لِقَوْلِ أَنَسٍ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ عَلى الثَّيِّبِ، أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلى البِكْرِ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً (1)، =الذي ذكره المؤلف، ولعل الحكمة من ذلك لأن الثيب ألفت الرجال فلا تحتاج لزيادة عدد الأيام لإيناسها.
(1)
قوله «لِقَوْلِ أَنَسٍ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ عَلى الثَّيِّبِ، أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلى البِكْرِ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً»
- فائدة: إذا زفت إليه امرأتان في ليلة واحدة قدم السابقة منهما لأن حقها أسبق, ثم يقيم عند الأخرى.
قال في الكافي: «يكره أن يزف امرأتين في ليلة واحدة لأنه لا يمكن الجمع بينهما في إيفاء حقهما وتستضر التي يؤخر حقها وتستوحش، فإن فعل بدأ بالتي تدخل عليه أولاً فوفاها حقها لأنها أسبق فإن أدخلتا عليه معا أقرع بينهما، فقدم من تخرج لها القرعة، ثم ثنَّى بصاحبتها، ثم قسم بعد ذلك» 3.
وَإِنْ أَحَبَّتِ الثَّيِّبُ أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، فَعَلَ، ثُمَّ قَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِيْ (1)، (1)
قوله «وَإِنْ أَحَبَّتِ الثَّيِّبُ أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، فَعَلَ، ثُمَّ قَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِيْ»:
أي إن أحبت الثيب أن يكمل لها سبعاً فعل, لكن يقضي مثلهن لزوجاته البواقي دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث أم سلمة الذي سيذكره المؤلف، فقد خيّرها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تبقى على ثلاثة أيام وهو حقها وبين أن يسبع لها وحينئذ يسبع للبواقي.
وقوله «ثُمَّ قَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِيْ»
هل يقضي للنساء الأخريات سبع ليال أو يقضي أربع ليال لأن المرأة حقها ثلاث والأربع هذه ليست من حقها؟
نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين؟
الأول: وهو قول جمهور الفقهاء 1 أنه يقسم لنسائه الأخريات سبعاً وذلك للحديث الذي سيذكره المؤلف، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِيْ».
وذهب الحنفية 2 إلى أنه يقسم للبواقي أربعاً لأنه جلس مع زوجته الجديدة أربعاً زائدة ولا فضل للجديدة في القسم على القديمة لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ
الْمَيْلِ﴾ 3، وقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 4.
لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ «لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلى أَهْلِكِ إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِيْ» (1)، =والأقرب: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول لدلالة النص عليه.
(1)
قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً، ثُمَّ قَال «لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلى أَهْلِكِ إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِيْ»
(1): نقول
خلاصه فقه هذا الحديث
أن صاحب النسوة إذا تزوج امرأة جديدة وعرّس بها قطع الدور, وأقام عندها سبعاً إن كانت بكراً, وثلاثاً إن كانت ثيباً, وتكون السبع والثلاث متتاليات كما سبق ولا يقضيها لزوجاته الباقيات, ثم يعود للدور بين زوجاته لحديث أنس -رضي الله عنه- المتقدم، وإن شاءت الثيب أن يقيم عندها سبعاً فعل, وقضى للبواقي من ضراتها لحديث أم سلمة المتقدم.1
فَصْلٌ فِيْ آدَابِ الجِمَاعِ
(1) وَيُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ عِنْدَ الجِمَاعِ (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ آدَابِ الجِمَاعِ»:
أي فصل فيما يستحب ويسن عند جماع الرجل أهله, وهذا إنما يدل على كمال الدين وعظمته، وأنه راعى كل شيء يؤدي إلى كمال وأخلاق البشرية, فهذه جملة من الآداب الذي ينبغي للإنسان أن يصنعها إذا أراد أن يأتي أهله.
(2)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ عِنْدَ الجِمَاعِ»:
وذلك لورود النهي عن إتيان الأهل منكشفاً انكشاف العير, دليل ذلك حديث عتبة بن عبد السلمي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ، وَلا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ» 1، والعيرين تثنية عير وهو حمار الوحش، وهذا الحديث رواه ابن ماجة وغيره وهو ضعيف, لكن أصح ما يحتج به هنا حديث معاوية بن قرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَا نَبِىَّ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ.
قَال «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ».
فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
قَالَ: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلا يَرَاهَا».
قَالَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا.
قَالَ «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنَ النَّاسِ» 2، ومعنى أحق أن يستحيا منه أن لا يأتي أهله متكشفاً, =
وَأَنْ يَقُوْلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذا أَتىَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطُانُ أَبَدَا» 1، =أما انكشاف العورة فإنه بطبيعة الحال سوف يرى كل منهما عورة صاحبه.
(1)
قوله «وَأَنْ يَقُوْلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذا أَتىَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشّّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطُانُ أَبَدَا» (1)»: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، وفيه فوائد عظيمة:
ففيه استحباب التسمية، وأيضاً بيان بركتها في كل حال، وأن يعتصم بالله وذكره من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من جميع الأدواء, وفيه أن الشيطان لا يفارق ابن آدم في حال من الأحوال إلا إذا ذكر الله تعالى, ومن فقه هذا الحديث ما يلي:
1 - أن المشروع أن يقال هذا الحديث قبل البدء, أو عند البدء في الوقاع ويقول ذلك بحيث يسمع نفسه.
2 - هل يقوله الزوجان جميعاً أم أنه مشروع في حق الزوج دون الزوجة؟ اختلف في ذلك أهل العلم: فذهب شيخنا -رحمه الله- 2 إلى أن المرأة لا تقوله لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذا أَتىَ أَهْلَهُ»، ولأن الولد إنما يخلق=
..................................
=من ماء الرجل, وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب للجميع للرجل والمرأة، وهذا هو الأظهر، وهو قول اللجنة الدائمة 1.
قوله «لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطُانُ أَبَدَا»: اختلف في معناه: فقال بعض الفقهاء لم يضره الشيطان حين خروجه وذلك لحديث أَبِي هريرة -رضي الله عنه- أَن النبِي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾» 2.
فالشاهد أنه قال: «لم يضره»، ولم يقل: «لم يصبه»، وفرق بين الأمرين لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيّن عدم الضرر ولم يبين عدم الإصابة، أو قد يصاب ولكن ذلك لم يضره.
وقال بعض العلماء: «المراد بأنه لا يضره أي لا يصرعه شيطان»، وقال بعضهم: «لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته بخلاف غيره».
قال القاضي عياض: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء.
قال ابن دقيق العيد: يحتمل أنه لا يضره في دينه ولكن يلزم منه العصمة وليست إلا للأنبياء, وأجيب عليه بأن العصمة في حق الأنبياء على=
..................................
=جهة الوجوب وفي حق من دعي لأجله بهذا الدعاء على جهة الجواز فلا يبعد أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمداً وأن لم يكن ذلك واجباً.
وقيل «لم يضره»: أي لم يفتنه في دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته من المعصية, وقيل لم يضره مشاركة الشيطان لأبيه في جماع أمه» 1.
قال شيخنا -رحمه الله-: «وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «إنه إن قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً»، لا يشكل على هذا أنه ربما يكون هذا الرجل ملتزماً بالتسمية عند كل جماع، ويأتيه أولادٌ يضرهم الشيطان، فاختلف أهل العلم في ذلك:
فقال بعضهم: لم يضره ضرراً بدنياً؛ وذلك أن الشيطان إذا ولد الإنسان فإنه يطعن بيده في خاصرته، فيصرخ الطفل إذا ولد، وأحياناً يرى أثر الضرب أزرق في الخاصرة؛ من أجل أن يهلكه، فيقولون: لا يضره - أي: بطعنه إياه في الخاصرة - لا أنه لا يضره ضرراً دينياً.
وقال بعض العلماء: بل الحديث عام لم يضره الشيطان أبداً، والتأبيد يدل على أن ذلك مستمر.
ولكن الجواب عن الصورة التي ذكرنا، أن يقال: إن هذا سبب، والأسباب قد تتخلف بوجود موانع، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» 2، وإلا فكلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقٌ وصدق، ولكن هذا سببٌ من الأسباب، وقد=
.................................. =يوجد موانع» 1.
- فائدة: في بعض آداب الجماع: من الآداب أيضاً ما يلي:
1 - يكره كثرة الكلام عند الوطء والجماع إلا اليسير الذي يزيد ثوران الشهوة فلا بأس به.
2 - يكره أن ينزع قبل فراغها لحديث أنس بن مالك قال رسول الله «إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَصْدُقْهَا، ثُمَّ إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ حَاجَتَهَا فَلا يُعْجِلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا» 2، والحديث وإن كان فيه ضعف إلا أنه كما أنك لا تحب أن تنزع قبل أن تنزع، فكذلك هي ينبغي أن لا تعجلها.
3 - يحرم الوطء بمرأى الناس.
4 - يحرم التحدث بجماع زوجته، بل هذا إن حصل فإن صاحبه من شر الناس لقوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَ» 3.
فَصْلٌ فِيْ النُّشُوْزِ
(1) وَإِنْ خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا نُشُوْزًا أَوْ إِعْرَاضًا، فَلا بَأْسَ أَنْ تَسْتَرْضِيَهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حُقُوْقِهَا (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ النُّشُوْزِ»:
سبق تعريف النشوز، والنشوز كما سبق يكون من الزوج كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ (1)، ويكون من الزوجة كما في قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (2). (2)
قوله «وَإِنْ خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا نُشُوْزًا أَوْ إِعْرَاضًا، فَلا بَأْسَ أَنْ تَسْتَرْضِيَهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حُقُوْقِهَا»:
أي إذا خافت المرأة من نشوز زوجها وذلك بأن يمنعها حقها كالنفقة والقسم, أو أن تجد منه إساءة خلق, أو أن يؤذيها، أو أن يعرض عنها ولا يلبي طلبها الواجب عليه, أو يلبيه ولكن بتركه وتثاقله ونحو ذلك مما يكون فيه نوع نشوز منه, فهنا إن خافت المرأة منه ذلك فلها أن تسترضيه.
وقوله «أو إعراضاً»: أي يعرض عنها ولا يقوم بواجبها لا في الفراش ولا في غير الفراش.
فمتى خافت المرأة من زوجها ذلك فالأحسن أن يصلحا بينهما صلحاً بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها على وجه تبقى مع زوجها, إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة أو الكسوة أو =12
كَمَا فَعَلَتْ سَوْدَةُ حِيْنَ خَافَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- (1)، وَإِنْ خَافَ الرَّجُلُ نُشُوْزَ امْرَأَتِهِ (2)، = السكن, أو القسم بأن تسقط حقها منه, أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها، فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح عليهما فيها, فيجوز لزوجها البقاء معها على هذه الحال, وهي خير من الفرقة.
(1)
قوله «كَمَا فَعَلَتْ سَوْدَةُ حِيْنَ خَافَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ قَالَتْ فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِعَائِشَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِى مِنْكَ لِعَائِشَةَ.
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ» (1).
«فِي مِسْلاخِهَا»: المسلاخ: الجلد، ومعناه أن أكون أنا هي, ولم ترد عائشة عيب سودة هنا, بل وصفتها بقوة النفس، وجودة القريحة، وهي الحدة (2).
(2)
قوله «وَإِنْ خَافَ الرَّجُلُ نُشُوْزَ امْرَأَتِهِ»:
أي إن خاف الرجل عصيان زوجته وذلك بعدم إعطائه حقه الذي أوجبه الشارع عليها مثل أن تجيبه متبرمة متثاقلة في الشيء, أو تجيبه متكرهة: أي يظهر وجهها الكراهة=12
وَعَظَهَا (1)، فَإِنْ أَظْهَرَتْ نُشُوْزًا، هَجَرَهَا فِيْ المَضْجَعِ (2)، =والبغض لهذا الشيء وربما تسمعه ما لا يليق، أو يقول لها اغسلي ثوبي، أو اصنعي طعامي فتأبى عليه ذلك، فهذا كله نوع نشوز, فالنشوز كما سبق تعريفه هو خروج المرأة عن الطاعة الواجبة للزوج, فإذا حصل من الزوجة النشوز ماذا يفعل الزوج؟ ذكر المؤلف ذلك بقوله.
(1)
قوله «وَعَظَهَا»:
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ (1). الموعظة: هي التذكير؛ فيذكرها بذكر الآيات والأحاديث الدالة على وجوب العشرة بالمعروف، وكذلك الأحاديث التي جاءت في التحذير من عصيان الزوج فهذا معني الوعظ, أما ما يفعله بعض الناس من تهديد الزوجة بالطلاق إن لم تستقيم ونحو ذلك، فهذا مما يزيد من نفورها من الزوج, فلا أحسن ولا أجمل مما أمر الله تعالى به.
(2)
قوله «فَإِنْ أَظْهَرَتْ نُشُوْزًا، هَجَرَهَا فِيْ المَضْجَعِ»:
أي فإن لم تنقد لأمر الله ولا رسوله من الوعظ فهنا ينتقل إلى الهجر أي يتركها في المضجع وهو على ثلاث درجات:
الأول: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أعلى درجات الهجر بل أشد عليها.
الثاني: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الذي قبله.
الثالث: أن ينام معها في الفراش ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا=1
فَإِنْ لَمْ يَرْدَعْهَا ذلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ (1)،
=أهون منها.
ويبدأ الزوج بالأهون فالأهون، فمتى استقامت المرأة وعادت إلى رشدها وانقادت لأمر زوجها فالحمد لله، وهل لذلك مدة معلومة؟
الجواب: ليس لذلك مدة معلومة فقد لا تستقيم إلا بعد يومين، أو ثلاث، أو أربع، أو شهر.
وهل يكون مع الهجر عدم كلام؟
نقول نعم, فإن صحب الهجران في المضجع عدم الكلام فإنه أنفع في استقامة المرأة لكن لا يزيد عن ثلاثة أيام, لقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ» (1). فله أن يهجر يومين, أو ثلاثة أيام ولا يزيد على ذلك, لكن يزول الهجران بالكلام بعد الثلاث بإلقاء السلام, فإن استمرت الزوجة ولم تنفعها الموعظة ولا الهجران فإنه ينتقل إلى أعلى الدرجات وهو الضرب غير المبرح كما قال المؤلف.
(1)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَرْدَعْهَا ذلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ»:
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ 2، واشترط في الضرب أن يكون غير مبرح أي غير شديد، ولا يضرب الوجه، ولا في المواضع التي يحصل فيها =1
وَإِنْ خِيْفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا، بَعَثَ الحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (1)،
=قتل, كالقلب، والصدر، ونحو ذلك، ولا فيما هو أشد ألماً, لأن المقصود هو التأديب والإصلاح، فعن عبد الله بن زمعة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ»، وفي رواية «ضَرْبَ الْفَحْلِ أَوِ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ» (1)، المراد بالفحل البعير أي يضربها ضرباً كضرب البعير والمماليك، فيكسر فيه العظم.
وقد اشترط الفقهاء للضرب شروطاً أربعة:
الأول: أن لا يبدأ به، بل يكون بعد الوعظ والهجر.
الثاني: أن لا يكون ضرباً مبرحاً شديداً.
الثالث: أن لا يزيد على عشرة أسواط.
الرابع: يجب أن يتقي الوجه والمواضع التي يخاف منه.
فإن لم ينفع ذلك كله من الوعظ والهجر والضرب فماذا يفعل الزوج؟ قال المؤلف.
(1)
قوله «وَإِنْ خِيْفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا، بَعَثَ الحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا»:
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ 2 أي إذا لم تستقم المرأة بعد إفراغ الوسع بهذه الثلاث المذكورات فإنه=1
مَأْمُوْنَيْنِ (1)،
=يبعث حكماً من كلا الطرفين, وهذان الحكمان يكونان من أهل الزوج ومن أهل الزوجة، ولا يكونان من طرف آخر كما سيأتي الخلاف.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾، ويشترط في الحاكم أن يكون عالماً بالشرع، عالماً بالحال، أي ذا خبرة وأمانة, عدلاً حتى نأمن الحيف, ولا يجوز للحكمين أن ينتصر كل واحد منهما لنفسه وقريبه، إن أرادا التوفيق وفق الله بين الزوجين، وإن أرادا غير ذلك فلا توفيق, وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (1) على من يعود الضمير؟
قيل: يعود على الزوجين, وقيل يعود على الحكمين, وقيل يعود على الجميع، وهذا هو الأظهر، فيصح أن يقال إن يريد الحكمان الإصلاح وفق الله بينهما, وجمع قولهما على قول واحد واتفقا, وإن أرادا الإصلاح وحكما بأن تبقى الزوجية وفقهما الله لذلك.
(2)
قوله «مَأْمُوْنَيْنِ»:
أي مأمونين من الظلم لأحد من الزوجين، و
هل يشترط أن يكون الحكمان من أهل الزوجين؟
الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب شيخ الإسلام 2 إلى وجوب كون الحكمين من أهلها، أي من =1
يَجْمَعَانِ إِنْ رَأَيَا وَيُفَرِّقَانِ (1)،
= أهل الزوجين, لدلالة النص القرآني على ذلك، ولأنهما إذا كانا من أهلهما فهما أعلم بحال الزوجية، وأشفق عليهما.
وذهب جمهور أهل العلم (1) إلى أنه لا يشترط كون الحكمين من أهل الزوجين، فيجوز أن يكونا من الأجانب وذلك لأن فائدة الحكمين التعرف على أحوال الزوجين وإجراء الصلح بينهما، وهذا الغرض يؤديه الأجانب كما يؤديه القريب, أما الآية فحملوها على الاستحباب لا الوجوب، وهذا هو الأظهر.
(1)
قوله «يَجْمَعَانِ إِنْ رَأَيَا وَيُفَرِّقَانِ»:
أي يفعلان الأصلح لكلا الزوجين, فإن رأيا أن يجمع بين الزوجين قاما بذلك, وإن رأيا الفرقة أصلح لهما فعلاً.
وهل إذا رأيا الفرقة يلزم به كلا الزوجين؟
الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
الأول: أنهما يلزمان الزوجين ما يريان فيه المصلحة من طلاق، أو خلع، ولا حاجة لإذن الزوجين في ذلك، وذلك لأن الله تعالى سمى كلا منهما حكماً, ومن شأن الحاكم أن يلزم بالحكم، وهذا هو قول أكثر أهل العلم واختاره شيخ الإسلام 2، وابن القيم 3.1
فَمَا فَعَلا مِنْ ذلِكَ لَزِمَهُمَا (1)،
القول الثاني: أنه ليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين بدون إذنهما لأن الله تعالى قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً﴾ (1)، فلم يضف إليهما إلا الإصلاح فما كان من وراء ذلك فغير مفوض إليهما, ولأنهما وكيلان ولا ينفذ حكمهما إلا برضا الموكل.
قلت: والظاهر ما ذهب إليه أصحاب القول الأول فللحكمين التفريق بينهما ولا يحتاج إلى رضا الزوجين ولا إذنهما، وهذا ما ذهب إليه المؤلف هنا حيث قال.
(1)
قوله «فَمَا فَعَلا مِنْ ذلِكَ لَزِمَهُمَا»:
وهذا محل خلاف كما سبق، وما ذكره المؤلف هنا هو رواية في المذهب 2، اختارها شيخ الإسلام 3، وهي قول الإمام مالك 4، والشافعي 5 في قول، وهي الراجحة إن شاء الله, فيجوز للحكمين أن يفعلا ما يريان من جمع أو تفريق بعوض أو بغير عوض.
والرواية الثانية: وهي المشهورة في المذهب 6، وهي مذهب الحنفية 7، =1
.................................. =وقول الشافعية 1 أنهما لا يجبران على ما يراه الحكمان من الفرقة أو الجمع وذلك لأنهما, رشيدان, والبضع حق للزوج, والمهر حق للزوجة فلم يجبرا على التوكيل فيهما كغيرهما من الحقوق والصحيح كما سبق هو القول الأول.
بابُ الخُلْعِ (1) (1)
قوله «بابُ الخُلْعِ»:
الخلع في اللغة: بضم الخاء مأخوذ من النزع والإزالة، وهو مأخوذة من خلع الثوب أي نزعه وإزالته، يقال خلع ثوبه خلعاً, وخلع امرأته خلعاً.
أما في الاصطلاح: فمعناه فراق الزوجة بعوض بألفاظ مخصوصة.
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة الأولى: لا يختلف الفقهاء أن المرأة إذا كرهت زوجها لخُلُقِه، أو خَلْقِه، أو دينه، أو كبره، أو ضعفه، ونحو ذلك وخشيت أن لا تؤدي حق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه بعوض.
الفائدة الثانية: الأصل في مشروعية الخلع
الكتاب والسنة والإجماع: أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 1. أما السنة: فعن ابن عباس -رضي الله عنه- أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ، وَلا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ» قَالَتْ نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَة» 2.
باب الخلع
وكيف الطلاق فيه (5273).
.................................. =أما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم (1).
-
الفائدة الثالثة: الحكمة في مشروعية الخلع: المرأة قد تكره البقاء مع زوجها لما ذكرناه آنفاً بحيث تخاف إن بقيت معه ألا توفيه حقوقه المشروعة فتكون آثمة لتعديها حدود الله، وهي لا تملك طلاق نفسها فشرع لها الخلع لتتجنب الوقوع في المعصية وتتخلص من البقاء مع الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد.
الفائدة الرابعة: الخلع على ثلاثة أضرب
:
الأول: مباح: ويكون عندما تكره المرأة البقاء مع زوجها لبغضها له, وتخاف أن لا تؤدي حق الله تعالى فيه، وهو الذي ذكرناه آنفاً، ويسن للزوج إجابتها.
الثاني: مكروه: كما لو خالعته من غير سبب مع استقامة الحال لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ... ﴾ 2، فنفى الجناح مع استقامة الحال يكون عليها فيه جناح, والجناح هو الإثم.
وروى أهل السنن عن ثوبان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» 3.1
وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ وَخَافَتْ أَنْ لا تُقِيْمَ حُدُوْدَ اللهِ فِيْ طَاعَتِهِ (1)، فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ (2)، الثالث: محرم: وهو إذا عضل الرجل زوجته بأذاه لها ومنعها حقها ظلماً لتفتدي نفسها منه لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، فإن طلقها في هذه الحال بعوض لم يستحقه لأنه عوض أكرهت على بذله بغير حق فلم يستحقه.
(1)
قوله «وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ وَخَافَتْ أَنْ لا تُقِيْمَ حُدُوْدَ اللهِ فِيْ طَاعَتِهِ»:
أي إذا خافت المرأة بالبقاء مع الزوج من ألا تقوم بالحقوق الواجبة عليها من قبل الشارع لزوجها كتمكينه من الاستمتاع بها أو غير ذلك من الحقوق التي سبق بيانها.
(2)
قوله «فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ»:
أي إذا خافت المرأة مما ذكرنا فلها أن تطلب الخلع إذا خشيت ألا تقيم حدود الله في حق زوجها عليها.
وقوله «بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ» ظاهره أن لها أن تفتدي منه بما بذلت أقل أو أكثر سواء كان مثل المهر أو أكثر من المهر لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 1.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: أي الزيادة على المهر هل هو جائز أم لا؟
..................................
القول الأول: وهو ظاهر كلام المؤلف أن ذلك جائز بلا كراهة لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (1)، والإطلاق يفيد العموم فظاهر الآية عدم التقييد.
القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة (2) أنه يكره الزيادة على مهر المثل مع الجواز لحديث ثابت بن قيس المتقدم وفيه قال: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ» قَالَتْ نَعَمْ وَزِيَادَةً فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلا» (3)، والحديث فيه ضعف.
القول الثالث: تحريم الزيادة، وهذا رواية في مذهب أحمد (4).
قلت: و
الراجح من هذه الأقوال
الجواز من غير كراهة, لكن المروءة تقتضي أن لا يأخذ أكثر مما أعطاها.
- فائدة: إن أبى الزوج أن يطلق وأبت المرأة أن تبقى معه: فذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الخلع وإن لم يرض الزوج بشرط أن ترد عليه المهر كاملاً، وهذا اختيار شيخنا -رحمه الله- حيث قال: «لأنه مضرة عليها فماله قد جاءه وبقائهما هكذا هي معلقة لا يمكن أن تتزوج وهو كذلك غير موَّفق، هذا النكاح لا ينبغي لا سيما إذا ظهر للقاضي أن البلاء من الزوج، مثل أن يكون لا يصلي وتتعذر إقامة البينة عليه ففي هذه الحال القول بالوجوب=1234
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا (1)، فَإِذَا خَالَعَهَا أَوْ طَلَّقَهَا بِعَوْضٍ، بَانَتْ مِنْهُ (2)، = قوي جداً» (1).
(1)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا»:
سبق بيان حكم هذه المسألة وهي الزيادة على المهر في الخلع وقلنا بأن الراجح جواز أن تخالع المرأة نفسها بعوض أكثر من مهرها لكن من المروءة أن لا يأخذ الزوج هذه الزيادة.
(2)
قوله «فَإِذَا خَالَعَهَا أَوْ طَلَّقَهَا بِعَوْضٍ، بَانَتْ مِنْهُ»:
أي متى خالع الرجل المرأة أو طلقها بعوض فإنها تبين منه، فليس للزوج رجعة إلا برضاها وعقد جديد، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية 2، والمالكية 3، وهو المعتمد عند الشافعية 4، ورواية في مذهب الإمام أحمد 5، وهو قول اللجنة الدائمة 6، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز 7 -رحمه الله-، وهو أن الخلع طلاق بائن سواء كان بلفظ الخلع، أو كان بلفظ الفسخ، =1
..................................
=أو بلفظ الطلاق وكان معه عوض, وعلى هذا فالمرأة عليها بحصوله أن تعتد ثلاث حيض، أو ثلاثة أطهار على الخلاف الوارد في معنى القرء، واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 - قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 1، وجه الدلالة منها أنه إنما يكون الفداء إذا خرجت من قبضته وسلطانه، ولو كان للزوج عليها رجعة في العدة لم يكن لدفع العوض معنى, ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة فلو جازت الرجعة لعاد الصرر.
2 - واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس المتقدم في امرأة ثابت بن قيس.
قالوا: ووجه الدلالة فيه من طريقين:
الأول: أن هذا لفظ صريح في كونه طلاقاً وليس بفسخ إذ لو كان فسخاً لقال له «وأفسخها»، فلما عدل عن الفسخ إلى الطلاق دل على أنه طلاق لا فسخ.
الثاني: أن الطلاق المأمور به من النبي -صلى الله عليه وسلم- هو عوض المال إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق, فالعوض مدفوع له عما يملكه, ولو كان لا يقع به طلاق ما أمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا يأمر بالطلاق, جاء في بداية المجتهد «وجمهور من رأى أنه طلاق يجعله بائناً لأنه لو كان للزوج في العدة منه الرجعة عليها لم يكن لافتدائها معنى» 2.
..................................
القول الثاني: وهو من مفردات المذهب عند الحنابلة 1، وعليها جماهير الأصحاب أن الخلع فسخ لا ينقص به عدد الطلاق, بشرط ألا يوقعه بلفظ الطلاق, فإن أوقعه بصريح الطلاق كان طلاقاً, وإن خالعها بلفظ الفسخ، أو المفارقة، أو المخالعة صار فسخاً، واحتجوا لذلك بما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «إن خالعها بلفظ المخالعة فهو فسخ, وإن كانت بلفظ الطلاق يصير طلاقاً سواء كان بعوض أو بغير عوض».
القول الثالث: وهو المنقول عن الإمام أحمد 2، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية 3، وهو قول ابن القيم 4، وهو المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الخلع فسخ لا طلاق, ولو أوقعه بلفظ الطلاق، قال شيخ الإسلام «هذا هو المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه، وهو المنقول عن أحمد وقدماء أصحابه»، قال في الفروع 5 «ومراده ما قال عبد الله: رأيت أبي يذهب إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما, وابن عباس صح عنه أنه قال كل شيء أجازه المال فليس بطلاق =
..................................
= - يعني الخلع -» 1، وعلى هذا فهو فسخ بأي لفظ كان, ما دام أنه بعوض وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله-.
قال -رحمه الله- 2 «والراجح أنه ليس بطلاق وان وقع بلفظ الصريح, ويدل لهذا القرآن الكريم قال الله عز وجل: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 3 أي: في المرتين إما أن تمسك وإما أن تسرح فالأمر بيدك: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 4، إذًا هذا فراق يعتبر فداء، ثم قال عز وجل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ 5.
فلو أننا حسبنا الخلع طلاقاً لكان قوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هي الطلقة الرابعة، وهذا خلاف الإجماع والدلالة في الآية واضحة، ثم قال -رحمه الله-: ولهذا ذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى أن كل فراق فيه عوض فهو خلع وليس بطلاق, حتى ولو وقع بلفظ الطلاق وهذا هو القول الراجح».
قلت: وبعد عرض أقوال أهل العلم الذي يترجح عندي هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وابن القيم، وشيخنا إلا إن أوقعه بلفظ الطلاق، =
..................................
= أو نواه طلاقاً فإنه يقع طلاقاً، وما عدا ذلك فهو فسخ لا طلاق.
ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في هذه المسألة في احتساب عدد الطلقات من عدمه, فمن جعل الخلع فسخاً لم يعتد به في عدد الطلقات, ومن جعله طلاقاً احتسب عليه ذلك.
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: هل يملك الزوج مراجعة المعتدة في عدتها؟
نقول: لا خلاف بين الفقهاء أن المختلعة لا يملك زوجها مراجعتها في عدتها, بل ولا تحل له إلا بعقد جديد مع توافر أركان النكاح وشروطه, قال ابن رشد (1): «جمهور العلماء أجمعوا أنه لا رجعة للزوج على المختلعة في العدة, إلا ما روى عن سعيد بن المسيب وابن شهاب أنهما قالا: إن رد لها ما أخذ منها في العدة أشهد على رجعتها»، وقد أفتت اللجنة الدائمة (2) للبحوث العلمية بما عليه جمهور الفقهاء.
الفائدة الثانية: هل يحتاج الخلع إلى حكم القاضي؟
نقول ذهب جمهور الفقهاء 3 إلى أن الخلع لا يحتاج إلى حكم القاضي أو السلطان, بل نقل بعض أهل العلم الإجماع على هذا، وأنه لم يخالف=12
..................................
=فيه إلا الحسن وابن سيرين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 1، وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ 2، وجه الدلالة من الآية أن الله جعل الخوف لغير الزوجين ولم يقل إن خافا فاحتاجا إلى حكم القاضي, وأيضاً هذا القول هو المروي عن عمر وعثمان وغيرهما, ولأنه عقد معاوضة فلم يفتقر إلى السلطان كالبيع والنكاح, ولأنه قطع عقد بالتراضي فأشبه الإقالة.
قلت: لو قيل بالتفصيل في ذلك لكان أولى, فإن رغبت الزوجة في الخلع ووافق عليه الزوج بدون مماطلة منه بل عن تراض حصل منهما فهنا لا يحتاج فيه إلى حكم القاضي, وإن طلبت الخلع مع توافر دواعيه كغضب شديد للزوج وكراهة البقاء معه, وخوفها من الوقوع في المعصية بعدم الطاعة ونحو ذلك لكنه رفض أو وافق ثم أنكر فمرد ذلك إلى القاضي ليحكم في هذه القضية، وهذا هو ما أفتت به اللجنة الدائمة 3.
- الفائدة الثالثة: اتفق الفقهاء على جواز أن يخالع الرجل المرأة وهي حامل أو في طهر لم يجامعها فيه، لكن اختلفوا في حال الحيض أو طهر جامعها فيه, واختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
..................................
القول الأول: جواز الخلع في الحيض وكذا في طهر جامعها فيه، وهذا هو قول الحنفية 1، والمالكية 2 في قول، والشافعية 3، والحنابلة 4، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 5، فقالوا بأن الآية مطلقة، ولأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحق المرأة بطول العدة، والخلع جعل لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة، والمقام مع من كرهته، وتبغضه، وضرر التقصير في حقه, وكل ذلك أعظم من ضرر طول العدة فجاز دفع أعلاها بأدناها, ولذلك لم يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- المختلعة عن حالها ولأن ضرر تطويل العدة عليه والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضاء منها به ودليلاً على رجحان مصلحتهما فيه.
القول الثاني: لا يجوز الخلع في الحيض ولا في طهر جامها فيه، وهذا هو المشهور في مذهب المالكية 6 قياساً على الطلاق.
القول الثالث: يجوز إيقاعه حالة الحيض ولا يجوز في طهر جامعها فيه=
..................................
=وهو قول عند الشافعية 1، لأن كونه بدعة في حالة الحيض لحقها وقد رضيت فسقط، وها هنا البدعة لحق الولد فلا يسقط حقه برضاها.
قلت: والراجح عندي القول الأول، وهو قول جمهور أهل العلم كما سبق.
- فائدة: هل للمختلعة عدة؟
الجواب: جمهور أهل العلم 2 على أن المختلعة عليها عدة وعدتها عدة المطلقة، ويستدلون على ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 3، ولأن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول فكانت العدة ثلاثة قروء كغير الخلع.
وذهب الحنابلة 4 في رواية إلى أن عدتها حيضة واحدة.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- 5 عن هذه الرواية أنها أصح الروايتين دليلاً عن الإمام أحمد، وهو مذهب عثمان، وابن عمر، وابن عباس، وأبان بن عثمان، وإسحاق، وابن المنذر, واحتجوا لذلك بحديث ثابت ابن قيس بن شماس المتقدم، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر المرأة أن تتربص بحيضة واحدة ثم تلحق بأهلها 6، وسيأتي إن شاء الله قريباً كلام المؤلف في هذه المسألة وبيان الراجح.
وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلاقُهُ بَعْدَ ذلِكَ (1)، (1)
قوله «وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلاقُهُ بَعْدَ ذلِكَ»:
أي إذا خالع الرجل امرأته بطلاق في فترة الاستمرار لا يلحقها طلاق، وقد سبق الخلاف هل الخلع يوجب العدة أم لا؟
وقلنا بأنه يوجب العدة، لكن اختلف الفقهاء هل يوجب عدة المطلقة تماماً يعني إن كانت تحيض بثلاث حيض، وإن لم تكن من ذوات الحيض بثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فيوضع الحمل.
والصحيح في هذه المسألة: أن المختلعة لا تعتد وإنما تستبرأ أي لا عدة عليها، إنما عليها استبراء، فإذا حاضت مرة واحدة انتهت عدتها، لأن ظاهر القرآن إنما العدة على المطلقة، وهذا اختيار شيخنا -رحمه الله- 1.
وعلى هذا نقول: بأن معنى كلام المؤلف أن المختلعة إذا طلقها في فترة الاستبراء لا يلحقها طلاق.
وهذا قول ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما ولا يعرف لهما مخالف في عصرهما، ولأنها لا تحل إلا بنكاح جديد ولا يملك بضعها، فلم يلحقها طلاقه كالأجنبية.
وقد سئل ابن عباس عن المختلعة يطلقها زوجها؟ قال لا يلزمها الطلاق، لأنه طلق ما لا يملك 2.
وَإِنْ وَاجَهَهَا بِهِ (1)، وَيَجُوْزُ الخُلْعُ بِكُلِّ مَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقًا (2)، وَبِالْمَجْهُوْلِ (3)، (1)
قوله «وَإِنْ وَاجَهَهَا بِهِ»:
أي يواجهها قائلاً لها أنت طالق، أنت طالق، وضد المواجهة أن يقول: فلانة طالقة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المخالعة إذا واجهها بالطلاق فإنها تطلق، لكنه قول لا دليل عليه، ولذا فالصواب ما ذكره المؤلف بأنها لا يلحقها طلاق وإن واجهها به.
(2)
قوله «وَيَجُوْزُ الخُلْعُ بِكُلِّ مَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقًا»:
أي يصح الخلع بكل ما صح أن يكون صداقاً كعبد، ودار, وسيارة، أو منفعة مباحة كتعليم علم ونحو ذلك، وقد سبق الإشارة إلى ما يصح أن يكون صداقاً في أول كتاب الصداق، ودليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (1)، فالآية عامة في الفداء.
(3)
قوله «وَبِالْمَجْهُوْلِ»:
أي يجوز أن يكون الخلع بشيء مجهول كأن تقول خالعني على شاة، أو خالعني على ما في البيت، ونحو ذلك قياساً على الوصية، لأن الخلع إسقاط لحقه من البضع، وليس فيه تمليك شيء والإسقاط تدخله المسامحة، فإن خالعته على ما في بطن البعير مثلاً أو على ما تحمله النخلة هل يصح؟ نقول: يصح الخلع على ذلك مع الجهالة وحصول الغرر، ووجه كونه يصح لأن هذا ليس معاوضة محضة، وإنما الغرض منه التخلص من =1
فَلَوْ قَالَتْ: اخْلَعْنِيْ بِمَا فِيْ يَدِيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا فِيْ بَيْتِيْ مِنَ الْمَتَاعِ فَفَعَلَ، صَحَّ، وَلَهُ مَا فِيْهِمَا (1)، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِمَا شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا (2)، = هذا الزوج، فإذا رضي بأي عوض وهو غير محرم شرعاً فله ذلك.
(1)
قوله «فَلَوْ قَالَتْ: اخْلَعْنِيْ بِمَا فِيْ يَدِيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا فِيْ بَيْتِيْ مِنَ الْمَتَاعِ فَفَعَلَ، صَحَّ، وَلَهُ مَا فِيْهِمَا»:
أي لو صالحته على ما في يدها من دراهم أو بما في بيتها من دراهم أو متاع فإن ذلك يصح لأن السبب كما سبق هو التخلص من هذا الزوج وليس بمعاوضة محضة كما سبق، والقاعدة في ذلك: «أن كل ما فيه إسقاط فإنه يتسامح فيه ما لا يتسامح في المعاوضات ولا يسمى غرراً».
(2)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِمَا شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا»:
أي قالت له خالعني على ما في يدي من دراهم أو على ما في بيتي من متاع ثم لم يكن في يدها ولا في بيتها شيء من المال ولا المتاع فهنا له أقل ما يصدق عليه اسم الدراهم وهي ثلاثة دراهم، أو اسم المتاع أي أقل ما يكون متاعاً، لكن يشترط أن لا يكون معيباً، وإن أعطته الوسط من المتاع جاز.
ووجه كون الدراهم ثلاثة لأن أقل الجمع ثلاثة، فإن كان ما في يدها درهمين فليس له إلا الذي في يدها ولو كان بلفظ الجمع وذلك لأنه عين بالذي في يدها فيتقيد به.
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلى عَبْدٍ، فَخَرَجَ مَعِيْبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ قِيْمَتِهِ (1)، وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهُ قِيْمَتُهُ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ خَالَعَهَا عَلى عَبْدٍ، فَخَرَجَ مَعِيْبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ قِيْمَتِهِ»:
هذه المسألة قد سبق ذكرها في كتاب البيوع وهي إذا ما اشترى الرجل سلعة فرآها معيبة هل يردها ويطلب القيمة التى اشتراها به, أم يمسكها ويطلب الأرش؟ وقد سبق الخلاف في هذه المسألة, وقلنا المذهب يرى جواز الأمرين، أي هو بالخيار بين رد السلعة وأخذ القيمة أو الإمساك بها مع الأرش, لكن الصواب كما سبق ليس له إلا الرد فقط أو الإمساك معيباً بلا أرش وذلك لأن المطالبة بالأرش معاوضة جديدة تحتاج إلى رضا الطرفين، والقاعدة الفقهية هنا ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بِطِيبِ نَفْسِهِ» (1)، وهذا كما سبق هو الأظهر, وعلى ذلك نقول بأن الرجل ليس له الإمساك به مع طلب الأرش ليس له إلا طريق واحد أن يرده ويأخذ قيمته سليماً.
(2)
قوله «وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهُ قِيْمَتُهُ»:
أي وإن خرج هذا العبد - الذي خالعها الزوج به - خرج مغصوباً أو حراً فله قيمته وذلك لأن العوض الذي كان عليه الخلع فاسد، فهو لا يجوز له الإمساك بمغصوب ولا حر، فإذا فسد العوض وجب الانتقال إلى القيمة كالمغصوب، وهل يصح الخلع؟ =1
وَيَصِحُّ الخُلْعُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ (1)، وَلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ، إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيْ الْمَالِ (2)،
=مثال ذلك: قالت المرأة للرجل خالعني على هذه السيارة فبانت السيارة مستحقة مغصوبة, أو خالعني على هذا فبان خمراً, فهنا يكون العوض محرماً فيكون باطلاً، والباطل لا يصح عوضاً.
فهل يصح العقد ويكون العوض في ذمة الزوجة أم للزوج أن يعود على العقد الذي هو بقاء الزوجة؟ نقول هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء:
القول الأول: أن الخلع يكون صحيحاً في قول عامة أهل العلم وعليها أن ترد قيمة العوض.
القول الثاني: أن العقد لا يبقى ويعود الحال إلى ما كان عليه.
والصواب: ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول عامة أهل العلم؛ أي يكون الخلع صحيحاً وله قيمته.
(1)
قوله «وَيَصِحُّ الخُلْعُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ»:
أي يصح الخلع من كل زوج يصح طلاقه, وهو كل مكلف مميز يعقل الطلاق, بأن يعلم أن النكاح يزول بالخلع وذلك بقياس الخلع على الطلاق في ذلك, بل في الخلع أولى لأنه في مقابل عوض, فإذا صح زوال النكاح بغير شيء كما في الطلاق, فمع وجود العوض يصح بطريق الأولى.
(2)
قوله «وَلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ، إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيْ الْمَالِ»:
فإن كانت هذه المرأة محجوراً عليها في مالها لسفه، أو جنون، أو صغر، =
.................................. =وطلبت من الزوج أن يخالعها فرضي ببذل المهر الذي بذله, فأعطته المهر الذي معها, ولكنها محجور عليها فهنا هل يصح هذا الخلع؟ قال المؤلف: بأن هذا لا يصح لأنها ليست أهلاً للتصرف فيه لكونها محجوراً عليها لكنه يقع طلاقاً رجعياً لأنه لم يسلم له العوض، وسواء أذن لها الولي أو لم يأذن لأنه ليس له الإذن في التبرعات وهذا تبرع, ولأنه بذل عوض في عقد معاوضة فلم يصح إلا ممن يصح تصرفه في المال كالبيع.
كِتابُ الطَّلاقِ (1) (1)
قوله «كِتابُ الطَّلاقِ»:
الطلاق في اللغة: التخلية، والإرسال، والترك، يقال: طَلَقَت الناقة بفتح اللام إذا سرحت حيث شاءت، وطلقت المرأة تَطْلُق طلاقاً، فهي طالق، وطالقة: إذا خُلِّيت من وثاق النكاح (1). أما في الشرع: فهو رفع قيد النكاح أو بعضه بلفظ مخصوص.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: في حكم مشروعية الطلاق:
لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية الطلاق، والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ 3.
وأما السنة: فحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» 4.
وأيضاً حديث ابن عمر -رضي الله عنه- «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ=1