وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 45-80

..................................  = والأنف الأشل كذلك لأنه قطع أنفاً فيه الجمال والنفع فوجبت ديته كغير الأشل، وأنف الأخشم - يعني الذي لا يشم - تجب ديته كما لو قطع أذن الأصم فإنه يجب ديتها كاملة لما ذكرناه.

بابُ الشِّجاجِ وَغَيْرِهَا

(1) الشِّجَاجُ هِيَ: جُرُوْحُ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ (2). وَهِيَ تِسْعٌ (3)،  (1)

قوله «بابُ الشِّجاجِ وَغَيْرِهَا»:

أي في هذا الباب سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالجناية، والاعتداء بالشجاج، وغير ذلك ككسر العظام.
(2)

قوله «الشِّجَاجُ هِيَ: جُرُوْحُ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ»:

الشجاج: جمع شجة، تقول العرب: شج المفازة إذا قطعها، وأصل الشج في لغة العرب: القطع، و

الشجاج لا يكون إلا في الرأس والوجه

كما ذكر المؤلف، ومن هنا تختص بالجناية على الرأس والوجه، وتشمل الشجة ما كان في مقدم الرأس عند الناصية، وما كان في وسط الرأس عند الهامة، وما كان آخر الرأس، وكذلك أيضاً تشمل الشجة ما كان في أعراض الرأس، مثل أن تكون في العظم الذي يلي الأذن، سواءً من الأذن اليمنى أو اليسرى، فكل هذا تقع الجناية عليه وتسمى: بالشجة، فتارة تكون جرحاً للجلدة، وتارة تنفذ من الجلدة إلى اللحم، وتارة تنفذ من اللحم إلى العظم، وتارة تكسر العظم وتهشمه، وتارة تكسره وتهشمه وتنقله، وتارة تصل إلى خريطة الدماغ، كما إذا كانت الضربة في جهة الدماغ، هذا بالنسبة للشجاج في الرأس.
(3)

قوله «وَهِيَ تِسْعٌ»:

أي الشجات، أو الشجاج، أو الجنايات المتعلقة بالرأس والوجه تسع، وهذا إجمالٌ قبل البيان والتفصيل.
وهذه التسع منقسمة إلى قسمين: الخمس الأولى التي فيها الحكومة وليس فيها مقدر ولا دية، والباقي هي التي فيها مقدر.

أَوَّلُهَا الحَارِصَةُ: الَّتِيْ تَشُقُّ الجِلْدَ شَقًّا لا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ (1)، ثُمَّ البَازِلَةُ: الَّتِيْ يَنْزِلُ مِنْهَا دَمٌ يَسِيْرٌ (2)، ثُمَّ البَاضِعَةُ: الَّتِيْ تَبْضَعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الجِلْدِ (3)، ثُمَّ الْمُتَلاحِمَةُ: الَّتِيْ أَخَذَتْ فِيْ اللَّحْمِ (4)،  (1)

قوله «أَوَّلُهَا الحَارِصَةُ: الَّتِيْ تَشُقُّ الجِلْدَ شَقًّا لا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ»:

الحارصة، وتسمى: القاشرة، وهي الجرح الذي يكون في الوجه أو الرأس، يقشر الجلد ولكنه لا يخرج معه الدم، فهي سهلة جداً كحكة الظفر، فلو أنه ضربه على رأسه ضربة قشرت جلدة الرأس ولم يخرج الدم منها، فهذه تسمى: بالحارصة وبالقاشرة.
فهذه فيها حكومة وليس فيها دية مقدرة عن الشرع.
(2)

قوله «ثُمَّ البَازِلَةُ: الَّتِيْ يَنْزِلُ مِنْهَا دَمٌ يَسِيْرٌ»:

هذا النوع الثاني: وهي ما تسمى بالبازلة أو الدامية أو الدامعة فهذه ثلاثة أسماء لها، فالدامعة هي أن يضربه على رأسه أو وجهه ضربة تقشر الجلد، ثم يخرج الدم ويسيل، وسميت دامعة، لأن الدم يخرج ويسيل مثل دمع العين، وسميت دامية، لأنها أدمته فأسالت الدم منه، وسميت البازلة، لأنها بزلت الدم فأخرجته.
(3)

قوله «ثُمَّ البَاضِعَةُ: الَّتِيْ تَبْضَعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الجِلْدِ»:

هذا هو النوع الثالث، وهي الباضعة، وأصل البضع القطع، فالباضعة تقطع اللحم لكنها لا تغوص فيه، يعني: تأتي إلى مشارف اللحم فتقطع فيه.
(4)

قوله «ثُمَّ الْمُتَلاحِمَةُ: الَّتِيْ أَخَذَتْ فِيْ اللَّحْمِ»:

هذا هو النوع الرابع وهو المتلاحمة، ودرجتها فوق الباضعة، والشق فيها أمكن، ويأتي=

ثُمَّ السِّمْحَاقُ: الَّتِيْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيْقَةٌ (1)، فَهَذِهِ الخَمْسُ لا تَوْقِيْتَ فِيْهَا، وَلا قِصَاصَ بِحَالٍ (2)،  =بالضربات الشديدة سواءً في الوجه أو في الرأس، وسواءً في الخطأ أو في العمد، فتبضع اللحم ثم تغوص فيه، كما لو ضربه بسكين أو بآلة حادة، وغاصت هذه السكين في لحمه دون أن تصل إلى العظم فهي متلاحمة.

(1)

قوله «ثُمَّ السِّمْحَاقُ: الَّتِيْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيْقَةٌ»:

السِّمحاق: هي التي تقطع اللحم وتظهر الجلدة الرقيقة التي بين اللحم والعظم.
وهذه القشرة رقيقة أشبه بالماء أو بالزجاج حينما تظهر ترى العظم من ورائها، فسميت الشجة بها لوصولها إليها.
(2)

قوله «فَهَذِهِ الخَمْسُ لا تَوْقِيْتَ فِيْهَا، وَلا قِصَاصَ بِحَالٍ»:

أي أن هذه الخمس الجنايات المذكورات آنفاً لا مقدر فيها شرعاً فإنه لم يثبت ذلك عن الشارع، وللعلماء في هذه الخمس وجهان: الوجه الأول: أن هذه الخمس فيها الحكومة، وليس فيها تقديرٌ شرعي، وحينئذٍ نقدر هذه الجناية في المجني عليه، فننزله منزلة العبد ونقدره قبل الجناية، ثم نقدره بعد الجناية، ثم نوجب على الجاني أن يدفع الفرق بينهما، وهذه هي الحكومة وهو قول المؤلف هنا.
ثم هذا التقدير يتأثر فربما يأتي يضربه ضربة فيها حارصة فتشين وجهه، يعني: إذا شفي واندمل الجرح وبرئ تبقى آثار تشين الوجه؛ لأنها في الوجه تظهر، بخلاف ما إذا كانت في الرأس فهي مستترة، وللعلماء في =

ثُمَّ الْمُوْضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ وَصَلَتْ إِلى العَظْمِ، وَفِيْهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَالقِصَاصُ إِذا كَانَتْ عَمْدًا (1)،  =في هذا الشين وجهان: بعض العلماء يقول: تقدر الجناية حكومة، ثم يقدر الشين استقلالاً، يعني ينظر إلى أثر هذا الشين ويدفع له حقه فيه.
الوجه الثاني: إن هذه الخمس لها نسبة من الموضحة، إذا كان في الموضحة فيعطى خمساً من الإبل، فهذه الخمس نقسط الجناية التي دون الموضحة على حسبها، فنجعل لكل جناية من الجنايات قدراً ينزل عن حصة الخمس من الخمس، يعني: عن البعير، حتى تصل إلى حد الموضحة.
والوجه الأول هو الأظهر عندي.

(1)

قوله «ثُمَّ الْمُوْضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ وَصَلَتْ إِلى العَظْمِ، وَفِيْهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَالقِصَاصُ إِذا كَانَتْ عَمْدًا»:

شرع المؤلف ببيان الجناية على العظم، فإن وقعت الجناية، ووصلت إلى العظم ولم تصبه فإنها تكون الموضحة، أما لو وصلت إلى العظم فهشمته وكسرته كسراً يسيراً أو كثيراً متفاحشاً، منحصراً في الموضع، أو متفرقاً في نفس الموضع فإنه تكون الجناية بالهاشمة، وسيأتي بيانها قريباً.
والموضحة فيها خمس من الإبل، ودليل ذلك ما ثبت في حديث عمرو بن حزم المتقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دية الموضحة خمس من الإبل» 1.

ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ العَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ، وَفِيْهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ (1)، ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيْهَا خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ (2)،  (1)

قوله «ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ العَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ، وَفِيْهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ»:

الهاشمة: هي التي توضح العظم وتهشمه، والهشم الكسر للعظم، ويقال: هشم الشيء إذا فكَّه وكسره، فالهاشمة هي التي تهشم العظم في الوجه والرأس، وفيها عشر من الإبل.

وللعلماء في هذه العشر وجهان

: الوجه الأول: أن خمساً من العشر لكونها أوضحت العظم، والخمس الثانية؛ لأنها هشمت العظم.
الوجه الثاني: أن الهاشمة فيها عشرٌ من الإبل ولا يفصل.

و

فائدة الخلاف بين الوجهين

: أنه لو ضربه فهشم عظمه دون أن يجرحه، يعني هشم العظم داخل الجلد دون جرح، فعلى القول الأول لا يجب عليه إلا خمس من الإبل؛ لأنه لم يقع إلا الهشم، ولم تقع الموضحة، وعلى القول الثاني يجب عليه عشرٌ من الإبل، سواء كان هناك جرح وإيضاح للعظم، أو لم يكن هناك جرحٌ وإيضاح للعظم.
(2)

قوله «ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيْهَا خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ»:

المنَقَّلَة بتشديد القاف مع الكسر هي التي تنقل العظم من مكانه، فتفصله عن بعض حتى ينتقل، ويعرف ذلك الآن عن طريق الأشعة، وكانوا في القديم يعرفون ذلك بالسبر، ويلاحظون العظم=

ثُمَّ الْمَأْمُوْمَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِيْهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ (1)، فِيْ الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى الجَوْفِ (2)،  =ويلاحظون انتقاله، ويكون ذلك من أهل الخبرة كالأطباء.
فإذا ضربه في رأسه أو ضربه في وجهه فكسر عظمه وانتقل هذا العظم المكسور، فإنه حينئذٍ يلزمه خمس عشرة من الإبل؛ ودليل ذلك حديث عمرو بن حزم المتقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وفي المنقّلة خمسة عشر من الإبل» (1).

(1)

قوله «ثُمَّ الْمَأْمُوْمَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِيْهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ»:

أُمُّ الشيء أصله، وأم الدماغ خريطة الدماغ، فإذا ضربه على دماغه ضربة أوضحت عظم الدماغ، فإنها يقال لها: مأمومة، وأم الدماغ.
وهذه غالباً ما تحدث أضراراً توجب الديات مثل أن تخرسه فلا يتكلم، أو يصبح أصمّ لا يسمع، خاصة إذا جاءت على مواضع الحواس، فالشاهد عندنا أنه إذا ضربه على دماغه ضربة كشفت خريطة الدماغ، فحينئذٍ يجب عليه ثلث الدية، وهذا قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كتابه لعمرو بن حزم «أن المأمومة فيها ثلث الدية» (2).

(2)

قوله «فِيْ الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى الجَوْفِ»:

الجائفة تكون في غير الرأس والوجه، فتكون جائفة في البطن، وجائفة في =12

فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ (1)، وَفِيْ الضَّلَعِ بَعِيْرٌ (2)،  =الصدر، وتكون الجائفة في ثغرة النحر، وتكون جائفة فيما بين السبيلين، وهذه الجائفة فيها ثلث الدية، فلو طعنه بسكين ودخلت السكين إلى جوفه فأبانت أحشاءه فهي جائفة، وهكذا لو ضربه من ظهره فأظهر عظمه فهي جائفة، ولو ضربه على صدره فأبان جوف الصدر فهي جائفة.

(1)

قوله «فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ»:

قال ابن قدامة في المغني:

هذا هو قول أكثر أهل العلم

منهم.
قال ابن عبد البر: «لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه قال هي جائفة واحدة، وحكي أيضاً عن أبي حنيفة وهي قول في المذهب، وعللوا لذلك بقولهم لأن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف، وهذه الثانية إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر» (1). والصحيح: هو القول الأول، فقد قضى بذلك أبو بكر -رضي الله عنه- بثلثي الدية، ولأنه أنفذه في موضعين فأشبه ما إذا كان من الظاهر إلى الباطن.

(2)

قوله «وَفِيْ الضَّلَعِ بَعِيْرٌ»:

أي لو كَسَرَ ضلعاً من المجني عليه ففيه بعير، وهذا مروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين كتب إلى عامله: أن في كل ضلع وترقوة بعيراً.
فإذا كسر أحد أضلع شخص فإنه يجب عليه ضمان الكسر ببعير، لكن=1

وَفِيْ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيْرَانِ (1)، وَفِيْ الزَّنْدَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ (2)،  = لو أنه كسر هذا العظم أو هذا الضلع ثم برئ مستقيماً فلا إشكال، وإن برئ مشوهاً معوجاً ففيه وجهان للعلماء: الأول: أنه يأخذ فقط المقدر ولا شيء زائد.
الثاني: وهو الصحيح أن فيه حكومة في الشين، والحكومة في هذا تتبع الشين، وتتبع الضرر، وتتبع الألم، فلو أنه كسر الضلع أو مثلاً الترقوة فحصل شيء مثلاً في الترقوة كأن ينعقد العظم، ويصبح موضع الإصابة مثل الكرة عند الالتحام، فهذا الشين يقدر بحكومة، ينظر إليها أهل الخبرة، وسيأتي معنا الحكومة، فنقدر كم تضرر؟ وكم نسبة هذا الضرر؟ فيعطى حقه في ذلك.
لو حصل أيضاً ألم، حيث برئ ورجع العظم على صفته، ولكن يوجد ألم في الموضع إذا قام وإذا قعد، وإذا تنفس فينظر في هذا الألم، وقدر تضرره ويقدر له حقه.

(1)

قوله «وَفِيْ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيْرَانِ»:

الترقوتان هما العظمان المحيطان بالعُنُق، ففي كل ترقوة بعير، وفي الثنتين بعيران.
(2)

قوله «وَفِيْ الزَّنْدَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ»:

الزندان: هما عند مفصل الكف مع الساعد، الزند الأعلى والأسفل، فهذان العظمان الناتئان هما زندا اليد وفي كل يد زندان، ففي الزندين أربعة أبعرة، وهذا له أصل من كتاب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أيضاً، فإنه كتب إلى عامله بذلك، ومن هنا عمل به جمهور العلماء رحمهم الله على أن فيه بعيرين.

وَمَا عَدَا هَذَا مِمَّا لا مُقَدَّرَ فِيْهِ، وَلا هُوَ فِيْ مَعْنَاهُ، فَفِيْهِ حُكُوْمَةٌ (1): وَهِيَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لا جِنَايَةَ بِهِ، ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهُ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِ (2)،  (1)

قوله «وَمَا عَدَا هَذَا مِمَّا لا مُقَدَّرَ فِيْهِ، وَلا هُوَ فِيْ مَعْنَاهُ، فَفِيْهِ حُكُوْمَةٌ»:

أي وما عدا ذلك من الجراح وكسر العظام ففيه حكومة.
(2)

قوله «وَهِيَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لا جِنَايَةَ بِهِ، ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهُ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِ»:

سبق تعريف الحكومة: وقلنا هي أن يقدر هذا المجني عليه وينزل منزلة العبد، فيقدر قبل الجناية ويقدر بعد الجناية، وينظر كم أنقصته الجناية من القيمة، وهذه النسبة تكون مقدرة من دية المجني عليه، وسميت بحكومة؛ لأنها راجعة إلى الحكام وهم القضاة، فلا يقدر هذا التقدير ولا يجتهد هذا الاجتهاد ولا يبين حكم هذه المسائل إلا الحكام والقضاة، ومن هنا وصفت بكونها حكومة.
وقوله: «ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ» أي: بعد البرء فينظر ماذا حدث في الجسم أو في العضو من النقص؟ فإذا قوم قبل الجناية بمائة، ثم قوم بعد الجناية بخمس وتسعين أو بسبع وتسعين ونصف، فيكون قد نقص نصف نصف عشره، فيقدر ذلك القدر الذي نقص من الدية؛ لأنه لا تقدير في تلك الجناية.

- فائدة: في شروط صحة الحكومة في الأمور التي لا تقدير فيها:

يشترط في صحة الحكومة ما يلي: =

إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ الجِنَايَةُ عَلى عُضْوٍ فِيْهِ مُقَدَّرٌ، فَلا يُجَاوِزُ بِهِ أَرْشَ الْمُقَدَّرِ، مِثْلَ أَنْ يَشُجَّهُ دُوْنَ الْمُوْضِحَةِ، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِهَا، أَوْ يَجْرَحُ أَنْمُلَةً، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا (1)،  =

الشرط الأول: أن تكون الجناية لا تقدير فيها في الشرع

، فهذا محل اتفاق على أن هذا الأمر - وهو الحكومة - يختص بالجنايات التي لا تقدير لها في الشرع، هذا أول شرط.

الشرط الثاني: أن يكون من يقدرها من ذوي الخبرة والنظر والمعرفة

،

الشرط الثالث: أن لا يبلغ التقدير أكثر من قيمة العضو الذي فيه الجناية.

(1) قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ الجِنَايَةُ عَلى عُضْوٍ فِيْهِ مُقَدَّرٌ، فَلا يُجَاوِزُ بِهِ أَرْشَ الْمُقَدَّرِ، مِثْلَ أَنْ يَشُجَّهُ دُوْنَ الْمُوْضِحَةِ، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِهَا، أَوْ يَجْرَحُ أَنْمُلَةً، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا»: أي وإن كانت الحكومة في محل له مقدر، كاليد والرجل فإنه لا يُبلغ بها أرش المقدر، فإذا شجه دون الموضحة لم يبلغ بهذه الشجة دية الموضحة، وهي خمس من الإبل، فنعطيه خمساً من الإبل إلا قليلاً، وهكذا لو كانت في إصبع فإنه لا يُبلغ بها دية الإصبع.

بابُ كَفاَّرَةِ القَتْلِ

(1) وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ شَارَكَ فِيْهِ، وفِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (2)، أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ (3)،  (1)

قوله «بابُ كَفاَّرَةِ القَتْلِ»:

شرع المؤلف -رحمه الله- في هذا الباب ببيان كفارة القتل، وهذه الكفارة قد دل عليها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (1). (2)

قوله «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ شَارَكَ فِيْهِ، وفِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ»:

هذه بعض الصور التي تجب بها كفارة القتل: أولها أن يقَتَلَ مسلماً أو ذمياً بغير حق، أو يشارك في قتله فيجب عليه كفارة القتل، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، للآية السابقة، وقد أجمع العلماء على أن القاتل خطئًا عليه كفارة، سواء كان المقتول ذكراً أو أنثى، صغيراً أو كبيراً (2).

(3)

قوله «أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ»:

الذمي هو اليهودي أو النصراني ممن عقدت له الذمة، بأن يقيم في بلاد المسلمين مع دفع الجزية، فالإسلام مسيطر =12

أَوْ شَارَكَ فِيْهِ (1)،  = عليه وخاضع لأحكامه، فهذا متى قتله المسلم خطأً أو شبه عمدٍ فعليه الكفارة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (1)، والميثاق: هو العهد، والذمِّي له ميثاق.

(1)

قوله «أَوْ شَارَكَ فِيْهِ»:

أي أو شارك في القتل فعليه الكفارة، وعليه وعلى شريكه دية واحدة، فالدية واحدة والكفارة متعددة.
مثال ذلك: أن يصطدم اثنان بسيارتيهما وكلاهما مخطئ، وهذا يحصل كثيراً ويموت رجل بينهما، فعليهما دية واحدة وكفارتان، ولو مات شخصان فعليهما ديتان وأربع كفارات، وهكذا، وهذا هو القول الأول في المسألة، وهو مذهب الجمهور من أهل العلم، لأن الكفارة لا تتبعض، وهي من موجَب قتل الآدمي، فكُملت في حق كل واحد من المشتركين، بخلاف الدية فإنها تتبعض.
والقول الثانِي: أن على الجميع كفارة واحدة، وهي رواية عن أحمد، حكاها أبو الخطاب 2، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 3، قالوا: لفظ ﴿وَمَنْ﴾ =1

أَوْ فِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ (1)، وَهِيَ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، تَوْبَةً مِنَ اللهِ (2)،  =يتناول الواحد والجماعة، ولم يوجب إلا كفارة واحدة ودية، والدية لا تتعدد فكذلك الكفارة.
وهذا القول في الحقيقة بالنسبة للعتق قد يقال: إنه ممكن، بأن يشتركا في شراء رقبة وعتقها، ولكن بالنسبة للصيام فغير ممكن؛ لأنه إذا صام شهراً، والآخر شهراً، لم يكن كل واحد منهما صام شهرين كفارة القتل، ولا يصدق عليه أنه صام شهرين، وهي كفارة القتل.
ولهذا فالأحوط في المسألة هو القول الأول، وهو أن على كل واحد كفارة مستقلة، سواء كانت عتقاً أو صياماً، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).

(1)

قوله «أَوْ فِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ»:

أي وتجب الكفارة كذلك بإسقاط المرأة، فإذا جُني على امرأة فألقت جنينها ميتاً أو حياً، ثم مات فعلى الجاني الكفارة، لأنه قتل نفساً محرمة، أشبه قتل الآدمي بالمباشرة.
(2)

قوله «وَهِيَ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، تَوْبَةً مِنَ اللهِ»:

أي والواجب في هذه الكفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن عجز فلم يجدها عدل إلى الصوم وهو صيام شهرين متتابعين ودليلها قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ=1

..................................  =مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (1).

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: هل تجب الكفارة في قتل العمد؟

قولان للفقهاء: الأول: وجوب الكفارة في قتل العمد، لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ ففي العمد من باب أولى؛ لأن العمد أشد إثماً، فإذا أوجب الله - عزّ وجل - الكفارة في الخطأ، فهو إشارة وإيماءٌ إلى وجوب الكفارة في العمد.
الثاني: أنه لا كفارة في العمد، واستدلوا بأن الله تعالى شرط لوجوب الكفارة أن يكون خطأ فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾، ثم أتى بعد ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فلم يجعل له شيئاً يقيه من النار، ولأن العمد أعظم جرماً من أن تدخله الكفارة، وليس فيه إلا هذا الوعيد الشديد، وهذا القول هو الصواب.

الفائدة الثانية: هل تجب الدية والكفارة على من قتل نفسه؟

نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الجمهور 2، وهو رواية عن أحمد 3 أن من قتل نفسه خطأ =1

..................................  =لا تجب الدية بقتله ولا تحمل العاقلة ديته، لأن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه بكفارة، ولم يقض فيه بدية، ولو وجبت لبينه؛ ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد.
وقال الحنابلة في الأظهر من الروايتين 1: إن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه، أو أرش جرحه لنفسه إذا كان أكثر من الثلث، واستدلوا بأن رجلاً ساق حماراً فضربه بعصا كانت معه فطارت منها شظية ففقأت عينه فجعل عمر -رضي الله عنه- ديته على عاقلته، ولم يعرف له مخالف في عصره».
وأما بالنسبة للكفارة فقد قال الشافعي 2، والحنابلة 3: تجب فيه الكفارة.
وقال أبو حنيفة 4 ومالك 5: لا تجب؛ لأن الكفارة مشروطة بعدم القتل فإذا حصل القتل بطل الخطاب بها كما تسقط ديته عن العاقلة لورثته.
والأظهر عندي عدم وجوب الدية والكفارة على من قتل نفسه، وهذا هو قول الموفق 6، واختاره الشيخ السعدي 7.=

..................................  =ويدل عليه حديث عامر بن الأكوع 1، فلم يوجب النبي -صلى الله عليه وسلم- الكفارة في ماله.

  • الفائدة الثالثة: تجب الكفارة كما سبق في حوادث السيارات لكل آدميٍّ معصوم ركب باختياره وإذن السائق، ومات بالحادث إذا حصل بتعدٍّ أو بتفريط: والتعدي: فعل ما لا يسوغ، كأن يحمل عليها حملاً يكون سبباً للحادث، أو يسرع بها سرعة تكون سبباً له.
    والتفريط: ترك ما يجب، كأن يتهاون في تعبئة العجلات بالهواء، أو تبديل غير الصالح، أو يتهاون في شَدِّ مسترخٍ يحتاج إلى شَدٍّ ونحو ذلك.
    فإن كان الحادث بتصرف من السائق يريد به السلامة من الخطر، كأن يقابله ما يخشى الضرر باصطدامه به، فينحرف ليتفادى الخطر، أو يكون الحادث بغير سبب منه، كأن ينفجر إطار السيارة، فلا كفارة عليه، لأنه في المسألة الأولى أمين قائم بما يجب عليه، وفي الثانية أمين لم يحصل منه تعدٍّ ولا تفريط، لأنه لم يكن منه تسبب في هذا الحادث.
    فإن كانت الإصابة في غير الركاب، وإنما هي بسبب من المصاب نفسه، كأن تقابله سيارة في خط سيره لا يمكن الخلاص منها، فلا ضمان على سائق السيارة، لأن المصاب هو الذي تسبب في قتل نفسه أو إصابته، وعلى سائق السيارة المقابلة الضمان لتعديه.
    =

..................................  =فإن كانت الإصابة بسبب من المصيب، كأن يدهس شخصاً يسير أمامه في الطريق، أو يرجع إلى الوراء فيصيب شخصاً، فعليه كفارة القتل، والدية على العاقلة (1).

الفائدة الرابعة: لا تسقط الكفارة بعفو الورثة عن الدية

، لأن الكفارة حق لله تعالى، والدية حق الآدمي، ولا دخل لهذه في تلك 2.

  • الفائدة الخامسة: اختلف الفقهاء فيمن لا يستطيع الصيام: هل يجب عليه إطعام ستين مسكيناً، كما في كفارة الظهار؟ فمنهم من قال: يجب عليه الإطعام، لأنها كفارة فيها عتق وصيام، فكان فيها إطعام، وإنما لم يذكرها هنا، لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام، لما فيه من التسهيل والترخيص، وهذا رواية عن أحمد، وقول للشافعي 3. والقول الثانِي: لا يعدل إلى الإطعام، لأنه لو كان واجباً لما أُخِّرَ بيانه عن وقت الحاجة، وهذا هو المذهب، والأظهر عند الشافعية 4، وعلى هذا فيثبت الصيام في ذمته، ولا يجب شيء آخر، لكن إذا كان الذي وجب عليه الصيام كبيراً فإنه يسقط عنه، ولا يجب عليه الإطعام، لأن الله تعالى لم يوجبه في حالة عدم استطاعة الصيام، وإن كان مريضاً مرضاً لا يرجى=1

سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ (1)،  =برؤه فهو كالكبير، فإن كان ضعيفاً ضعفاً يمنعه من الصيام ولا يتضرر به فيبقى الصيام في ذمته، فمتى قدر عليه فعله، لأنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

الفائدة السادسة: القتل بحق لا كفارة فيه

: كقتل الباغي أو قتله دفعاً عن نفسه، أو قتله حداً أو قصاصاً، وغير ذلك، لأن هذا قتل مأذون فيه لم تجب فيه الكفارة.
(1)

قوله «سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ»:

أي تجب الكفارة على الجاني سواءً كان بالغاً عاقلاً أو غير بالغ أو غير عاقل، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ 1، فقوله «ومن» اسم شرط، وأسماء الشرط للعموم، فيشمل كل قاتل، حتى الصغير، والمجنون، والحر، والعبد، والذكر، والأنثى.
وأيضاً فإن الله أوجب الكفارة في الخطأ فدل ذلك على عدم اشتراط القصد، وإنما يشترط التكليف في العبادات من أجل القصد الصحيح، والصغير والمجنون لا قصد لهما فلا تجب عليهما العبادات، ووجوب الكفارة في القتل ليس من شرطها القصد بدليل وجوبها على المخطئ.
وذهب جماعة من العلماء: إلى أنه لا كفارة على الصغير والمجنون، قالوا: لأن الكفارة حق لله، وليست حقاً مالياً محضاً؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: =

حُرًّا أَوْ عَبْدًا (1). فَلَوْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ (2)،  = «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» (1)، ومنهم الصغير والمجنون، فلا تلزمهما الكفارة؛ لأنهما ليسا من أهل التكليف، وهذا هو الأقرب إلى الصواب.

فائدة: هل النائم مثل الصغير والمجنون؟

بمعنى أنه لو نامت امرأة على طفلها، ولم تشعر به فمات، فهل عليها كفارة؟ نعم؛ عليها الكفارة، فهي وإن كانت مرفوعاً عنها القلم، لأنها من أهل التكليف، والنوم مانع، وليس فوات شرط، بخلاف الصغير والمجنون فإن الصفة فيهما فوات شرط، وأما الصفة في النائمة فهي وجود مانع، وإلا فهي من أهل التكليف.

(1)

قوله «حُرًّا أَوْ عَبْدًا»:

أي وتجب الكفارة على الجاني سواءً كان حراً أو عبداً في قول أكثر أهل لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾، ولأنه يجب بقتله القصاص في الجملة فوجب بقتله الكفارة كالحر، ولأنه مؤمن أشبه الحر.
(2)

قوله «فَلَوْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ»:

أي إذا ارتطم رجلان، وكان كل واحد منهما مخطئاً، فماتا جميعاً فعلى كل واحد منهما الكفارة لأن كل واحد منهما قتل صاحبه بصدمته له فوجبت عليه كفارة كما لو لكمه فقتله.1

وَدِيَةُ صَاحِبِهِ عَلى عَاقِلَتِهِ (1)، وَإِنْ كَانَا فَارِسَيْنِ، فَمَاتَ فَرَسَاهُمَا فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمَانُ فَرَسِ الآخَرِ (2)، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاقِفًا وَالآخَرُ سَائِرًا، فَعَلى السَّائِرِ ضَمَانُ دَابَّةِ الوَاقِفِ، وَعَلى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ (3)،  (1) قوله «وَدِيَةُ صَاحِبِهِ عَلى عَاقِلَتِهِ»: أي وعلى عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه لأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه.
(2) قوله «وَإِنْ كَانَا فَارِسَيْنِ، فَمَاتَ فَرَسَاهُمَا فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمَانُ فَرَسِ الآخَرِ»: أي وإن كان المتصادمان فارسين فاصطدما جميعاً فمات فرسهما فعلى كل واحد منهما ضمان فرس صاحبه لأن التلف حصل بفعليهما فيستويان في الضمان سواء استوى فعلاهما أو اختلف.
وقال بعض الفقهاء: يجب على كل واحد منهما نصف قيمة دابة الآخر لأنهما استويا في الاصطدام فكل منهما مات في الفعلين فوجب على كل واحد نصف قيمة دابة الآخر كما لو جرح كل واحد منهما نفسه وجرح صاحبه.
والصواب: أن يقال أنه يجب على المتصادمين أو على عاقلتهما من الدية والضمان بقدر خطأ كل منهما، لأن الإنسان لا يلزمه إلا بقدر ما أخطأْ فيه، ولا يكلف شيئاً من جناية غيره.

(3)

قوله «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاقِفًا وَالآخَرُ سَائِرًا، فَعَلى السَّائِرِ ضَمَانُ دَابَّةِ الوَاقِفِ، وَعَلى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ»:

أي وإن كان أحد المصطدمين واقفاً أو قاعداً والآخر سائراً فضمان دابة الواقف أو القاعد على السائر لأنه الصادم المتلف، وديتهما أي الواقف والقاعد على عاقلته أي السائر لحصول التلف بصدمه.
وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافهما كالسائرين =

إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الوَاقِفُ مُتَعَدِّياًّ بِوُقُوْفِهِ، كَالقَاعِدِ فِيْ طَرِيْقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مِلْكِ السَّائِرِ (1)، عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَضَمَانُ السَّائِرِ وَدَابَّتِهِ، وَلا شَيْءَ عَلى السَّائِرِ وَلا عَلى عَاقِلَتِهِ (2). وَإِذَا رَمَى ثَلاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيْقِ، فَقَتَلَ الحَجَرُ مَعْصُوْمًا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ (3)،  = «كما لو كانا» أي الواقف والقاعد «بطريق ضيق مملوك لهما» وصدمهما السائر فيضمنهما وما يتلف من مالهما لتعديه بسلوكه في ملك غيره بلا إذنه و «لا» يضمنهما ولا ما تلف لهما السائر.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الوَاقِفُ مُتَعَدِّياًّ بِوُقُوْفِهِ، كَالقَاعِدِ فِيْ طَرِيْقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مِلْكِ السَّائِرِ»:

أي فإن كان الواقف متعدياً بوقوفه كالقاعد بطريق ضيق أو واقفاً في ملك السائر وصدمه السائر فلا يضمنه السائر؛ لتعديه بالوقوف في الطريق الضيق أو بتعديه بالوقوف في ملك غيره.
(2)

قوله «عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَضَمَانُ السَّائِرِ وَدَابَّتِهِ، وَلا شَيْءَ عَلى السَّائِرِ وَلا عَلى عَاقِلَتِهِ»:

أي فإن كان المصاب بالاصطدام هو السائر فيجب على المتعدي بالوقوف أو القعود ضمان ما أتلفه في السائر ودابته، ولا شيء على السائر ولا على عاقلته، لأن السائر لم يتعد، وإنما المتعدي هو الواقف.
(3)

قوله «وَإِذَا رَمَى ثَلاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيْقِ، فَقَتَلَ الحَجَرُ مَعْصُوْمًا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ»:

المنجنيق بمنزلة المدفع الآن، وقد كانوا في الأول يضعون المنجنيق بين خشبتين وعليهما خشبة معترضة، وفيها حبال قوية، ثم يُجعل الحجر بحجم الرأس أو نحوه في شيء مقبب، ثم يأتي رجال أقوياء يشدونه ثم يطلقونه، وإذا انطلق الحجر انطلق بعيداً، =

وَعَلى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ (1)، وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ فَكَذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ثُلُثُ دِيَتِهِ فِيْ مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ (2)،  =فكانوا يستعملونه في الحروب، فإذا اشترك ثلاثة برمي هذا الحجر فأصاب معصوماً، فقد وجب على كل واحد من هؤلاء الثلاثة الكفارة لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾, ولأن كل واحد منهم مشارك في إتلاف آدمي معصوم

(1)

قوله «وَعَلى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ»:

أي وعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية، لأنه ليس لكل قتيل سوى دية واحدة فيشتركون فيها جميعاً يكون على عاقلة كل واحد منهم ثلثها.
(2)

قوله «وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ فَكَذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ثُلُثُ دِيَتِهِ فِيْ مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ»:

أي إذا اشترك ثلاثة في الرمي، فأصيب أحد هؤلاء الثلاث أثناء الرمي فَقُتِل فإنه لم تسقط الكفارة عنه، لأنه شارك في قتل نفسه والكفارة تجب بحق الله تعالى فوجبت عليه بالمشاركة في قتل نفسه كما تجب بالمشاركة في قتل غيره.
وأما الدية ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن على عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية، ويجب ثلثها على عاقلة المقتول لورثته، وهذا ينبني على إحدى الروايتين في أن جناية المرء على نفسه خطأ تحملها عاقلته.
الوجه الثاني: أن ما قابل فعل المقتول هدر لا تضمنه العاقلة ولا غيرها ويجب الثلثان الباقيان على عاقلة شريكيه وهذا ينبني على الرواية =

وَإِنْ كَانُوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةٍ، سَقَطَتْ حِصَّةُ القَتِيْلِ وَبَاقِيْ الدِّيَةِ فِيْ أَمْوَالِ البَاقِيْنَ (1).  =الأخرى في أن جناية الإنسان على نفسه هدر.
الوجه الثالث: أن يلغى فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين.
والأظهر عندي كما سبق عدم وجوب الكفارة على من قتل نفسه، ويدل عليه حديث عامر بن الأكوع، فلم يوجب النبي -صلى الله عليه وسلم- الكفارة في ماله (1).

(1)

قوله «وَإِنْ كَانُوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةٍ، سَقَطَتْ حِصَّةُ القَتِيْلِ وَبَاقِيْ الدِّيَةِ فِيْ أَمْوَالِ البَاقِيْنَ»:

أي فإن كان المشاركون في القتل عن طريق الرمي بالمنجنيق أكثر من ثلاثة والمقتول واحد منهم، سقطت حصة القتيل، وباقي الدية في أموال الباقين من الرماة ولا يتحمل العاقلة شيء من الدية لأنها أقل من الثلث وما كان أقل من الثلث في الدية فلا تحمله العاقلة لأنه قليل وقد سبق بيان ذلك.1

بابُ القَسَامَةِ

(1)  (1)

قوله «بابُ القَسَامَةِ»:

القَسَامَةُ، بالفتح: اسم القسم أقيم مقام المصدر من قولهم: أقسم إقساماً، وقسامة، والقسامة: هي اليمين، سميت بذلك، لأنها تقسم اليمين على أولياء الدم، يقال: قُتل فلان بالقسامة: إذا اجتمع الأولياء وادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، وحلفوا خمسين يميناً.
وشرعاً: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
فقولنا: «أيمان مكررة»: أي لابد أن تتكرر اليمين في القسامة بخلاف سائر الدعاوى، وذلك لعظم شأن الدماء.
وقولنا: «في قتل»: يفيد أنه لا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجراح، لأن القسامة ثبتت في النفس لحرمتها، فاختصت بها دون الأطراف، ولأنها ثبتت لأن المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله، ومن قطع طرفه يمكنه ذلك.
وقولنا: «معصوم»: يخرج به غير معصوم الدم كالمرتد، وهذا يدل على أنه لا أيمان ولا دعوى أصلاً في قتيل غير معصوم.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القسامة مشروعة:

وأنه يثبت بها القصاص أو الدية إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار، ووجد اللوث، واستدلوا على مشروعيتها بحديث سهل بن أبي حَثْمَةَ -رضي الله عنه- قال: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بنُ مَسْعُودِ، إِلَى خَيبَرَ - وَهِيَ يَومَئِذٍ=

..................................  =صُلحٌ - فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلاً فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «كَبِّرْ كَبِّر» - وَهُوَ أَحْدَثُ القَومِ - فَسَكَتَ -، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَو صَاحِبَكُمْ؟ » قَالُوا: كَيفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ، قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنهم» فَقَالُوا: كَيفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَومٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ عِنْدِهِ»، وفي رواية فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ » قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَومٌ كُفَّارٌ؟ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ قِبَلِهِ»، وفي رواية أخرى: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» 1. وذهب بعض أهل العلم 2، إلى عدم الأخذ بالقسامة، وعدم وجوب العمل بها؛ لأنها مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها.
ومن هذه الأصول: أن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعاً أو شاهد حسًّا، وإذا كان كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القاتل، بل قد يكونون في بلد والقاتل في بلد آخر، واستدلوا على =

..................................  =ذلك بحديث: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (1). والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار من أن القسامة مشروعة، ويثبت بها القصاص أو الدية لما ذكرناه من هذه الأدلة السابقة.

الفائدة الثانية: الحكمة في مشروعية القسامة

: قال الفقهاء: شرعت القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها، حتى لا يهدر دم في الإسلام، وكي لا يفلت مجرم من العقاب.
قال علي لعمر رضي الله عنهما فيمن مات من زحام يوم الجمعة، أو في الطواف: «يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعطه ديته من بيت المال» 2. فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء وصيانتها وعدم إهدارها، ولما كان القتل يكثر بينما تقل الشهادة عليه؛ لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، جعلت القسامة حفظا للدماء 3.1

رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِيْ حَثْمَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيْجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قَبْلَ خَيْبَرَ فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتُّهِمَ اليَهُوْدُ بِهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» فَقَالُوْا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، فَكَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُوْدٌ بِأَيْمَانِ خَمْسِيْنَ مِنْهُمْ» قَالُوْا: قُوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ قِبَلِهِ» (1):  -

الفائدة الثالثة: صفة القسامة

: هي أن يدعي قومٌ أن مورِّثَهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة أُعطي المدَّعَى عليه لهؤلاء يقتلونه، فليس فيها بيِّنة، وإنما فيها هذه الأيمان فقط.
مثال ذلك: ادعى ورثة زيد على شخص بأنه هو الذي قتل مورثهم، فقال الشخص: لم أقتله، وقالوا: بل أنت القاتل، ثم تحاكموا إلى القاضي، فقال لهم: أتحلفون على هذا أنّه قتل مُورِّثكم؟ قالوا: نعم، نحلف، فإذا حلفوا خمسين يميناً على هذا الرجل أنه قاتل مورثهم، أُخذ وقتل.

1

قوله «رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِيْ حَثْمَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيْجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قَبْلَ خَيْبَرَ فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتُّهِمَ اليَهُوْدُ بِهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» فَقَالُوْا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، فَكَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُوْدٌ بِأَيْمَانِ خَمْسِيْنَ مِنْهُمْ» قَالُوْا: قُوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ قِبَلِهِ»

(1): هذا الحديث بجميع طرقه التي سبق بيانها هو العمدة في باب القسامة ولأهميته نتعرف على بعض الأحكام المتعلقة به.
=

..................................  = 1 - هذا الحديث أًصل في مسألة القسامة كما سبق.
2 - أنه لابد في صحة دعوى المدَّعِي من قرينة العداوة بين المقتول والمدعى عليه، وهو ما يسمى «باللوث»، فإن لم يكن ثَمَّ عداوة، فلا قسامة، وسيأتي في ثنايا الشرح مزيد إيضاح لهذه المسألة مع ذكر الخلاف فيها وبيان الراجح من الأقوال.
3 - دعوى القسامة خالفت سائر الدعاوى بأمور: الأول: أن اليمين توجهت على المدعي، وبقية الدعاوى، البينة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه المنكر.
الثاني: أنه يبدأ بأيمان المدعي أو المدعين، إن كانوا أكثر.
الثالث: تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة.
4 - إذا وجد القتيل المجهول القاتل، ووجدت القرائن على قاتله، حلف أولياء المقتول خمسين يميناً على صحة دعواهم، فيستحقون دم المدعى عليه إذا كان القتل عمداً محضاً، وإن كان القتل غير عمد وثبت القود على المتهم فعليه الدية.
5 - إذا نكل المدعون عن الدعوى، أو كانوا من غير أهل الأيمان «النساء والصبيان» توجهت الأيمان على المتهمين في القتل فيحلفون خمسين يمينا، أنهم لم يقتلوه، وأنهم لا يعلمون قاتله فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا، أُدِينُوا بصدق الدعوى عليهم.
6 - إذا نكل أولياء المقتول عن الأيمان، وحلف المدعى عليهم فحينئذ=

..................................  =تكون دية القتيل من بيت المال، حتى لا يضيع دمه.
ومثله المقتول في زحام حج، أو مسجد، أو حفل، أو وجد مقتولاً ولا يعلم قاتله، ولا تدل القرائن على قاتل.
كل هؤلاء ونحوهم تكون دياتهم من خزينة الدولة.
7 - أن اليمين تكون في جانب الأقوى من المتخاصمين.
ففي «دعوى القسامة» توجهت الأيمان على أولياء المقتول أولاً، لأن جانبهم تقوى بالقرائن الدالة على صحة دعواهم في قتل صاحبهم.
والقرائن إذا قويت، فإنها من البينات الواضحة.
فإن نكلوا عن الأيمان، دل نكولهم على قوة جانب المدعى عليهم فيحلفون ويبرأون من التهمة.
8 - استحباب تقديم الأكبر سنا في الأمور، لما له من شرف السن، وكثرة العبادة، وممارسة الأمور، وكثرة الخبرة 9 - قوله: «فوداه بمائة من إبل الصدقة»: استدل به من يقول بجواز صرف الزكاة في المصالح العامة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيل الله﴾، فسبيل الله، كل مصلحة عامة، فيها نفع للمسلمين.
وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة مع بيان الراجح فيها في كتاب الزكاة.
10 - جواز الوكالة في المطالبة بالحدود.
11 - وفيه دليل على رد اليمين على المدَّعِي من المدَّعَى عليه، أو عند نكول المدعي عليه.
12 - وعلى أن الدعوى بين المسلم والذمي، كالدعوى بين المسلمين، وأن الأيمان تُقَبل من الكفار.

فَمَتىَ وُجِدَ قَتِيْلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلى رَجُلٍ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ، وَأَهْلِ خَيْبَرَ، أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ (1)،  (1)

قوله «فَمَتىَ وُجِدَ قَتِيْلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلى رَجُلٍ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ، وَأَهْلِ خَيْبَرَ، أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ»:

هذه هي

الشروط المعتبرة في القسامة

.

فالشرط الأول: هو اتفاق أولياء المقتول في الدعوى

، فإن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة، لأنه دعوى قتل، فاشترط اتفاق جميع الأولياء، كالقصاص في غير القسامة، كما لو قال القتيل قبل موته: قتلني فلان عمداً، وقالوا: بل قتله خطأ أو العكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم، وليس لهم أن يرجعوا إلى قول الميت بعد ذلك، ولا يجابون لذلك، لأنهم كذبوا أنفسهم.

الشرط الثاني: أن يكون هناك لوث

: واللوث هو الجراحات والمطالبات بالأحقاد، وهو في الاصطلاح: أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي.
واختلفت الرواية في المذهب 1 في اللوث المشترط في القسامة.
فالرواية الأولى: وهي المذهب أن اللوث هو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر، وما بين الشرط واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن=

..................................  = يغلب على الظن قتله.
والرواية الثانية: أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي وذلك من وجوه.
أحدها: العداوة المذكورة.
الثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل.
الثالث: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله.
الرابع: أن يقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما فاللوث على الأخرى.
الخامس: أن يشهد جماعة بالقتل ممن لا يثبت القتل بشهادتهم.
واختار هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية، قال صاحب الإنصاف: «وهو الصواب» 1، ووجه تفسير اللوث بذلك لأن غلبة الظن مُنَزَّلةٌ مَنْزِلة العلم في كثير من المواضع، فلأن تُنَزَّلَ منْزلة العداوة الظاهرة بطريق الأولى، قال الحافظ ابن حجر: «اتفقوا على أنها لا تجب القسامة لمجرد دعوى الأولياء حتى تقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها» 2. وقوله: «أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ» هذه كيفية القسامة وهي: أن يحلف المدعي على تعيين القاتل خمسين=

فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوْا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَبَرِئَ (1)،  = يميناً، تعظيماً لشأن الدم، فإذا حلف، استحق دم الذي يزعم أنه القاتل، إن كان القتل عمداً، أو استحق الدية إن كان خطأ.

(1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوْا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَبَرِئَ»:

أي فإن امتنع الورثة من الحلف خمسين يميناً، وقالوا: لا نحلف على شيء لم نره، أو عن بعضها، أو كان الورثة نساء، لأن النساء لا مدخل لهن في القسامة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلاً» حلف المدعى عليه خمسين يميناً، وبرئ من التهمة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِيناً» 1. أي: يخلصونكم من الأيمان، بأن يحلفوا خمسين يميناً، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، وخلصتم أنتم من اليمين.
وظاهر كلام المؤلف -رحمه الله-: «حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا» أنه يُبدأ بأيمان المدعين، وأنه إن كان الوارث واحداً حلف خمسين يميناً، لأن أيمان القسامة أيمان في دعوى، فلم تشرع في حق غير الوارث، كسائر الأيمان، ولأن الوارث الواحد قائم مقام الجماعة في استحقاق الدية، فكذلك يجب أن يقوم مقامهم في الأيمان، وهذا هو المذهب.
والقول الثانِي: أنه لابد من خمسين رجلاً، سواء كانوا وارثين أم لا، على كل واحد منهم يمين، لقوله -صلى الله عليه وسلم- للأنصار: «يَحلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» ولم يقل: تحلفون خمسين يميناً، مع علمه -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يكن لعبد الله بن سهل -رضي الله عنه- منهم خمسون رجلاً وارثاً، لأنه لا يرثه إلا أخوه أو مَن هو في درجته=

فَإِنْ نَكَلُوْا فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ (1)،  = أو أقرب منه نسباً، ولأنه خاطب بذلك ابني عمه، وهما غير وارثين، ولأن هذا أحوط وأبلغ، لأن هؤلاء الجماعة، أو القبيلة إذا علموا أنه لا بد أن يحلف خمسون منهم، قد ينصح بعضهم بعضاً، ويقول: اتق الله ولا تؤثمنا مثلاً، وحينئذٍ يكون فيه فائدة ومصلحة.
وهذا القول الأقرب إلى ظاهر الأدلة، أنه لا بد من حَلِف خمسين رجلاً.

(1)

قوله «فَإِنْ نَكَلُوْا فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ»:

أي إذا قال الورثة لا نحلف على شيء لم نره، فتوجه اليمين إلى المدّعى عليه، فأبوأْ أن يحلفوا لزمتهم الدية، لأنه حكم ثبت بالنكول فيثبت في حقهم ها هنا بالنكول كسائر الدعاوى ولا يثبت القود لأن القود لا يثبت في النكول وإنما يثبت الدية.
وفي رواية أخرى: أنهم يحبسون حتى يحلفوا أو يقروا، وهذا مذهب الحنفية 1، والمالكية 2، والشافعية 3، وأحد الروايتين في مذهب أحمد 4. قلت: والصواب عندي أنهم لا يحبسون لأنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الأيمان ولا يجب القصاص؛ لأن النكول حجة ضعيفة فلا يتغلظ بها الدم كالشاهد واليمين، ويديه الإمام من بيت المال لأنه مال وجب لامتناع الأيمان في القسامة فكانت الدية في=

فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُوْنَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِيْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَدَاهُ الإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (1)، وَلا يُقْسِمُوْنَ عَلى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (2)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِيْنًا وَاحِدَةً، وَبَرِئَ (3)،  =بيت المال كما لو امتنع المدعون منها ودليل ذلك حديث: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» (1).

(1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُوْنَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِيْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَدَاهُ الإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ»:

أي فإن نكل المدعى عليه وأبى أن يحلف، أو لم يرض المدعون يمينه ودي القتيل من بيت المال، لأن أولياء عبد الله بن سهل - رضي الله عنه - لم يحلفوا ولم يرضوا بأيمان اليهود، وقالوا: كيف بأيمان قوم كفار؟ أي: وهم يقدمون على الكذب والأيمان الفاجرة، وقوله في الحديث: «فَوَدَاهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» يدل على أن دية القتيل في بيت المال، وهذا لا يعارض قوله: «فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- من عِندِهِ» لأن معناها: تحت أمره وحكمه.
(2)

قوله «وَلا يُقْسِمُوْنَ عَلى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ»:

أي ولا يقسم أولياء المقتول على أكثر من واحد يتهمونه بقتل مورثهم (3)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِيْنًا وَاحِدَةً، وَبَرِئَ»:

أي فإن لم يكن بين المدعين والمدعى عليهم عداوة ولا لوث، حلف المدعى عليه يميناً واحداً وبرئ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» 2.1

..................................  ومن الشروط الأُخرى التي لابد منها في القسامة:

1 -

أن يكون المتهم بالقتل مكلفاً حتى تصح الدعوى بالقسامة

حيث لا قسامة على الصبي والمجنون، هذا عند الشافعية (1)، والحنابلة (2). أما غيرهم فعلى عدم اشتراطه، وأن المكلف وغيره سواء في القسامة.

2 -

أن يكون المدعي مكلفاً،

فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون، بل يدعي لهما الولي أو يوقف إلى كمالهما، ولو كان صبياً أو مجنوناً وقت القتل كاملاً مكلفاً عند الدعوى سمعت؛ لأنه قد يعلم الحال بالتسامع، وله أن يحلف إذا عرف ما يحلف عليه بإقرار الجاني، أو بسماع ممن يثق به.
3 -

أن يكون أولياء القتيل ذكوراً مكلفين:

فيشترط فيمن يحلف الأيمان أن يكون ذكرا مكلفاً، وأما النساء فلا يحلفن في العمد، وأما إن كانت الدعوى بالقتل خطأ، فإن الذي يحلف أيمان القسامة هو من يرث المقتول ذكوراً كانوا أو إناثاً.
ودليل ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» 3، ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد، فلا تسمع من النساء كالشهادة؛ ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته.12

جارٍ التحميل