وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 257-296

..................................  =واختلف الفقهاء فيها، فالجمهور على أنه يتعوذ في الصلاة مطلقًا، وقال مالك (1): لا يتعوذ في المكتوبة.
والصواب ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في الاستعاذة مطلقًا في الفريضة والنافلة.
وهل الاستعاذة واجبة أم مستحبة؟ ذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (2)، فأمر الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن، وذهب أكثر الفقهاء إلى أنها مستحبة، وهذا هو الصواب.

لكن

هل الاستعاذة للصلاة أم لقراءة القرآن؟

الاستعاذة للقراءة، إذ لو كانت للصلاة لكان مقامها بعد تكبيرة الإحرام أو قبلها، ولذا كان من هدي - صلى الله عليه وسلم - أنه يستعيذ قبل القراءة، وفائدة الاستعاذة ليكون الشيطان بعيدًا عن قلب المرء وهو يتلوا كتاب الله تعالى، وبهذا يحصل التدبر.
ومعنى الاستعاذة: الالتجاء والاعتصام بالله تعالى لأنه - سبحانه وتعالى - هو الملاذ.

- تنبيه: هل الاستعاذة في كل ركعة

في الصلاة، أم في الركعة الأولى فقط؟ نقول: المذهب 3 أن الاستعاذة تكون في الركعة الأولى فقط؛ لأن القراءة في الصلاة قراءة واحدة ليس لكل ركعة قراءة منفردة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تكون في كل ركعة لكل قراءة، وهي رواية في المذهب 4.12

ثُمَّ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ (1)، وَلا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ - رضي الله عنه -: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رضي الله عنهم - فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِـ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ» (2)،  = والذي يظهر أن قراءة الصلاة قراءة واحدة، فتكون الاستعاذة لما شكى إليه عثمان بن أبي العاص أن الشيطان حال بينه وبين صلاته فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاثًا» (1).

(1)

قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ»

أي يستحب له الإتيان بالبسملة بعد الاستعاذة، وهذا هو قول الحنيفة 2، وقال المالكية 3: لا يقرأ بالبسملة في الفريضة، وعند الشافعية 4: الأظهر وجوب قراءتها لأنها آية من الفاتحة، والصواب استحباب الإتيان بها.
لكن هل يجهر بها في الصلاة أم لا يجهر بها؟ سيذكر ذلك المؤلف.

(2)

قوله «وَلا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ - رضي الله عنه -: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رضي الله عنهم - فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ»

وكذا التعوذ والاستفتاح أي لا يجهرون بالبسملة في الصلاة، وهذا =1

ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ (1)،  =قول الحنفية (1) أيضًا، وذهب الشافعية (2) إلى الجهر في الصلاة، والصحيح المذهب أي أنه لا يجهر بها؛ لحديث أنس المتقدم، وهو متفق عليه وهو حجة في محل النزاع، لكن إن جهر بها تأليفًا لقلوب قوم مذهبهم الجهر بها، فقال شيخنا (3) -رحمه الله-: أرجو أن لا يكون به بأس.

  • تنبيه: اختلف أهل العلم هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ فالجمهور على أنها ليست بآية من الفاتحة، وهي جزء من آية من سورة النمل إجماعًا، وآية فاصلة بين كل سورتين.
    وذهب الشافعية (4) إلى أن البسملة آية من الفاتحة.
    والصواب أن البسملة ليست آية من الفاتحة؛ لما رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله يقول: قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِيْ وَبَيْنَ عَبْدِيْ نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِيْ مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي... » (5). الشاهد أنه لم يذكر البسملة في هذا الحديث فدل على أنها ليست منها.

(1)

قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ»

هذا هو الركن الثالث من أركان الصلاة، فالركن الأول والثاني كما قلنا: القيام وتكبيرة الإحرام، ودليل ركنية الفاتحة قوله - صلى الله عليه وسلم -12345

..................................  =: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» 1، وقوله: «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيْهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلاًثًا- غَيْرُ تَمَامٍ» 2، وقوله: «فَلا تَفْعَلُوْا إِلاَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» 3. فلابد من قراءة الفاتحة في الصلاة فمتى تركها المصلي إمامًا أو منفردًا بطلت صلاته.
وقال الحنفية 4: تصح الصلاة بغير الفاتحة لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته: «ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» 5 فلم يشترط الفاتحة له في صلاته.
والصحيح أن الفاتحة ركن في الصلاة، لا تصح الصلاة بدونها وذلك في حق الإمام والمنفرد، أما المأموم فقد اختلف الفقهاء في وجوب الفاتحة عليه، فذهب الحنفية 6 إلى أن المأموم لا يقرأ مطلقاً خلف الإمام سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية.
وذهب المالكية 7 والحنابلة 8 إلى أنه لا تجب قراءتها على المأموم في الصلاة مطلقاً سرية كانت أو جهرية، بل يستحب ذلك، =

وَلا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا 1،  =وفي رواية عن الإمام أحمد (1) أنها تجب في الصلاة السرية دون الجهرية، واحتجوا لذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» 2. وذهب الشافعية 3 إلى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة مطلقاً سرية كانت أو جهرية لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 4، وأيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجزاء صلاة لا يقرأ فيها الرجل بفاتحة الكتاب» 5. فهذا حاصل ما ذهب إليه فقهاء المذاهب في قراءة الفاتحة على المأموم.
أما الشيخين 6 فقالوا بوجوبها مطلقاً في حق المأموم، واحتجوا لذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» 7 وهم بذلك موافقون لمذهب الشافعية.
والذي أميل إليه: أن قراءة الفاتحة تجب على الإمام والمأموم فيما يسر فيه الإمام، أما ما يجهر به فلا تجب عليه، وهذا هو اختيار العلامة بن سعدي 8 -رحمه الله-.
(1) قوله «وَلا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» الضمير هنا عائد على الفاتحة أي لا صلاة لمن يقرأ بها، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك.

إِلاَّ الْمَأْمُوْمُ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ (1)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيْ سَكَتَاتِ الإِمَامِ، وَمَا لا يَجْهَرُ فِيْهِ (2)، ثُمَّ يَقْرَأُ سُوْرَةً تَكُوْنُ فِيْ الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ (3)،  (1) قوله «إِلاَّ الْمَأْمُوْمُ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» سبق بيان قول الفقهاء مع بيان الراجح.

(2)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيْ سَكَتَاتِ الإِمَامِ، وَمَا لا يَجْهَرُ فِيْهِ»

استثنى المؤلف حالتين يستحب للمأموم فيها أن يقرأ بفاتحة الكتاب: الحالة الأولى: في سكتات الإمام، وليس للإمام إلا سكتتان: السكتة الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، والسكتة الثانية عند الانتهاء من القراءة في الصلاة، فهذه هي السكتات التي جاءت بها السنة، أما بعد الفراغ من الفاتحة فليست هناك سكتة، وقال بعض الفقهاء: إن سكت ليتمكن المأموم من قراءة الفاتحة فلا حرج.
الحالة الثانية: في ما لا يجهر فيه المأموم، أي في الصلاة السرية وهي الظهر والعصر، وكذا في الركعة الأخيرة من المغرب والركعتين الأخيرتين من العشاء، وهذا هو المذهب، أي يستحب للمأموم أن يقرأ بالفاتحة فيما لا يجهر فيه إمامه، والصواب كما ذكرنا أنه تجب فيما يسر فيه الإمام، وتسقط عن المأموم فيما يجهر فيه الإمام.

(3)

قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ سُوْرَةً تَكُوْنُ فِيْ الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ»

المفصل يبدأ من سورة «ق» إلى سورة «الناس»، والمفصل منه ما هو طوال وأواسط وقصار، فطوال المفصل تبدأ من سورة «ق» إلى سورة «النبأ»، وأواسط المفصل تبدأ من سورة «النبأ» إلى سورة «الضحى»، وقصار المفصل من سورة «الضحى» إلى سورة «الناس».

وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ (1)،  =فالسنة أن يقرأ المصلي في الصبح من طوال المفصل أي من «ق» أو «الذاريات» أو «الطور» أو «النجم» ونحو ذلك.
لكن ما الحكمة من أن صلاة الصبح تكون من طوال المفصل؟ نقول: قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (1)، فعبر الله - سبحانه وتعالى - عن صلاة الفجر بالقرآن إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون القرآن مستوعبًا لأكثرها، وهذا كان فعله - صلى الله عليه وسلم - فكانت صلاة الصبح يطيل فيها القراءة ما لا يطيل في غيرها، فكان يقرأ بها ما بين الستين إلى المائة.

(1)

قوله «وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ»

أي من قصار المفصل يعني من «الضحى» إلى «الناس»، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَشْبَهَ صَلاةً بِرَسُوْلِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ فُلانٍ كَانَ يُطِيْلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ» 2، لكن لا بأس أن يطيل أحيانًا في المغرب كما فعل - صلى الله عليه وسلم -، فقرأ فيها بـ «الأعراف» وبـ «المرسلات» 3، ولا بأس أن يقصر أحيانًا في الفجر كما قرأ - صلى الله عليه وسلم - بـ «الزلزلة» 4.1

وَفِيْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَوْسَاطِهِ (1). وَيَجْهَرُ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِيْ الصُّبْحِ وَالأُوْلَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (2)، وَيُسِرُّ فِيْمَا عَدَا ذلِكَ (3).  (1)

قوله «وَفِيْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَوْسَاطِهِ»

أي في الظهر والعصر والعشاء يستحب أن يقرأ فيها من أوسط المفصل، وهو كما قلنا من «النبأ» إلى «الضحى»، دليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ بن جبل «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ - فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فَإِنَّهُ يُصَلِّيْ وَرَاءَكَ الْكَبِيْرُ وَالضَّعِيْفُ وَذُو الْحَاجَةِ» (1)، لكن إن قرأ في كل ما ذكرنا بما يعادل طوال المفصل أو أوسطه أو قصاره فلا حرج.
(2)

قوله «وَيَجْهَرُ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِيْ الصُّبْحِ وَالأُوْلَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ»

هذا هو الثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم -، وفعل خلفائه من بعده، وأجمعت الأمة على ذلك.
(3)

قوله «وَيُسِرُّ فِيْمَا عَدَا ذلِكَ»

أي يسر فيما عدا ما ذكره المؤلف، لكن لو رفع صوته بالقراءة أحيانًا فلا بأس بل هذا سنة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع صوته بالقراءة أحيانًا يسمع أصحابه إياها.
وخلاصة الأمر هنا: أن الجهر بالقراءة في مواضع الجهر والإسرار فيها في مواضع الإسرار أمر مجمع على استحبابه، فإن جهر في مواضع الإسرار وأسرّ في مواضع الجهر فقد ترك السنة وصحت صلاته، لكن إن نسي الإمام فجهر=1

ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ (1)،  =في مواضع الإسرار ثم ذكر في أثناء قراءته بنى على قراءته، أما إن نسي فأسرّ في موضع الجهر روايتان في المذهب (1): إحداهما أنه يمضي في قراءته، والثانية: يستأنف القراءة جهرًا على طريق الاختيار لا على طريق الوجوب، وهذا هو الصواب، أما المأموم فلا يشرع له الجهر بالقراءة، وما نراه من بعض الناس أنه يجهر بالقراءة أحيانًا وهو مأموم فهذا خلاف السنة.

  • تنبيه: من فاته بعض الصلاة فقام ليقضيها، هل يجهر بالقراءة فيما يشرع فيه الجهر؟ الصواب أنه مخير في ذلك، إن شاء جهر وإن شاء أسرّ، لكن يجهر بقدر أن يسمع نفسه حتى لا يشوش على غيره.

(1)

قوله «ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ»

التكبير هنا واجب للركوع وهو ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَقُوْمُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُوْلُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» 2. أما الركوع فهو ركن في الصلاة لا تتم صلاة العبد إلا به فلا يسقط سهوًا ولا جهلاً، والركوع هو الانحناء، والانحناء في الظَّهر، والمقصود به تعظيم الله، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «فَأَمَّا الرُّكُوْعُ فَعَظِّمُوْا فِيْهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ» 3، لكن متى =1

وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ (1)،  =يكون محل التكبير للركوع؟ الجواب: يكون التكبير بين القيام وبين الركوع، ولهذا من كبر قبل الركوع أو بعد الركوع فقد أخطأ، ولهذا قال بعض الفقهاء (1) - رحمهم الله -: لو بدأ بالتكبير قبل أن يهوي أو أتمه بعد أن يصل إلى الركوع فإنه لا يجزئه، وعللوا لذلك بأن التكبير محله بين الركنين، فإن أدخله في الركن الأول لم يصح، وإن أدخله في الركن الثاني لم يصح، والصواب أنه يجزئه لكنه خلاف الأولى.

(1)

قوله «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ»

أي عند تكبيره للركوع يرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه كما سبق، ودليل ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوْعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهُ» 2 ويكون محل الرفع عند ابتداء تكبيره وانتهاؤه عند انتهائه.
ورفع اليدين عند التكبير للركوع قال به الشافعي 3 ومالك 4 في إحدى الروايتين عنه، وخالف أبوحنيفة 5 والمالكية 6 فقالوا: لا يرفع إلا في تكبيرة الافتتاح.
والراجح أنه يرفع لصريح الأدلة التي جاءت في صحيح البخاري ومسلم، أنه =1

ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ (1)، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ (2)،  = كان - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه كما في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- السابق.

(2)

قوله «ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ»

هذه هي صفة الركوع، فأول هذه الصفة: (أ) أن يضع يديه على ركبتيه، وهذا ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم -، وهو قول الأئمة الأربعة، وذهب بعض السلف إلى التطبيق أي أن يجعل المصلي إحدى كفيه على الأخرى ثم يجعلها بين ركبتيه إذا ركع، والصحيح ما ذهب إليه الأئمة وهو أن يضع المصلي يديه على ركبتيه، أما ما ذهب إليه بعض السلف فهذا كان أول الإسلام ثم نسخ، دليل ذلك ما جاء في الصحيح من حديث مصعب بن سعد قال: «صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِيْ فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِيْ أَبِيْ وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِيْنَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيْنَا عَلَى الرُّكَبِ» (1). (ب) أن يفرج أصابعه، فلا يجعلها مضمومة كما يفعله البعض بل يجعلها مفرجة كأنه قابض على ركبتيه، وهذا ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم -.

(2)

قوله «وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ»

هذا هو الأمر الثالث في صفة الركوع، وهي أن يمد ظهره فيجعله حال ركوعه مستويًا، فلا يقوس ظهره ولا يهصره حتى ينزل وسطه ولا ينزل مقدم ظهره، وإنا لنعجب حين نرى بعض الناس من الأئمة وغيرهم لا يطبقون هذه السنة، بل تراهم إما أن ينزل مقدم ظهره أو يرفعه بحيث لا =1

وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَهُ (1)، ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ، ثَلاثًا (2)،  =يكون مستويًا، وهذا خلاف السنة، قالت عائشة - رضي الله عنها -: «.. وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذلِكَ.. » (1). وقال وابصة ابن معبد - رضي الله عنه -: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّيْ فَكَانَ إِذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لاسْتَقَرَّ» (2).

(1)

قوله «وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَهُ»

أي يجعل رأسه حيال ظهره حال ركوعه، وهذا هو الأمر الرابع في صفة الركوع، ودليله حديث عائشة السابق، فمتى جاء المصلي بهذه الأمور الأربعة فقد قام بأداء السنة في ركوعه.
وهناك أمر لم يذكره المؤلف وهو أن يجافي بين يديه حال ركوعه أي يفرج يديه عن جنبه، لكن هذه السنة مشروطة بعدم أذية من يصلي بجانبه، فإن كان في أداء هذه السنة أذية للغير فلا يشرع فعلها؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يفعل سنة يؤذي بها غيره.
وما ذكره المؤلف -رحمه الله- هو صفة الركوع المستحبة، لكن الواجب من الركوع هو أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام.
والمشهور من المذهب (3) أن الركوع الواجب هو أن ينحني بحيث يمكن أن يمس ركبتيه بيديه إذا كان وسطًا.
(2)

قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ، ثَلاثًا»

اختلف الفقهاء في تسبيح الركوع والسجود، هل هو واجب أم مستحب؟ فالمذهب 4 على أنه واجب، وهو قول=123

..................................  =سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 1 وشيخنا محمد العثيمين 2 - رحمهما الله - وهو الذي نرجحه، وذهب الأئمة الثلاثة 3 إلى استحباب ذلك في الركوع والسجود.
وقوله «ثَلاثًا» هذا على سبيل الاستحباب، وإلا فالواجب في التسبيح للركوع مرة واحدة، وما زاد على ذلك فمستحب، لكن إن جاء المصلي بأي صفة أخرى من التسبيح كقوله: «سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ» 4، أو «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ» 5، أو قال «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» 6، ونحو ذلك مما جاءت به السنة، هل يجزئه عن قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ»؟ المذهب: لا يجزئه ذلك، بل لابد أن يأتي بقول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ» لأن هذا هو الذكر المنصوص عليه فالواجب الإتيان به، وإن زاد فحسن، والصواب أنه إن جاء بأي ذكر مما جاءت به السنة أجزأه ذلك؛ لأن المهم حصول ذكر حال الركوع سواء جاء بقول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ» أو جاء بغيره من أنواع التسبيح الأخرى.

ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلاً: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (1)،  (1)

قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلاً: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»

وهذا للإمام والمنفرد، وهذا الذكر واجب في المذهب (1)، وذهب الأئمة الثلاثة (2) إلى مشروعيته لا وجوبه، والصحيح أنه واجب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (3). وجاء في صفة صلاته أنه كان يقول «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» كما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - حيث قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَقُوْمُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِيْنَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُوْلُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (4)، وجاء عنه أنه قال: «وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوْا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (5). لكن

هل يقول المأموم كما يقول الإمام

والمنفرد «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» أم يكفيه أن يقول: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»؟ محل خلاف بين الفقهاء، فقد ذهب الصنعاني 6 وغيره إلى أنه لابد من قوله «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» لأنه هو ذكر القيام من الركوع.
والصواب: أنه لا يلزم المأموم الإتيان بقول «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» لقوله - صلى الله عليه وسلم - =12345

وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ (1)،  = «وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوْا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» وهذا هو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
ومعنى «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» أي استجاب الله تعالى لمن أثنى عليه.

(1)

قوله «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ»

أي يرفعها كرفعه لتكبيرة الإحرام، وكذا تكبيره للركوع؛ لما جاء ذلك في حديث ابن عمر السابق، ولم يذكر المؤلف

أين يضع المصلي يديه بعد الرفع من الركوع،

والصواب أن يضعها على صدره لا يرسلها، وهذا هو الذي يقتضيه حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُوْنَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ» 2، هذا هو الصحيح، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 3 وشيخنا محمد العثيمين 4 - رحمهما الله -، وذهب الإمام أحمد 5 إلى التخيير بين وضع اليمنى على اليسرى وبين إرسالها، لكن الصواب ما ذكرناه للحديث المتقدم.
تنبيه: لا تجعل مسألة إرسال اليد أو قبضها بعد الركوع قضية يتخاصم فيها المسلم مع أخيه المسلم، فإنه للأسف نرى بعض المسلمين يهجر بعضهم بعضًا بسببها، وهذا ناتج عن الجهل وقلة العلم، بل الذي ينبغي أن يعلم أن هذه المسألة من قبيل السنن لا من قبيل الواجبات، فكون الرجل يصلى =1

فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا، قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (1)، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ (2)  =مرسلاً ولم يقبض يديه قبل الركوع أو بعده فصلاته صحيحة وإن ترك الأفضل في الصلاة فلا ينبغي لأحد أن يهجر أخاه ويحصل بينهم فرقة ونزاع في هذه المسألة وغيرها، وقد رأينا في بعض البلاد الإسلامية أموراً عجيبة حول هذه المسألة.

(1)

قوله «فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا، قَالَ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»

أي متى اعتدل المصلي قائمًا من الركوع قال: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» وهذه هي إحدى الصفات التي جاءت بها السنة.
وقد ورد في ذلك أربع صفات: الأولى: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، والثانية: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، والثالثة: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، والرابعة: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
وكل هذه الصفات جاءت في أحاديث صحيحة، وكل واحدة منها مجزئة، لكن الأفضل أن يقول هذه أحيانًا وهذه أحيانًا، والقاعدة في ذلك «أن العبادات التي جاءت على وجوه متنوعة فالأفضل فعلها على هذه الوجوه».
(2)

قوله «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»

أي يستحب الزيادة على قوله «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» أن يقول هذا الذكر وهذا ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. و

معنى قوله «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ»

أي أنه سبحانه محمود على كل مخلوق يخلقه وعلى كل فعل يفعله، فمن المعلوم أن السماوات والأرض بما فيها كلها من خلق الله فيكون الحمد مالئًا للسماوات والأرض؛ لأن =

وَيَقْتَصِرُ الْمَأْمُوْمُ عَلَى قَوْلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (1). ثُمَّ يَخِرُّ سَاجِدًا مُكَبِّرًا (2)  =المخلوقات تملئ السماوات والأرض.
وقوله «وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» أي ما سوى السماء والأرض مما لا نعلمه، وقيل في تفسيرها ما يشاؤه سبحانه بعد فناء السماء والأرض.
وإن زاد على الذكر «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (1) فهذا حسن لوروده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

(1)

قوله «وَيَقْتَصِرُ الْمَأْمُوْمُ عَلَى قَوْلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»

إن كان مراده أن لا يقول «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» بل يقتصر على قول «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فهذا صحيح، وقد ذكرنا ذلك سابقًا وقلنا بأن المأموم المشروع في حقه أن يقول: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» ولا يلزمه الإتيان بـ «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» وله أن يأتي بأي صفة من الصفات الأربع المذكورة آنفًا.
وإن كان مراده أن لا يقول: «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ.. » و «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ.. » وغير ذلك من الأذكار المشروعة بعد قول «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فالصواب أنه يستحب الإتيان بها للإمام والمأموم والمنفرد.
(2)

قوله «ثُمَّ يَخِرُّ سَاجِدًا مُكَبِّرًا»

ثم أداة عطف تفيد الترتيب والتراخي، إذًا فما هو مقدار الاعتدال بعد الركوع؟ الجواب: يكون بمقدار الركوع تقريبًا كما جاء في حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - حيث قال: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - =1 أخرجه مسلم في كتاب الصلاة - باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع- رقم (733).

وَلا يَرْفَعُ يَدَيْهِ (1)، وَيَكُوْنُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ، ثَمَّ كَفَّاهُ (2)،  =فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوْعِهِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيْمِ وَالاِنْصِرَافِ قَرِيْبًا مِنَ السَّوَاءِ» (1)، إذًا فالسنة الواردة في القيام بعد الركوع الإطالة في هذا الركن، بخلاف ما يفعله البعض من تخفيف هذا الركن، بل وصل الحد عند البعض أنه لا يطمئن في هذا الركن وهذا غلط عظيم.
وقوله «مُكَبِّرًا» أي يكبر حين هويه للسجود.

(1)

قوله «وَلا يَرْفَعُ يَدَيْهِ»

أي لا يرفع يديه عند سجوده، وذلك لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - المتقدم وفيه «وَلا يَفْعَلُ ذلِكَ فِي السُّجُوْدِ» (2)، وهذا هو الصحيح، بخلاف ما ذهب إليه بعض العلماء أنه يشرع للمصلي أن يرفع يديه في كل خفض ورفع واستدل لذلك بحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - «كانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيْ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» (3)، وقد أجاب ابن القيم (4) على هذا الحديث بأنه وهم من الراوي والصواب أنه - صلى الله عليه وسلم - «كَانَ يُكَبِّرُ فِيْ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» (5)، وأيضًا حديث ابن عمر المتقدم صريح بعدم الرفع عند السجود وهو مقدم على الحديث الضعيف.
(2)

قوله «وَيَكُوْنُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ، ثَمَّ كَفَّاهُ»

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف أن السنة عند=12345

..................................  =السجود وضع الركبتين قبل اليدين حين الهوى إلى السجود، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية 1، والحنابلة 2، والشافعية 3، وهو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 4، وشيخنا محمد العثيمين 5 - رحمهما الله -، ودليل ذلك حديث وائل بن حجر - رضي الله عنه - قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» 6. القول الثاني: وهو قول المالكية 7، وإحدى الروايتين عند أحمد 8، وهو قول أصحاب الحديث: أن المصلي الأفضل له عند سجوده وضع اليدين قبل الركبتين، واحتجوا لذلك بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيْرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» 9، وأيضًا احتجوا بتبويب البخاري لذلك حيث قال: «باب يهوي بالتكبير حين سجد=

ثُمَّ جَبْهَتُهُ وَأَنْفُهُ (1)،  =وقال نافع: وكان ابن عمر - رضي الله عنهما- يضع يديه قبل ركبتيه»، وفي رواية «كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه ويقول كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك»، وقال الأوزاعي: «أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم».
والذي يظهر أن الأمر في ذلك واسع فمن رأى أن السنة تقديم الركبتين فعل، ومن رأى أن السنة تقديم اليدين فعل، لكن القول الأول أصرح دليلاً، وقد نصره العلامة ابن القيم في زاد المعاد (1) وغيره، وبيَّن أنَّ في الحديث انقلاب.

(1)

قوله «ثُمَّ جَبْهَتُهُ وَأَنْفُهُ»

وذلك لأنهما من أعضاء السجود السبعة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ» (2). لكن

هل يجب السجود على الجبهة والأنف؟

الصحيح أنه يجب السجود عليهما، وهو المذهب 3، وقول مالك 4 في رواية عنه وذلك للحديث المذكور، وذهب أبو حنيفة 5، وهو قول عن مالك 6 إلى أن السجود على الأنف لا يجب.12

وَيُجَافِيْ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ (1)، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ (2)، وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ (3).  (1)

قوله «وَيُجَافِيْ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ»

وهذا سنة؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بحينة: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» (1)، لكن يستثنى من ذلك إذا كان في صلاة جماعة وخشي أن يؤذي غيره بهذه المجافاة، فهنا لا يستحب له فعلها؛ لأن أقل أحوالها الكراهة لما يحصل فيها من تشويش على من بجانبه.
(2)

قوله «وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ»

أي يستحب أن يجافي بين بطنه وفخذيه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اعْتَدِلُوْا فِي السُّجُوْدِ وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (2)، ولا يحصل الاعتدال إلا إذا جافى بالعضدين عن الجنبين، وبالبطن عن الفخذين، وبالفخذين عن الساقين.
لكن ليس معنى ذلك أن يمد ظهره حتى يقرب من الانبطاح كما يفعله البعض، بل هذا بدعة لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الصحابة ولا غيرهم من سلف الأمة، لكن الذي ورد أنه يمد ظهره في الركوع فقط، أما في السجود فالسنة أن يرتفع ببطنه ولا يمده.
(3)

قوله «وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ»

هذا هو المذهب 3، وهو قول الشافعي 4، وقيل: بل يجعلها حذو أذنيه؛ لحديث وائل بن حجر عند مسلم=12

وَيَكُوْنُ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ (1)، ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، ثَلاثًا (2)،  =أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - «سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ» (1)، وفي رواية عند أحمد «... ثُمَّ سَجَدَ فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ» (2). وقال شيخنا (3): يكون موضع اليدين على حذاء المنكبين، وإن شاء قدمهما وجعلهما على حذاء الجبهة أو فروع الأذنين؛ لأن هذا جاءت به السنة.
ويستحب أن يضع المصلي راحتيه على الأرض مبسوطتين مضمومتي الأصابع بعضها إلى بعض مستقبلاً بهما القبلة.

(1)

قوله «وَيَكُوْنُ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ»

مستقبلاً بهما القبلة، لكن

هل يفرق بين القدمين أثناء سجوده

أم يضم بعضهما إلى بعض؟ المذهب (4) أنه يفرق بينهما، وقال بعض أهل العلم: بل يجمعها مضمومتين يعني يرص القدمين بعضهما ببعض، وهذا هو قول شيخنا، واحتجوا لذلك بحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان «رَاصًّا عَقِبَيْهِ» (5). (2)

قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، ثَلاثًا»

والكلام هنا كالكلام عند قوله -رحمه الله- «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ»، فقول المصلي «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» واجب في الصلاة والمجزئ منه مرة واحدة، وذهب الأئمة الثلاثة 6 إلى أن هذا التسبيح=12345

ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا (1)،  = في الصلاة سنة ليس بواجب، والصحيح أن التسبيح واجب في الصلاة.

تنبيهان

: أولاً: إذا جاء بتسبيح غير المذكور كأن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ» (1) أو قال: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» (2) ونحو ذلك، هل يجزئه؟ المذهب أن الواجب من التسبيح أن يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» وإن زاد على هذا الذكر فحسن، والصواب كما ذكرنا أنه يأتي بأي نوع من أنواع التسبيحات المذكورة.
ثانيًا: المذهب (3): لا تستحب الزيادة على قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» في الفرض، وفي التطوع روايتان، والصحيح أن الزيادة على قول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ االأَعْلَى» مشروعة بل مستحبة؛ لورود ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

(1)

قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا»

ودليله حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - السابق وفيه «إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ» 4، وهذا التكبير واجب في الصلاة كما ذكرنا ذلك سابقًا، وذهب جمهور أهل العلم على أن جميع التكبيرات سنة =123

وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، فَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَينْصِبُ الْيُمْنَى (1)  = تكبيرة الإحرام فهي فرض.

(1)

قوله «وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، فَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَينْصِبُ الْيُمْنَى»

هذه هي صفة الجلوس بين السجدتين، فالسنة أن يجلس بين السجدتين مفترشًا، وصفة الافتراش كما ذكره المؤلف هي أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى، ودليل ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها- قالت: «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى» 1، وأيضًا جاء في حديث أبي حميد الساعديّ - رضي الله عنه - في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِيْ مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلاً ثُمَّ أَهْوَى سَاجِدًا» 2، لكن إن فرش قدميه وجلس على عقبيه، المذهب 3 أنه يكره ذلك، وبالكراهة قال الحنفية 4 والمالكية 5، وقال الشافعية 6 وهو رواية المذهب 7 أنه لا يكره بل من السنة فعل ذلك، واحتجوا لذلك بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: «من السنة أن يمس عقبك=

وَيَثْنِيْ أَصَابِعَهَا نَحْوَ القِبْلَةِ (1)،  =إليتيك» (1)، وقال طاووس: «قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ - صلى الله عليه وسلم -» (2) وهناك صفة أخرى جاءت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضًا وهي: أن ينصب المصلي قدميه ويجلس على عقبيه.
فالمذهب (3) أن هذه الصفة والتي قبلها ليست من السنة.
والصواب أن يقال: كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأحاديث صحيحة يعد سنة، لكن لا يواظب الإنسان على فعله، بل يفعله أحيانًا لبيان الجواز وإحياء للسنة، فيشرع للمصلي أن يفرش كلتا رجليه أحيانًا أو ينصبها ويجلس عليها أحيانًا، لكن يكون ذلك بين السجدتين كما ذكر ذلك بعض أهل العلم، أما في الجلوس للتشهد فالسنة أن يفرش اليسرى وينصب اليمنى.

(1)

قوله «وَيَثْنِيْ أَصَابِعَهَا نَحْوَ القِبْلَةِ»

أي يثني أصابع اليمنى ويجعلها نحو القبلة؛ لورود ذلك في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

- تنبيه: أين يجعل المصلي يديه حال الجلوس بين السجدتين

وكيف تكونان؟ نقول: هناك صفتان في وضع اليدين حال الجلوس بين السجدتين: الصفة الأولى: أن يضع يديه على فخذيه وأطراف أصابعه عند ركبتيه.
والصفة الثانية: أن يضع يديه على ركبتيه، فيضع اليد اليمنى على الركبة=123

وَيَقُوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ، ثَلاثًا (1)، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى (2)،  =واليد اليسرى على الركبة يلقمها الركبة كأنه قابض لها.
أما عن كيفية اليدين في حال وضعهما على الركبة في الصلاة فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فجمهور الفقهاء أن اليدين اليمنى واليسرى تكونان مبسوطتي الأصابع موجهة إلى القبلة، وذهب ابن القيم (1) واختاره شيخنا (2) -رحمه الله- أن السنة في ذلك أن تكون اليد اليسرى مبسوطة مضمومة الأصابع موجهة إلى القبلة، أما اليمنى فالسنة أن يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام على البنصر الوسطى ويرفع السبابة ويحركها عند الدعاء.

(1)

قوله «وَيَقُوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ، ثَلاثًا»

وهذا الذكر واجب في الصلاة والمجزئ مرة واحدة، والمستحب الإتيان به ثلاثًا، وبوجوبه قال الحنابلة (3)، وذهب الجمهور إلى أن ذلك سنة وليس بواجب، وإن زاد المصلي على ذلك فقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِيْ وَارْحَمْنِيْ وَاجْبُرْنِيْ وَارْفَعْنِيْ وَارْزُقْنِيْ وَاهْدِنِيْ» (4)؛ لوروده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فحسن.
(2)

قوله «ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى»

أي كالسجدة الأولى في الأقوال والأفعال، فيقول فيها كما قال في السجدة الأولى «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»، «سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ»، «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ =1234

ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا (1)، وَيَنْهَضُ قَائِمًا (2)،  =اغْفِرْ لِيْ»، «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» ونحو ذلك.

(1)

قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا»

والتكبير هنا واجب كما ذكرنا لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - السابق بخلاف قول الجمهور بسنيتها.
(2)

قوله «وَيَنْهَضُ قَائِمًا»

أي بلا جلوس للاستراحة وهذا هو المذهب 1، وذهب الشافعية 2 إلى أن الجلوس للاستراحة سنة مطلقًا، سواء احتاج الإنسان إليه أم لم يحتج، وهذا هو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 3 -رحمه الله-، وهو قول أكثر أهل الحديث، واستدلوا لذلك بحديث مالك بن الحويرث الليثي - رضي الله عنه - «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِيْ وِتْرٍ مِنْ صَلاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» 4، وفي رواية «جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ قَامَ» 5. وذهب شيخنا محمد العثيمين 6 -رحمه الله- إلى قول وسط في هذه المسألة فقال: إن كان المصلي يحتاج إلى الجلوس أي لا يستطيع أن ينهض بدون جلوس فيجلس تعبدًا، وإن كان يستطيع أن ينهض فلا يجلس، وهو قول صاحب المغني، واختاره ابن القيم، وهذا هو الراجح.

  • تنبيه: إذا كان الإمام لا يجلس للاستراحة، فهل يشرع للمأموم أن يجلس =

فَيُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالأُوْلى (1).  =لها إذا كان يرى أنها سنة؟ الجواب: متابعة الإمام أفضل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (1)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوْا» (2)، فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مهلة، فدل ذلك على أن الأفضل في حق المأموم ألا يتأخر عن الإمام ولو يسيرًا.

(1)

قوله «فَيُصَلِّيْ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى»

أي يصنع في الركعة الثانية مثل ما صنع في الركعة الأولى، قال - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته: «ثُمَّ افْعَلْ ذلِكَ فِيْ صَلاتِكَ كُلِّهَا» (3)، لكن الركعة الثانية تخلو من النية وتكبيرة الإحرام والاستفتاح؛ لأن هذه من خصائص الركعة الأولى.

تنبيه: هل يستعيذ عند القراءة في الركعة الثانية؟

قلنا: إن ذلك محل خلاف، فإحدى الروايتين عن أحمد 4 وهي المذهب: أنه لا يستعيذ إلا في الأولى، والرواية الثانية عن أحمد 5 وهو قول الشافعي 6 -رحمه الله- أنه يستعيذ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 7 فيقتضي ذلك تكرار الاستعاذة عند تكرار القراءة، لكن الصواب الأول كما رجحنا=123

فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ مُفْتَرِشًا (1)، فَيَبْسُطُ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى، يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ (2)، وَيُحَلِّقُ الإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى (3) وَيُشِيْرُ بِالسَّبَابَةِ (4)،  =ذلك سابقًا.

(1)

قوله «فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ مُفْتَرِشًا»

أي إذا فرغ من الركعة الأولى والثانية جلس للتشهد مفترشًا أي يفرش رجله اليسرى فيجلس عليها وينصب اليمنى، فيكون جلوسه هنا مثل جلوسه بين السجدتين المتقدم ذكره.
(2)

قوله «فَيَبْسُطُ يَدَهُ الْيُسْرى عَلَى فَخِذِهِ اليُسْرَى، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ»

أي يقبض من يده اليمنى الخنصر والبنصر، والخنصر هو الأصبع الأصغر والبنصر هو الذي يليه.
(3)

قوله «وَيُحَلِّقُ الإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى»

الإبهام هو الأصبع الأكبر، فيحلق مع الوسطى أي يحلق مقدم الإبهام مع مقدم الوسطى فيأخذ شكل حلقة، وهذه هي إحدى الصفات الواردة وهناك صفة أخرى وهي أن يضم الخنصر والبنصر والوسطى ويضم إليها الإبهام وتبقى السبابة مفتوحة.
(4)

قوله «وَيُشِيْرُ بِالسَّبَابَةِ»

السبابة هي ما بين الإبهام والوسطى، وسميت بذلك لأن الإنسان يشير بها عند السبِّ، وتسمى أيضًا السباحة لأنه يشير بها عند التسبيح.
لكن

متى يشير بالسبابة؟

قال الفقهاء يشير بها عند ذكر الله في الصلاة، ويكون ذلك من بداية التشهد إلى آخره، وقال بعضهم: بل يشير بها عند قول: «أشهد أن لا إله إلا الله»، والصواب أنه يشير بها عند الذكر والدعاء فقط؛ لقوله في الحديث «يُحَرِّكُهَا =

وَيَقُوْلُ: التَّحِيَّاتُ للهِ (1)،  =يَدْعُوْ بِهَا» (1). وقد اختلف الفقهاء في الإشارة بالسبابة في التشهد؛ فذهب بعض الحنفية (2) إلى عدم مشروعيته، وإجماع السلف على خلافه، لكن ورد الخلاف في تحريكها حال الإشارة بها، فالمذهب (3) لا يرى التحريك أي يشير بالسبابة من غير تحريك، والصواب أن تحريك السبابة مستحب، ويكون تحريكها كما ذكرنا عند الذكر والدعاء، ولا يكون التحريك كما نراه من البعض عبارة عن اهتزاز الأصبع كهيئة المرتعش، بل يكفي التحريك الذي هو عبارة عن إشارة فقط، وليس معنى التحريك أيضًا تحريك السبابة يمينًا وشمالاً كما يحدث من البعض؛ لأنه لم يرد دليل على ذلك، بل يكون التحريك بالإشارة فقط عند الدعاء.

(1)

قوله «وَيَقُوْلُ: التَّحِيَّاتُ للهِ»

هذا هو التشهد، وقد اختلف فيه الفقهاء؛ فقال الحنفية 4 والمالكية 5 بأنه سنة، وقال الشافعية 6 والحنابلة 7 بوجوبه وهذا هو الحق؛ لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كُنَّا نَقُوْلُ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ السَّلامُ عَلَى اللَّهِ السَّلامُ عَلَى جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ فَقَالَ رَسُولُ - صلى الله عليه وسلم - =123

وَالصَّلَوَاتُ (1)، وَالطَّيِّبَاتُ (2)، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ (3)  = «لا تَقُوْلُوْا هَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ السَّلامُ وَلَكِنْ قُوْلُوْا التَّحِيَّاتُ للهِ... » (1). وقوله «التَّحِيَّاتُ للهِ» أي حال جلوسه للتشهد يأتي بهذه الصفة التي سيذكرها المؤلف، ومعنى «التَّحِيَّاتُ للهِ» أي جميع أنواع التعظيمات من دعاء وصلوات وكل طيب من الأقوال والأفعال لله تعالى، واللام في قوله «التَّحِيَّاتُ» للاستحقاق والاختصاص، فلا يستحق أي نوع من التحيات إلا لله عز وجل.

(1)

قوله «وَالصَّلَوَاتُ»

أي الصلوات كلها؛ فرضها ونفلها وكل الأدعية لله استحقاقًا لا أحد يستحقها غيره، فلازم أن تكون هذه الصلوات المؤداة لله إخلاصًا وعبودية، وقيل في معناها أيضاً العبادات، وقيل الرحمة.
(2)

قوله «وَالطَّيِّبَاتُ»

كل طيب من الأقوال والأفعال والصفات لله تعالى، فما يتعلق به سبحانه وتعالى له من الأوصاف أطيبها، ومن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الطيب، ولا يفعل إلا الطيب، ولا يتصف إلا بالطيب، فهو سبحانه وتعالى طيب في كل شيء، في ذاته وصفاته وأفعاله، فالطيبات إذاً هي الكلام الذي هو ثناء على الله تعالى وذكر له.
(1)

قوله «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»

السلام هو السلامة من كل شر في الدنيا والآخرة، وهذه الجملة خبر بمعنى الدعاء، بمعنى أنك تدعو بأن الله يسلم =1

وَرَحْمَةُ اللهِ (1)، وَبَرَكاتُهُ (2)  =نبيه من شرور الدنيا والآخرة، وخبر بمعنى قوة رجاء كأن الإجابة أمرٌ واقع.

لكن

هل يقال في التشهد «السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ» بحذف الكاف

لورود ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه -؟ نقول: لا، بل يأتي بالكاف فيقول: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» لأن هذه هي الصفة التي علمها النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته في حياته، ولم يقل لهم إذا متُّ فقولوا: «السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ»، بل علمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن على لفظها، وما جاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه - هو اجتهاد منه خالفه فيه من هو أعلم منه كعمر - رضي الله عنه -، فإنه خطب الناس على منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»، فلم يخالفه أحد من الصحابة وقال له: «السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ».
ثم إن الكاف هنا ليست كاف خطاب حاضر يتكلم، بل هي هنا بمنزلة تنزيل الغائب منزلة الحاضر؛ لقوة استحضار القلب له، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية 1 -رحمه الله-.
(1) قوله «وَرَحْمَةُ اللهِ» جملة معطوفة على ما قبلها وهي قوله «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» أي السلام عليك ورحمة الله عليك أيها النبي.
(2) قوله «وَبَرَكاتُهُ» جمع بركة، والبركة هي دوام الخير وثبوته، وأصل البركة من البِرْكَةِ بكسر الباء وهي مجمع الماء الكثير الثابت، والبركة أيضًا معناها النماء والزيادة في كل خير.
والدعاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالبركة يكون حال حياته وبعد مماته، فأما في حال حياته فقد حصل من الصحابة- رضوان الله عليهم - حيث كانوا يدعون له في صلاتهم=

السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ (1)، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ (2)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ (3)،  =بالبركة كما هو معروف في أثناء تشهدهم، والمراد به هنا أن يبارك الله تعالى له في أهله وعمله وطعامه وكسوته ونحو ذلك، ويكون ذلك بثبوت الخير له ودوامه عليه.
أما بعد مماته فيكون الدعاء بالبركة له بأن يبارك الله في أتباعه وما يتبع فيه، فكثرة الأتباع تكون بزيادتهم وما يتبع فيه يكون بكثرة أعمال الخير ودوامها، فيحصل له بذلك الأجر العظيم بكثرة الأتباع وكثرة العمل من الأتباع.

(1)

قوله «السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ»

بعد أن فرغ المصلي من الدعاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالسلامة والرحمة والبركة، هنا يدعو لنفسه ولإخوانه المسلمين.
والضمير في قوله «عَلَيْنَا» قيل يعود على المصلين، وقيل على الملائكة، وقيل على جميع الأمة المحمدية وهذا هو الأظهر، فالمصلي يدعو لنفسه ولإخوانه من هذه الأمة.
أما قوله «وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ» هذا تعميم بعد تخصيص، وذلك لأن عباد الله الصالحين هم في الحقيقة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. (2)

قوله «أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ»

أي أشهد أنه لا معبود بحق إلا الله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (1). (3)

قوله «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ»

أي أشهد أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - عبد الله أي عابد له لا يملك من الربوبية شيء بل هو بشر مثلنا، لكن ميزه الله تعالى بالوحي وبما جبله عليه من العبادة والأخلاق العظيمة، وقوله «وَرَسُوْلُهُ» =1

فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ التَّشَهُّدِ (1)،  =أي أرسله الله وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه.

(1)

قوله «فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ التَّشَهُّدِ»

وهو ثابت عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، فعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِيْنَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْكَلامِ مَا شَاءَ» (1)، هذا هو التشهد الأول، لكن

هل يأتي المصلي بالصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول؟

قولان لأهل العلم: فأكثر أهل العلم على أنه لا تشرع إلا في التشهد الأخير، وهذا اختيار شيخنا محمد العثيمين 2 -رحمه الله-، وذهب النووي كما في المجموع 3 وبعض أهل العلم واختاره سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 4 -رحمه الله- إلى أن الصلاة على النبي تشرع في التشهد الأول وقال هذا على الصحيح.
والذي نرجحه من القولين ما ذهب إليه سماحة شيخنا ابن باز -رحمه الله- لعموم الأدلة فلم تخصص هذه الأدلة التشهد الأخير، بل هي عامة تشمل التشهدين، لكنها في التشهد الأول مستحبة وليست بواجبة.1

ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (1)،  (1)

قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»

هذه إحدى صفات الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، فالمشهور من المذهب 1 أنها ركن لا تصح الصلاة بدونها، وفي رواية في المذهب 2 أنها واجبة تصح بدونها مع جبر الصلاة بسجود سهو، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد 3 وهي المذهب عند الحنفية 4 والمالكية 5 أن الصلاة الإبراهيمية في الصلاة سنة وليست بركن ولا واجبة، واختار هذا القول شيخنا محمد العثيمين 6 -رحمه الله-، وذهب الشافعية 7 إلى أنها فرض في التشهد الثاني.
والصحيح أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ركن لا تتم الصلاة إلا بها وهذا في التشهد الأخير، أما في التشهد الأول فمستحبة.
وقوله «اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» الصلاة من الله على أنبيائه ورسله هي ثناؤه عليهم عند الملائكة المقربين، فقولنا اللهم صل على محمد؛ أي أثن عليه وأعل ذكره، وزده تعظيمًا وتشريفًا.
وقوله «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» أي أقاربه الذين تحرم عليهم الصدقة وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب وأزواجه.

كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وَآلِ إِبْرَاهِيْمَ (1)، إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ (2)، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ (3)، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (4)، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ (5)، إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ (6). وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ (7)،  (1)

قوله «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وآلِ إِبْرَاهِيْمَ»

أي كما مننت بهذه الصلاة على إبراهيم امنن بها على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. (2)

قوله «إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ»

إنك أنت المستحق للمحامد والتمجيد.
(3) قوله «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ» أي أنزل عليهم البركة.
(4) قوله «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «الآل» إن أفردت تشمل جميع الأتباع، ويكون المراد بها أتباعه - صلى الله عليه وسلم - من قراباته ومن آمن به واتبعه من أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وهذا هو المراد في التشهد فأنت حينما تقول: «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» فقد دعوت لأقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ودعوت لنفسك أنت كذلك بالبركة.

(5)

قوله «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ»

أي كما خصصت نبيك وخليلك إبراهيم وآله بالبركة، فكذلك أنزل بركتك على نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وآله، فما أعظمه من دعاء.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أتباع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لننال هذه البركة أعني البركة في العمل والبركة في العمر والبركة في نعم الدنيا.
(6) قوله «إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ» قد سبق ذكره.

(7)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ»

اختلف العلماء في هذا الدعاء المذكور، فالجمهور على أنه سنة في الصلاة، وقيل بأنه واجب وهذا رواية عن الإمام أحمد 1، والراجح أنه واجب، لكن فينبغي للمصلي أن لا يترك =

وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ (1)،  =هذا الدعاء لخطورة هذه الأربع التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة منها.
قوله «عَذَابِ جَهَنَّمَ» علم على النار وهي مخلوقة وموجودة الآن كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (1)، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - حينما صلى الكسوف عرضت عليه النار ووجد فيها عمرو بن لحي الخزاعي، وأيضًا عرضت عليه في المعراج ورأى فيها أناساً يعذبون.
ومعنى «أعوذ بالله من عذاب جهنم» أي ألجأ وأعتصم بالله من عذاب في جهنم أو من العذاب الحاصل في جهنم.

(1)

قوله «وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»

معطوف على ما قبلها أي أستعيذ بالله من عذاب القبر أي ما يحصل فيه من العقوبة، وعذاب القبر ثابت بظاهر القرآن وصريح السنة وإجماع المسلمين.
فمن ظاهر القرآن قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ 2، فقوله ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أي صباحًا ومساء يعذبون في قبورهم.
ومن نصوص السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اسْتَعِيْذُوْا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاًثًا.. » 3، وحديث عائشة قالت: «دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوْزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُوْدِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا لِيْ: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُوْرِ يُعَذَّبُوْنَ فِيْ قُبُوْرِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ، =1

وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ (1)، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيْحِ الدَّجَّالِ (2)، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِيْنِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ (3)،  =فَقَالَ: صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُوْنَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِيْ صَلاةٍ إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (1). وهناك أدلة كثيرة تدل على ذلك.
وقد أجمع المسلمون على أن عذاب القبر حاصل للكافرين وكذا عصاة الموحدين قد يحصل لهم شيء من عذاب القبر.

(1)

قوله «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ»

فتنة الدنيا تشمل الافتتان بها بشهواتها وما خلق فيها، وكذا الافتتان بشبهاتها كالتباس الحق بالباطل فيرى الإنسان الباطل حقًا والحق باطلاً.
أما فتنة الممات فقيل هي سؤال الملكين في قبره عن ربه ودينه ونبيه - صلى الله عليه وسلم -، وقيل أيضًا ما يكون عند الموت في آخر الحياة.
(2)

قوله «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيْحِ الدَّجَّالِ»

أي وأستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال، والمراد بفتنته ما يحصل به من الإضلال والإغواء بما معه من الشبهات، ولما كانت فتنته عظيمة أمر المسلم أن يستعيذ من فتنته في أحب الأعمال إلى الله تعالى وهي الصلاة.
1 قوله «ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِيْنِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ» وهذه التسليمة ركن من أركان الصلاة، وذهب الحنفية 2 إلى عدم ركنية التسليم في الصلاة.
والصحيح أن التسليم ركن لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَتَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْمُ» 3 ولأنه - صلى الله عليه وسلم - =

..................................  = واظب عليه ولم يتركه أصحابه من بعده، وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» 1. لكن اختلف الفقهاء في التسليمة الثانية؛ فالمالكية 2، والشافعية 3 وإحدى الروايتين في المذهب 4 يرون أنها سنة، والمذهب 5 أنها ركن وهذا اختيار ابن القيم 6 والعلامة ابن سعدي 7 - رحمهما الله - وهو الراجح.
وعلى ذلك لا يجزئ الإتيان بتسليمة واحدة على القول الراجح من أقوال أهل العلم، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 8 - رحمه الله -. لكن على من يسلم المصلي عند خروجه من الصلاة؟ قيل: يسلم على من معه إن كان إمامًا في جماعة، وإن كان منفردًا فإنه يسلم على الملائكة.

  • تنبيه: هل يزيد على ذلك فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟ الجواب: محل خلاف بين أهل العلم، فالمذهب 9 يرى أن الأفضل أن لا يزيد، وذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية هذه الزيادة في التسليمة الأولى دون الثانية، واحتج لذلك بأنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، فعن وائل بن حجر - رضي الله عنه - قال: =

وَعَنْ يَسَارِهِ كَذلِكَ (1). وَإِنْ كَانَتِ الصَّلاةُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ (2)، نَهَضَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ (3)،  = «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَعَنْ شِمَالِهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» (1). والصواب أنه إن فعل ذلك أحيانًا فله ذلك؛ لصحة الخبر الوارد في ذلك لكن لا يواظب عليه، أما إن كان إمامًا ويحصل من هذه الزيادة تشويش على الناس ويستنكرون عليه فلا يفعل ذلك.
(1) قوله «وَعَنْ يَسَارِهِ كَذلِكَ» أي يسلم عن يساره كما سلم عن يمينه «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» وهذه التسليمة على الصحيح واجبة لا يشرع لأحد تركها كما ذكرنا، بل الواجب الإتيان بها.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَتِ الصَّلاةُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ»

كأن تكون الصلاة ثلاثية كالمغرب، أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء.
(3)

قوله «نَهَضَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ»

أي نهض مكبرًا بعد التشهد الأول، لكن هل يرفع يديه عند نهوضه من التشهد الأول كرفعه عند ركوع وعند قيامه منه، المشهور من المذهب 2 أنه لا يرفع يديه عند القيام للركعة الثالثة بعد تشهده الأول.
والصحيح أنه إذا قام من الركعتين يسن له أن يرفع يديه لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - وفيه «... وَإِذَا قَامَ=1

جارٍ التحميل