إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ نَذْرًا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ (1)، وَيَصِحُّ مِنَ الْمَرْأَةِ فِيْ كُلِّ مَسْجِدٍ (2)، غَيِّرِ مَسْجِدْهَا (3)،
=مسعود رضي الله عنه لحذيفة حين ذكر له الخبر قال (لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت) (1)، والإنسان معرض للنسيان.
إذاً فالصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بأن الاعتكاف عام في كل مسجد لكن كونه في المساجد الثلاثة أفضل كما أن الصلاة فيها أفضل وعلى هذا يحمل الأثر أي الاعتكاف أفضل في هذه المساجد.
(1)
وقوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ نَذْرًا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ):
النذر هو أن يلزم العبد نفسه بعبادة لم تكن واجبة عليه بأصل الشرع كصوم وصلاة وحج وصدقة ونحو ذلك ومن جملة ذلك أن ينذر الإنسان اعتكافاً فهنا يلزمه الوفاء بهذا النذر لقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ) (2). (2)
قوله (وَيَصِحُّ مِنَ الْمَرْأَةِ فِيْ كُلِّ مَسْجِدٍ):
لكن لابد من إذن وليها وأمن الفتنة فإن كان اعتكافها فتنة فإنها لا تُمَكَّنْ منه لان المستحب إذا ترتب عليه ممنوع وجب أن يمنع.
والمرأة كالرجل في جواز الاعتكاف لها فقد اعتكفت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته.
(3) قوله (غَيِّرِ مَسْجِدْهَا): هذا استثناء لما ذكره قبل فلا يصح أن تعتكف المرأة في مسجد بيتها وهو مصلاها الذي اتخذته في بيتها من أجل الصلاة فقد كانت=12
..................................
=النساء تجعل لها مكاناً في بيتها كحجرة معينة خاصة تصلي فيه فهذا لا يصح للمرأة أن تعتكف فيه.
لأنه ليس مسجداً في الحقيقة ولذا يجوز لها أن تجلس فيه وهي حائض وتبيع وتشتري فيه وتبقى فيه وهي جنب ومثل ذلك المصليات التي تكون في مكاتب الأعمال الحكومية فلا تأخذ حكم المسجد.
فالحاصل أن المرأة لا يصح اعتكافها في مسجد بيتها وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء وقد جاء في السنن الكبرى عند البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن المرأة جعلت عليها - أي نذرت - أن تعتكف في مسجد بيتها، فقال بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع 1.
وخالف أبو حنيفة 2 فقال بجواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها لأنه هو موضع لصلاتها يتحقق انتظارها فيه، وقال لو اعتكفت في مسجد الجماعة جاز مع الكراهية التنزيهية والبيت أفضل من مسجد حيها ومسجد الحي أفضل من المسجد الأعظم.
وقال الحنفية وليس للمرأة أيضاً أن تعتكف في غير موضع صلاتها من بيتها وإن لم يكن لها في البيت مكاناً تتخذه للصلاة فلا يجوز لها الاعتكاف في بيتها.
والصحيح خلاف ما ذكره الحنفية في هذا، بل لا يشرع لها أن تعتكف في غير المسجد كما ذكرنا.
- فائدة: ينبغي للمرأة إذا اعتكفت أن تستتر بخباء ونحوه: لفعل عائشة رضي
وَمَنْ نَذَرَ الاِعْتِكافَ، أَوِ الصَّلاةَ فِيْ مَسْجِدٍ، فَلَهُ فِعْلُ ذلِكَ فِيْ غَيْرِهِ (1)، إِلاَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلاثَةَ (2)، =الله عنها وحفصة وزينب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتجعل خباءها في مكان لا يصلى فيه الرجال لأنه أبعد في التحفظ لها، قال أبو داود عن الإمام أحمد قوله (يعتكفن في المسجد ويضرب لهن فيه بالخيم) (1).
(1)
قوله (وَمَنْ نَذَرَ الاِعْتِكافَ، أَوِ الصَّلاةَ فِيْ مَسْجِدٍ، فَلَهُ فِعْلُ ذلِكَ فِيْ غَيْرِهِ):
أي إذا نذر شخص الاعتكاف أو الصلاة في مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة فله فعل ذلك فيه وفي غيره من المساجد وذلك لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعاً فلم يتعين بالنذر، فليس قصد مسجد بعينه دون غيره طاعة إلا المساجد الثلاثة كما سيذكره المؤلف وهذا هو قول المالكية (2) والشافعية (3) لكن إذا صلى واعتكف في غير المسجد الذي عينه فهل يلزمه كفارة يمين؟ على وجهين في المذهب؟ الصحيح عندي أنه لا يلزمه الكفارة لما ذكرناه آنفاً.
(2)
قوله (إِلاَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلاثَةَ):
وهي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وذلك لفضلها على شتى المساجد ولقوله صلى الله عليه وسلم (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) 4، وقوله (صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ=123
فَإِذَا نَذَرَ ذلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَزِمَهُ (1)، وَإِنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِيْ مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ (2)، وَإِنْ نَذَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، فَلَهُ فِعْلُهُ فِيْ أَيِّهِمَا أَحَبَّ (3)، =إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (1). فإذا عين أحد المساجد الثلاثة لم يجز أن يعتكف في غيره إلا فيما هو أفضل منه على ما سيذكره المؤلف.
(1)
قوله (فَإِذَا نَذَرَ ذلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَزِمَهُ): أي لم يجزئه في المسجد النبوي ولا المسجد الأقصى لأنه عين الأفضل في نذره فلم يجزئه الاعتكاف فيما دونه لعدم مساواته له.
(2)
قوله (وَإِنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِيْ مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ):
لأن غاية ما فيه أنه انتقل من الأفضل إلى ما هو أفضل منه في الأجر.
(3)
قوله (وَإِنْ نَذَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، فَلَهُ فِعْلُهُ فِيْ أَيِّهِمَا أَحَبَّ):
جملة ما ذكره المؤلف هنا أنه من عين اعتكافه في المسجد الحرام لا يجزئه في المسجد النبوي ولا المسجد الأقصى وإن عين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزئه المسجد الأقصى والعكس صحيح فإن عين المسجد الأقصى جاز في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسجد الحرام وإن عين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جاز في المسجد الحرام.
فأفضلية المسجد الحرام مقدمة على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على المسجد الأقصى في الفضل وقد مر ذكر دليل ذلك، أما الأجر المترتب على الصلاة في المسجد الأقصى فهو مذكور في قوله صلى الله عليه وسلم (.. وَالصَّلاة فِي=1
..................................
=بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسمِائَة صَلاة) (1).
ومن الأدلة أيضاً ما رواه أحمد وغيره عن جابر رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ شَأْنُكَ) (2) فأذن له صلى الله عليه وسلم بالصلاة في مكة لأنها أفضل.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بما سبق:
-
فائدة (1): هل التفضيل في المساجد الثلاثة في صلاة الفريضة والنافلة؟ نقول أما الفريضة فلا إشكال أنها إنما شرعت في المسجد فلا يستثنى منها شيء وأما النوافل فما كان مشروعاً في المسجد، شمله هذا التفضيل كقيام رمضان وتحية المسجد وما كان أفضل في البيت ففعله في البيت أفضل كالرواتب ونحوها.
فائدة (2): هل تضاعف بقية الأعمال الصالحة في هذه المساجد كما تتضاعف الصلاة؟
نقول لا ريب أن للمكان الفاضل والزمان أثراً في تضعيف الثواب وعلى ذلك إذا كان الشهر فاضلاً والزمان فاضلاً ضوعفت فيه الحسنات وعظم فيه أثم السيئات فسيئة في رمضان أعظم إثماً من سيئة في غيره، والحسنات في الأماكن الفاضلة كالحرمين الشريفين تضاعف في الكمية والكيفية أما السيئات فلا تضاعف بالكمية ولكن بالكيفية.12
.................................. أما تضاعف الأعمال بعدد معين فأمره إلى الله لا نعلمه لأنه أمر توقيفي أما الصلاة فقد ورد فيها بيان مقدار مضاعفتها كما مرَّ ذلك.
- ال
فائدة (3): هل مضاعفة الأجر خاص في المساجد الثلاثة أو كل ما حوله فهو مثله؟
نقول أما المسجد الأقصى فليس له حرم بالاتفاق ولذا يخطاء بعض الناس حينما يقول (أولى القبلتين وثالث الحرمين)، فقد أجمع العلماء على أنه لا حرم إلا المسجد الحرام والمسجد النبوي.
لكن ما هو حد الحرم فيهما؟
نقول: أما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالحرم فيه ما كان عليه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما زيد عليه فهل يلحقه الثواب المترتب على فعل الطاعة فيه؟
نقول اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب الحنفية 1 والحنابلة 2 وهو اختيار شيخ الإسلام 3 أن كل ما طرأت على المسجد النبوي من توسعة وزيادات في بنائه تأخذ حكم المسجد من جهة نيل الثواب.
وذهب الشافعية 4 وابن عقيل وابن الجوزي وجمع من الحنابلة 5 إلى أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده والصحيح ما ذهب إليه الأولون وهو اختيار شيخنا 6 رحمه الله حيث قال (لكن ما زيد فيه فهو منه، والدليل على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم صلوا في الزيادة التي زادها عثمان رضي الله عنه مع أنها=
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَالُ بِالقُرَبِ (1)،
=خارج المسجد الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم).
أما المسجد الحرام فقد اختلف الفقهاء في المراد بالمسجد الحرام، هل المراد به الحرم أم المسجد الخاص الذي فيه الكعبة؟
اختلف فيه الفقهاء على نحو من سبعة أقوال (1) أشهرها قولان:
الأول: أنه الحرم كله إلى الحدود الفارقة بين الحل والحرم، وهذا اختيار أكثر أهل العلم، ورجحه سماحة شيخنا بن باز (2) رحمه الله، وذهب ابن مفلح من الحنابلة (3) أن الأجر المترتب على الصلاة في الحرم إنما يكون في المسجد فقط، وإليه ذهب شيخنا محمد صالح العثيمين (4) رحمه الله.
والراجح عندي ما ذهب إليه الأولون، فمن صلى صلاة في أي موضع في الحرم حصل له الأجر المترتب على فعل هذه الصلاة.
(1)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَالُ بِالقُرَبِ):
بدأ المؤلف هنا ببيان ما ينبغي أن يكون عليه المعتكف في معتكفه فذكر جملة من الآداب فقال: (يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَالُ بِالقُرَبِ).
القرب جمع قربه والمراد به كل ما يتقرب به لله تعالى من العبادات الخاصة غير الواجبة ومن هذه القرب: قراءة القرآن، والذكر، والصلاة في غير وقت النهي وما شابه ذلك.
لكن إذا كان يقام في المسجد دروس علم ونحوه، فهل الأفضل له أن يحضر هذه الدروس؟1234
وَاجْتِنَابُ مَا لا يَعْنِيْهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ (1)، وَلا يَبْطُلُ الاِعْتِكافُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ (2)، وَلا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، إِلاَّ لِمَا لابُدَّ لَهُ مِنْهُ (3)، =نقول إن كانت حلقات العلم ليست بكثيرة بحيث لا تنافي مقصود الاعتكاف فالأفضل له حضورها أما أن كانت كثيرة بحيث تشغله عن القراءة والذكر فالأفضل الانشغال بالقرب المذكورة أنفاً.
(1)
قوله (وَاجْتِنَابُ مَا لا يَعْنِيْهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ):
أي يستحب للمعتكف اجتناب مالا يعنيه أي ما لا يهمه من قول أو فعل لقوله صلى الله عليه وسلم (مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ) (1). (2)
قوله (وَلا يَبْطُلُ الاِعْتِكافُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ):
ولا يبطل الاعتكاف إن ارتكب شيئاً من المكروهات أو المحرمات أيًّا كانت غير الجماع وأما المحرمات كالغيبة والنميمة والسب وشتم الناس ونحو ذلك من المحرمات فلا يبطل الاعتكاف بها بل تنقص الأجر وتنافي ما شرع من أجله الاعتكاف.
(3)
قوله (وَلا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، إِلاَّ لِمَا لابُدَّ لَهُ مِنْهُ):
اتفق الفقهاء على أن الخروج من المسجد لغير حاجة يفسد الاعتكاف أما إذا كان لحاجة فلا يبطل الاعتكاف ولكنهم اختلفوا في الحاجة التي يجوز فيها الخروج.
والراجح أنها كل ما يحتاجه الإنسان مما لا بد له منه كقضاء حاجة ووضوء وغسل واجب وأكل وشرب إذا كان هناك من لا يأتيه به ونحو ذلك فيجوز له فعله.
دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت (.. كَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) 2.1
إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ (1)، وَلا يُبَاشِرُ امْرَأَةً (2)، وَإِنْ سَأَلَ عَنِ الْمَرِيْضِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ طَرِيْقِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ إِلَيْهِ، جَازَ (3)، (1)
قوله (إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ):
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الاشتراط في الاعتكاف كأن ينوي الاعتكاف ثم يقول يا رب استثني من اعتكافي عيادة مريض أو شهود جنازة ونحو ذلك، أما لو اشترط الخروج للبيع والشراء أو الإجارة أو التكسب بالصناعة ونحو ذلك فلا يصح الشرط بلا خلاف عند الفقهاء.
وإن قلنا بجواز الاشتراط في بعض الأمور فنقول: المحافظة على الاعتكاف بلا شك أفضل وأولى إلا إذا كان المريض من أقاربه الذين يعتبر عدم عيادتهم قطيعة رحم فهنا يستثنى وكذا شهود جنازته.
(2)
قوله (وَلا يُبَاشِرُ امْرَأَةً):
لقوله تعالى [وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ] (1). أما دواعي الجماع كاللمس والقبلة ونحو ذلك فقد اختلف فيه الفقهاء فالحنفية (2)، والحنابلة (3) أنه إذا أنزل بذلك أفسد اعتكافه فإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه وهذا هو الصحيح.
(3)
قوله (وَإِنْ سَأَلَ عَنِ الْمَرِيْضِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ طَرِيْقِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ إِلَيْهِ، جَازَ):
وذلك لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت (.. إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلا وَأَنَا مَارَّةٌ.. ) فلا يدخل على المريض بل يسلم عليه وهو مار.123
..................................
ذكر بعض الفوائد في الاعتكاف
:
فائدة (1): بعض الناس يكون إماماً أو مؤذناً في مسجد
لكن يرغب الاعتكاف في مسجد آخر لاعتبارات أخرى فيترك جماعته ويعتكف وهذا خطأ، وإن لم يستأذن من الجهة المسؤولة فهو آثم لأنه ترك واجباً وفعل مستحباً.
فائدة (2): بعض الموظفين يرغب الاعتكاف
، لكن يشترط الخروج للدوام، ونقول: هذا خلاف المقصود من الاعتكاف، والأولى لمثل هؤلاء أداء الواجبات عليهم ومتى انتهت أعمالهم جلسوا في المسجد حسب الاستطاعة.
فائدة (3): ومن الأمور أيضاً التي تعد منافية لروح الاعتكاف
ما يحصل من اجتماع الشباب داخل الاعتكاف لغير فائدة، إما لكلام بلا فائدة، أو باللعب بما في أيديهم من الجوالات، وغير ذلك مما هو ليس فيه نفع، وهذا بلا شك مخالف لمقصود الاعتكاف، بل على الشباب أن يجتهدوا في طاعة الله، وأن لا يضيعوا وقت الاعتكاف فيما لا خير فيه ولا نفع.
فائدة (4): بعض الشباب - هداهم الله - يعتكف بغير إذن وليه
، وقد يكون الأب أو الأم في حاجة له ومع ذلك يعتكف دون رضاهم، وهذا خطأ كبير، بل على الابن أن يستأذن والديه في الاعتكاف، فإن أذنا له فحسن، وإلا فلا يجوز له أن يعتكف بغير رضاهما.
فائدة (5): المشروع في حق المعتكف أن يدخل معتكفه قبل غروب شمس يوم العشرين من رمضان
، ويخرج منه بغروب شمس آخر يوم من رمضان إن تم ثلاثين يوماً أو أعلن خبر العيد.
..................................
فائدة (6): يلاحظ عند بعض المعتكفين كثرة الولائم والإسراف في المأكول والمشروب
، وهذا فيه نوع إسراف وهو منهي عنه، وفيه نوع من شبع البطن التي تؤدي إلى الكسل عن العبادة، وهذا أمر ملاحظ ومشاهد، فالذي تمتلاء معدته بكل مأكول ومشروب تراه يتكاسل عن أداء العبادة، وإن أداها فهي خالية من خشوع القلب الذي هو لب العبادة، فعلى المعتكفين أن يقللوا من الأكل والشرب وأن يتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) 1.
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة (الحج) تأليف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 هاتف: 064226000 - فاكس: 064225666 - جوال: 0505123100 موقع منار الإسلام www.m-islam.net البريد الإلكتروني: a@m-islam.net m-islam 1@hotmail.com الجزء الثالث مدار الوطن للنشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة (الحج)
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1430 هـ - 2009 م مدار الوطن للنشر - الرياض هاتف: 4792042 (5 خطوط) فاكس: 4723941 - ص. ب: 245760 فرع السويدي: هاتف: 4267177 - فاكس: 4267377 منطقة الرياض: 0503269316 المنطقة الغربية: 0504143198 المنطقة الشرقية: 0503193268 المنطقة الشمالية والقصيم: 0504130728 المنطقة الجنوبية: 0504130727 التوزيع الخيري: 0506436804 - 2831453 التسويق والمعارض الخارجية: 0506495625 البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com
كِتَابُ الْحَجِّ (1).
الشرح:
(1) قوله (كِتَابُ الْحَجِّ) الحج بفتح الحاء ويجوز كسرها.
هو لغة: القصد؛ يقال: حج إلينا فلان، أي قدم إلينا.
وفي الشرع: التعبد لله بقصد البيت الحرام في زمن مخصوص لأداء المناسك من إحرام، وطواف، وسعي، ووقوف بعرفة، وغيرها.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالحج
:
أولاً: ذكر بعض فضائله:
1 - تضافرت نصوص الكتاب والسنة على الإشارة إلى فضل الحج، وعظمة ثوابه، وجزيل أجره، ومن هذه النصوص ما جاء في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ 1. قال العلامة ابن سعدي رحمه الله 2 في تفسير هذه الآية ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أي لينالوا ببيت الله منافع دينية من العبادات الفاضلة والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية من التكسب وحصول الأرباح الدنيوية، وكل هذا أمر مشاهد والكل يعرفه.
2 - ومن فضائله أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال=