(1) (1)
قوله «كِتابُ الحُدُوْدِ»:
الحدود: جمع حد، وهو في الأصل المنع، ويطلق على معانٍ كثيرة، ففي كتاب الله تطلق الحدود على المحرمات، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ 1، وتطلق على الواجبات، وما حدَّده الشرع وقدَّره، كالمواريث، والزواج من الأربع ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ 2، وتطلق على العقوبات المقدَّرة، لكونها تمنع عن المعاودة، ولأنها مقدَّرة من الشارع.
والحد شرعاً: عقوبة بدنية مقدَّرة شرعاً لحق الله تعالى.
فقولنا: عقوبة بدنية: قيد أول يخرج العقوبة المالية، مثل: جزاء الصيد.
وقولنا: مقدَّرة شرعاً: قيد ثان خرج به التعزير، لأنه غير مقدَّر، كالعقوبة التي يقدرها القاضي كأن يحكم على شخص بأن يجلد خمسين جلدة، فليس هذا حداً، لأن قائلها هو القاضي.
وقولنا: لحق الله تعالى: يخرج القصاص ونحوه مما يكون فيه الحق للآدمي، وهذا باعتبار الأغلب، لأن القصاص وإن كان فيه حق لله تعالى إلا أنه غُلِّبَ حق الآدمي، ولهذا إذا عفا الأولياء سقط القصاص.
- فائدة: الحكمة من إقامة الحدود ما يلي: أولاً: الردع لأجل ألا يفعلها هو، أو غيره مرة ثانية، فهي زواجر تمنع =
لا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلى مُكَلَّفٍ 1،
= من الوقوع في مثل هذه الجريمة، وتمنع من انتشار الفساد وشيوع الجرائم، وتحقق الأمن في البلاد.
ثانياً: التطهير والكفارة، فإن الإنسان إذا فعل ذنباً وحُدَّ عليه كفَّر الله عنه، فلا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة، لحديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- وفيه: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئاً فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» (1).
(1) قوله «لا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلى مُكَلَّفٍ»: أي لا يقام الحد إلاَّ على مكلف: وهو البالغ العاقل، فلا حَدَّ على صغير ولا مجنون، لأنهما غير مكلفين بالعبادة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» 2، وذكر منهم الصغير والمجنون، لأنهما ليسا أهلاً للعقوبة لعدم صحة القصد التام منهما، ولهذا منع الله من إتيانهم أموالهم حتى لا يضيعوها.
ولكن لا يعني ذلك أن الصغير لا يُعزَّر، بل يعزر، والتعزير غير الحد، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ» 3، فأمر بضربهم قبل البلوغ، فالتعزير شيء وإقامة الحد شيء آخر، وعلى هذا فلو أن صغيراً فعل الفاحشة فلا نقول: هذا صغير، لا يجب عليه الحد، اتركوه، بل لا بد أن يعزر بما يردعه وأمثالَه عن هذه الفِعلة، وكذلك - أيضاً - لو سرق فإنه لا يُترك، بل لو أفسد شيئاً دون =
عَالِمٍ بِالتَّحرِيمِ (1)،
= شيئاً دون ذلك فإنه لا يُترك بدون تعزير.
والبلوغ كما سبق يحصل بواحد من أمور ثلاثة: إما بإنزال المني، وإما بإنبات العانة، وإما بتمام خمس عشرة سنة.
- فائدة: قال شيخنا تعليقاً على قول صاحب الزاد: «لا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلى مُكَلَّفٍ»، قال: «ليت المؤلف قال: «يجب الحدّ على كل بالغ» لأن الإثبات أحسن من النفي؛ لأنه إذا قال: لا يجب الحد إلا على كذا، كأن الأصل عدم وجوب الحد، لكن لو قال: «يجب الحد على كل بالغ عاقل ملتزم عالم بالتحريم» صار أبلغ؛ لأن الحد إقامته واجبة بالكتاب، وبالسنة، والإجماع» (1).
(1)
قوله «عَالِمٍ بِالتَّحرِيمِ»:
خرج به الجاهل بالتحريم، فهذا لا حد عليه، وهذا هو الشرط الثانِي، فلابد أن يكون عالماً بالتحريم، فإن كان جاهلاً، كحديث عهدٍ بالإسلام، أو ناشئ في بادية بعيدة عن المسلمين فلا حدَّ عليه، لأن الحد يدرأ بالشبهة والجهل شبهة، فإن ادعى الجهل وقد نشأ في بلاد الإسلام لم تقبل دعواه.
- فائدة: هل يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة؟
لا يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة، فلو قال الرجل المحصن الذي زنا: إنه لو علم أن حده الرجم ما زنا أبداً، لكنه ظن أن المسألة جلد فقط، وهو يصبر على الجلد فإننا نرجمه؛ لأنه لا يشترط العلم بالعقوبة، فإذا كان=1
وَلا يُقِيْمُهُ إِلاَّ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (1)، إِلاَّ السَّيِّدُ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَتَهُ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلى رَقِيْقِهِ القِنِّ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا» (2)، =عالماً بالتحريم فمعنى ذلك أنه رضي بأن ينتهك حرمات الله، والله عزّ وجل قد أوجب العقوبة على هذا الفاعل لهذه المعصية، ولا عذر له.
(1)
قوله «وَلا يُقِيْمُهُ إِلاَّ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ»:
أي لا يقيم الحد إلا إمام المسلمين والمراد به من له السلطة العليا في الدولة أو من ينيبه، ويرجع في تحديد نائبه إلى العرف، كالأمراء والقضاة على حسب عادة الإمام، وإنما خُصَّ إقامة الحد بالإمام أو نائبه، لأن إقامته تفتقر إلى ثبوت اجتهاد ونظر، ولأجل أن يؤمن الحيف في استيفائه، وأما كونه يجوز لنائب الإمام أن يقيمه، فلأن أنيساً -رضي الله عنه- رجم امرأة بطريق النيابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
(2)
قوله «إِلاَّ السَّيِّدُ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَتَهُ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلى رَقِيْقِهِ القِنِّ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا»:
هذا معطوف على ما قبله، أي: ولا يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه أو السَّيد إذا كان الحد جلداً، فله أن يقيمه على رَقِيقِهِ، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَليَجْلِدْهَا الحَدَّ... » 1 الحديث، وعن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» 2، وظاهره أن للسيد إقامة حد السرقة والشرب.
وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ فِيْ السَّرِقَةِ، وَلا قَتْلُهُ فِيْ الرِّدَّةِ (1)، وَلا جَلْدُ مُكَاتَبِهِ وَلا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ (2). وَحَدُّ الرَّقِيْقِ فِيْ الْجَلْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ (3)، وَمَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ سَقَطَ (4)، (1)
قوله «وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ فِيْ السَّرِقَةِ، وَلا قَتْلُهُ فِيْ الرِّدَّةِ»:
أي ليس للسيد أن يقيم حد السرقة أو حد الردة على عبده، فالحد الذي خوِّل له أن يقيمه عليه هو الحد الذي ليس فيه إتلاف عضو ولا نفس، وهو الجلد، لأنه أقرب إلى التأديب، وللسيد تأديب رقيقه.
(2)
قوله «وَلا جَلْدُ مُكَاتَبِهِ وَلا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ»:
أي وليس له كذلك أن يجلد مكاتبه وهو من كاتبه على العتق لأنه قد انعقد في حقه سبب الحرية، وكذا لا يجوز له أن يجلد أمته المتزوجة لقول ابن عمر -رضي الله عنه-: «إذا كانت الأمة ذات زوج فزنت دفعت إلى السلطان فإن لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن» (1)، ولا يعرف له مخالف.
(3)
قوله «وَحَدُّ الرَّقِيْقِ فِيْ الْجَلْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ»:
أي ويتنصف الجلد بسبب الرق، فيجلد الرقيق إذا زنا خمسين جلدة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (2) وإذا ثبت التنصيف في حق الأمة فإنه يقاس عليها الرقيق.
(4)
قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ سَقَطَ»:
أي ومن أقر على نفسه بحد كزنا، ثم رجع عن إقراره قُبل منه وتُرك، وكذا لو رجع في أثناء إقامة الحد عليه فإنه لا يتمم الحد، لأن الصحابة رضي الله عنهم لما ذكروا للنبي -صلى الله عليه وسلم- =12
.................................. =أن ماعزاً -رضي الله عنه- هرب قال: «هَلا تَرَكْتُمُوهُ» 1، ولأن الرجوع شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، وإذا سقط جميع الحد بالرجوع فلأن يسقط تمامه بطريق الأولى.
فَصْلٌ فِيْ كَيْفِيَةِ إِقَامَةِ الحَدِّ
(1) وَيُضْرَبُ فِيْ الْحَدِّ بِسَوْطٍ (2)، لا جَدِيْدٍ وَلا خَلَقٍ (3)، وَلا يُمَدُّ، وَلا يُرْبَطُ وَلا يُجَرَّدُ (4)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ كَيْفِيَةِ إِقَامَةِ الحَدِّ»:
أي هذا فصل في بيان صفة الجلد وكيفيته التي جاءت بها السنة، فقد جاءت السنة ببعض الضوابط لهذه العقوبة، كما سيأتي ذلك مفصلا.
(2)
قوله «وَيُضْرَبُ فِيْ الْحَدِّ بِسَوْطٍ»:
السوط: هو خيزرانة أو عصا أو ما أشبه ذلك، ولا يكون بشيء قاسٍ كالحديد.
(3)
قوله «لا جَدِيْدٍ وَلا خَلَقٍ»:
الخلق: هو القديم والبالي؛ لأنه يتكسر ويتهشم ولا يؤلم، والجديد أكثر إيلاماً وتمزيقاً للجسد، وإنما يكون سوطاً بين سوطين، لا جديد ولا خلق.
(4)
قوله «وَلا يُمَدُّ، وَلا يُرْبَطُ وَلا يُجَرَّدُ»:
أي لا يمد على الأرض، ولا يربط: أي لا يقيد، ولا يجرد من ثيابه لقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: «ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد» 1 لكن الأثر ضعيف، والمعنى صحيح ويدل عليه ما في الأحاديث من إقامة الحد من النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه لم يجرد ولم يمد ولم يقيد، فإن دعت الحاجة إلى القيد فإنه يُفعل ولا بأس بذلك.
ويكون عليه قميص أو قميصان مما جرت العادة بلبسه مما يجعله يشعر بألم الضرب، وأما إذا كانت عليه ثياب كثيرة بحيث لا يبالي بالضرب فلا.
وَيُتَّقَى وَجْهُهُ وَرَأْسُهُ وَفَرْجُهُ (1)، وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا (2)، وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا (3)، (1)
قوله «وَيُتَّقَى وَجْهُهُ وَرَأْسُهُ وَفَرْجُهُ»:
أما الوجه فليس فيه إشكال، فكلهم متفقون على أن الوجه لا يجوز ضربه، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك كما في صحيح البخاري أنه نهى عن ضرب الوجه في الحدود وفي غيرها، فالوجه يتقى ولا يضرب، وإنما يكون الضرب على الأعضاء.
وأما الرأس فقال بعض الفقهاء يجوز ضرب الرأس، وذلك لقول أبي بكر -رضي الله عنه- لما أمر بتعزير: «اضرب الرأس؛ فإن فيه شيطاناً» (1)، وجاء عن عمر -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يعلو بالدرة ويضرب بها.
قلت: والصواب ما ذكرنا، وهو - ظاهر السنة - أن الضرب يكون على الظهر، لأن المقصود هو التأديب وليس هو الإتلاف.
(2)
قوله «وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا»:
وذلك ليعم الضرب بدنه، لأنه إذا كان قاعداً لا يفرق على كل الأعضاء بالوجه المعتبر حتى يصيب كل عضو حقه، ولئلا يخص ذلك موضعاً منه فيضّر به، ولأنه يمكن الجالد من الجلد.
(3)
قوله «وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا»:
هذه أمور ثلاثة تراعى عند إقامة الجلد على المرأة، وهي:
أولاً: تضرب جالسة؛ لأن ذلك أستر لها.
ثانياً: تشد عليها ثيابها أي: تربط؛ لأنه ربما مع الضرب تضطرب، وتتحرك، وتنحل ثيابها.1
وَمَنْ كَانَ مَرِيْضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، لِمَا رَوَى عَلِيٌّ -رضي الله عنه-: أَنَّ أَمَةَ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَنَتْ، فَأُمِرْتُ أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيْثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيْتُ إِنْ أَنا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ» (1). فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ وَخُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، جُلِدَ بِضِغْثٍ فِيْهِ عِيْدَانٌ بِعَدَدٍ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً (2)،
=ثالثاً: تمسك يداها حتى لا تنكشف؛ لأنها ربما تفرج ثيابها بيديها فتنكشف.
فهذا هو الذي يفرق فيها بينها وبين الرجل؛ لأن الحاجة داعية له، وإلا فالأصل أنها كالرجل.
(1)
قوله «وَمَنْ كَانَ مَرِيْضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، لِمَا رَوَى عَلِيٌّ -رضي الله عنه-: أَنَّ أَمَةَ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَنَتْ، فَأُمِرْتُ أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيْثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيْتُ إِنْ أَنا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ»
(1): أي فإن كان من سيقام عليه الحد مريضاً مرضاً يرجى السلامة منه فإنه يؤخر عنه الجلد حتى يبرأ، والحجَّة ما تقدم من حديث علي -رضي الله عنه- فإنه لا يحد بالجلد المريض والنفساء حتى تخرج من نفاسها لأنه مرض، وأما من حدَّه القتل فيحد كل حين، لأنه لا فائدة فيه إذا كان قتله متحتمًا.
(2)
قوله «فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ وَخُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، جُلِدَ بِضِغْثٍ فِيْهِ عِيْدَانٌ بِعَدَدٍ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً»:
أي أما المريض الذي لا يرجى برؤه فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر، فان خيف عليه من ذلك=1
..................................
=جمع ضغثاً فيه مائة شمراخ فيضرب به ضربة واحدة، وبهذا قال الشافعي 1. وأنكر مالك 2 هذا، وقال: قد قال الله تعالى ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 3، وهذا جلدة واحدة.
قلت: والصواب هو ما ذهب إليه المؤلف دليل ذلك حديث أمامة بن سهل بن حنيف عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كان بين أبياتنا رجل مخدج ضعيف فلم نرع إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها فرفع شأنه سعد بن عبادة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال «اجْلِدُوهُ مِائَةَ سَوْطٍ».
فقالوا: يا نبي الله هو أضعف من ذاك لو ضربناه مائة سوط مات قال: «فَخُذُوا لَهُ عِثْكَالاً فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ وَاحِدَةً» 4.
ولأنه لا يخلو من أن يقام عليه الحد على ما ذكرنا أو لا يقام أصلاً أو يضرب ضرباً كاملاً: فلا يجوز تركه بالكلية لأنه يخالف الكتاب والسنة، ولا أن يجلد جلداً تاماً لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ما ذكرناه، وقولهم هذا جلدة واحدة قلنا يجوز أن يقام ذلك في حال العذر كما قال الله تعالى في حق أيوب ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ 5، وهذا أولى من ترك حده بالكلية أو قتله بما لا يوجب القتل.
فَصْلٌ فِيْ تَدَاخُلِ الحُدُوْدِ
(1) وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ للهِ تَعَالى فِيْهَا قَتْلٌ، قُتِلَ، وَسَقَطَ سَائِرُهَا (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ تَدَاخُلِ الحُدُوْدِ»:
اتفق الفقهاء على أن الحدود - كحد الزنا والسرقة والشرب - إذا اتفقت في الجنس والموجب أي الحد فإنها تتداخل، فمن زنى مراراً، أو سرق مراراً، أو شرب مراراً، أقيم عليه حد واحد للزنا المتكرر، وآخر للسرقة المتكررة، وآخر للشرب المتكرر، لأن ما تكرر من هذه الأفعال هو من جنس ما سبقه، فدخل تحته.
ومثل ذلك حد القذف إذا قذف شخصاً واحداً مراراً، أو قذف جماعة بكلمة واحدة، فإنه يكتفي فيه بحد واحد اتفاقاً، بخلاف ما لو قذف جماعة بكلمات، أو خص كل واحد منهم بقذف.
(2)
قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ للهِ تَعَالى فِيْهَا قَتْلٌ، قُتِلَ، وَسَقَطَ سَائِرُهَا»:
فإن كان فيها قتل، مثل: إن شرب، وسرق، وزنا وهو محصن، أو لزمه قتل بردة، فإنها تتداخل - أيضاً - ويستوفى القتل، ويسقط سائرها، على الراجح من قولي أهل العلم، وهو قول الجمهور، وقد ورد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: «إِذَا جَاءَ القَتْل مَحَا كُلّ شَيء» 1، وعن عطاء وابن شهاب والنخعي وحماد وغيرهم أنهم قالوا مثل ذلك 2. قال ابن قدامة 3: «وهذه أقوال انتشرت في عصر الصحابة والتابعين، ولم=
وَلَوْ زَنَى مِرَارًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا، وَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ (1)، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ مِنْ أَجْنَاسِ لا قَتْلَ فِيْهَا، اسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا (2)، وَيُبْدَأُ بِالأَخَفِّ فَالأَخَفِّ مِنْهَا (3)، =يظهر لها مخالف، فكانت إجماعاً»، ولأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر وهو يحصل بالقتل، ولا فائدة تشرع بعد ذلك من تطبيق غيره معه فيكتفى به.
(1)
قوله «وَلَوْ زَنَى مِرَارًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا، وَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ»:
أي وإن اجتمعت حدود الله تعالى وكانت من جنس واحد مثل الزنا مراراً، أو السرقة مراراً، أو الشرب كذلك فإنها تتداخل ويجزي حد واحد كما سبق، لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل، وذلك حاصل بالحد الواحد، ولأن الواجب هنا من جنس واحد، فوجب التداخل فيه، كالكفارات.
(2)
قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ مِنْ أَجْنَاسِ لا قَتْلَ فِيْهَا، اسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا»:
أي: فإن كانت الحدود من جنس واحد كزنا وشرب، أو لم يكن فيها قتل فلا تتداخل، لأن التداخل إنما يمكن إذا كانت من جنس واحد، أما من أجناس فلا يمكن، فتستوفى كلها، لأنه لو حُدَّ في واحد من الحدود ربما اعتقد أنه لا حدّ للباقي، فلا ينْزجر عنها، لذلك تقام عليه كلها، ولأن الحدود تختلف مقاصدها، فإن المقصود من حد الخمر صيانة العقول، والمقصود من حد الزنا صيانة الأنساب، وحد السرقة حفظ الأموال، وهكذا.
(3)
قوله «وَيُبْدَأُ بِالأَخَفِّ فَالأَخَفِّ مِنْهَا»:
أي: إذا أريد إقامة أكثر من حد فإنه يبدأ بالأخف منها، فإذا زنا، وشرب، وسرق بدئ بالجلد للشرب، ثم=
وَتُدْرَأُ الحُدُوْدُ بِالشُّبُهَاتِ (1)، =الجلد للزنا، لأن الأول أخف من الثانِي، ثم قطعت يده
(1)
قوله «وَتُدْرَأُ الحُدُوْدُ بِالشُّبُهَاتِ»:
هذه قاعدة عظيمة جداً في باب الحدود، وقد أجمع الفقهاء على أن الحدود تدرأ بالشبهات.
والشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت، سواء كانت في الفاعل: كمن وطئ امرأة ظنها حليلته.
أو في المحل: بأن يكون للواطئ فيها ملك أو شبهة ملك كالأمة المشتركة.
والأصل في هذه القاعدة العظيمة قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» 1، وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِى الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِى الْعُقُوبَةِ» 2.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحدود تدرأ بالشبهات» 3.
فَلَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ (1)، أَوْ لِوَلَدِهِ (2)، (1)
قوله «فَلَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ»:
أي فلو أن رجلاً يشترك مع آخر في أمةً فليس لأحدهما أن يطأها لكن إن وطئها فلا يقام عليه الحد لوجود الشبهة.
مثال ذلك: رجل بينه وبين رجل آخر أمة مشتركة، اشترياها بعشرة آلاف، كل واحد قدم في ثمنها خمسة آلاف ريال، فهل تحل لواحد منهما؟ لا تحل لأحدهما، لا بالتسري، ولا بالنكاح، وإن وافق أحدهما، لكن تحل لغيرهما بالنكاح، فلو اتفقا على أن يزوجاها شخصاً حل ذلك، فإن وطئها أحدهما فلا حد عليه؛ لأن له بعضها، ففيه شبهة مُلك، حتى لو كان يعلم أنها لا تحل له، وأن هذا الجماع محرم، لأن شبهة الملك تمنع من إقامة الحد.
(2)
قوله «أَوْ لِوَلَدِهِ»:
وكذا إذا وطئ أمةً لولده فإنه لا يقام عليه الحد لوجود شبهة الملك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» 1. فلو زنا بأمةٍ لولده فيها شِرك، فالأب لا يملكها، لكن يملك أن يتملك ما يملكه ولده من هذه الأمة، فلما كان له أن يتملك صار زناه بهذه الأمة التي لولده فيها شرك فيه شبهة، فلا يقام عليه الحد، ولو لم يكن للولد فيها إلا واحد من عشرة آلاف سهم، لعموم قوله -رحمه الله-: «لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ».
أَوْ وَطِئَ فِيْ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيْهِ (1)، أَوْ مُكْرَهًا (2)، (1)
قوله «أَوْ وَطِئَ فِيْ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيْهِ»:
النكاح المختلف فيه: كالنكاح بلا ولي، ونكاح المتعة، والشغار، والتحليل، وبلا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح المجوسية «لم يحد» في قول أكثر أهل العلم لأن الاختلاف شبهة والحد يدرأ بالشبهات، وهذا هو المشهور في المذهب أي أنه لا يقام عليه الحد وإن اعتقد بطلانه وذلك لوجود الشبهة.
وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (1): أنه يقام عليه الحد، وذلك لأنه لا شبهة له في ذلك.
(2)
قوله «أَوْ مُكْرَهًا»:
أي وكذلك يسقط الحد إذا أُكره الشخص على الزنا، وفي قول أخر أنه لو أكره الرجل أقيم عليه الحد، لأن الإكراه في حق الرجل لا يتصور؛ لأنه لا جماع إلا بانتشار، ولا انتشار إلا بإرادة، والإرادة رضا وليست إكراهاً، فلما لم يتصور الإكراه في حقه صار الحد واجباً عليه، ولا يعارض هذا الحديثَ: «وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 2 لأنهم يقولون: هذا الرجل ما استكره، بل رضي.
والصواب: هو القول الأول وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 3.1
أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ (1)، (1)
قوله «أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ»:
أي وكذلك يسقط الحد إذا سرق من مال له فيه حق كأن يكون شريكاً فيه، أو أن يسرق من بيت المال، أو من الغنيمة، ونحو ذلك فإنه لا يحد.
واختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الحنفية 1، والشافعية 2 في الأصح عندهم، والحنابلة 3 إلى عدم إقامة الحد، على من سرق من مال له فيه حق كأن يكون شريكاً فيه، لأن للسارق حقا في هذا المال، فكان هذا الحق شبهة تدرأ عنه الحد.
وذهب المالكية 4 إلى إيجاب القطع إن تحقق شرطان:
أحدهما: أن يكون المال في غير الحرز المشترك، كأن يكون الشريكان قد أودعاه عند غيرهما، فإن لم يكن المال محجوباً عنهما وسرق أحدهما منه فلا يجوز القطع.
الثاني: أن يكون فيما سرق من حصة صاحبه فضل عن جميع حصته ربع دينار فصاعدا.
وللشافعية 5 في سرقة الشريك من مال الشركة قولان: الراجح منهما أن لا قطع، والقول الآخر إيجاب القطع؛ لأنه لا حق للشريك في نصيب=
أَوْ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ (1)،
=شريكه، فإذا سرق نصف دينار من المال المشترك بينهما بالسوية كان سارقاً لنصاب من مال شريكه فيقطع به.
أما السرقة من بيت المال: فذهب الحنفية (1)، والحنابلة (2) إلى عدم إقامة الحد على من سرق من بيت المال، إذا كان السارق مسلماً، غنياً كان أو فقيراً؛ لأن لكل مسلم حقاً في بيت المال، فيكون هذا الحق شبهة تدرأ الحد عنه، كما لو سرق من مال له فيه شركة.
وقد روي أن عبد الله ابن مسعود كتب إلى عمر بن الخطاب يسأله عمن سرق من بيت المال، فقال: أرسله، فما من أحد إلا وله في هذا المال حق.
وذهب المالكية (3) إلى وجوب إقامة الحد على السارق من بيت المال، لعموم نص الآية، وضعف الشبهة، لأنه سرق مالا من حرز لا شبهة له فيه في عينه، ولا حق له فيه قبل حاجته إليه.
(1)
قوله «أَوْ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ»:
أي ولا يقام الحد على من سرق من مال ابنه أو ابن ابنه، أو ابن ابن ابنه، لأن للسارق شبهة حق في مال المسروق منه.
وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم- لمن جاء يشتكي أباه الذي يريد أن يجتاح ماله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» 4.123
أَوْ مِنْ مَالِ غَرِيْمِهِ الَّذِيْ يَعْجِزُ عَنْ تَخْلِيْصِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، لَمْ يُحَدَّ (1)، (1)
قوله «أَوْ مِنْ مَالِ غَرِيْمِهِ الَّذِيْ يَعْجِزُ عَنْ تَخْلِيْصِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، لَمْ يُحَدَّ»:
هذه المسألة لها ثلاث حالات: 1 -
إن كان المدين باذلاً غير ممتنع عن أداء ما عليه، ثم ترك الدائن مطالبته،
وعمد إلى سرقة حقه، وجب قطعه إن بلغت قيمة المسروق نصاباً، إذ لا شبهة له في الأخذ ما دام الوصول إلى حقه ميسوراً.
2 - و
إن عجز الدائن عن استيفاء حقه فسرق قدر دينه
فلا يقام عليه الحد لأن اختلاف الفقهاء في إباحة أخذه حقه يورث شبهة تدرأ عنه الحد، كالوطء في نكاح مختلف في صحته.
3 - و
إن عجز رب الدين عن استيفاء حقه فأخذ من مال مدينه أكثر من حقه
وبلغت الزيادة نصاباً: فإن أخذ الزائد من نفس المكان الذي فيه ماله، فلا قطع؛ لأن هتك الحرز لأخذ ماله جعل المكان غير محرز بالنسبة لكل ما فيه، وإن أخذ الزائد من غير الحرز الذي فيه ماله وجب القطع؛ لعدم الشبهة.
فَصْلٌ فِيْ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ فِيْ الْحَرَمِ وَالغَزْوِ وَمَنْ أَتىَ حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلى الحَرَمِ، أَوْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ حَتَّى يَخْرُجَ (1)، (1) قوله
«فَصْلٌ فِيْ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ فِيْ الْحَرَمِ وَالغَزْوِ. وَمَنْ أَتىَ حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلى الحَرَمِ، أَوْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ حَتَّى يَخْرُجَ»: أي من وجب عليه حد من حدود الله كجلد أو رجم أو قصاص أو قطع ثم لجأْ إلى الحرم هارباً، فإنه لا يقام عليه الحد. هذا معنى كلامه -رحمه الله-.
وما ذكره المؤلف هنا محل خلاف بين الفقهاء، فالمشهور في مذهب الإمام أحمد 1، وهو اختيار المؤلف، واختيار ابن القيم 2 أنه لا يقام عليه الحد في الحرم، لكن: يضيق عليه فلا يؤاكل ولا يشارب ولا يؤوى ولا يبايع ولا يشارى؛ بمعنى: إن استأجر لم يؤجر، وإن طلب ماءً لا يسقى، ولا يجالس، ويناشد الله عز وجل أن يخرج من الحرم إلى الحل ليقام عليه حد الله تعالى، واستدلوا لذلك بأدلة منها: قوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ 3، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَومَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وإِنَّمَا أحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهْار، ثُمَ عَادت إلى حُرمَتِها، فَلا يُسْفَكُ فِيهَا دَم... » 4.
..................................
=وروى ابن جرير عن ابن عمر قال: «لو رأيت قاتل عمر في الحرم ما ندهته» 1، أي ما زجرته.
وعن ابن عباس أنه قال: «من قتل أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فلا يجالس ولا يكلم ولا يؤوى ويناشد أن يخرج فإذا خرج أقيم عليه الحد» 2.
وهذان الأثران لا يعلم لهما عن الصحابة مخالف، بل قال ابن القيم: «إن هذا القول هو قول جمهور التابعين وإنه لا يحفظ صحابي ولا عن تابعي عن خلاف هذا القول» 3.
القول الثاني: وهو مذهب المالكية 4، والشافعية 5 أنه يقام عليه الحد، واستدلوا بعمومات النصوص التي تدل على إقامة الحد، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 6، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 7، وغير ذلك من الآيات العامة فإنها عامة في الحل والحرم.
والصواب في هذه المسألة أن يقال: بأن من قتل في الحرم فأنه يقتل فيه، =
لَكِنْ لا يُبَايِعُ وَلا يُشَارِيْ (1)، وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ فِيْ الحَرَمِ، اسْتُوْفِيَ مِنْهُ فِيْهِ (2)، = أما إن قتل خارجه ثم لجأ إليه فهنا إن أمكن إخراجه منه وقتله خارجه فهو أولى، فإن تعذر ذلك أو ترتب على إخراجه مفاسد فيقتل في الحرم قطعاً لشره.
(1)
قوله «لَكِنْ لا يُبَايِعُ وَلا يُشَارِيْ»
أي: ومن قتل أو أتى حداً خارج الحرم، ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه - كما تقدم - ولكن يضيق عليه، فلا يبايع ولا يُشارى حتى يخرج إلى الحل فيقام عليه، لأن الاستيفاء واجب في الجملة، وفي مبايعته ومشاراته إبقاءً له في الحرم، وذلك يفضي إلى عدم استيفاء الواجب.
والمراد بالحرم: حرم مكة، فأما حرم المدينة فليس كذلك على الصحيح من المذهب، والله تعالى أعلم.
(2)
قوله «وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ فِيْ الحَرَمِ، اسْتُوْفِيَ مِنْهُ فِيْهِ»:
أي إن فعل ما يوجب الحد في الحرم استوفي منه فيه، لأن الله تعالى حرم القتال في الحرم وأباحه لمن قوتل فيه، فقال تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ 1، ولأنه انتهك حرمة الحرم وعَرَّضَ نفسه للعقوبة، ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عند ارتكاب المعاصي، حفظاً لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، كما يحتاج إليه غيرهم، فلو لم يشرع الحد على من ارتكبه في الحرم، لتعطلت حدود الله في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها.
إِنْ أَتَى حَدًّا فِيْ الغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ (1)،
=فإن قيل: فما الفرق بين من فعل ذلك في الحرم ومن فعله في الحل ثم لجأ إلى الحرم؟ نقول: بأن الفرق بينهما ظاهر وهو من وجهين:
الوجه الأول: أن يقال إن من فعل ذلك في الحل ثم لجأ إلى الحرم هارباً مستعيذاً فهو معظم للحرم، وأما من فعل ذلك في الحرم فهو مستهين به.
الوجه الثاني: أن في عدم إقامة الحد في أهل الحرم فوضى وفساداً كبيراً، وتعطيلاً لحدود الله، ولا شك أن مثل هذا الفساد العظيم يجب درؤه.
(1)
قوله «إِنْ أَتَى حَدًّا فِيْ الغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ»:
أي من أتى حدا من الغزاة أو ما يوجب قصاصاً في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه حده، وما ذكره المؤلف هو المشهور في المذهب، وهو من مفردات مذهب الإمام أحمد أي لا يقام عليه الحد، دليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُقْطَعُ الأَيْدِى فِى الْغَزْوِ» 1، وذلك لئلا يترتب على إقامة الحد ما هو أعظم ضرراً كأن يلحق بالعدو فراراً يعني تأخذه العزة بالإثم.
وأيضاً ليكون أنكى في قتال العدو فإن إقامة الحد يضعفه، فإذا رجع أقيم عليه الحد، للأدلة في ذلك.
واختار ابن القيم «أنه إن ظهرت منه التوبة النصوح أو ظهرت منه حسنات كنكاية عظيمة في العدو فإنه يعفى، ويدل على ذلك: ما كان=
.................................. =من سعد بن أبي وقاص مع أبي محجن، وهي قصة صحيحة رواها عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي سعد، وسعيد بن منصور، وغيرهم، وقد صحح إسنادها الحافظ ابن حجر، والقصة أنه شرب الخمر وكان له بعد ذلك نكاية بالعدو فحلف سعد بن أبي وقاص ألا يجلده البتة لما كان له من النكاية بالعدو» 1.
بَابُ حَدِّ الزِّنا
(1) الزَّانِيْ، مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ (2)، (1)
قوله «بَابُ حَدِّ الزِّنا»:
الزنا حرمه الله في جميع الشرائع لعظم فحشه وكثرة أضراره، فهو يفسد الفرد، ويدمر المجتمعات، ومن رحمة الله بعباده أنه حرمه عليهم، وزجرهم عنه بالحدود الشديدة التي تختلف باختلاف حال الزاني، ولابد من توافر شروط محددة حتى تقام هذه الحدود.
(2)
قوله «الزَّانِيْ، مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ»:
الزنا: فيه لغتان: المد «الزنا»، والقصر «الزنى» اسم مقصور على لغة أهل الحجاز، وبها ورد القرآن الكريم، وهو مصدر زنا يزني زناءً بالمد على لغة أهل نجد، وقيل: لبني تميم منهم خاصة، أو زنى بالقصر كما مضى.
والأصل أن تكتب الكلمة بالألف المقصورة، وعليه جرى الرسم في القرآن، ويجوز كتابتها بالألف الممدودة «الزنا».
واصطلاحاً: ذكره بقوله: «مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ»، وهذا هو أقصر تعريف له.
وقال صاحب الزاد في تعريفه «وهو تَغيِيبُ الحَشَفَةِ أو قَدرِهَا في قُبُلٍ أصلِيٍّ، أو دبرٍ، من آدَمِيٍّ، حَرَامَاً مَحْضَاً، مُختاراً، بِلا شُبهةٍ»، وهذا تعريف مُطَوَّل له.
ولما كان هذا التعريف أشمل وأوسع مما ذكره المؤلف سنقوم بتوضيح هذا التعريف وذلك لحاجتنا لبعض ألفاظه فيما بعد.
فقوله «وهو تَغيِيبُ الحَشَفَةِ أو قَدرِهَا»: أي تغييب الزاني حشفته، =
..................................
=والحشفة هي الجزء المكشوف من رأس الذكر بعد الختان، فإن حصل تغييب بعض الحشفة أو وطئ دون الفرج فليس بزنا، فلا يثبت به الحد، لكن يعزر، كما سيأتي إن شاء الله.
وقوله «في قُبُلٍ أصلِيٍّ» احتراز من الخنثى المشكل لو جُومع في قُبُله فلا حَدَّ، لاحتمال أن يكون ذكراً، لكن على الواطئ التعزير.
وقوله «أو دُبرٍ»: أي أو تغييب الحشفة في دبر امرأة أجنبية فهو زنا، يحد الواطئ حد الزنا.
قال الموفَّق: «والوطء في الدبر مثله في كونه زنا، لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك فيها ولا شبهة، فكان زناً كالوطء في القبل» 1.
وقال الخرقي الزاني من أتى الفاحشة من قبل أو دبر.
وعلى هذا فوطء المرأة في دبرها يعتبر زنا، فيشمله التعريف، وعقوبته عقوبة الزاني، وهذا مذهب المالكية 2 أيضاً، وكذا الشافعية 3 على الخلاف عندهم في عقوبته.
وعند الحنفية 4 أنه كاللواط، لا حدَّ فيه، بل فيه التعزير، والصواب القول الأول.
وقوله «من آدَمِيٍّ»: احتراز من غير الآدمي، بأن يطأ بهيمة، فلا يعتبر زنا، لا لغة ولا شرعاً، ولا يجب فيه الحد، بل يعزر على الراجح من أقوال أهل=
..................................
=العلم، لأنه فَعَل محرماً مجمعاً عليه، فاستحق العقوبة، والبهيمة لا حرمة لها، وليس بمرغوب فيها، فلا حاجة للزجر عنها بالحد، وأما حديث ابن عباس -رضي الله عنه-: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ» 1، فلم يثبت ثبوتاً تقوم به الحجة.
وقد ورد عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّهُ لا حَدَّ عَلَيهِ» 2.
وقوله «حَرَاماً مَحضَاً»: أي في فرج تمحَّض تحريمه، قُبلاً كان أم دُبُراً.
وقوله «مُختَاراً»: هذا شرط من شروط وجوب حد الزنا، وهو أن يكون الزانِي مختاراً، فإن كان مُكرهاً فلا حد عليه، كما سبق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 3، ولأن الإكراه يمنع من نسبة الفعل إلى الفاعل، وهذا بالنسبة إلى المرأة إذا أكرهت.
وأما الرجل إذا أكره على الزنا فالمذهب أنه يحد، لأن الإكراه في حقه غير متصور، فإن الوطء لا يتم إلا بالانتشار، وذلك لا يحصل إلا من شهوته وإرادته، وحصول الشهوة والإرادة تنفي حصول الإكراه.
والقول الثانِي: أنه لا يُحد إذا كان مُكرهاً على الزنا، وهو رواية عن أحمد، =
مِنِ امْرَأَةٍ لا يَمْلِكُهَا (1)، أَوْ مِنْ غُلامٍ (2)،
=قال ابن قدامة: «وهذا أصح الأقوال إن شاء الله تعالى» (1). ودليله ما تقدم، ولأن الحد يدرأ بالشبهة، والإكراه شبهة، وما ذكره أصحاب القول الأول من أن الإكراه غير متصور، لأنه إذا انتشرت آلته فقد اختار، غير صحيح، فإنه قد يكون قوي الشهوة فيكره على الزنا وهو لا يختار، وشدة شهوته توجب له الانتشار ولو على الإكراه، وهذا هو الصواب وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).
وقوله «بِلا شُبْهَةٍ»: هذا أيضاً شرط من شروط وجوب الحد، وهو انتفاء الشبهة.
والشبهة: التردد بين الحلال والحرام، أو ما لم يُتَيَقَّن كونه حراماً أو حلالاً، فلا بد من انتفاء الشبهة لإقامة الحد، فإن كان في ثبوت الزنا شبهة فلا حَدَّ، كما سبق.
(1)
قوله «مِنِ امْرَأَةٍ لا يَمْلِكُهَا»:
هذا قيد لما سبق وهو أنه لا يكون زنى إذا وطء امرأة يملكها سواء بنكاح صحيح أو بملك يمين، فإذا أتى الفاحشة في قبل أو دبر من امرأة لا يملكها فقد وقع في جريمة الزنا.
(2)
قوله «أَوْ مِنْ غُلامٍ»:
أي وكذلك يكون زنى إذا أتى غلاماً في دبره فيقام عليه الحد، إن كان محصناً رجم حتى الموت وإن كان غير محصن جلد مائة جلدة، هذا هو المشهور في مذهب أحمد، واستدلوا: بما روى البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ وَإِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ=12
..................................
=الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» 1، لكن الحديث ضعيف.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب المالكية 2، والشافعية 3، ورواية عن الإمام أحمد 4، أن من فعل مثل فعل قوم لوط فإنه يقتل مطلقاً لا ينظر هل محصن أو ليس بمحصن، واستدلوا بالسنة والإجماع.
أما السنة: فعن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» 5.
قال ابن القيم: «إن الإمام أحمد احتجَّ بهذا الحديث» 6.
وأما الإجماع: فقد نقل ابن قدامة 7، وشيخ الإسلام ابن تيمية 8، وابن القيم، وغيرهم إجماع الصحابة على قتله.
يقول ابن القيم: «اتفق أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قتله، ولم يختلف فيه=
..................................
=منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة رضي الله عنهم، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع» 1.
والقول الثالث: أنه يعزَّر، وهو قول أبي حنيفة 2، والظاهرية 3، وقول عند الشافعية 4، واحتجوا بأن الصحابة اختلفوا فيه، واختلافهم فيه يدل على أنه ليس فيه نص صحيح، وأنه من مسائل الاجتهاد.
والراجح عندي: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 5، أي أن عقوبته القتل مطلقاً، أحصن أم لم يحصن، لقوة أدلة هذا القول، وهي السُّنة، والإجماع المؤيد لها - على ما تقدم - وقاعدة الشريعة المطردة من تغليظ العقوبات كلما تغلَّظت المحرمات، فإن وطء من لا يباح بحال أعظم جرماً من وطء مَنْ يباح في بعض الأحوال فيكون حدُّه أغلظ.
وأما صفة قتله: فالراجح أن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام فيفعل ما يرى أنه أردع سواء قتلاً بالسيف أو رجماً.
وإن كان أقواها أنه يرجم لقول ابن عباس، أنه قال في البكر يوجد على اللوطية قال: «يرجم»، ويشهد له قوله سبحانه: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا=
أَوْ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ (1)، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، أَوْ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «خُذُوْا عَنِّيْ، خُذُوْا عَنِّيْ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيْلاً؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ» (2)، =وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} (1).
(1)
قوله «أَوْ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ»:
أي وكذلك يقام الحد على المفعول به لحديث ابن عباس رضي الله عنهما «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (2). (2)
قوله «فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، أَوْ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «خُذُوْا عَنِّيْ، خُذُوْا عَنِّيْ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيْلاً؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ»
(3): شرع المؤلف في بيان حد الزنا.
و
لا يخلو الزاني من حالين
:
الأول: أن يكون محصنا
ً، فهذا حكمه أنه يرجم بالحجارة حتى الموت.
الثاني: غير المحصن؛ أي غير المتزوج،
فحده أن يجلد مائة ويُبعد عن بلده عاماً، لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، وفيه: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ عَليكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، واغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 4 =123
..................................
= وهذا هو مذهب الجمهور 1 أي: أن من حد الزاني - إن كان بكراً - التغريب لمدة سنة، وذلك لما ذكره المؤلف، وأيضاً لحديث زيد بن خالد -رضي الله عنه- المتقدم، ولأن الخلفاء الراشدين جمعوا بين الجلد والتغريب، ولم يعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع.
وذهب الحنفية 2 إلى أن التغريب ليس من الحد، ولكنهم يجيزون للإمام أن يجمع بين الجلد والتغريب، إن رأى في ذلك مصلحة.
فالتغريب عندهم عقوبة تعزيرية، وذهبوا إلى أن ما روي من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خُذُوا عَنِّى خُذُوا عَنِّى قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْىُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» 3. لا يؤخذ به؛ لأنه لو أخذ به لكان ناسخاً للآية، لأن فيه زيادة على نص الآية، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ 4، وهذا الحديث لا يقوى على نسخ الآية لأنه خبر آحاد.
وقالوا: ولأنه في التغريب فتح لباب الفساد، ففيه نقص وإبطال للمقصود منه شرعاً.
ولما جاء: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه عرَّب ربيعة بن أمية ابن خلف في الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: =
وَالْمُحْصَنُ هُوَ: الحُرُّ البَالِغُ العَاقِلُ الَّذِيْ قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ فِيْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فِيْ قُبُلِهَا فِيْ نِكَاحٍ صَحِيْحٍ (1)، = لا أغرب بعده مسلماً» (1). والصواب عندي: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2)، أي أنه لابد من الجمع بين الجلد والتغريب في إقامة حد الزنا لصراحة الأدلة التي تدل على ذلك.
(1)
قوله «وَالْمُحْصَنُ هُوَ: الحُرُّ البَالِغُ العَاقِلُ الَّذِيْ قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ فِيْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فِيْ قُبُلِهَا فِيْ نِكَاحٍ صَحِيْحٍ»:
هذا هو تعريف المحصن، والإحصان في اللغة: مصدر أحصنَ يُحصن إحصاناً، وهو في الأصل: المنع والحفظ والحياطة والحرز.
وقول المؤلف «قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ»: أي موصوفة بمثل صفات الذكر، قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 3.
قال أهل العلم: المراد بالمحصنات هنا الحرائر، والمحصنات تطلق في القرآن على معانٍ، منها:
أولاً: المتزوجات يعني ذوات الأزواج.
ثانياً: العفيفات عن الزنا.
ثالثاً: الحرائر.12
..................................
= فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (1)، المراد بالمحصنات هنا العفيفات.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على قول فيها، إن المراد المتزوجات، وأما المحصنات الحرائر، فمثل هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وقد ذكر المؤلف هنا الشروط المعتبرة في المحصن، وهي:
1 -
كون الزوجين حال الوطء مكلفين،
وذلك بأن يكون كل منهما بالغاً عاقلاً حراً، فإن كانا صبيين حال الوطء أو غير عاقلين لم يثبت لهما الإحصان عند الجمهور.
قال ابن قدامة: «فلو وطئ وهو صبي أو مجنون، ثم بلغ أو عقل لم يكن محصناً، وهذا قول أكثر أهل العلم» (2).
وكذا لو كان الزوج غير حر، أو الموطوءة غير حرة فلا إحصان في قول جمهور أهل العلم، لأن الله تعالى لم يبح نكاح الأَمَة إلا عند الضرورة - كما تقدم في النكاح -، فالمتعة بها ليست كاملة، لأن كمالها في هذا الشأن أن يكون العقد على حرة ويدخل بها، فيقضي كمال وطره، ويعطي شهوته حقها، ويضعها موضعها (3).
2 -
تحقق الوطء بتغييب الحشفة، أو قدرها من فاقدها في القبل،
ولا خلاف=123
وَلايَثْبُتُ الزِّنا إِلاَّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِقْرَارُهُ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، مُصَرِّحًا بِذِكْرِ حَقِيْقَتِهِ (1)، =بين الفقهاء في اشتراط هذا الشرط، وأن النكاح الخالي من الوطء لا يحصل به إحصان، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (1)، والثيوبة إنما تحصل بالوطء في القبل، لا بمجرد العقد الخالي عن الوطء.
3 -
كون الوطء في نكاح صحيح،
فإن كان النكاح باطلاً كأن يتزوج أخت زوجته أو معتدة زمن عدتها لم يحصل به إحصان.
وكذلك إن كان النكاح فاسداً كأن يتزوج بلا ولي لم يحصل به إحصان عند الجمهور لأن الإحصان إنما يعتبر إذا اكتملت به المتعة والنعمة في حق الواطئ، وذلك لا يكون إلا في النكاح الصحيح.
(1)
قوله «وَلا يَثْبُتُ الزِّنا إِلاَّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِقْرَارُهُ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، مُصَرِّحًا بِذِكْرِ حَقِيْقَتِهِ»:
أي أن حَدَّ الزنا
يثبت بأحد أمرين
:
الأول: أن يُقر الزاني على نفسه أربع مرات مع التصريح الصحيح بذكر حقيقة الزنا الذي هو تغييب الحشفة في الحشفة، وهذا هو المذهب 2، وقول الحنفية 3، مستدلين بالنص والقياس.
أما النص فهو ما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: أَتَى رَجُلٌ مِنْ المُسلِمينَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلقاءِ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَى ثَنَّىَ ذَلِكَ عَلَيه أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ =1
..................................
=رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟ » قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَل أَحْصَنْتَ؟ » قَالَ: نَعَمْ، فقال رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» 1.
ووجه الاستدلال: أن قوله: «فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» إشعار بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه، وإلا لأمر برجمه في أول مرة.
أما القياس فقد قاسوا الإقرار على الشهادة بالزنا، فإذا كان لا يقبل إلا أربعة شهود، فكذا لا يقبل إلا أربع إقرارات.
القول الثانِي: أنه يكفي الإقرار مرة واحدة، وهو مذهب المالكية 2، والشافعية 3، لحديث: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 4، ولم يذكر إقرارات أربعة، مع أن المقام مقام بيان واستيفاء، قال شيخنا: «وهذا القول أرجح» 5
والذي يظهر - والله أعلم - هو الجمع بين الأدلة والعمل بها، وهذا هو القول الوسط وذلك بأنه إذا اشتهر الأمر واتضح فإنه يُكتفى فيه بالإقرار مرة واحدة، بخلاف ما لم يشتهر فإنه يحتاط فيه بتكرار الإقرار أربعاً، وعلى هذا يكون هذا القول أخذاً بالقولين، فيشترط التكرار في حال، =
أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُوْلٍ (1)، =ولا يشترط في حال أخرى.
(1)
قوله «أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُوْلٍ»:
هذا هو الأمر الثانِي مما يثبت به حد الزنا وهو الشهادة، لما ورد عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال في خطبته: «وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا كَانَتِ البَيِّنَةُ، أَو كَانَ الحَبَلُ، أَو الاعْتِرَافُ» 1.
واشترط كون الشهود أربعة لقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 2، وهذا بالإجماع وأما اشتراط كونهم رجالاً فهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، لأن في شهادة النساء شبهة، لما في قبول شهادتهن من الاختلاف، والحدود تدرأ بالشبهات، ولظاهر الآية، فإن الله تعالى قال: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وكلمة «أربعة» عدد يكون للمذكر، وعلى هذا فلابد أن يكونوا رجالاً، فإن «أربعة» بمعنى أربعة رجال، وقوله: «شهداء» - أيضاًـ للمذكر، وهي جمع شاهد أو شهيد، فلو شهد ثمان نسوة لا يقبل، وكذلك ثلاثة وامرأتان لا يقبل، فالحاصل أن شهادة النساء في الحدود لا تقبل، أما في الأموال وغير ذلك فتقبل شهادتهن.
وأما اشتراط كونهم عدولاً فبالإجماع، لأن ذلك شرط في سائر الشهادات، فلأن يشترط ذلك فيما فيه يُحتاط بطريق الأَولى.
يَصِفُوْنَ الزِّنَى (1)، وَيَجِيْؤُوْنَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ (2)، وَيَتَّفِقُوْنَ عَلى الشَّهَادَةِ بِزِنًى وَاحَدٍ (3)، (1)
قوله «يَصِفُوْنَ الزِّنَى»:
أي يصفون حقيقة ما رأوه بأعينهم من تغييب الحشفة بالحشفة كرؤية المرود إذا دخل المكحلة، فلو قالوا: رأيناه عليها متجردَيْن، فإن ذلك لا يقبل حتى لو قالوا: نشهد بأنه قد كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، بل لا بد أن يقولوا: نشهد أن ذكره في فرجها.
(2)
قوله «وَيَجِيْؤُوْنَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ»:
أي لا بد أن يأتوا الحاكم في مجلس واحد جملة.
والصواب أنه لا يشترط المجلس الواحد، بل إذا أتوْه متفرقين صحت شهادتهم.
(3)
قوله «وَيَتَّفِقُوْنَ عَلى الشَّهَادَةِ بِزِنًى وَاحَدٍ»
أي: ويتفق الشهود في شهادتهم فيشهدون على فعل واحد غير متعدد، فلو شهد رجلان أنه زنى في الساعة الثامنة صباحاً، ورجلان على أنه زنى في المساء فهذان فعلان، وكذا لو اجتمعوا ونظروا واحداً بعد واحد لم تصح شهادتهم، لاحتمال تعدد الوطء، وأن الثانِي رأى إيلاجاً غير الذي رآه مَنْ قبله، لأن الأفعال لا يُضم بعضها إلى بعض، فلا تقبل الشهادة.
بابُ حَدِّ القَذْفِ
(1) (1)
قوله «بابُ حَدِّ القَذْفِ»:
«حد» مضاف، و «القذف» مضاف إليه، والإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني باب الحد الذي سببه القذف.
والقذف في اللغة: الرمي بالحجارة ونحوها مما يؤذي ويضر، استعير للسب وتوجيه العيوب، بجامع الإضرار والإيذاء في كل.
والمراد به هنا رمي شخص بالزنا، أو اللواط، فيقول: يا زانٍ، يا لوطي، أو أنت زانٍ، أو أنت لوطي، وما أشبه ذلك.
وشرعاً: الرمي بوطء يوجب الحد على المقذوف، وذلك كالرمي بزنا أو لواط، كما ذكرنا آنفاً.
فائدة: في حكم القذف
: القذف محرم؛ بل من كبائر الذنوب إذا كان المقذوف محصناً، والحكمة من تحريمه صيانة أعراض الناس عن الانتهاك، وحماية سمعتهم عن التدنيس، وهذا من أحكم الحكم؛ لأن الناس لو سُلط بعضهم على بعض في التدنيس، والسب، والشتم حصلت عداوات، وبغضاء، وربما حروب طواحن من أجل هذه الأمور، لكن حفظاً لأعراض الناس، وحماية لها، ولسمعة المسلمين جاء الشرع محرماً للقذف، وموجباً للعقوبة الدنيوية فيه، يقول الله عزّ وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ 1، =
وَمَنْ رَمَى مُحْصَنًا بِالزِّنا، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ (1)،
=فرتب على ذلك أمرين عظيمين:
الأول: اللعنة في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله.
الثاني: العذاب العظيم.
ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (1)، وقد عدَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكبائر كما في حديث: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يا رسول الله وما هن قال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ» (2).
(1)
قوله «وَمَنْ رَمَى مُحْصَنًا بِالزِّنا، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ»:
أي من رمى المحصن وهو من اجتمعت فيه أوصاف - سيأتي ذكرها قريباً - رماه بالزنا أو باللواط، أو شهد عليه بهما ولم يكتمل العدد وهو أربعة من الشهود فإنه لا يقام على المقذوف الحد، وأُقيم على القاذف حد القذف.
وقوله: «مُحْصَنًا» نكرة في سياق الشرط، فتعم ما إذا كان المحصن امرأة أو رجلاً، فتكون كلمة محصن بمعنى شخصاً محصناً، وقدَّرنا ذلك من =12
..................................
= أجل الشمول والعموم.
وأيضاً قوله «مُحْصَنًا» ظاهره أن ذلك شامل لقذف الولد والده، فيجلد ثمانين جلدة، فإذا قذف والده فقال: يا زانٍ - والعياذ بالله - فإنه يجلد حد القذف؛ لأن قذف الولد الوالد شنيع جداً.
ويشمل كلام المؤلف: قذف الوالد ولده، فالوالد إذا قذف ولده، قال له: أنت لوطي، أنت زانٍ، أنت فاعل لشيء من هذه الخبائث، وما أشبه ذلك، فعلى كلام المؤلف يجلد الوالد؛ لأنه أطلق فقال: «محصناً» وهذا خلاف المذهب.
فالمذهب أن الوالد إذا قذف ولده فإنه لا يجلد به، كما أنه لو قتله لا يقتص به، وقد سبق لنا أن هذه المسألة فيها خلاف.
والصواب: أن قذف الوالد لولده يجب فيه الحد، سواء قلنا: إنه حق لله، أو للآدمي؛ لأننا إذا قلنا: إنه حق لله، فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه لا سُلْطَة للوالد على ولده فيه، وإذا قلنا: إنه حق للآدمي، فإننا نقول: إن الولد إذا لم يرضَ بإسقاط حقه فإن له المطالبة به، فكما أن له أن يطالب والده بالنفقة، فهذا مثله، فلمَّا أهدر كرامة ولده، وأهانه أمام الناس، فليقم عليه الحد، والآية عامة 1.
ويدخل في كلام المؤلف من قذف نبياً، وقد قيل: إن من قذف نبياً فليس عليه إلا الحد، ولكن هذا القول ضعيف.
=