وَإِذَا أَقَرَّ الْمُكَلَّفُ، الرَّشِيْدُ، الحُرُّ، الصَّحِيْحُ، الْمُخْتَارُ بِحَقٍّ، أُخِذَ بِهِ (1)، =من الدنيا: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (1)، وبعضهم يختم بكتاب العتق، تفاؤلاً بأن يعتقه الله من النار.
(1)
قوله «وَإِذَا أَقَرَّ الْمُكَلَّفُ، الرَّشِيْدُ، الحُرُّ، الصَّحِيْحُ، الْمُخْتَارُ بِحَقٍّ، أُخِذَ بِهِ»:
أي إن
الإقرار لا يصح إلا بشروط
، بعضها يعود على المقِرِّ، وبعضها يعود على المقَرِّ له.
ف
الأول: أن يكون المقر مكلفا
ً، فلا يصح الإقرار بمال أو عقد ونحوهما من صغير ولا مجنون، لحديث: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ... » (2)، ولأنه قول ممن لا يصح تصرفه فلم يصح، كفعله، إلا فيما يستثنى من إقرار الصبي، كما سيأتي إن شاء الله.
الثانِي: أن يكون رشيداً،
وهو الذي يحسن التصرف بالمال، فلا يصح من السفيه إقرار بالمال من دين أو غيره، لأنه محجور عليه لحظِّه فلم يقبل إقراره بالمال، كالصبي، ولأننا لو قبلنا إقراره بالمال سقط معنى الحجر عليه، ولأنه ممنوع من التصرف في ماله، فلم يصح إقراره به، كإقرار الراهن على الرهن.
الثالث: أن يكون المقر حرا
ً، فلا يصح إقرار العبد لأنه على غيره، فإن أذن له سيده في شيءٍ صح إقراره في القدر المأْذون له فيه كالبيع والشراء، لأنه تصرف في شيء يصح تصرفه فيه، فصح إقراره به كالحر.12
..................................
الرابع: أن يكون صحيحا
ً، فلو أقر المريض مرض الموت المخوف بمال لغير وارث لم يصح إقراره، وقد تقدم أن مرض الموت المخوف هو الذي لا يستغرب الناس الموت به، كمرض السرطان ومرض القلب ونحوهما، فيصح إقرار هذا المريض بغير مال كإقراره ببيع، أو إجارة، أو دين عليه، ونحو ذلك، لأنه لا تهمة عليه في ذلك، وإنما تلحقه التهمة في المال، فلو قال: لابني عليَّ عشرة آلاف ريال وله أبناء غيره لم يقبل إلا ببينة إلا أن يجيز الورثة لأنه إيصال المال إلى الوارث فلم يصح كالوصية إلا أن يقر لزوجته بمهر مثلها فما دون فيصح لأن سببه ثابت وهو النكاح.
الخامس: أن يكون مختارا
ً، وضده المكره، فلا بد أن يكون المقر مختاراً لإقراره ولما أقر به، فإن كان أقر باختياره بمائة وأكره على أن يقر بمائتين، فالإقرار لا يصح بالمائتين لكن يصح بالمائة، وإن كان لا يقر بشيء فأكره على أن يقر بمائة لم يصح إقراره مطلقاً؛ لأنه لا بد أن يكون مختاراً، والدليل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 1، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 2، فكل العقود لا بد فيها من التراضي، فالمكره لا يقع منه أي عقد أو إقرار.
وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوْتًا يُمْكِنُهُ الكَلامُ فِيْهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوْفًا أَوْ صِغَارًا، أَوْ مُؤَجَّلَةً، لَزِمَتْهُ جِيَادًا، وَافِيَةً، حَالَّةً (1)، وَإِنْ وَصَفَهَا بِذلِكَ مُتَّصِلاً بِإِقْرَارِهِ، لَزِمَتْهُ كَذلِكَ (2)، وَإِنِ اسْتَثْنَى مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ مُتَّصِلاً بِهِ، صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ (3)، (1)
قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوْتًا يُمْكِنُهُ الكَلامُ فِيْهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوْفًا أَوْ صِغَارًا، أَوْ مُؤَجَّلَةً، لَزِمَتْهُ جِيَادًا، وَافِيَةً، حَالَّةً»:
أي إذا وصل إقراره بما يغيره كأن يقول: له عليَّ مائة درهم، ثم يسكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه، ثم يقول: «زُيُوفاً»، أي رديئة، أو معيبة لزمه مائة جياد، أو قال: «صِغَاراً» لزمه مائة وافية، أو قال: «مؤجلةً» لزمته مائة حالَّة، لأن الإقرار حصل منه بالمائة مطلقاً، فينصرف إلى الجيد الوافي الحالِّ، كما لو باعه بمائة درهم وأطلق، ولأنه رجع عن بعض ما أقر به وَرَفَعَهُ بصفة منفصلة، وشرطُ التخصيص بالصفة أن تكون متصلة.
(2)
قوله «وَإِنْ وَصَفَهَا بِذلِكَ مُتَّصِلاً بِإِقْرَارِهِ، لَزِمَتْهُ كَذلِكَ»:
هذا شرط من شروط صحة الاستثناء، وهو أن يكون متصلاً بالمستثنى منه، وذلك بألا يسكت المستثني بين ذكره المستثنى والمستثنى منه زمناً يمكنه الكلام فيه، وألا يأتي بكلام أجنبي، كما سيذكر ذلك المؤلف قريباً، لأنه إن سكت أو عدل عن إقراره إلى شيء آخر استقر حكم ما أقرَّ به فلم يرتفع.
(3)
قوله «وَإِنِ اسْتَثْنَى مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ مُتَّصِلاً بِهِ، صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ»:
أي: وإن استثنى المقِرُّ أقل من النصف، نحو: له عليَّ عشرة إلا ثلاثة، فيلزمه سبعة، وهذا مجمع على جوازه، لأنه لغة العرب، قال تعالى: =
.................................. = ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ 1. ومفهوم كلامه أنه لا يُستثنى النصف، فلا يصح له عشرة إلا خمسة، بل تلزمه العشرة، لأنه لم يرد في كلام العرب إلا القليل من الكثير، والنصف ليس بقليل، قال الطوفي: «وهو الصحيح من مذهبنا» 2. والقول الثانِي: أنه يصح استثناء النصف، قال ابن هبيرة: «وظاهر المذهب صحته» 3، واختاره الخرقي، وذلك لأن النصف ليس بالأكثر، فجاز، كالأقل 4. وأما استثناء الأكثر فالمذهب أنه لا يصح، لأنه لم يرد في لغة العرب، قال الزجَّاج: «لم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا قليل من كثير» 5، فلو قال: له عليَّ عشرة إلا ستة لزمته العشرة كلها، والجمهور على أنه يصح استثناء أكثر من النصف، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ 6، وأتْبَاعُ إبليسَ من بني آدم أكثرُ من النصف، وأجيب عنه بأنه استثناء من صفة، والاستثناء من الصفة يصح وإن خرج الكل أو الأكثر.
وَإِنْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِسُكُوْتٍ يُمْكِنُهُ الكَلامُ فِيْهِ، أَوْ بِكَلامٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوِ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ كُلُّهُ (1)، (1)
قوله «وَإِنْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِسُكُوْتٍ يُمْكِنُهُ الكَلامُ فِيْهِ، أَوْ بِكَلامٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوِ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ كُلُّهُ»:
أي فإن أقر على نفسه بشيءٍ ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ثم استثنى شيئاً آخر من غير جنس ما أقر به كأن يقول لفلان: عندي ألف ريال إلا ثوباً، فإنه يلزمه ما أقر به وهو الألف ريال، لأن حقيقة الاستثناء هنا أنه استدراك، فيكون مقراً بشيء مدعياً لشيء آخر فيقبل إقراره، وتبطل دعواه، إلا إذا كانت هناك بينة على هذه الدعوى، وهذا هو المذهب 1، لأن الاستثناء إخراج بعض ما دخل في المستثنى منه، وغير جنسه لم يدخل حتى يحتاج إلى إخراج.
والقول الثانِي: جواز الاستثناء من غير الجنس 2، لوروده في القرآن الكريم، وفي كلام العرب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ 3، والتجارة ليست من أكل المال بالباطل، وقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا﴾ 4، والسلام ليس من جنس اللغو، وقال الرَّاجز:
وبلدةٍ ليس بها أنيسُ... إلا اليعافيرُ وإلا العِيْسُ 5
واليعافير: أولاد بقر الوحش، والعيس: الإبل، وليس واحد منها من =
وَمَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيْعَةٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ (1)، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِيْ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيْعَةٌ قُبِلَ قَوْلُهُ (2)، وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ ثَلاثَةٌ، إِلاَّ أَنْ يُصَدِّقُهُ المُقَرُّ لَهُ فِيْ أَقَلَّ مِنْهَا (3)، وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مُجْمَلٍ، قُبِلَ تَفْسِيْرُهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ (4)، = جنس الأنيس، وهذا هو الراجح إن شاء الله، لقوة مأخذه، وعليه ففي المثال السابق تسقط قيمة الثوب من المائة، ويلزمه الباقي.
(1)
قوله «وَمَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيْعَةٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ»:
أي ولو قال: لزيد عليَّ ألف ريال - مثلاًـ ثم فسّرها بأنها وديعة لم يقبل منه، لأن «عليَّ» للإيجاب، وذلك يقتضي أن الألف في ذمته، فإذا فسره بالوديعة لم يصح، لأن تفسيره يناقض ظاهر إقراره.
(2)
قوله «وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِيْ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيْعَةٌ قُبِلَ قَوْلُهُ»:
أي ولو قال له عندي ألف ريال، وفسره بوديعة قبل ذلك، لأنه فسر اللفظ بأحد مدلوليه، فإن الوديعة تكون عنده، كما أن الدين يكون عنده، ولذا لو فسره بدَين صح.
(3)
قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ ثَلاثَةٌ، إِلاَّ أَنْ يُصَدِّقُهُ المُقَرُّ لَهُ فِيْ أَقَلَّ مِنْهَا»:
أي وإن قال: له عليَّ دراهمُ، فُسِّرَت الدراهم بثلاثة، لأنه جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
(4)
قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مُجْمَلٍ، قُبِلَ تَفْسِيْرُهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ»:
المراد بالمجمل: ما احتمل أمرين فأكثر على السواء، وهو ضد المفسَّر.
فإذا أقر بشيء مجمل طلب منه تفسيره، فإن فسره بما يحتمله صح، كما لو=
..................................
=قال: له عليَّ شيء، أو له عليَّ كذا، ثم فسره بألف ريال، أو بشاة ونحوهما قبل تفسيره، لأن الكلام يحتمل ذلك.
فإن فسره بما ليس بمال كقشر جوزة، أو حبة بر، ونحوهما لم يقبل تفسيره، لأنه اعترف بحق عليه، وما ذكره لا يكون عليه، لأنه لا يثبت في الذمة، ولو قال: له عليَّ ألف، ثم فسره بجنس واحد من ريالات، أو دنانير، أو فسره بأجناس قُبِلَ منه ذلك، لأن لفظه يحتمله.
فَصْلٌ فِيْمَنْ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ وَمَنْ لا يَصِحُّ
(1) وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُ غَيْرِ المُكَلَّفِ بِشَيْءٍ (2)، إِلاَّ الْمَأْذُوْنَ لَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ فِيْ التَّصَرُّفِ فِيْ قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ (3)، وَإِنْ أَقَرَّ السَّفِيُهُ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ طَلاقٍ، أُخِذَ (4)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْمَنْ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ وَمَنْ لا يَصِحُّ»:
هذا الفصل له علاقة بما ذكرناه قبله، فقد سبق بيان الشروط المعتبرة في المقر.
(2)
قوله «وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُ غَيْرِ المُكَلَّفِ بِشَيْءٍ»:
أي لا يصح الإقرار بمال أو عقد ونحوهما من صغير، ولا مجنون، ولا معتوه، لحديث: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ... » (1)، ولأنه قول ممن لا يصح تصرفه فلم يصح، كفعله، إلا فيما يستثنى من إقرار الصبي، كما سيأتي إن شاء الله.
(3)
قوله «إِلاَّ الْمَأْذُوْنَ لَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ فِيْ التَّصَرُّفِ فِيْ قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ»:
أي إنما يصح إقرار الصبي في قدر ما أُذن له فيه كما تقدم بيانه، وهذا كالاستثناء من شرط التكليف كما مضى، وذلك لأنه بهذا الإذن أصبح صحيح التصرف فيما أُذن له فيه، ولأنه عاقل مختار فصح إقراره كالبالغ.
(4)
قوله «وَإِنْ أَقَرَّ السَّفِيُهُ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ طَلاقٍ، أُخِذَ بِهِ»:
السفيه هو من حجر عليه بمنعه من التصرف في ماله، وضده الرشيد.
ومعنى كلامه -رحمه الله-: أنه يجوز الإقرار من السفيه إن أقر على نفسه بحد أو قصاص أو طلاق زوجته، لأنه غير متهم في حق نفسه، والحجر إنما يتعلق بماله، فوجب أن يُقبل إقراره على نفسه بغير المال، لأن الحجر لا تعلق له به.1
وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ (1)، وَكَذلِكَ الحُكْمُ فِيْ إِقْرَارِ العَبْدِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ (2)، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مَأْذُوْنًا لَهُ فِيْ التِّجَارَةِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِيْ قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ (3)، وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيْضُ بِالدَّيْنِ لِأَجْنَبِيٍّ (4)، (1)
قوله «وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ»:
أي وإن أقر السفيه بمال لم يقبل منه لأنه ممنوع من التصرف في المال لحظ نفسه.
(2)
قوله «وَكَذلِكَ الحُكْمُ فِيْ إِقْرَارِ العَبْدِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ»:
أي ويصح إقرار العبد غير المأذون له بالمال، لكن لا يقبل في الحال، وإنما يُتبع به بعد العتق وزوال الرقِّ، لأنه إقرار من محجور عليه في حق غيره، فلم يقبل في الحال، ويُتبع به بعد زوال الحجر عنه، كالمفلس.
(3)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مَأْذُوْنًا لَهُ فِيْ التِّجَارَةِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِيْ قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ»:
أي يصح إقرار العبد في قدر ما أُذن له فيه من التجارة، لأنه تصرف في شيء يصح تصرفه فيه ببيع وشراء، فصح إقراره به كالحر وقد سبق بيان ذلك.
(4)
قوله «وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيْضُ بِالدَّيْنِ لِأَجْنَبِيٍّ»:
أي ويصح الإقرار من المريض المخوف موته، وقد تقدم أن مرض الموت المخوف هو الذي لا يستغرب الناس الموت به، كمرض السرطان ومرض القلب ونحوهما، فيصح إقرار هذا المريض بغير مال كإقراره ببيع، أو إجارة، أو دين عليه، ونحو ذلك، لأنه لا تهمة عليه في ذلك، وإنما تلحقه التهمة في المال.
فلو قال: لابني عليَّ عشرة آلاف ريال - وله أبناء غيره - لم يقبل وقد سبق بيان ذلك.
وَلا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِيْ مَرَضِ المَوْتِ لِوَارِثٍ، إِلاَّ بِتَصْدِيْقِ سَائِرِ الوَرَثَةِ (1)، (1)
قوله «وَلا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِيْ مَرَضِ المَوْتِ لِوَارِثٍ، إِلاَّ بِتَصْدِيْقِ سَائِرِ الوَرَثَةِ»:
أي إن أقر المريض في مرض موته بمال لوارث لم يقبل إقراره، لأنه إيصال لماله إلى وارثه في مرض موته، فلم يصح بغير رضا بقية ورثته، كهبته ووصيته، ولأن المريض محجور عليه لحق وارثه، فلم يقبل إقراره، ولأنه متهم بمحاباته، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة.
والقول الثانِي: أنه يقبل إقراره للوارث بمال إذا لم يتهم، قال صاحب الإنصاف: «وهو الصواب» 1، ومثال عدم الاتهام أن يكون هذا المريض قد اشترى من أحد ورثته سيارة مثلاً بعشرة آلاف، فيقبل إقراره بهذا المال، لأنه إقرار مبني على سبب معلوم، والأصل عدم تسليم الثمن، لأن العلة التهمة، وهي هنا مفقودة.
فإن أقر هذا المريض بالمال لغير وارث، كابن ابنه مع وجود ابنه، أو أخته مع وجود ابنه فإنه يصح، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المريض في مرضه لغير الوارث جائز» 2، وذلك لأنه إقرار غير متهم فيه فقبل.
وظاهر كلامه أنه لو أقر لأجنبي بما زاد على الثلث ثبت إقراره، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة.
القول الثانِي: أنه لا يصح إقراره لأجنبي بما زاد على الثلث، لأنه ممنوع =
وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَصَارَ غَيْرَ وَارِثٍ، لَمْ يَصِحَّ (1)، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثاً، صَحَّ إِقْرَارُهُ (2)،
= من عطية ذلك للأجنبي، بخلاف الثلث فما دون.
والقول الثالث: لا يصح إقراره للأجنبي مطلقاً، لأن حق الورثة تعلق بماله، أشبه المفلس.
والأول أظهر، لأنه إقرار غير متهم فيه، كالإقرار في الصحة، يحققه أن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه وإبراء ذمته وتَحَرِّي الصدق، فكان أولى بالقبول (1).
(1)
قوله «وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَصَارَ غَيْرَ وَارِثٍ، لَمْ يَصِحَّ»:
أي إن أقر المريض مرض الموت المخوف، لوارث فصار عند الموت غير وارث، فإن إقراره لا يصح اعتباراً بحال الإقرار لا بحال الموت.
مثاله: رجل مات عن زوجة وعم شقيق وأم، فللزوجة الربع، وللأم الثلث، والباقي للعم الشقيق، فهذا المريض أقر لعمه الشقيق بمال، ثم إن أمه ولدت لهذا المريض أخاً شقيقاً، ثم مات المريض بعد أن ولد أخوه الشقيق، فالذي يرثه بالتعصيب الأخ الشقيق، لكن إن أجازه الورثة فإنه يجوز، ويعطى إياه بالإقرار.
(2)
قوله «وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثاً، صَحَّ إِقْرَارُهُ»:
أي إذا أقر المريض مرض الموت لغير وارث فصار عند الموت وارثاً صح إقراره؛ لأن العبرة حال الإقرار، مثاله: شخص أقر لأخيه وله ابن، ثم مات ابنه فصار الأخ وارثاً، فيصح هذا الإقرار ويعطى أخوه ما أقر به له.1
وَيَصِحَّ إِقْرَارُهُ بِوَارِثٍ (1). وَإِذَا كَانَ عَلى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، لَمْ يَلْزَمِ الوَرَثَةَ وَفَاؤُهُ (2)، إِلاَّ أَنْ يُخَلِّفَ تَرِكَةً، فَيَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِهَا (3)، فَإِنْ أَحَبَّ الوَرَثَةُ وَفَاءَ الدَّيْنِ، وَأَخْذَ تَرِكَتِهِ، فَلَهُمْ ذلِكَ (4)، وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيْعَ الوَرَثَةِ بِدَيْنٍ عَلى مُوَرِّثِهِمْ، ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِمْ (5)، (1)
قوله «وَيَصِحَّ إِقْرَارُهُ بِوَارِثٍ»:
لأنه عند الإقرار غير وارث, وفي قول آخر عنه لا يصح لأنه عند الموت وارث.
(2)
قوله «وَإِذَا كَانَ عَلى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، لَمْ يَلْزَمِ الوَرَثَةَ وَفَاؤُهُ»:
أي لا يلزم الورثة قضاء دَين على مورثهم، لأنه لا يلزمهم أداء الدين في حياته إذا كان مفلساً، فكذلك لا يلزمهم إذا كان ميتاً، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (1). (3)
قوله «إِلاَّ أَنْ يُخَلِّفَ تَرِكَةً، فَيَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِهَا»:
أي إلا أن يخلف المورِّث المدين تركة، فيتعلق الدين بها، كسائر الحقوق المتعلقة بعين التركة، ويلزم قضاؤه منها، ويبُدأ به قبل الوصية.
(4)
قوله «فَإِنْ أَحَبَّ الوَرَثَةُ وَفَاءَ الدَّيْنِ، وَأَخْذَ تَرِكَتِهِ، فَلَهُمْ ذلِكَ»:
أي فإن أحب الورثة القضاء من غير التركة وأخذ التركة فلهم ذلك، وإن اختاروا القضاء منها فلهم ذلك، وإن امتنعوا من القضاء باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين.
(5)
قوله «وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيْعَ الوَرَثَةِ بِدَيْنٍ عَلى مُوَرِّثِهِمْ، ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِمْ»:
أي وإن أقر الورثة بدين على مورثهم ثبت الدين، ولزمهم قضاؤه، لأنهم أقروا=1
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْضُهُمْ، ثَبَتَ بِقَدْرِ حَقِّهِ (1)، فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَمِئَتَيْ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمِئَةٍ دَيْناً عَلى أَبِيْهِ لَزِمَهُ خَمْسُوْنَ دِرْهَمًا (2)، فَإِنْ كَانَ عَدْلاً وَشَهِدَ بِهَا، فَلِلْغَرِيْمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَتِهِ وَيَأْخُذُ بَاقِيَهَا مِنْ أَخِيْهِ (3)، =باستحقاق ذلك على مورثهم، والإقرار أبلغ من البينة، فيقضونه من التركة لتعلق الدين بها.
(1)
قوله «وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْضُهُمْ، ثَبَتَ بِقَدْرِ حَقِّهِ»:
أي وإن أقر بالدين على الميت بعض الورثة دون باقيهم، فإن الدين يثبت، ويلزم المقر من الدين بقدر إرثه من التركة، فإن ورث النصف من التركة فعليه نصف الدين، وإن ورث الربع فربع الدين، وهكذا قل أو كثر، لأن كل جزء من الدين تعلق بمثله من التركة، فوجب أن يوزع عليها، كما لو ثبت بالبينة أو بإقرار الميت.
(2)
قوله «فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَمِئَتَيْ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمِئَةٍ دَيْناً عَلى أَبِيْهِ لَزِمَهُ خَمْسُوْنَ دِرْهَمًا»:
أي فلو خلف ابنين ومائتي درهم فأقر أحدهما بمائة دينار على أبيه لزمه خمسون درهما؛ لأنه مقر على أبيه بدين ولا يلزمه أكثر من نصف دين أبيه لأنه مقر على نفسه وأخيه فقبل إقراره على نفسه دون أخيه.
(3)
قوله «فَإِنْ كَانَ عَدْلاً وَشَهِدَ بِهَا، فَلِلْغَرِيْمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَتِهِ وَيَأْخُذُ بَاقِيَهَا مِنْ أَخِيْهِ»:
أي إلا أن يكون عدلاً فيحلف الغريم مع شهادته ويأخذ مائة, وتكون المائة الباقية بين الابنين، وإنما لزم الآخر الخمسون لأنه يرث نصف التركة فيلزمه نصف الدين؛ لأنه بقدر ميراثه ولو لزمه جميع الدين لم تقبل شهادته على أخيه لكونه يدفع بها عن نفسه ضرراً؛ ولأنه يرث نصف التركة فيلزمه نصف الدين كما لو ثبت ببينة.
وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا وَمِئَةً، فَادَّعَى رَجُلٌ مِئَةً عَلى أَبِيْهِ، فَصَدَّقَهُ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذلِكَ وَصَدَّقَهُ الاِبْنُ، فَإِنْ كَانَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَالْمِئَةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِيْ مَجْلِسَيْنِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ وَلا شَيْءَ لِلثَّانِيْ (1)، وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ ادَّعَاهَا وَدِيْعَةً، فَصَدَّقَهُ الاِبْنُ، ثُمَّ ادَّعَاهَا آخَرُ، فَصَدَّقَهُ الاِبْنُ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، وَلا شَيْءَ لِلثَّانِيْ، وَيغَرْمُهَا لَهُ؛ لأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا وَمِئَةً، فَادَّعَى رَجُلٌ مِئَةً عَلى أَبِيْهِ، فَصَدَّقَهُ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذلِكَ وَصَدَّقَهُ الاِبْنُ، فَإِنْ كَانَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَالْمِئَةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِيْ مَجْلِسَيْنِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ وَلا شَيْءَ لِلثَّانِيْ»:
أي إذا مات رجل وخلف وارثاً، كابن ومائة، فادعى رجل أن المائة له ديناً على الميت، فصدقه الابن وأقر له بها، ثم ادعى آخر مائة على الميت، وصدّقه الابن، فإن كان ذلك في مجلس واحد فالمائة بينهما لتساويهما، وإن كان الإقرار في مجلسين فالمائة للأول ولا شيء للثاني، لأن الابن أقر بها للأول، ولا معارض له، ولا يقبل إقراره للثاني، لأنه رجوع عن الإقرار الأول، وذلك لا يصح، لما فيه من إبطال حق الأول.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ ادَّعَاهَا وَدِيْعَةً، فَصَدَّقَهُ الاِبْنُ، ثُمَّ ادَّعَاهَا آخَرُ، فَصَدَّقَهُ الاِبْنُ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، وَلا شَيْءَ لِلثَّانِيْ، وَيغَرْمُهَا لَهُ؛ لأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ»:
أي وإن ادعى الرجلان في مجلسين أن المائة وديعة عند الميت، فصدقهما الابن، وأقر بها لكل واحد منهما، فهي للأول لما تقدم، ويغرمها الابن للثانِي، لأنه بإقراره له ظهر أن المائة للثاني، وقد حال بينه وبينها، فلزمه غرامتها، كما لو شهد بمال، ثم رجع بعد الحكم بشهادته.
هذا آخر ما تيسر من شرح عمدة الفقه المسمى بـ (وبل الغمامة) وقد تم بحمد الله الانتهاء منه ضحوة الثلاثاء: 1/ 1/ 1432 هـ فأحمد الله وأشكره على نعمه وفضله، وأسأله المزيد من ذلك، وأن يمد في العمر لمتابعة المشاريع العلمية النافعة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.