يحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج؛ لأن كل ما يؤدي إلى محرم فهو محرم.
وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (1)، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (2)، (1)
قوله «وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ»
هذا هو المذهب (1)، وهو قول الشافعي (2)، وعند الحنفية (3) أقله ثلاثة أيام، وعند مالك (4) الدفعة الواحدة حيضة إلا أنه لا يعتد بها في الأفراد في الطلاق.
وذهب شيخ الإسلام (5) إلى أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره بل مرد الأمر عنده إلى ما استقرت عليه عادة المرأة، وهذا هو رأي ابن سعدي (6)، وشيخنا (7) -رحمه الله-، والذي نرجحه هو قول الشافعية والحنابلة لأنه هو القول المنضبط الذي تستطيع المرأة أن تضبط به الدم وأن تعرف أقله وأكثره.
أما تحديده بهذا الحد فإن الشيء إذا لم يكن له حد فإنه يحد في الشرع بأقل شيء عادة، وأقل الشيء من الأيام هو يوم وليلة، وأما حده بخمسة عشر يومًا هو نصف شهر حيث لا يعقل أن تحيض المرأة أكثر الشهر ولا يمكن أن يكون زمن الطهر أقل من زمن الحيض.
(2)
قوله «وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا»
هذا هو المذهب 8 وهو قول المالكية 9، والشافعية 10. أما الحنفية 11 فيرون أن أكثره عشرة أيام، وقد سبق اختيار شيخ الإسلام وشيخنا -رحمه الله-، والذي نرجحه هو القول الأول لما ذكرناه في المسألة السابقة.1234567
وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا (1)، وَلا حَدَّ لأَكْثَرِهِ (2). وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيْضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِيْنَ (3) وَأَكْثَرُهُ سِتُّوْنَ (4). (1)
قوله «وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا»
وذلك لأننا قلنا أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا، فإذا تصورنا أن أقله يوم وليلة، فكم تحيض المرأة في الشهر؟ ثلاث مرات، وإذا تصورنا أن أكثره خمسة عشر يومًا فإنها لا تحيض إلا مرة واحدة.
وذهب شيخ الإسلام (1) وهو قول شيخنا (2) -رحمه الله- إلى أنه لا حد لأقل الطهر، والراجح ما ذهب إليه المؤلف.
(2)
قوله «وَلا حَدَّ لأَكْثَرِهِ»
أي لا حد لأكثر الطهر؛ لأنه مبني على الحيض، فالحيض قد يزيد وقد ينقص.
(3)
قوله «وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيْضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِيْنَ»
هذا هو المذهب (3)، وعللوا لذلك بأن هذا هو المعتاد، و
الصواب أنه لا حد للسن
الذي تحيض له المرأة، وبما أنه وجد من النساء من تحيض لثمان سنوات، فيكون الاعتماد على أوصاف الدم أولى، لكن ما ذكره المؤلف بناء على الغالب عند النساء.
(4)
قوله «وَأَكْثَرُهُ سِتُّوْنَ»
هذا ما رجحه المؤلف، والمشهور في المذهب 4 أن أكثره خمسون سنة، ومن فرّق بين النساء العربيات والأعجميات قال: إن العربيات إلى سن الستين والأعجميات إلى سن الخمسين.
والصواب أنه لا حد لأكثره لاسيما أنه قد وجد من تحيض لأكثر من ستين سنة، فما دام وجد من تحيض لأكثر من خمسين أو أكثر من ستين فلا يحد، وهذا هو=123
وَالْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيْضُ فِيْ مِثْلِهِ، جَلَسَتْ (1)، فَإِنِ انْقَطَعَ لأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَيْسَ بَحَيْضٍ (1)، =مذهب الشافعية (1)، ورواية في مذهب الحنفية (2)، وهو اختيار شيخ الإسلام (3) وشيخنا (4) -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَالْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيْضُ فِيْ مِثْلِهِ، جَلَسَتْ»
المبتدأة هي التي رأت الدم لأول مرة في وقت تحيض لمثله، حدَّه المؤلف لسنّ التاسعة، والصواب أنه لا حد لأوله كما سبق.
(2) وقوله «جَلَسَتْ» أي اعتبرته حيضًا تترك الصلاة والصيام وسائر العبادات بل كذلك لا يقربها زوجها لأجل ذلك الدم.
(3)
قوله «فَإِنِ انْقَطَعَ لأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَيْسَ بَحَيْضٍ»
وذلك لأنهم يحدّون أقل الحيض بيوم وليلة، فإن جاوز الدم ذلك أي جاوز يومًا وليلة ولم يتجاوز أكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا فهو حيض ما دام أكثر من يوم وليلة وأقل من خمسة عشر يومًا، فهذه هي المبتدأة، فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة.
لكن هل يلزم أن يتكرر الدم على المبتدأة لتصبح عادتها؟ المذهب 5 يرى تكراره ثلاثًا ليصبح حيضًا كما سيذكره المؤلف، والصواب أنه لا يلزم تكراره، بل متى رأت الدم ولم يتجاوز أكثر الحيض فهي عادتها.1234
وَإِنْ جَاوَزَ ذلِكَ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ (1)، فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، صَارَ عَادَةً (2)، وَإِنْ عَبَرَ فَالزَّائِدُ اسْتَحَاضَةٌ (3)، وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الْحَيْضِ (4)، =وخلاصة القول في قول المؤلف أنه إذا انقطع في أقل من يوم وليلة فهو دم فساد، لا يمنع الصلاة ولا الصوم ولا سائر العبادات.
(1)
قوله «وَإِنْ جَاوَزَ ذلِكَ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ»
أي إذا جاوز الدم أقل الحيض وهو يوم وليلة، ولم يجاوز أكثره وهو خمسة عشر يوما فهو حيض.
(2)
قوله «فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، صَارَ عَادَةً»
ذكرنا هذه المسألة سابقًا، وقلنا بأنه لا يلزم تكرار الدم ثلاثة أشهر ليصبح عادة للمرأة، بل متى جاءها الدم وتجاوز اليوم والليلة ولم يتجاوز خمسة عشر يومًا صار عادتها ولا يلزم من ذلك تكراره.
(3)
قوله «وَإِنْ عَبَرَ فَالزَّائِدُ اسْتَحَاضَةٌ»
أي إن عبر أكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا فالزائد استحاضة؛ لأنه تجاوز أكثر الحيض، فخرج عن كونه دم حيض، بل هو دم فساد لا يمنع الصلاة والصوم، لكن نأمرها أن تتوضأ لكل صلاة، وأن تتلجم لئلا يصيب الدم ثوبها.
(4)
قوله «وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الْحَيْضِ»
أي عند تمام خمسة عشر يومًا، وهذا وجوبًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِيْ كُنْتِ تَحِيْضِيْنَ فِيْهَا ثُمَّ اغْتَسِلِيْ وَصَلِّيْ» 1.