..................................
=والصحيح: أن من قذف نبياً فإنه يكفر ويقتل كفراً، فإن تاب فإنه يقتل حداً، وليس كفراً؟ والفرق بين القِتْلتين:
أننا إذا قتلناه كفراً فإنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا قتلناه حداً صار الأمر بالعكس.
وظاهره أيضاً ولو قذف أم نبي - نسأل الله العافية - مثل أن يقول: إن مريم - والعياذ بالله - بغي، فهل يقتل أو لا؟
الجواب: لا بد أن يقتل؛ لأنه حتى لو فرضنا أنه ليس من باب القذف، فهو من باب تكذيب القرآن؛ لأن الله تعالى قال في مريم: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ 1، وأما أم نبي غير مريم، فالصحيح أنه يقتل كفراً، لما في ذلك من الشناعة العظيمة؛ حيث يوهم أن الأنبياء - وحاشاهم من ذلك - أولاد بغايا.
وظاهر كلامه أيضاً حتى لو قذف زوجة نبي فإنه يحد ثمانين؛ لأنه داخل في عموم «محصناً»، ولكن هذا فيه خلاف إلا في عائشة رضي الله عنها، فإن من رماها بما برأها الله منه فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، لكن لو رماها بغيره، أو رمى إحدى زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو أي نبي كان، فالصحيح أنه يكفر - أيضاً - ويقتل، قال شيخ الإسلام: «لأن في هذا من الغضاضة، وإذلال النبي شيئاً لا يتهاون به، وهو أعظم من تحريم نكاح زوجاته بعده، فإذا كان الله قد نهانا أن نتزوج نساء الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعده؛ =
جُلِدَ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً (1)، إِذَا طَالَبَ المَقْذُوْفُ (2)، =إكراماً له، وحماية لفراشه، فكيف يدنس بهذا؟ وهل قذف زوجات الأنبياء إلا استهزاءٌ بالأنبياء، وسخرية بهم، ولهذا فالصحيح أنه لا يدخل في كلام المؤلف» (1).
(1)
قوله «جُلِدَ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً»:
هذه عقوبة القذف، وهي ثمانون جلدة، ويتبعها عقوبتان: الأولى: عدم قبول شهادته، إلا إن تاب على الراجح من قولي أهل العلم، الثانية: وصفه بالفسق، لأنه ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (2)، وظاهر كلامه أن الثمانين تجب على الحر وعلى العبد، لأنه أطلق، وبه قال جماعة من السلف، واختاره الشنقيطي (3) لعموم الآية.
القول الثانِي: أنه أربعون، وهو قول الجمهور (4)، قياساً على الزنا الثابت تنصيفه على الأمة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (5)، وقد تقدم ذلك مفصلاً في كتاب الحدود.
(2)
قوله «إِذَا طَالَبَ المَقْذُوْفُ»:
أي إقامة الحد على القاذف مشروط بالمطالبة به من قبل المقذوف، فإذا أراد أن يسقط حد القذف عن القاذف فله ذلك، =12345
وَالْمُحْصَنُ هُوَ الحُرُّ المُسْلِمُ البَالِغُ العَفِيْفُ (1)، =فإذا بلغ الإمام فإنه لا يسقط ولو عفا المقذوف، لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تَعَافَوا الحُدُودَ فِيمَا بَينَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» (1).
وهل يُعذَّر القاذف إذا عفا المقذوف عن الحد؟ إن رأى ولي الأمر تعزيره إصلاحاً للمجتمع، وصوناً للأعراض فله ذلك، وهذا يقوي القول بأن القذف فيه شائبة من حق الله، وحقوق العباد، لأن الله حرم القذف، وشرع عقوبة فاعله، وفيه أذية للمخلوق.
و
هل يصح العفو عن القاذف بعوض؟
قولان: الأول لا يصح بعوض عن حد قذف، لأنه وإن كان حد القذف للمخلوق لكنه فيه شائبة حق لله عزّ وجل، فلو قال القاذف للمقذوف: «أعطيك عن حقك في القذف مائة ألف ولا ترفعني للقاضي»، فوافق فلا يجوز؛ لأن حد القذف لله عزّ وجل فإما أن ترفعه لولي الأمر أو تتركه.
القول الثاني: أنه يصح بالعوض؛ لأنه حق محض للمقذوف فله إسقاطه بعوض أو بغير عوض فهو الذي سوف تسود صحيفته به، وهذا القول له وجهة نظر؛ لأنه حق لآدمي في الواقع، ولهذا لا يقام حد القذف إلا بمطالبة من المقذوف.
أما إذا قلنا: إنه حق محض لله، وأنه لا تشترط مطالبة المقذوف، فإنه لا يصح بعوض.
(1)
قوله «وَالْمُحْصَنُ هُوَ الحُرُّ المُسْلِمُ البَالِغُ العَفِيْفُ»:
هذه هي الشروط المغتبرة في المقذوف، وبها يتحقق الإحصان في باب «القذف»، قال تعالى=1
.................................. : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (1)، والرجال مثل النساء في هذا بالإجماع، وشروطه:
1 -
أن يكون مسلماً،
فالكافر ليس بمحصن، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (2)، فمن أشرك بالله فلا حد على قاذفه على قول الجمهور، لأنه لا يتورع عن الزنا، إذ ليس هناك ما يردعه عن ارتكاب الفاحشة، ولأن عِرْضَ الكافر لا حرمة له، كالفاسق المعلن لا حرمة لعرضه، بل الكافر أولى، لزيادة الكفر على المعلن بالفسق (3). 2 -
أن يكون المقذوف مكلفاً،
بأن يكون عاقلاً بالغاً، فإن كان مجنوناً لم يجب الحد على القاذف، بل يعزر، وكذا إن كان صبياً، لأن زنا الصبي لا يوجب عليه الحد، فلا يجب الحد بالقذف، كزنا المجنون، ولأن البلوغ أحد شرطي التكليف، أشبه العقل، وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وهو رواية عن الإمام أحمد.
والقول الثانِي: أنه لا يشترط البلوغ، وهذا رواية عن أحمد 4، وقول مالك 5، لأنه حر عاقل عفيف يتعَيَّرُ بهذا القول الممكن صدقه، فأشبه =123
..................................
=الكبير، وحددوا ذلك بأن يكون مثله يطأ أو يوطأ.
والأول أظهر وهو أن من قذف غير بالغ لا يُحد، ولكنه يعزر، لأن من لم يبلغ من الذكور والإناث مرفوع عنه القلم، ولا مَعَرَّةَ تلحقه بذنب، لأنه غير مؤاخذ.
3 -
أن يكون حراً،
لأن الإحصان يطلق على الحرية، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (1) أي: الحرائر، فالرقيق ليس محصناً بهذا المعنى على قول الجمهور.
وقالت الظاهرية: يقام الحد على قاذف العبد، لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ» (2)، ولم يفرق في ذلك بين الحر والعبد (3).
4 -
أن يكون عفيفاً،
أي: عفيفاً عن الزنا، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ 4، أي: العفيفات، جمع محصنة، قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ 5، أي: عفت، قال في «لسان العرب»: «يقال: امرأة حَصَانٌ وحاصن، وكُلُّ امرأةٍ عفيفةٍ مُحصنةٌ» 6.123
وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ الْمُلاعِنَةَ أَوْ وَلَدَهَا 1. وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إِذَا طَالَبُوْا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ 2،
=فمن قذف المعروف بفجوره، أو المشتهر بالعبث والمجون فلا يحد، لأن القذف إنما شرع لحفظ كرامة الإنسان الفاضل، ولا كرامة للفاسق الماجن، وهذا مستفاد من الآية الكريمة.
(1) قوله «وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ الْمُلاعِنَةَ أَوْ وَلَدَهَا»: الملاعنة: هي التي رماها زوجها بالزنا، أو قال لها هذا الولد الذي في بطنك أو ولدتيه ليس بابن لي، ولم تقر بالزنا أو بنفي الولد، ولم يقم بينة على ما قذفها به.
ففي هذه الحال إذا طالبت بإقامة حد القذف عليه فلها ذلك ولا يسقط عنه حد القذف إلا بثلاثة أمور:
الأول: إسقاطه باللعان، فيُحْضِرُهما القاضي، ويقول: اشهد على زوجتك أربع مرات، وفي الخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فيحلف أربع مرات، ويقول في الشهادة الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم يقول لها: احلفي في تكذيبه، فتحلف بالله أربع مرات إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة تقول: أنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فإذا تم ذلك فرق بينهما تفريقاً مؤبداً لا تحل له أبداً، وقد سبق بيانه في باب اللعان.
الثاني: أن تعفو المرأة عنه فيسقط بالعفو الحد.
الثالث: أن تقر بما رماها به.
(2) قوله «وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إِذَا طَالَبُوْا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ»: أي ومن قذف جماعة يتصور منهم الزنا بكلمة واحدة ففيه حد=
..................................
=واحد إذا طالبوا أو طلبه واحد منهم، وهذه المسألة على ثلاث روايات في المذهب (1):
إحداها: عليه حد واحد لأن كلمة القذف واحدة فلم يجب بها أكثر من حد واحد، كما لو كان المقذوف واحداً، ولأنه بالحد الواحد يظهر كذبه ويزول عار القذف عن جميعهم.
الثانية: عليه لكل واحد حد لأنه قذفه، فلزمه الحد له، كما لو قذفه بكلمة مفردة.
الثالثة: إن طلبوه جملة فحد واحد لأنه يقع استيفاؤه لجميعهم، وإن طلبوه متفرقاً أقيم لكل مطالب مرة لأن استيفاء المطالب الأول له خاصة فلم يسقط به حق الباقين.
والأظهر عندي: هو القول الأول، لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (2), ولم يفرق بين قذفهم واحدة أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوه بامرأة فلم يحدهم عمر إلا حداً واحداً، ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحداً، ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب أن يكتفى به بخلاف ما إذا قذف كل واحد بكلمة فإن ظهور كذبه في قذف واحد لا يزيل المعرة عن الآخر ولا يتحقق كذبه فيه.
فَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ غَيْرِهِ (1)، (1)
قوله «فَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ غَيْرِهِ»:
أي إن أسقط أحدهم حقه في إقامة الحد عليه لم يسقط حق غيره لأنه ثابت لهم على سبيل البدل فأشبه ولاية النكاح.
بابُ حَدِّ المُسْكِرِ
(1) (1)
قوله «بابُ حَدِّ المُسْكِرِ»:
أي هذا باب في بيان العقوبة الشرعية لمن شرب الخمر، أو تعاطى ما يسكر العقل سواء كان بالخمر أو كان بالمخدر الموجود في زماننا.
وقوله -رحمه الله- «حَدِّ المُسْكِرِ»، سبق تعريف الحدود، وبيَّنَّا أنها العقوبات المقدرة شرعاً، وعلى هذا فإن حد المسكر هي: العقوبة التي نص عليها الشارع، إما مقدرة محددة كما اختاره جمهور العلماء رحمهم الله، وإما أن تترك لنظر الإمام فيما هو أولى في ردع الناس وزجرهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى توضيحه وبيانه.
وقوله «المُسْكِرِ» يقال: أسكر الشيء يسكر فهو مسكر: اسم فاعل من أسكره الشراب فهو مُسْكِرٌ: إذا كان فيه قوة تجعل متناوِله يزول صحوه ويستتر عقله.
والسَّكران: من زال صحوه، واستتر عقله، ومَن داوم على السُّكر.
قيل له: سِكِّير - بكسر السين وتشديد الكاف - صيغة مبالغة 1.
والمسكر: هو الخمر من عصير كل شيء أو نقيعه كما سبق، والمراد به ما خامر العقل وغطاه، سواء كان ذلك بالشراب أو بغيره، وسواء كان قليلاً أو كثيراً، وسواءً كان من العنب أو التمر أو الشعير أو غيرها، وسواءً كان مطبوخاً أو غير مطبوخٍ، فالمدار على الإسكار وغيبوبة العقل، وهذا =
.................................. =مذهب الجمهور (1) لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (2)، وعن عمر -رضي الله عنه- قال: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ» (3). وعند الحنفية (4): الخمر هو النيئ من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، وما كان من غيره لا يسمى خمراً، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول ضعيف مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة ولفهم الصحابة رضي الله عنهم (5)، كما سبق بيان ذلك مفصلاً.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: فرّق بعض العلماء رحمهم الله بين السكر والجنون: فجعلوا الجنون ما يذهب العقل، وجعلوا السكر ما يغطي العقل، فهم يرون أن هناك فرقاً بين السكر والجنون من هذا الوجه؛ ولذلك وصف المسكر بكونه خمراً لأنه يخامر يعني: يغطي، وعلى هذا فالعقل في الأصل يكون موجوداً، وتجد السكران تارة يفهم الأشياء وتارة لا يفهمها.12345
.................................. -
الفائدة الثانية: في ضوابط السكر الذي يقام به الحد
:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ضابط السكر هو: من اختلط كلامه وكان غالبه هذياناً.
وقال بعض الفقهاء في ضابط السكر: إنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
وذهب بعضهم: إلى أن السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء، والرجل من المرأة.
وقال بعض العلماء رحمهم الله: هو الذي لا يفهم الخطاب، ولا يحسن الجواب، لا يفهم ما تخاطبه به، ولا يحسن أن يجيبك، ويختلّ ذلك الكلام المعهود منه.
الفائدة الثالثة: في بيان الحكمة من تحريم الخمر
: لقد حرَّمَ الله تعالى الخمر لما تشتمل عليه من الأضرار والمفاسد العظيمة، التي كشف الطب الحديث عن كثير منها بما لديه من وسائل وأجهزة علمية دقيقة، وهي كما قال -صلى الله عليه وسلم- لمن سأله عن الخمر يصنعها للدواء: «إِنَّهَا لَيسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ» 1. والخمر تحتوي على مواد كيماوية كثيرة، أهمها: مادة «الغَول الإيثيلي»، وتسمى «الكحول»، وهي تنتج عن تخمر مادة السُّكَّر، وهي السبب في=
..................................
=جميع الأضرار الناتجة عن تعاطي الخمور بأنواعها، وتوجد في السوائل الأخرى بنسب قليلة، وترتفع في المقَطَّرة منها، وتحديد الخمر وما يتبعها من السوائل المسكرة لا يتوقف على تساوي النِّسَبِ، ولا على ارتفاع وجودها، بل يتوقف على مجرد الوجود وإن كانت نسبتها قليلة، كالبيرة مثلاً، والغول سريع الذوبان في الماء، ويصل إلى الدم، ويتوزع على جميع أخلاط البدن وأنسجته بسرعة فائقة، ولاسيما إذا أُخذ على معدة فارغة، ولعل هذا هو السر في أن الغول يؤثر على جميع أجزاء البدن، لا يستثنى منها شيء.
وأكثر الأجهزة تأثراً في حالة السُّكْر هو الدماغ، ثم جهاز الدوران الدموي، والجهاز العصبي، والعقل، ثم الجهاز الهضمي بجميع أجزائه، ثم الكبد والبنكرياس، ثم الجهاز التنفسي والبولي، وما ينشأ عن ذلك من الأمراض النفسية والعقلية، والشيخوخة المبكرة، والموت المفاجئ، وضعف مقاومة الجسم للأمراض، ثم الأضرار الاجتماعية، والاقتصادية، حتى نَسْلُ الإنسان لم يسلم من أذى المسكرات، بل وصل إلى الأجنة في بطون أمهاتها.
والمخدرات من الأسباب الرئيسية في تفشي الجريمة في المجتمعات التي ابتليت بها لأن المدمن في الأعم الأغلب يكون فاشلاً غير قادر على عمل ما ينفعه وينفع الآخرين، ولا يستطيع المساهمة في نهضة البلاد في أي من المجالات التنموية سواء كانت اقتصادية أو زراعية أو اجتماعية أو عمرانية أو صناعية، كما أنه يصبح خالياً من الشعور بالمسئولية لأنه لا يحمل أي مؤهل من مؤهلات تحمل المسئولية، فهو ضعيف التدين معتوه العقل=
..................................
=ومن كانت هذه حاله فدوافع الجريمة عنده كثيرة، ولهذا أثبتت الدراسات التي أجريت على بعض المتعاطين للمخدرات ما تضمنته بعض البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية بشأن تنفيذ أحكام الله في بعض المجرمين حيث أوضحت أن بعض الجرائم تم اقترافها تحت تأثير وطأة المخدر وهذه الجرائم من أخطر الجرائم كجريمة القتل والاغتصاب والسطو وقطع الطريق.
ويظهر الضرر الأمني الخطير للمخدرات في السلوك العدواني الآثم الذي يقوم به المهربون والمروجون مع رجال الأمن عند القبض عليهم، ولقد شهدت كثير من البلاد معارك دامية بين رجال الأمن وتجار المخدرات وبلادنا الحبيبة رغم ما حباها الله من أمن ورغد عيش إلا أنها لم تسلم من هذا السلوك العدواني، فقد حدث أكثر من مرة اصطدام بين المهربين ورجال الأمن الذين يسهرون على راحة المواطنين، ويقدمون أرواحهم رخيصة لينعم هذا البلد بالأمن والأمان، ولكننا نحمد الله أن هذا قليل بالنسبة لكثير من البلاد الأخرى.
ثم إن العقوبة الصارمة التي تنتظر المروج في هذه البلاد هي التي تدفعه للاستماتة وسفك الدم، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ 1.
وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ (1)، مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيْرَهُ يُسْكِرُ (2)، =وبالجملة فهي أم الخبائث، وجماع الإثم، ومجمع الأمراض، ولهذا تجد السكارى غالباً هم أفقر الناس، وأتعس الناس، وأشقى الناس (1).
(1)
قوله «وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ»:
أي من شرب مسكراً قليلاً كان أو كثيراً أسكره أم لم يسكره، وجب إقامة الحد عليه، وإنما حُرِّم القليل وحُدَّ شاربه وإن كان لا يسكر حسماً لمادة الفساد.
وفيه رد صريح على من قال من الحنفية: إن الخمر - وهو عصير العنب عندهم - يحرم قليله وكثيره، وغيره من المسكرات يحرم قدر المسكر منه، دون القليل الذي لا يسكر، وهذا قول باطل كما ذكرنا، ترده الأحاديث الكثيرة الصحيحة الصريحة، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصف القليل بأنه حرام، ولأن السُّكْرَ إنما يحصل بالمجموع من الشراب، لا من الشربة الأخيرة فقط، فإن الشربة الأخيرة إنما أثَّرت في السُّكر بانضمامها إلى ما قبلها.
وقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَسْكَرَ مِنهُ الفَرَقُ فَمِلءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (2).
(2)
قوله «مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيْرَهُ يُسْكِرُ»:
هذه هي
الشروط التي تجب بها عقوبة حد شارب المسكر
:
الأول: أن يشربها مختارا
ً، فإن شربها مكرهاً فلا حد عليه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: =12
.................................. = «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (1)، سواء كان الإكراه بالوعيد، أو بالضرب، أو ألجئ إلى شربها، بأن يُفتح فُوه وتصب فيه.
الشرط الثانِي: أن يكون عالماً أن كثير هذا المشروب يسكر،
فإن لم يعلم أن كثيره يُسكر فلا حدَّ عليه، وكذا لو شربه ظاناً أنه ليس بمسكر وكان قد تحول إلى الإسكار فلا حد عليه ولو سكر منه، ولأنه جاهل بحال هذا الشراب، ولم يقصد ارتكاب المعصية.
وهذه الشروط الثلاثة شروط للحد وللحرمة.
ومن الشروط الأُخرى التي لم يذكرها المؤلف:
الشرط الثالث: أن يكون الشارب مسلما
ً، فإن كان غير مسلم كالذمي فإنه لا يحد؛ لأن المسلم هو الذي يعتقد تحريمه، أما غير المسلم فهم لا يعتقدون تحريمه؛ ولهذا لا يقام عليهم الحد إذا شربوا الخمر، ولكنهم يمنعون من إظهاره في بلاد المسلمين.
الشرط الرابع: أن يكون عالماً بالتحريم، بالغاً، عاقلاً،
فإن كان جاهلاً معذوراً بجهله فلا حد عليه، كأن يكون حديث عهد بالإسلام، أو ينشأ ببلدة بعيدة عن العلماء بحيث يخفى عليه أمر الخمر، فإن ادعى أنه جاهل بالتحريم وقد نشأ بين المسلمين لم يقبل.1
جُلِدَ الحَدَّ أَرْبَعِيْنَ جَلْدَةً؛ «لأَنَّ عَلِيًّا -رضي الله عنه- جَلَدَ الوَلِيْدَ بْنَ عُقْبَةَ فِيْ الخَمْرِ أَرْبَعِيْنَ، وَقالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ -رضي الله عنه- أَرْبَعِيْنَ، وَأَبُوْ بَكْرٍ أَرْبَعِيْنَ، وَعُمَرُ ثَمَانِيْنَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَصِيْرِ العِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ 1،
(1) قوله «جُلِدَ الحَدَّ أَرْبَعِيْنَ جَلْدَةً؛ «لِأَنَّ عَلِيًّا -رضي الله عنه- جَلَدَ الوَلِيْدَ بْنَ عُقْبَةَ فِيْ الخَمْرِ أَرْبَعِيْنَ، وَقالَ: «جَلَدَ النَّبِيُّ -رضي الله عنه- أَرْبَعِيْنَ، وَأَبُوْ بَكْرٍ أَرْبَعِيْنَ، وَعُمَرُ ثَمَانِيْنَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ» (1)، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَصِيْرِ العِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ»: شرع المؤلف ببيان عقوبة شارب المسكر، وبين أنها أربعون جلدة، وهو قول الشافعي 2، ورواية عن الإمام أحمد 3، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية 4، وتلميذه ابن القيم 5، قالوا: وللإمام أن يزيد على الأربعين تعزيزاً، لما ورد عن أنس -رضي الله عنه- «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَينِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبد الرَّحْمَن بن عَوفٍ: أَخَفَّ الحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ» 6.
والقول الثانِي: أن عقوبته ثمانون، وهو قول أبي حنيفة 7، ومالك 8 =
وَمَنْ أَتَى مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا لا حَدَّ فِيْهِ، لَمْ يَزِدْ عَلى عَشْرِ جَلَدَاتٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُجْلَدُ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلاَّ فِيْ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ 1،
= ورواية عند الحنابلة (1)، وقول للشافعي 2، لفعل عمر -رضي الله عنه-، فإنه استشار الصحابة، ولم ينقل أن أحداً خالف، فكان إجماعاً.
والقول الثالث: أنها عقوبة تعزيرية ولا حد فيها، وهو مروي عن طائفة من أهل العلم 3، وهو اختيار الشوكاني 4، وعلى هذا القول فمرجعها إلى الإمام يقدرها بناءً على المصلحة، وما يتحقق به الزجر.
والراجح عندي: أن عقوبة شارب المسكر من باب الحد، الذي لا يُنْقص عن أربعين جلدة؛ لأن هذا أقل ما روي فيه، ولكن للحاكم أن يزيد عليه ما يراه إلى ثمانين إذا رأى المصلحة في ذلك ويرى شيخنا -رحمه الله- 5 أنه كله من باب التعزير.
(1)
قوله «وَمَنْ أَتَى مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا لا حَدَّ فِيْهِ، لَمْ يَزِدْ عَلى عَشْرِ جَلَدَاتٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُجْلَدُ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلاَّ فِيْ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ»:
هذه العقوبة تسمى بالتعزير، وهي خاصة بكل فعل جاءت الشريعة بتحريمه، ولم يرد في نصوص الشريعة حد فيها، وقد ذهب المؤلف هنا إلى أنها عشر جلدات لا يزيد على ذلك =
إِلاَّ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِئَةً (1)،
= واحتج بحديث أبي بردة -رضي الله عنه-.
وقد اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة، والأظهر عندي أن هذا راجع إلى رأي الحاكم، فيجوز له الزيادة على عشر جلدات، وعشرين، وثلاثين، وأربعين، ومائة، بقدر ما يحصل به التأديب؛ لأن المقصود تقويم الاعوجاج، والتأديب، وإزالة الشر والفساد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِئَةً»:
أي إلا من وطئ جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة ولا يرجم إن كان ثيباً، وإن كان بكراً لم يغرب، وإن لم تكن أحلتها له فهو زان حكمه حكم الزاني بجارية الأجنبي.
وحكي عن النخعي 1 أنه يعزر ولا حد عليه لأنه يملك امرأته فكانت له شبهة في مملوكتها، وهذا هو الأقرب عندي.
بابُ حَدِّ السَّرِقَة
(1) (1)
قوله «بابُ حَدِّ السَّرِقَة»:
السَّرقة لغة: أخذ الشيء من الغير خِفية 1.
واصطلاحاً: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، أو هي أخذ العاقل البالغ نصاباً محرزاً، أو ما قيمته نصاب، ملكاً للغير، لا شبهة له فيه على وجه الخفية.
فقولنا «المال»: هو العين المباحة النفع، وخرج بذلك غير المال، كسرقة كلب وإن كان معلماً، لأنه ليس بمال، وسرقة حر ولو كان صغيراً، لأنه ليس بمال - أيضاً - وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم.
القول الأول: أنه يقطع إذا سرق حراً صغيراً، لأنه مسروق أشبه المال والبهيمة والعبد.
ولا قطع بسرقة ما على الصغير من حلي ونحوه، على المشهور من المذهب 2، لأنه تابع لما لا قطع فيه أشبه بثياب الكبير، ولأن يد الصبي على ما عليه.
والقول الثانِي: أنه يقطع بسرقة ما على الصغير، وهذا هو الصواب لعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا.... ﴾، وكما لو سرقه مفرداً 3.
وقولنا: «عَلى وَجه الاختفاء» هذا هو العنصر الأساسي في السرقة، فخرج به ما كان على وجه العلانية، كالمنتهب والمختلس، فلا قطع عليهما، =
وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِيْنَارٍ مِنَ العَيْنِ (1)، أَوْ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ مِنَ الوَرِقِ (2)،
=والمنتهب: آخذ الشيء من صاحبه غلبة وقهراً، والمختلس: آخذ الشيء بحضرة صاحبه في غفلة منه والهرب به.
وقولنا «مِن مَالِكِهِ، أو نَائِبِهِ»: نائب المالك: كل من كان مال غيره بيده بإذن الشرع أو بإذن مالكه، كالمستعير، والمستأجر، والمودَع، وولي اليتيم، ونحوهم، فخرج ما لو سرق مغصوباً من غاصبه فلا قطع، لأنه عند الغاصب لا حرمة له (1).
(1)
قوله «وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِيْنَارٍ مِنَ العَيْنِ»:
هذا هو الشرط الأول، وهو أن يكون المسروق نصاباً، وهو ربع دينار من الذهب، لحديث عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً» (2)، والدينار يزن عند المتقدمين (72) حبة شعير، وزنها بالجرام (3.5)، كما تقدم في «الزكاة».
فإذا سرق ما يقابل جراماً من الذهب الخالص قطع، والقطع بهذا المقدار وإن كان قليلاً، هو لحماية الأموال والقضاء على العبث بالأمن (3).
(2)
قوله «أَوْ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ مِنَ الوَرِقِ»:
أي أو ما قيمته ثلاثة دراهم من الفضة كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ» 4.123
أَوْ مَا يُسَاوِيْ أَحَدَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَالِ (1)، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الحِرْزِ (2)، (1)
قوله «أَوْ مَا يُسَاوِيْ أَحَدَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَالِ»:
أي أو ما يساوي أحد النقدين من سائر الأموال فإن فيه القطع، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلا شَىْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُئْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ» (1). والقول الثاني في المسألة: أن النصاب ربع دينار فقط، وليس ثلاثة دراهم، فإذا سرق شيئاً يساوي ثلاثة دراهم، لكن لا يساوي ربع دينار، فليس عليه القطع، وإذا سرق ما يساوي ربع دينار فعليه القطع، وإن كان لا يساوي ثلاثة دراهم، وهذا القول أصح، لأن حديث عائشة رضي الله عنها صريح فيه: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» (2)، وأما الحديث الآخر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- «قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم» (3)، فهذا محمول على أن ثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار في ذلك الوقت، والدينار اثنا عشر درهماً من الفضة.
(2)
قوله «وَأَخْرَجَهُ مِنَ الحِرْزِ»:
هذا هو الشرط الثاني، وهو أن تكون السرقة=123
قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ وَحُسِمَتْ (1)،
=من حرز.
والحرز: ما يحفظ فيه المال عادةً، والمرجع فيه إلى العرف، وليس إلى الشرع؛ لأن الشرع أطلق ولم يقيد، وكل شيء يطلقه الشارع ولم يقيده فإنه يرجع فيه إلى العرف، إذا لم يكن له حقيقة شرعية، ولأنه لم يرد تقديره في الشرع، وإنما ورد مجملاً، فاعتبر فيه العرف (1).
(1)
قوله «قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ وَحُسِمَتْ»:
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا.. ﴾ 2، والدليل على أنها اليمين قراءة ابن مسعود -رضي الله عنه- ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهمَا﴾، وهي قراءة شاذة 3، قال الموفَّق: «وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير» 4، وهذا قول أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما ولا مخالف لهما، كما حكاه الموفق وغيره.
وقوله «مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ»: أي دون الذراع، وإنما وجب قطعها من هنا لا إلى المرفق؛ لأن الله تعالى أطلق ولم يقيد، واليد عند الإطلاق تحمل على الكف، والدليل على أنها من مفصل الكف أن هذا هو المتبادر عند الإطلاق، فهو أقل ما يطلق عليه اسم اليد.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن التيمم فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الوُضُوءَ: قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ =1
فَإِنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْراى مِنْ مِفْصَلِ الكَعْبِ وَحُسِمَتْ (1)، =وَقَال: ﴿.. وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا.. ﴾ (1)، فَكَانَت السُّنَّةُ فِي القَطْعِ الكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ وَالكَفَّانِ، يَعْنِي: التَّيَمُّمَ» (2). وقوله «فَكَانَت السُّنَّةُ»: يفيد أنه مرفوع حكماً، وأن الله تعالى حدد الوضوء إلى المرفقين فوقفنا عند تحديده، وأطلق القول في اليدين في التيمم فحملناه على ظاهر مطلق اسم اليد، وهو الكَفَّان، وكذا في السرقة (3). قال البخاري: «وَقَطَعَ عَلِيٌّ -رضي الله عنه- مِنَ الكَّفِّ» (4)، وقوله «وَحُسِمَتْ»: الحسم في اللغة القطع، والمراد حسم الدم - أي قطعه - وذلك بأن يغلى زيت، أو دهن، أو نحوهما، ثم تغمس فيه وهو يغلي، فإذا غمست فيه وهو يغلي تسددت أفواه العروق، وإنما وجب حسمها؛ لأنها لو تركت لنزف الدم ومات، والحد لا يراد به موته وإتلافه، إنما يراد به تأديبه.
(1)
قوله «فَإِنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْراى مِنْ مِفْصَلِ الكَعْبِ وَحُسِمَتْ»:
أي: فإن عاود السرقة بعد قطع اليمنى قطعت قدمه اليسرى، لأن في قطع الرِّجل اليسرى رفقاً به، لأنه يمكنه المشي على خشبة، بخلاف قطع الرجل اليمنى، لأنها إذا قطعت لا يمكنه ذلك.1234
فَإِنْ عَادَ حُبِسَ، وَلا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ (1). لَا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ (2)، أَوِ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ (3)، (1)
قوله «فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ»:
أي فإن عاد وسرق بعد قطع يده اليمنى ورجله اليسرى فسرق ثالثاً حبس، ولا يقطع، لأن في قطع اليدين تعطيلاً لمنفعة الجنس، فلم يشرع في حد، كالقتل، ومرادهم حبسه حتى يموت (1)، وهو ظاهر كلام ابن قدامة (2)، لورود أقضية عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك (3)، وفي رواية أخرى في المذهب أنه إن عاد فإنه تقطع يده اليسرى في الثالثة، ورجله اليمنى في الرابعة (4). (2)
قوله «لا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ»:
هذا أحد الأُمور الذي يثبت به القطع، وهو شهادة رجلين عدلين، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وعلى هذا فلا تثبت عقوبة القطع بشهادة رجل واحد، ولا بشهادة النساء.
(3)
قوله «أَوِ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ»:
هذا هو الأمر الثاني الذي يثبت به القطع وهو إقرار السارق بالسرقة مرتين، وهذا من مفردات المذهب، لما ورد عن أبي أمية المخزومي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُتِي بِلِصٍ قد اعترف فقال: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ» قَال: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلاثاً، قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» 5، =1234
وَلا يُقْطَعُ حَتَّى يُطَالِبُ المَسْرُوْقُ مِنْهُ بِمَالِهِ (1)،
=ولأنه يتضمن إتلافاً في حد، فكان من شرطه التكرار كحد الزنا.
والقول الثانِي: أنه لا يشترط تكرار الإقرار بل إذا أقر ولو مرة واحدة أقيم عليه الحد إذا تمت شروط الإقرار بأن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً، وهو قول الجمهور، لأن السرقة قد ظهرت بالإقرار مرة، فيكتفي به، كما في القصاص وحد القذف (1)، وهذا هو الراجح عندي، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).
وأما الحديث - إن صح - فالمراد به الاستثبات وتلقين المسقط للحد، ولأن الراوي تردد هل عاد عليه مرتين أو ثلاثاً، فطريق الاحتياط في الاستدلال أن يقولوا بالإقرار ثلاثاً.
فائدة: فيما تثبت به السرقة
:
تثبت السرقة بطرق ثلاثة:
الأول: الشهادة: وهي أن يشهد عدلان على أن فلان هو السارق.
الثاني: الإقرار: وقد سبق بيانه، وهو أن يعترف على نفسه أنه هو السارق.
الثالث: أن يوجد المسروق عند السارق ما لم يدّع شبهة تمنع الحد، وهذا قال به جماعة من أهل العلم.
(1)
قوله «وَلا يُقْطَعُ حَتَّى يُطَالِبُ المَسْرُوْقُ مِنْهُ بِمَالِهِ»:
هذا أيضاً شرط من شروط قطع يد السارق، وهو أَن يطالب المسروق منه بماله، فإن لم يطالب فإنه لا يقطع، ولو ثبتت السرقة، ما دام صاحبه لم يطالب، =12
وَإِنْ وَهَبَهَا لِلسَّارِقِ، أَوْ بَاعَهُ إِيَّاهَا قَبْلَ ذلِكَ، سَقَطَ القَطْعُ (1)، =والدليل حديث صفوان بن أمية -رضي الله عنه- «أَنَّهَا سُرِقَتْ خَمِيصَتُهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخَذَ اللِّصَّ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ قَالَ صَفْوَانُ: أَتَقْطَعُهُ؟ قَالَ: فَهَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ تَرَكْتَهُ» (1). فإنه يدل على أنه لو وهبه له قبل أن يرفعه للحاكم سقط القطع، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (2) -رحمه الله- إلى أنه لا تشترط المطالبة، وأنه إذا ثبتت السرقة قطع، لأن القطع لحفظ الأموال، وليس حقاً خاصاً لهذا الرجل؛ حتى نقول: إنه إذا طالب قطع وإلا فلا، بخلاف القصاص، فإذا لم يطالب لا يقطع.
مسألة: هل البصمات طريق رابع لمعرفة المجرم؟
تعتبر قرينة وليست بينة قطعية، لأنه قد يكون الذي لمس الباب لمسه قبل السرقة أو بعدها، لكن لو قيل: ليس فيه بصمة سوى هذه، فيمكن أن نقول: حتى لو لم يوجد إلا هذه البصمة فإنه يوجد احتمال أن تكون قبل السرقة أو بعدها، وأن يكون السارق تحاشى أن يمس هذا الباب، بل مسه بحديدة وما أشبه ذلك.
(1)
قوله «وَإِنْ وَهَبَهَا لِلسَّارِقِ، أَوْ بَاعَهُ إِيَّاهَا قَبْلَ ذلِكَ، سَقَطَ القَطْعُ»:
أي إن وهب المسروق ما سرق منه للسارق أو قال المسروق للسارق بعنيه فباعه عليه سقط الحد وذلك أنه إذا باعه العين أو وهبها له قبل رفعه إلى=12
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَمْ يَسْقُطْ (1)، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ بَعْدَ الإِخْرَاجِ لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ (2)، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَجِبْ (3)، وَإِذَا قُطِعَ، فَعَلَيْهِ رَدُّ المَسْرُوْقُ، إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيْمَتُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا (4).
=الحاكم سقط القطع عنه، لأن المطالبة شرط لما سبق ولم يبق مطالب وإن كان البيع أو الهبة بعد أن رفعه إلى الحاكم لم يسقط القطع.
(1) قوله «وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَمْ يَسْقُطْ» أي وإن كان ما وهبه له أو باعه عليه بعد رفعه للحاكم لم يسقط كما في حديث صفوان ابن أمية المتقدم.
(2)
قوله «وَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ بَعْدَ الإِخْرَاجِ لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ»:
أي وإن نقصت العين المسروقة بعد إخراجها من حرزها عن النصاب «وهو ربع دينار كما سبق» فإنه لا يسقط القطع، لأنه نقصان حدث في العين فلم يمنع القطع كما لو نقص باستعماله, وسواء نقصت قيمتها قبل الحكم أو بعده؛ لأن سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ.
فأما إن نقص قبل الإخراج فقد قال المؤلف -رحمه الله-.
(3)
قوله «وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَجِبْ»:
أي فإن كان النقص الحاصل في العين المسروقة قبل إخراج هذه العين من حرزها لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله, وإن وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها لم يجب القطع للشك في شرط الوجوب ولأن الأصل عدمه.
(4)
قوله «وَإِذَا قُطِعَ، فَعَلَيْهِ رَدُّ المَسْرُوْقُ، إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيْمَتُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا»:
أي يجتمع القطع للسارق والضمان للمسروق، لأنهما حقان=
.................................. =لمستحقين فجاز اجتماعهما، كالدية والكفارة في قتل الخطأ، فيرد ما أخذه لمالكه إن كان باقياً، لأنه عين ماله، وإن كان تالفا فعليه ضمانه.
بابُ حَدِّ المُحَارِبِيْنَ
(1) (1)
قوله «بابُ حَدِّ المُحَارِبِيْنَ»:
أي سيذكر المؤلف جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بحد المحاربين قطاع الطرق، وما جعله الله من العقوبة لهذه الجريمة.
والمحاربة في اللغة: مصدر حارب يحارب حرابة ومحاربة، واسم الفاعل محارب، مأخوذ من الحرب الذي هو نقيض السِّلم، ويأتي الحرب بمعنى القتل، وبمعنى المعصية، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 1، وتأتي بمعنى السلب، يقال: حَربَه بمعنى: سلب ماله وتركه بلا شيء 2.
واصطلاحاً: المحاربة والحرابة وقطع الطريق بمعنى واحد، وهو تعرض المكلف الملتزم ذي الشوكة والقوة للمسلمين مع تعذر الغوث، في العراء أو البنيان أو البحر أو الجو، لأخذ مال محترم أو انتهاك فرج، مجاهرةً لا خفية.
وقولنا «تعرض المكلف الملتزم»: هذا يخرج تعرض الصبي والمجنون والحربي، فإنه لا يعتبر حرابة.
=
..................................
=وقولنا «ذي الشوكة والقوة»: يخرج ما إذا كان التعرض صادراً ممن لا شوكة له ولا قوة، فإنه لا يعتبر محارباً، ولا ينقطع به السبيل.
وقولنا «مع تعذر الغوث»: يخرج ما إذا كان الغوث ممكناً والنجدة متيسرة فإنه لا يعتبر حرابة.
وقولنا «في العراء... إلخ»: بيان مواضع الحرابة، وأنه لا يشترط كونها خارج العمران، على الصحيح من آراء العلماء، لعموم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ 1، بل يدخل ما ذكر، وقد أشار البهوتي في شرحه على «الزاد» 2 إلى ذكر البحر وإعطائه حكم الحرابة، أما الجو فلم يذكروه، لأن الطائرات لم تكن موجودة في زمانهم، لكن لها حكم ما ذكر، فإن الاعتداء على ركاب وملاحي الطائرات المدنية وتهديدهم بالسلاح لقطع الرحلات الجوية أو الاتجاه قهراً إلى بلدٍ ما يُعَدُّ من قطع الطريق والإفساد في الأرض، لاسيما إذا وقع في ديار المسلمين.
وقولنا «لأخذ مال محترم»: يخرج غير المحترم، كالخمر ونحوه.
وقولنا «أو انتهاك فرج»: يفيد أن الحرابة كما تكون لأخذ مال تكون للاعتداء على الفروج المحرمة.
وقولنا «مجاهرة لا خفية»: لإخراج السرقة، وسميت هذه الجريمة حرابة ومحاربة لما فيها من سلب الأموال أو الأرواح ولما فيها من مخالفةٍ وعصيانٍ =
..................................
=لأمر الله تعالى، وبعض الفقهاء يسميها: قَطْعَ الطريق، وبعضهم بالمحاربين، وهذا أحسن لأمرين: الأول: أن هذا اللفظ مطابق لما ورد في القرآن الكريم.
الثانِي: أنه أعم من غيره وأدل على المراد حيث يشمل جميع الصور.
والأصل في جريمة الحرابة وعقوبتها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 1، فهذه أربعة أنواع من العقوبات اشتملت عليها الآيات في المحارب:
1 - النفي.
2 - القطع.
3 - القتل.
4 - القتل والصَّلب.
وظاهر الآية الكريمة لا يدل على هذا التقسيم، لأن الحرف ﴿أوْ﴾ أصله للتخيير، لكنَّ القائلين بذلك يرون أن الآية فيها قيود مقدرة، والمعنى: أن يقتلوا إذا قتلوا ولم يأخذوا المال، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا أحداً، أو ينفوا من الأرض إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً، وهذا قول الجمهور من الحنفية 2، والشافعية 3، والحنابلة 4، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 5 واستدلوا بما ورد عن=
وَهُمُ الَّذِيْنَ يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ فِيْ الصَّحْرَاءِ جَهْرَةً؛ لِيَأْخُذُوْا أَمْوَالَهُمْ (1)،
= ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال في قُطَّاعِ الطريق: «إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا المَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُوا وَإذَا قَتَلُوا وَلَمْ يأخُذُوا المَال قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا, وإِذَا أَخَذُوا المَال وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ، وإِذَا أَخَافُوا السَّبِيل وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالاً نُفوا مِن الأَرض» (1)، قالوا: فتكون ﴿أَوْ﴾ في الآية للتنويع والتفصيل، فتُنوع العقوبة على حسب الجريمة، ولكن هذا التفسير عن ابن عباس ضعيف جداً.
وقالت المالكية (2): إن تعدد العقوبات هنا يقصد به التخيير، وأن الإمام مخير، فيجتهد في اختيار العقوبة الملائمة للجريمة، ما لم يقتل المحارب، فإن قتل فلابد من قتله، وعند هؤلاء تعزير في الآية، لأن القول بزيادة القيود على ظاهر القرآن يحتاج إلى نص من كتاب أو سنة.
قلت: والراجح عندي هو قول المالكية، وسيأتي زيادة تفصيل في هذه المسألة قريباً إن شاء الله.
(1)
قوله «وَهُمُ الَّذِيْنَ يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ فِيْ الصَّحْرَاءِ جَهْرَةً؛ لِيَأْخُذُوْا أَمْوَالَهُمْ»:
هذا وصف للمحاربين، فهم موصوفون بأوصاف ثلاثة:
الأول «يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ»: أي أن يكون معهم سلاح فان لم يكن معهم سلاح فليسوا محاربين لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، فان عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون.
=12
فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَدُفِعَ إِلى أَهْلِهِ (1)،
= وقوله «فِيْ الصَّحْرَاءِ»: هذا قيد آخر، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء، ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالباً فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه.
والصواب كما سبق: أنه لا يشترط كونها في الصحراء، على الصحيح من آراء العلماء، لكنهم أكثر ما يكونون في الصحراء؛ لأن البنيان فيها من يحمي الناس، وفيها أناس كثيرون يمنعون فساد هؤلاء، فأكثر ما يكونون في الصحراء، وأكثر ما يكونون أيضاً في الصحراء غير المسلوكة.
وقوله «جَهْرَةً»: هذا هو القيد الثالث، أي أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهراً، فأما إن أخذوه مختفين فهم سُرَّاق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم، وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئاً فليسوا بمحاربين لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، وان خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطاع طريق.
(1)
قوله «فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَدُفِعَ إِلى أَهْلِهِ»:
شرع المؤلف ببيان الحكم الشرعي للمحاربين، وهم على أصناف، ولذا كان الحكم في حقهم يختلف من صنف لأخر.
وهذا هو الصنف الأول وهم من جمعوا بين القتل وأخذ المال فهنا يجمع لهم بين العقوبتين، وهما: القتل، والصلب، فيصلب بعد القتل، أي: نربطه على خشبة لها يدان معترضتان، وعود قائم، فنقيمه عليها، =
..................................
= ونربطه، ونربط يديه على الخشبتين المعروضتين.
وقوله «حَتَّى يَشْتَهِرَ»: أي حتى يتضح أمره.
وهل يقتل أولاً ثم يصلب أم العكس؟
نقول ظاهر كلام المؤلف بل صحيحه أنه يقتل قبل الصلب.
والقول الثاني: أنه يصلب قبل القتل.
والذي نراه أنه ينظر في هذا إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أن المصلحة أن يصلب قبل أن يقتل فعل.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: لم يذكر المؤلف هنا أي آلة يقتل بها:
والصواب أنه يقتل بما يكون أسهل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَة» 1، وليس هذا كالزاني إذا كان محصناً يرجم، بل المقصود بهذا إتلافه.
فإذا دار الأمر بين أن نقتله بالسيف، أو نقتله بالصعق بالكهرباء، فالسيف أولى من جهة أنه لا يصيب الإنسان بالصدمة القوية التي تقضي عليه، والصعق بالكهرباء أولى من جهة؛ لأنه أسرع.
وهنا ينبغي أن نرجع إلى الأطباء، فإذا قالوا: إن قتله بالصعق أسهل وأكثر راحة فعلنا، وهو أيضاً بالنسبة للصلب أقل ترويعاً؛ لأن ذاك لو قتل بالسيف فستصيبه الدماء، ويتروع الناس بمجرد رؤيته، بخلاف ما إذا قتل بالصعق فإنه يكون كالميت ميتة طبيعية.
وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ، قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ (1)، -
الفائدة الثانية: هل يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين؟
نعم؛ يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، وندفنه في مقابر المسلمين، إلا على رأي طائفتين مبتدعتين، وهما الخوارج الذين يقولون: إن فاعل الكبيرة يكفر ما لم يتب، والمعتزلة الذين يقولون: إنه مخلد في النار، فإن الصلاة عليه غير ممكنة؛ لأن المقصود بالصلاة عليه الدعاء له، وعندهم لا يجوز الدعاء لمثل هذا؛ لأنه لن يُرحم، فهو في النار (1).
- الفائدة الثالثة: هل يجوز أن يعطى السارق وقاطع الطريق عند قطع أعضائه مادة مخدرة لتخفيف الألم أو منع الشعور به؟ نقول: نعم يجوز ذلك لأن المقصود إتلاف العضو وليس الألم بخلاف من وجب عليه القصاص فإنه لا يجوز أن نبنجه، لأنه قصاص فيجب أن ينال من الألم مثل ما نال المجني عليه.
(1)
قوله «وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ، قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ»:
هذا هو الحكم الثاني للصنف الثاني من المحاربين، وهم من قتل ولم يأخذ المال، فإنه يقتل ولا يصلب.
و
هل لأولياء المقتول أن يعفوا عنهم؟
نقول ليس فيه خيار لأولياء المقتول، لأن القتل هنا ليس قصاصاً، بل هو حد، فإذا لم يكن قصاصاً، بل كان حداً فإنه يتحتم قتله، لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ 2.1
وَمَنْ أَخَذَ المالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى وَرِجْلُهُ اليُسْراى فِيْ مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا (1)، وَلا يُقْطَعُ إِلاَّ مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ بِهِ (2)، وَمَنْ أَخَافَ السَّبِيْلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلا أَخَذَ مَالاً، نُفِيَ مِنَ الأَرْضِ (3)، (1)
قوله «وَمَنْ أَخَذَ المالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى وَرِجْلُهُ اليُسْراى فِيْ مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا»:
هذا هو الصنف الثالث من أصناف المحاربين، وهو أن يأخذ مالاً، ولم يقتل، فعقوبته أن يُقَطَّعَ من خلاف، فتقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى، لقوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ (1). (2)
قوله «وَلا يُقْطَعُ إِلاَّ مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ بِهِ»:
أي إنما يقام حد الحرابة عليهم إن أخذ كل واحد منهم من المال قدر ما يقطع به السارق، وهو على المذهب ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عرض قيمته كأحدهما، والقول الثاني: أن النصاب ربع دينار؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: «لا قَطْعَ إِلا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (2)، وهذا هو الصحيح، فإذا أخذوا مالاً يبلغ نصاب قطع السرقة فإنهم تقطع أيديهم لأخذ المال، وأرجلهم لقطع الطريق؛ لأنهم يأخذون باليد ويمشون بالرِّجل.
(3)
قوله «وَمَنْ أَخَافَ السَّبِيْلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلا أَخَذَ مَالاً، نُفِيَ مِنَ الأَرْضِ»:
هذا هو الصنف الرابع من أصناف المحاربين وهم من أخاف السبيل، ولم يقتل ولم يأخذ مالاً فإنه يُنفى من الأرض، فلا يترك يأوي إلى بلد، وهذا=12
..................................
=قول الحنابلة 1، لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾.
وظاهر اللفظ أن النفي معناه: الطرد والإبعاد، والنفي من الأرض يقتضي النفي من جميعها، فلا يترك يأوي إلى بلد.
والقول الثانِي: أن النفي هو السَّجْنُ، وهو قول الحنفية 2، والشافعية 3، ورواية عن أحمد 4.
والقول الثالث: أنه ينفى إلى بلد آخر ويُسجن فيه، وهذا قول لمالك 5، واختاره ابن جرير 6، والشنقيطي 7.
فإن كانوا جماعة نُفُوا مفرقين، ولا يزال منفياً حتى تظهر توبته، على الصحيح من المذهب.
إلا إن كان شرهم لا يندفع بتشريدهم فيتوجه القول بالحبس على القول الثانِي في تفسير النفي 8، لأن المقصود دفع شرهم، وهذا هو الصواب.
وَمَنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُوْدُ اللهِ، وَأُخِذَ بِحُقُوْقِ الآدَمِيِّيْنَ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا (1)، (1)
قوله «وَمَنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُوْدُ اللهِ، وَأُخِذَ بِحُقُوْقِ الآدَمِيِّيْنَ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا»:
أي فإن تاب المحارب قبل الظفر به والقدرة عليه سقط عنه ما وجب من الحد لحرابته، وهذا أمر مجمع عليه 1، لقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 2، فختم الآية باسمين كريمين يدلان على العفو والمغفرة، فيسقط عنه تحتم القتل والصلب والنفي.
أما ما يتعلق بحق الآدمي فلا يسقط، بل يبقى مسئولاً عنه، فإن كان أخذ مالاً فعليه رده، وإن كان قَتَلَ أو جَرَحَ فعليه القصاص أو الدية، وتتحقق توبته على الراجح بتركه ما كان عليه من الحرابة وإتيانه إلى الإمام طائعاً مختاراً ملقياً سلاحه قبل القدرة عليه، أما إذا تاب المحارب بعد القدرة عليه فإنه لا يسقط عنه شيء من الحدود، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 3، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الحد على المحاربين وذكر عقوبتهم، ثم استثنى التائبين قبل القدرة عليهم، فيبقى من عداهم على العموم، ولأن توبته قبل القدرة عليه لا تهمة فيها، أما بعد القدرة فالظاهر أنها تُقية من إقامة الحد عليه 4.
فَصْلٌ فِيْ دَفْعِ الصَّائِلِ
(1) وَمَنْ عُرِضَ لَهُ مَنْ يُرِيْدُ نَفْسَهُ، أَوْ مَالَهُ، أَوْ حَرِيْمَهُ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ سِلاحًا، أَوْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَهُ دَفْعُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ (2)، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ (3)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ دَفْعِ الصَّائِلِ»:
الصائل: اسم فاعل من صال يصول صولاً: إذا سطا ووثب، فالصائل على شيء: القاصد الوثوب عليه.
والمراد هنا: من سطا عادياً على غيره يريد نفسه أو عرضه أو ماله، سواءً كان الصائل آدمياً أو بهيمةً.
(2)
قوله «وَمَنْ عُرِضَ لَهُ مَنْ يُرِيْدُ نَفْسَهُ، أَوْ مَالَهُ، أَوْ حَرِيْمَهُ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ سِلاحًا، أَوْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَهُ دَفْعُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ»:
أي من سطا على غيره يريد نفسه أو عِرْضه أو ماله، أو يريد نساءه، كأمه وبنته وأخته وزوجته، أو حمل عليه سلاحاً أو دخل بيته من غير إذنه يريد ماله سواءً كان الصائل آدمياً أو بهيمةً، فله دفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإذا اندفع بالتهديد فلا يضربه، وإن كان لا يندفع إلا بالضرب ضربه بيده، ثم بعصا، ومتى أمكن الأسهل حرم الأصعب، كضربه بحديدة، لعدم الحاجة إليه وقد سبق الإشارة إلى ذلك في كتاب الجنايات.
(3)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»:
أي فإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل فقتله فلا ضمان، والدليل على هذا حديث أَبي هريرة -رضي الله عنه- قال «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ».
قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ =
وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ (1)،
=قَاتَلَنِي قَالَ «قَاتِلْهُ».
قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِ قَالَ «فَأَنْتَ شَهِيدٌ».
قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ «هُوَ فِى النَّارِ» (1).
وكون القاتل لا ضمان عليه لأن الصائل معتدٍ ظالم، والمعتدي الظالم لا ضمان فيه؛ ولأن العدوان حصل من الصائل فهو الذي قتل نفسه في الحقيقة فلا ضمان على القاتل، ولكن يجب أن يدافعه كما سبق بالأسهل فالأسهل، فإذا اندفع بالتهديد فلا يضربه، وإذا اندفع بالضرب الخفيف فلا يضربه ضرباً شديداً، وإذا اندفع بالضرب الشديد فلا يقتله، وإذا لم يندفع إلا بالقتل فله قتله.
- فائدة: إذا ادعى أولياء المقتول أنه لم يَصُلْ على هذا الرجل، وأن هذا الرجل هو الذي اعتدى عليه وقتله ثم ادعى أنه صائل، فهنا يجب أن يُنظر للقرائن في القاتل والمقتول، فإذا كان القاتل ممن عُرِف بالصلاح والاستقامة وأنه لا يمكن أن يعتدي على أحد بالقتل، وَعُرِف الصائل بالشر والفساد والهجوم على الناس، فالقول قول القاتل لكن بيمينه ولا حاجة لبينة.
(1)
قوله «وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ»:
أي إن قُتل من يدافع عن نفسه، أو عرضه، أو ماله، أو نسائه فهو شهيد لحديث أبي هريرة المتقدم، وعلى الصائل ضمانه لكونه ظالم بقتله.1