وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 121-160

(1)  (1)

قوله «كِتابُ الأَطْعِمَةِ»:

الأطعمة: جمع طعام، وهو في اللغة: كل ما يؤكل مطلقاً، وكذا كل ما يتخذ منه القوت فيما يؤكل وفيما يشرب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (1)، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الأول.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: كون الإنسان يحتاج إلى الطعام هذا دليل على نقصه،

كما في قوله عز وجل عن عيسى وأمه: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ 2 أي أنهما ليسا بإلهين، وهذا دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد، وقد مدح سبحانه وتعالى نفسه بكونه يُطْعِم ولا يُطْعَم فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ 3، فالحاجة إلى الطعام لا شك أنها نقص، لأن الإنسان لا يبقى بدونه، وكونه لا يأكل الطعام أيضاً هذا نقص، لأن عدم أكله الطعام خروج عن الطبيعة التي خلق عليها، والخروج عن الطبيعة يعتبر نقصاً.1

..................................  -

الفائدة الثانية: الأصل في الأطعمة الحل

، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (1)، والاسم الموصول «ما» يفيد العموم، وكذلك أكد العموم بقوله: «جَمِيعاً» فكل ما في الأرض هو حلال لنا، أكلاً، وشرباً، ولبساً، وانتفاعاً.
ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (2)، وهذا التسخير لبني آدم يقتضي الانتفاع، فإن كان الشيء الموجود في السماوات والأرض مطعوماً فيطعمه، وإذا كان مشروباً فيشربه، وإذا كان من جنس ما يركب فيركبه، فقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾، يقتضي الإباحة والحل.
ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (3) ففي هذه الآية دليل على أن الأصل في الأعيان الإباحة، أكلا وانتفاعا.

تنبيه: المحرم نوعان

: الأول: ما حرم لذاته، وهو الخبيث الذي هو ضد الطيب كالخنزير، والكلب، والميتة.
الثاني: محرم لما عرض له، وهو المحرم لتعلق حق الله، أو حق عباده به، =123

..................................  = وهو ضد الحلال.
أما دلالة السنة فمن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ، فَلا تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ، فَلا تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا، فَلا تَعْتَدُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا» 1. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ وَتَلا ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾ 2» 3 إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
وعن أَبي الدرداء قال: قال رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافَيْتُهُ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾» 4. وقد نص العلماء والأئمة على أن الأصل في الطعام أنه حلال ومن ادعى خلاف ذلك فهو محجوج بهذه الأدلة، إلا أن يقيم دليلاً على ما ادعاه، ولهذا أنكر الله - عز وجل - على الذين يحرمون ما أحل الله من هذه =

..................................  = الأمور فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (1).

الفائدة الثالثة: الأطعمة حلال للمسلم، أما الكافر فلا تحل له

لقوله تعالى ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. ﴾ (2).

الفائدة الرابعة: أوسع مذاهب العلماء في باب الأطعمة هو مذهب الإمام مالك -رحمه الله-

، ويتبين ذلك في هذه المسائل:

المسألة الأولى: أن جمهور العلماء (3) يحرمون كل ذي ناب من السباع

كالذئب وكل ذي مخلب من الطير كالصقر والنسر.
ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» 4، فكل ذي ناب يفترس وينهش به وكذلك كل ذي مخلب من الطير يفترس به ويعدو فهو محرم.
وقال مالك 5 بل هو حلال لقوله تعالى {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ =123

..................................  = خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (1) فليس منها محرم إلا ما ذكر في الآية.
والصحيح هو مذهب جمهور أهل العلم أن هذه الآية نازلة قبل تحريم ما زاد على ما ذكر فيها، فلا ينافي هذا الحصر المذكور فيها التحريم المتأخر بعد ذلك؛ لأنه لم يجده فيما أوحي إليه في ذلك الوقت، وذلك لأن الآية مكية وليس فيها إلا الإخبار عما هو حرام حينئذ - أي في مكة - ثم دلت الأدلة الشرعية بعد ذلك على تحريم أنواع كثيرة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

المسألة الثانية: أن ما نهى الشارع عن قتله فهو حرام أيضا

ً كالنحل والهدهد ونحو ذلك، فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل أربع من الدواب «النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد» 2، والصرد: هو نوع من أنواع الطير، ونهي الشارع عن قتلها يدل على تحريم أكلها وذلك لأنه إذا أبيح أكلها فهو ذريعة إلى قتلها، والشريعة تأتي بسد الذرائع وهذا هو مذهب الشافعية 3، والحنابلة 4، ومذهب مالك 5 هو إباحة هذا كله.1

..................................  =والصحيح: هو القول الأول.

المسألة الثالثة: أن كل ما أمر الشارع بقتله كالحية والعقرب فهو محرم الأكل

ففي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحِدَأَةُ وَالْحَيَّةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ» 1، والغراب الأبقع: هو الذي فيه بعض بياض في رأسه أو في بقية بدنه، والحدأة: هي نوع من سباع الطير.
فهذه الخمس قد أمر الشارع بقتلها، وقتلها إتلاف لها، وهذا يدل على تحريمها إذ لو كانت حلالاً لأمر الشارع بذبحها، فلما أمر بقتلها وإتلافها وقد نهى عن إضاعة المال دل على أنها محرمه، وهذا هو مذهب الجمهور 2 خلافاً لمذهب مالك 3 وحجته أن إباحة القتل لا دلالة فيها على تحريم الأكل لقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ 4 الآية، ومعلوم أن الغراب ليس في الآية، فيكون مباح الأكل.
=

..................................  = والصحيح: هو مذهب جمهور الفقهاء، فما أبيح قتله فلا ذكاة له، لأن كلمة القتل متى أطلقت تنصرف إلى إزهاق الروح بأية وسيلة استطاعها الإنسان، فلو حلَّت بالذكاة لكان إزهاق روحه بغيرها إضاعة للمال، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن إضاعة المال.
وعن عروة عن أبيه عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «مَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ؟ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: فَاسِقًا، وَاللَّهِ مَا هُوَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ» (1).

المسألة الرابعة: أن ما يأكل الجيف محرم عند الجمهور لخبث مطعمه

ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرم الغراب الأبقع، والغراب الأبقع إنما يأكل الجيف وليس من السباع، وقد تقدم أن هذا يدل على تحريم أكله فيقاس على ذلك كل ما يأكل الجيف وذلك لخبث مطعمه، فإن خبث مطعمه يترتب عليه خبث لحمه، ومذهب مالك 2 خلاف هذا.
والصواب: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء المسألة الخامسة: أن مذهب الجمهور أن ما استخبثه العرب ذوو اليسار من سكان الحاضرة في المدن والقرى أنه محرم، وهذا مذهب أحمد في المشهور واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ 3، فالمخاطب بهذه الآية هم العرب، يدل هذا على أن=1

..................................  =كل خبيث عند العرب من ذوي اليسار من أهل المدن والقرى فإن ذلك محرم، ومذهب مالك أنه ليس حرام.
وهذا هو الراجح في هذه المسألة، ويدل عليه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الضب «لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» 1، فدل على أن كراهية بعض قريش لبعض الطعام لا يحرمه والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد كره هذا الطعام فلم يحرمه.
ولأن هذا لا يوافق أصول الشرع فلا يمكن أن يحرم الشرع شيئاً على العجم وهم يستطيبونه لكون العرب يستخبثونه هذا لا يمكن.
وعليه فمعنى الآية ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي كل طيب مما أحله الله عز وجل فهو طيب ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾: أي ويحرم عليهم كل خبيث مما حرمه الله عز وجل.
ويقاس عليه كل خبيث بذاته، وكل طيب بذاته أي من غير اعتبار إلى من استطاب ذلك أو استخبثه.
فكل خبيث بذاته مما فيه ضرر على الأبدان أو العقول أو الأخلاق فإنه محرم، وكل ما فيه ضرر على الأبدان كالسم والدخان بل والقات بجميع أنواعه أو كان له تأثير على العقول كالخمر أو الأخلاق كلحم السبع فإنه مضر بالأخلاق يصير بالأكل له قوة سبعية؛ كل هذا قد حرمه الشارع إما بالدليل الشرعي أو دلالة القياس والعقل.
=

وَهِيَ نَوْعَانِ: حَيَوَانٌ وَغَيْرُهُ (1)، فَأَمَّا غَيْرُ الحَيَوَانِ، فَكُلُّهُ مُبَاحٌ (2)، إِلاَّ مَا كَانَ نَجِسًا أَوْ مُضِراًّ (3)،  = فالمقصود أنه متى ما ثبت في الشيء ضرر على الأبدان أو الأخلاق أو العقول فإنه محرم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

(1)

قوله «وَهِيَ نَوْعَانِ: حَيَوَانٌ وَغَيْرُهُ»:

أي تنقسم الأطعمة إلى نوعين: حيوانية، وغير حيوانية، ثم إن الحيوان ينقسم إلى قسمين رئيسين: مائي، وبري.
وفي كل من القسمين أنواع فيها ما يؤكل وفيها ما لا يؤكل.
وينقسم المأكول من الحيوان من حيث الحكم إلى ثلاثة أقسام: «مباح، ومكروه، ومحرم».
وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك مفصلا.

(2)

قوله «فَأَمَّا غَيْرُ الحَيَوَانِ، فَكُلُّهُ مُبَاحٌ»:

أي أن الأصل فيه الحل والإباحة، وقد ذكرنا الأدلة على ذلك إلا ما استثناه الدليل كما سيذكر ذلك المؤلف (3)

قوله «إِلاَّ مَا كَانَ نَجِسًا أَوْ مُضِراًّ»:

أي فما كان نجسًا أو مضراً فَيَحْرم أكله، والقاعدة في ذلك «أن كل ما كان نجسًا أو مضراً يَحْرُم أكله»، وقوله «أَوْ مُضِراًّ» يفهم منه أنه لا يشترط لتحريم ما يضر أن يكون نجساً وبذلك نستطيع أن نقول: «كل نجس حرام، وليس كل حرام نجساً».
فقولنا كل نجس حرام، يعني أن جميع النجاسات يَحْرُم أكلها، ولكن ليس كل حرام يكون نجسًا، فبعض الأشياء المحرمة طاهرة.
مثال ذلك قوله تعالى {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ=

..................................  =مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} 1 فالميسر، والأنصاب، والأزلام هي نجسة نجاسة معنوية لكن ليست نجسة نجاسة حسية، أما الخمر فمحل خلاف بين أهل العلم هل هي نجسة أم طاهرة، والخلاف في ذلك مشهور بين أهل العلم، والراجح عندي أن نجاسة الخمر نجاسة معنوية أي ليست حسية.
أما الدليل على تحريم ما فيه مضرة من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 2، وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ 3، والنهي عن قتل النفس نهي عن أسبابه أيضاً، فكل ما يؤدي إلى الضرر فهو حرام، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» 4. وأما الكولونيا وما يشابهه فلا يحل شربه، أما استخدامه طيباً فمحل خلاف بين أهل العلم المعاصرين، منهم من يشدد فيه، ومنهم من يتوسط، ومنهم من يتساهل.
فشيخنا الشيخ محمد -رحمه الله- يتساهل فيه، والعلامة الشنقيطي والتويجري يشددون فيه، ويرون حرمة استخدامه، وشيخنا الشيخ عبد العزيز يرى اجتنابه من باب الاحتياط، وكل ذلك مبني على نجاسة الخمر، وإلحاق الكولونيا به مشكوك فيه، ولاشك أن الاحتياط عدم استعماله في الثياب.

كَالسُّمُوْمِ (1)، وَالأَشْرِبَةُ كُلُّهَا مُبَاحٌ، إِلاَّ مَا أَسْكَرَ (2)،  (1)

قوله «كَالسُّمُوْمِ»:

أي فإنه يحرم لضرره لا لنجاسته، فالسم يحرم، وليس بنجس، بل هو طاهر ولكنه حرام لضرره.

  • فائدة: في حكم استعمال السم في الدواء: يستعمل السم أحياناً كدواء، فيوجد أنواع من السموم الخفيفة تخلط مع بعض الأدوية فتستعمل دواء، فهذه نص العلماء على أنها جائزة، لكن بشرط أن نعلم انتفاء الضرر، فإذا خلطت بعض الأدوية بأشياء سامة، لكن على وجه لا ضرر فيه فإنها تباح؛ والقاعدة الفقهية في ذلك هي «أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فمتى وجدت العلة وجد الحكم ومتى لم توجد لم يوجد الحكم»، فإذا استعمل السم، أو شيء فيه سم على وجه لا ضرر فيه فذلك جائز.

(2)

قوله «وَالأَشْرِبَةُ كُلُّهَا مُبَاحٌ، إِلاَّ مَا أَسْكَرَ»:

أي كما قلنا إن الأصل في الأطعمة الإباحة والحل، كذلك أيضًا نقول: الأصل في الأشربة الإباحة والحل فجميع الأشربة مباحة إلا ما كان فيه شيء من الإسكار فإنه يحرم شربه وذلك لضرره على البدن والعقل، فما ثبت ضرره حرم شربه لما يفضي إليه من الهلكة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 1 وقال تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ 2، والنهي عن قتل النفس نهي عن أسباب قتلها.

فَإِنَّهُ يَحْرُمُ كَثِيْرُهُ وَقَلِيْلُهُ (1)، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ (2)،  (1)

قوله «فَإِنَّهُ يَحْرُمُ كَثِيْرُهُ وَقَلِيْلُهُ»:

أي فإن كان ما يشربه الإنسان فيه شيء من السُّكْرِ ولو كان شيئاً يسيراً فإنه يحرم، وذلك لسد الذريعة فإن شرب القليل غير المسكر ذريعة إلى شرب الكثير المسكر، ولأن الشرع إذا حرم الشيء حرم أبعاضه.
(2)

قوله «مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ»:

أي كل ما كان مسكرا سواءً كان من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير فلا فرق بين الخمر المتخذة من العنب وبين غيرها من الأنبذة المسكرة في تحريم الشرب، فيسمى جميع ذلك خمراً، ويجب الحد بشرب القليل والكثير منها سواء سكر منها أو لم يسكر.
وهذا هو قول جمهور الفقهاء 1، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» 2، والخمر ما خامر العقل، أي: غطاه، ومنه سمي خمار المرأة، لأنه يغطي رأسها، ومن ذلك أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» 3. وذهب الحنفية 4 إلى أن الخمر التي يحرم قليلها وكثيرها، ويحد بها، =

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (1)،  =ويكفر مستحلها، إلى غير ذلك هي المتخذة من عصير العنب خاصة، أما الأنبذة الأخرى فلا يحد شاربها إلا إذا سكر منها.
قلت: وهذا قول غير صحيح لأن الأدلة تدل على خلافه، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصف القليل بأنه حرام، ولأن السكر إنما يحصل بمجموع ما شربه لا من الشربة الأخيرة فقط، ومن ظن أنه إنما يقع بالشربة الأخيرة فقد غلط فإن الشربة الأخيرة إنما أثرت السكر بانضمامها إلى ما قبلها ولو انفردت لم تؤثره فهي كاللقمة الأخيرة في الشبع والمصة الأخيرة في الري وغير ذلك من المسببات التي تحصل عند كمال سببها بالتدريج شيئاً فشيئاً.
فالصواب هو قول جمهور الفقهاء في هذه المسألة.

(1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ»

وَإِنْ تَخَلَّلَتِ الخَمْرُ، طَهُرَتْ وَحَلَّتْ، وَإِنْ خُلِّلَتْ، لَمْ تَطْهُرْ (1)،  =10 كغ، فإنه لا يجوز أن يشرب من هذا ولو جرعة واحدة، ما دام أن كثيره يسكر فقليله حرام.

فائدة: في الأدوية المشتملة على الكحول

: إذا كانت نسبة الكحول يسيرة جدًا بحيث لو أكثر من شرب هذا الشراب المشتمل على هذه النسبة اليسيرة من الكحول، فإن هذه النسبة لا تضر؛ لمفهوم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (1). فإن مفهوم هذا الحديث أن ما لم يُسكر كثيره فإن قليله ليس بحرام، وأيضًا قياسًا على النجاسة اليسيرة إذا خالطت الماء الكثير، فقد اتفق العلماء على أنها لا تُنَجِّس الماء، فلو أن نقطة بول خالطت ماءً كثيرًا؛ فإنها لا تنجسه، فهذه النجاسة تضمحل في هذا الماء الكثير ولا يبقى لها أثر، فكذلك أيضًا النسبة اليسيرة جدًّا من هذا الكحول تضمحل في هذا الشراب، أو في هذا الدواء؛ فلا يكون لها أثر، لأن الإنسان لو أكثر من شرب ذلك الدواء لم يحصل له الإسكار.

(1)

قوله «وَإِنْ تَخَلَّلَتِ الخَمْرُ، طَهُرَتْ وَحَلَّتْ، وَإِنْ خُلِّلَتْ، لَمْ تَطْهُرْ»:

تخليل الخمر يعني تحويلها إلى خل يقال خللت النبيذ تخليلاً: جعلته خلاً.
وتخليل الخمر له طريقان:1

..................................  الأول: أن تتخلل بنفسها أي بدون أن يتدخل أحد في تخليلها، فإنها تكون طاهرة وحلالاً بإجماع العلماء.
1 الثاني: تخليلها بفعل آدمي، وله صورتان: الصورة الأُولى: أن يخللها بدون أن يضيف إليها شيئاً كأن ينقلها من الظل إلى الشمس أو العكس بقصد التخليل فتخللت.
فهذه الصورة اختلف فيها الفقهاء: فذهب الجمهور 2 إلى حلها لأن علة النجاسة والتحريم الإسكار، وقد زالت، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وقال الحنابلة 3: إن نقلت الخمر من موضع إلى آخر، فتخللت من غير أن يلقى فيها شيء، فإن لم يكن قصد تخليلها حلت بذلك، لأنها تخللت بفعل الله تعالى.
وإن قصد بذلك تخليلها احتمل أن تطهر، لأنه لا فرق بينهما إلا القصد، فلا يقتضي تحريمها.
ويحتمل ألا تطهر، لأنها خللت بفعل، كما لو ألقي فيها شيء.
الصورة الثانية: تخليلها بأن يضيف إليها شيئاً يحصل به التخليل كالخل والبصل والملح، أو إيقاد نار عندها، ففي هذه الصورة ذهب =

..................................  = الشافعية 1، والحنابلة 2، وهو رواية عن مالك 3 إلى أنه لا يحل تخليل الخمر بها ولا تطهر بذلك، لأننا مأمورون باجتنابها، فيكون التخليل اقتراباً من الخمر على وجه التمول، وهو مخالف للأمر بالاجتناب، ولأن الشيء المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها فينجسها بعد انقلابها خلاً، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر بإهراق الخمر بعد نزول آية المائدة بتحريمها.
فعن أبي طلحة أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أيتام ورثوا خمرا، فقال «أَهْرِقْهَا، قال: أفلا أخللها؟ قال: لا» 4. وعن ابن عباس قال: أهدى رجل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- راوية خمر، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟ » فقال: «لا»، فساره رجل إلى جنبه، فقال: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟ » فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا»، ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما» 5. =

..................................  =وصرح الحنفية 1، وهو الراجح عند المالكية 2 بجواز تخليل الخمر، فتصير بعد التخليل طاهرة حلالاً عندهم، لقوله عليه -صلى الله عليه وسلم-: «نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ» 3 فيتناول جميع أنواعها، ولأن التخليل إزالة للوصف المفسد وإثبات الصلاح والإصلاح مباح كما في دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» 4. وذهب بعض أهل العلم إلى أن من خللها ممن يعتقد حل الخمر كأهل الكتاب حلت، وصارت طاهرة، وإن خللها من لا تحل له فهي حرام نجسة، قال شيخنا: «وهو أقرب الأقوال»، وعلى هذا يكون الخل الآتي من اليهود والنصارى حلالاً طاهراً، لأنهم فعلوا ذلك على وجه يعتقدون حله، ولذا لا يمنعون من شرب الخمر» 5. قلت: والأظهر عندي هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، فلا يحل تخليل الخمر بأي شيء يحصل به التخليل ولا تطهر بذلك، سواء كان من قام بذلك مسلماً أو كتابياً أو غير ذلك، وهذا هو قول اللجنة الدائمة 6.

فَصْلٌ فِيْمَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَمَا لا يُبَاحُ

(1): وَالحَيَوَانِ قِسْمَانِ: (2) بَحْرِيٌّ وَبَرِّيٌّ (3)، فَأَمَّا البَحْرِيُّ، فَكُلُّهُ حَلالٌ (4)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْمَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَمَا لا يُبَاحُ»:

بعد أن انتهى المؤلف من بيان النوع الأول من الأطعمة وهو ما يباح شربه، شرع في القسم الثاني من الأطعمة وهو ما يباح أكله من الحيوان فقال -رحمه الله-: (2)

قوله «وَالحَيَوَانِ قِسْمَانِ»:

سبق أن ذكرنا أن الحيوان ينقسم إلى قسمين: مائي، وبري، وفي كل من القسمين أنواع، فمنها ما يؤكل ومنها ما لا يؤكل.
وينقسم المأكول من الحيوان من حيث الحكم إلى ثلاثة أقسام: مباح، ومكروه، ومحرم.
وفي هذا الفصل سيذكر المؤلف ما يباح أكله من الحيوان البحري والبري.

(3)

قوله «بَحْرِيٌّ وَبَرِّيٌّ»:

الحيوان البحري هو ما لا يعيش إلا في الماء كالأسماك والحيتان وغير ذلك، والحيوان البري المقصود به ما يعيش في البر من الدواب أو الطيور ونحو ذلك.
(4)

قوله «فَأَمَّا البَحْرِيُّ، فَكُلُّهُ حَلالٌ»:

أي فأما ما يعيش في البحر فهو حلال كله، وقد اختلف الفقهاء فيما يحل من حيوان البحر على أقوال: القول الأول: أن جميع حيوان البحر حلال لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ.. ﴾ 1. =

..................................  = وقوله -صلى الله عليه وسلم- «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» 1، وهذا قول المالكية 2. القول الثاني: أن جميع ما في البحر حلال إلا الضفدع والتمساح والحية، وهو قول الحنابلة كما سيذكره المؤلف.
القول الثالث: أن جميع ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة فإنه يحل أكله إلا ما طفا منه.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ 3، حيث لم يفصل بين البري والبحري، وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ 4. وما سوى السمك من حيوان البحر خبيث كالضفدع والسرطان والحية ونحوها، وهذا قول الحنفية 5، ووجه في مذهب الشافعية 6. القول الرابع: أن الذي يحل أكله من الحيوان البحري هو السمك، وأما غير السمك فيؤكل منه ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وغيرها، =

إِلاَّ الحَيَّةَ (1)،  = وما لا يؤكل نظيره في البر كخنزير الماء وكلبه فحرام وذلك لقياس ما في البحر على ما في البر، ولأن الاسم يتناوله فيعطى حكمه، وهذا وجه آخر في مذهب الشافعية (1)، وقول في مذهب الحنابلة (2). فهذه هي أقوال الفقهاء فيما يحل وما لا يحل من حيوان البحر.
والراجح عندي من الأقوال هو قول المالكية، وهو حل جميع صيد البحر لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (3)، قال ابن عباس رضي الله عنهما «صيده ما أُخذ حيًّا، وطعامه ما لَفَظَهُ ميتًا» (4)، فجميع حيوانات البحر حية كانت أو ميتة كلها حلال لنا.

(1)

قوله «إِلاَّ الحَيَّةَ»:

يعني إلا حية البحر فإنها لا تحل وهذا ما ذهب إليه المؤلف، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف، وقلنا بأن الراجح في حيوانات البحر أنها حلال لما ذكرناه سابقاً من الأدلةً.
وكونها تسمى حية لا يخرجها من الحل إلى التحريم، لأن التسمية لا أثر لها، فما دام أنه حيوان بحري لا يعيش إلا في البحر فهو حلال.1234

وَالضِّفْدَعَ (1)،  (1)

قوله «وَالضِّفْدَعَ»:

الضفدع من الحيوانات البرمائية، أي مما يعيش في الماء ويعيش في البر، وهذا قسم ثالث من الحيوانات وهي ما تسمى بالحيوانات البرمائية.
وهل هذه تلحق بحيوانات البحر أم بحيوانات البر؟ نقول: ما يعيش في البر من حيوانات البحر كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان، وترس الماء، وغير ذلك اختلف الفقهاء في حله: فذهب مالك 1 إلى حله مطلقًا لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، ولقوله -صلى الله عليه وسلم- في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» 2، ففيه التصريح بأن ميتة البحر حلال فيعم كل ميتة مما في البحر.
وذهب الشافعية 3 إلى أن الحيوانات البرمائية تحل مطلقًا ما عدا الضفدع فلا يحل بحال.
وعند الحنابلة 4 لا تحل بغير ذكاة مطلقًا، ما عدا السرطان فإنه يحل بغير ذكاة لأنه لا دم له.
وذهب الحنفية 5 إلى أن الحيوانات البرمائية لا تحل بحال، لأنها ليست بسمك.

وَالتِّمْسَاحَ (1)،  =قلت: الأقرب أنها تُلحق بحيوانات البر ولا تُلحق بحيوانات البحر، لأنه اجتمع فيها جانب حظر، وجانب إباحة، فيغلب جانب الحظر.
وبناءً على ذلك فالضفدع يُلحق بحيوانات البر، وقد ورد النهي عن قتله والنهي عن قتلها يستدعي إبقاءها، وهذا يدل على تحريم أكلها؛ لأنه لو أُذِنَ في أكلها؛ لكان إذنًا بقتلها.
فالنهي عن قتلها يدل على تحريم أكلها، وحينئذ نقول: إنه لا يجوز أكل الضفادع، قال في الروض «لأنها مستخبثة».
قلت: وهذا قول غير مسلَّم به لأنه ربما تكون الضفادع مستخبثة عند كثير من الناس، لكن هناك من يستسيغون أكله ويوجد عندهم في المطاعم، فالضفدع لا يجوز أكله لورود النهي عن قتله كما سبق.

(1)

قوله «وَالتِّمْسَاحَ»:

أي ويحرم كذلك التمساح، ووجه كونه يحرم لأنه من الحيوانات البرمائية، فهو يعيش في الماء ساعةً لكن يخرج رأسه ويتنفس، ولذلك لا يصح أن نقول إنه من الحيوانات البحرية، بل من الحيوانات البرمائية.
وقد سبق أن قلنا بأن الحيوانات البرمائية تلحق بحيوانات البر.
وقال بعض أهل العلم: وجه كونه يحرم لأنه ذو ناب يفترس به.
قال شيخنا -رحمه الله-: «لكنه ليس من السباع.... وعليه فإننا نقول: الصحيح أنه لا يستثنى التمساح، وأنه يؤكل» 1، وما ذهب إليه شيخنا هو =

وَأَمَّا البَرِّيُّ فَيَحْرُمُ مِنْهُ كُلُّ ذِيْ نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (1)،  = مذهب المالكية (1).

(1)

قوله «وَأَمَّا البَرِّيُّ فَيَحْرُمُ مِنْهُ كُلُّ ذِيْ نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»:

الناب: السن التي خلف الرباعية جمعه أنياب.
والمراد به هنا: هو السن التي يتقوى بها السبع ويعدو بها على الناس وعلى الحيوان فيصطاده.
وقد اختلف الفقهاء في حكم أكل ما له ناب من السباع على قولين: القول الأول: أنه يحرم أكله، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية 2، والشافعية 3، والحنابلة 4، ودليلهم حديث أبي ثعلبة الخشني: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلِّ ذِي نَابٍ، مِنَ السِّبَاعِ فأكله حَرَامٌ» 5، ففي هذه الأدلة دلالة واضحة على تحريم أكل ذوات الأنياب من السباع.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام مالك 6 أن ذلك مكروه وليس بحرام، والرواية الثانية عنه أن ذلك حرام كقول الأئمة الثلاثة 7. والصواب: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ فلا يحل أكل ذي ناب من =1

وَكُلُّ ذِيْ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ (1)،  = السباع لدلالة السنة على تحريمه، ولأن الحكمة تقتضيه، لأن للغذاء تأثيراً على المتغذي به.
فالإنسان ربما إذا اعتاد التغذي على هذا النوع من اللحوم صار فيه محبة العدوان على الغير.

(1)

وقوله «وَكُلُّ ذِيْ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ»:

المِخلَب بكسر الميم وفتح اللام، قال أهل اللغة: المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان والمراد بها الأظفار التي يفترس بها إذا كان قويًا يعدو به على غيره كالبازي والصقر والعقاب والباشق والشاهين.
وقد اختلف العلماء في حكم أكل ما له مخلب من الطير: فذهب جمهور أهل العلم 1 إلى تحريمه بدليل: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» 2. وذهب الإمام مالك 3 إلى إباحة أكل ذي المخلب من الطير واستدل لقوله بعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ 4، =

وَالحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ (1)،  =ولأنه لم يثبت نص صريح في التحريم، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في أول الكتاب.
والراجح في ذلك: ما ذهب إليه الجمهور، لأن الآية التي احتج بها مالك مخصوصة بالأحاديث الواردة في تحريم ما له مخلب من الطير.
ولأن الآية نزلت بمكة قبل الهجرة، وقد قصد بها الرد على أهل الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ثم بعد ذلك حرمت أمور كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.

و

الحكمة في تحريم ذوات المخالب التي تصيد بها

ما أشرنا إليه في تحريم ما له ناب يفترس به، وهي أن الإنسان إذا تغذى بهذا النوع من الطيور التي من طبيعتها العدوان والأذى، فإنه ربما يكتسب من طبائعها وصفاتها، ولهذا قال العلماء: لا ينبغي للإنسان أن يرضع ابنه امرأة حمقاء؛ لأنه ربما يتأثر بلبنها.
(1)

قوله «وَالحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ»:

أي ويحرم كذلك من الأطعمة الحمر الأهلية وهي التي يركبها الناس، وهذا هو مذهب عامة الفقهاء.
دليل ذلك حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر منادياً فنادى «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْم» 1.

وَالبِغَالُ (1)، وَمَا يَأْكُلُ الجِيَفَ مِنَ الطَّيْرِ (2)،  (1)

قوله «وَالبِغَالُ»:

أي وكذا البغال محرمة؛ دليل ذلك أيضاً حديث جابر -رضي الله عنه- قال: «ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ» (1). والبغل: حيوان متولد بين الحمار والفرس، وأصل خلقته أن ينزو الحمار على الفرس فتلد ما يسمى بالبغل، وفيه من طبائع الحمير ومن طبائع الخيل، وحكمه أنه حرام؛ لأنه متولد من حلال وحرام على وجه لا يتميز فغلب جانب التحريم.
فإذا قال قائل: كيف نغلِّب جانب التحريم؟ ولماذا لا نغلِّب جانب الحل؟ نقول هكذا قال أهل العلم: إذا اجتمع موجب التحليل والتحريم على وجه لا تمييز بينهما غلب جانب التحريم؛ لأن اجتناب الحرام واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا باجتناب الحلال.

(2)

قوله «وَمَا يَأْكُلُ الجِيَفَ مِنَ الطَّيْرِ»:

أي ويَحرم أيضًا أكل ما يأكل الجيف من الطير، وكذلك الجلالة، التي تأكل القذر، وتأكل العَذِرَة.
وقد اختلفوا في حكم أكل لحمها على قولين: القول الأول: يحرم أكلها وهو رواية عن أحمد 2، وأحد القولين في مذهب الشافعية 3 بدليل حديث ابن عمر -رضي الله عنه- قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- =1

..................................  =عَنْ أَكْلِ الْجَلاَّلَةِ وَأَلْبَانِهَا» 1. والجلالة: هي الحيوان الذي يأكل العذرة سواء كانت من البقر، أم الغنم، أم الإبل، أم الطيور كالدجاج والأوز وغيرها، فهو ظاهر في تحريم أكل لحم الجلالة لأن النهي ظاهره التحريم.
والقول الثاني: أنه يكره أكل لحمها كراهة تنزيه، وهو الرواية الثانية عن أحمد 2، والأصح في مذهب الشافعية 3، وهو قول الحنفية 4 لأن النهى لا يرجع إلى ذاتها بل لأمر عارض لا يوجب أكثر من تغير لحمها وذلك لا يوجب التحريم.
والذي رجحه شيخنا 5 في هذه المسألة أنه إذا كان للنجاسة أثر في طعم اللحم أو رائحته، أو اللبن، أو يسبب أمراضاً، ونحو ذلك، فإنه محرم، وأما إذا لم يكن لها أثر فإنه جائز؛ لأن النجاسات تطهر بالاستحالة.
والأقرب في هذه المسألة: أنه إذا كان يغلب على شرابها وأكلها النجاسات فلا يجوز شرب لبنها، ولا أكل لحمها لنهيه -صلى الله عليه وسلم- عن أكل لحوم الجلالة، وهذا هو رأي اللجنة الدائمة 6.

كَالنُّسُوْرِ وَالرَّخَمِ (1)،  =ولعل الحكمة في النهي عن أكلها ترفع الإسلام بأهله عن تناول الخبائث ولو من طريق غير مباشر لما لذلك من تأثير سيئ على صحة الإنسان وسلوكه، لأن المتغذي يشبه ما تغذى به كما سبق فينتقل الخبث من المأكول إلى الآكل ويكتسب من أخلاقه.

(1)

قوله «كَالنُّسُوْرِ وَالرَّخَمِ»:

هذه جملة من الطيور التي لا يجوز أكلها والعلة في ذلك خبث مطعمها فيسري ذلك الخبث في لحمها، والله تعالى قد حرَّم علينا الخبائث، ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتل خمس فواسق في الحل والحرم ومنها الغراب وهو يأكل الجيف فيقاس عليه غيره من الطيور التي تشاركه في هذا، وقال بعض أهل العلم لا يحرم من ذلك كله إلا ما ورد النهي عنه بعينه كالنملة والنحلة والهدهد والصرد، أو أُمر بقتله كالحدأة والغراب والفارة، أو ما له مخلب من الطير، أو ما ثبت ضرره كما سبق لأن الأصل في الأطعمة الحل، ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أباح قتلها في الحرم ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم فدل على تحريمها، وهذا هو مذهب الحنفية 1، والحنابلة 2. ومذهب المالكية 3 هو إباحة هذا النوع من الطيور كما سبق تمسكًا بمفهوم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾ 4.

وَغُرَابِ البَيْنِ وَالأَبْقَعِ (1)،  (1)

قوله «وَغُرَابِ البَيْنِ وَالأَبْقَعِ»:

أي ويحرم كذلك من الطيور غراب البين والأبقع و

الغربان ثلاثة أنواع

: الأول: كما ذكر المؤلف: «غراب البين الأبقع» وهو الذي فيه سواد وبياض، وقيل: هو الأحمر المنقار والرجلين.
الثاني: الحاتم: وهو الأسود الكبير؛ كله أسود.
الثالث: غراب الزرع: وهو الصغير الأسود، ويقال إنه يسمى الغداف وهو يشبه الحمامة، ومنقاره أسود.
فالمشهور من مذهب الحنابلة 1 أن المحرم من الغربان هو غراب البين الأبقع فقط، وأما الحاتم وغراب الزرع؛ فلا يحرم أكلهما، هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وفي رواية في المذهب 2 في الغراب لا بأس به إن لم يأكل الجيف.
والراجح أنه لا يحل الغراب بجميع أنواعه لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ» 3، فلم يستثن من الغربان شيء بل أمر بقتل جميعها في الحرم، وإباحة قتلها في الحرم دليل على تحريم أكلها، =

وَمَا يَسْتَخْبِثُ مِنَ الحَشَرَاتِ (1)،  =وأيضاً ما أُمر بقتله ووصفه بالفسق لا يحل أكله، لكن غراب الزرع أخف بكل حال من غيره، وقد استثناه بعض أهل العلم.

(1)

قوله «وَمَا يَسْتَخْبِثُ مِنَ الحَشَرَاتِ»:

أي ويحرم كذلك ما يستخبثه العرب ذوو اليسار من الحشرات، مثل: الصارور، والخنفساء، والجعل، والذباب، وما أشبه ذلك، وقد سبق أن ما يستخبثه العرب ذوو اليسار من الحشرات لا أصل له في التحريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قال: «لا أثر لاستخباث العرب، وإن لم يُحَرِّم الشرع، حل» 1 وقال: «والوصف الخبيث هو وصف قائم بالأعيان، والطيبات هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق، والخبائث هي الضارة للعقول والأخلاق» 2 فالضابط في الاستخباث: أن كل ما استخبثه الشارع فهو خبيث، وما لم يستخبثه الشارع فإنه لا يكون خبيثًا، لكن أيضًا ما لم يرد فيه نص من الشارع، وتستخبثه العقول السليمة فإنه أيضًا يكون خبيثًا، وما يضر العقول والأخلاق يكون خبيثًا، فالدخان يعتبر خبيثًا، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ 3، وذلك لأن العقول السليمة والفِطَر السوية تستخبثه وترى أنه ضارٌّ بالصحة، وقد أجمع أهل الطب على ثبوت ضرره بالأبدان، فيدخل في الخبائث.

كَالفَأْرِ وَنَحْوِهَا (1)، إِلاَّ اليَرْبُوْعَ وَالضَّبَّ (2)؛  (1) قوله «كَالفَأْرِ وَنَحْوِهَا»: أي ويحرم كذلك الفأر ليس لأجل أنها خبيثة، وإنما من أجل عدوانها؛ لأنها مجبولة على العدوان، ولهذا تسمى «الفويسقة»، ومثل الفأرة الجرذي، وهو فأرة البر، فلا يحل؛ لأنه يعتدي.
أما اليربوع كما سيأتي فإنه حلال مع أنه قريب وشبيه بالفأرة، وقد سبق دليل الأمر بقتل الفأرة في الحل والحرم، والقاعدة كما سبق أن كل ما أمر الشارع بقتله ووصف بالفسق فإنه يحرم أكله.

(2)

قوله «إِلاَّ اليَرْبُوْعَ وَالضَّبَّ»:

أما اليربوع ويسميه بعض الناس بالجربوع، هذا يُباح أكله، والدليل على ذلك: أن عمر -رضي الله عنه- حكم فيه بجفرة إذا قتله المحرم، والجفرة: هي الأنثى من ولد الماعز إذا بلغ أربعة أشهر، وهذا يدل على أنه صيد، وإذا كان صيدًا فإنه يُباح أكله.
وأما إباحة «الضَّبّ» فلأنه أُكِلَ على مائدة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ينظر، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «دخلت أنا وخالد بن الوليد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت ميمونة فأُتِيَ بِضَبٍّ، فقيل: يا رسول الله هو ضب، فرفع يده، فقيل: يا رسول الله أحرام هو؟ ! قال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجد نفسي تعافه»، أو قال: «فأجدني أعافه»، قال خالد: «فاجْتَرَرْتُه وأكلته ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر» 1، وهذا إقرار من النبي -صلى الله عليه وسلم- لأكله، ولو كان حرامًا؛ لما أقر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة على أكله، فدل ذلك=

وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاح (1)، وَيُبَاحُ أَكْلُ الخَيْلِ وَالضَبُعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ فِيْ لُحُوْمِ الخَيْلِ، وَسَمَّى الضَّبُعَ صَيْدًا (2)،  =على أن أكل لحم الضب مُباح.

(1)

قوله «وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاحٌ»:

أي ما عدا الذي ذكرنا فإنه يباح أكله لأن الأصل في الأطعمة كما سبق هو الحل.
(2)

قوله «وَيُبَاحُ أَكْلُ الخَيْلِ وَالضَبُعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ فِيْ لُحُوْمِ الخَيْلِ، وَسَمَّى الضَّبُعَ صَيْدًا»:

الخيل: جماعة الأفراس، اسم جمع لا واحد له من لفظه كالقوم، والرهط والنفر وقيل: مفرده خائل، وسميت الخيل خيلًا لاختيالها في المشية، وقد اختلف العلماء في حكم أكل لحومها على ثلاثة أقوال: القول الأول: هو ما ذهب إليه الحنفية 1، وهو المشهور عند المالكية 2 أنه يحرم أكل لحوم الخيل، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ 3 فالأنعام قال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ =

..................................  = ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾، قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، فقسم الله سبحانه وتعالى هذه البهائم إلى قسمين: قسم لهم فيه دفء ومنافع وأكل، وقسم للركوب والزينة، وذكر الخيل فيما يحرم، وهي البغال، والحمير، فكانت محرمة، وذكر الحكمة وهي الركوب والزينة، ولو كان الأكل سائغا لذكره؛ لأنه غاية لمن اقتناه.
القول الثاني: ما ذهب إليه الشافعية 1، والحنابلة 2، وقول محمد بن الحسن من الحنفية 3، وهو قول للمالكية 4، وهو الراجح عندي من إباحة أكل لحم الخيل لحديث جابر قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرَخَّصَ فِي الْخَيْلِ» 5، وعن أسماء رضي الله عنها قالت: «نحرنا فرساً في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن في المدينة فأكلناه» 6 وقولها: «ونحن في المدينة»، تعني أنه متأخر، لأن سورة النحل التي فيها دليل من استدل على تحريمها مكية.
أما قوله «وَالضَبُعِ» بضم الباء وسكونها، اسم للأنثى ولا يقال ضبعة، والذكر ضبعان ومن عجيب أمره أنه يكون سنة=

..................................  =ذكرًا وسنة أنثي فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم، وقد اختلف الفقهاء في حكم أكله على قولين: القول الأول: إباحة أكله؛ وهو قول الشافعي 1، وأحمد 2، ودليلهم: حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم.
قلت: أكلها.
قال: نعم» قلت: أقاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم» 3. القول الثاني: تحريم أكل الضبع؛ وإليه ذهب أبو حنيفة 4 -رحمه الله- وغيره واستدلوا بما تقدم من تحريم كل ذي ناب من السباع قالوا: والضبع لها ناب تصيد به فتدخل تحت الحديث - وأجابوا عن الحديث الذي استدل به من أباحه من وجوه: أولاً: أنه ليس بمشهور فالعمل بالمشهور أولى.
ثانيًا: يقدم دليل الحظر على دليل الإباحة عند التعارض احتياطًا.
ثالثًا: حمل ما يدل على إباحتها على ما قبل التحريم.
=

..................................  =والراجح: هو القول الأول، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 1 لقوة دليله كما سبق، ومن قال بأن الضبع من ذوات الناب التي تفترس بنابها، فكلامه غير مسلم، فإن كثيراً من ذوي الخبرة يقولون: إن الضبع لا تفترس بنابها، وليست بسبع، ولا تفترس إلا عند الضرورة، أو عند العدوان عليها، يعني إذا جاعت جداً ربما تفترس، وليس من طبيعتها العدوان، أو إذا اعتدى أحد عليها، وما ذكروه أي «من قال بالتحريم» من تعليلات محجوج بالأدلة التي سبقت.

بابُ الذَّكاةِ

(1)  (1)

قوله «بابُ الذَّكاةِ»:

الذكاة لغة: تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل سريع القبول.
والذكاة شرعًا: ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه، أو عقر ممتنع.
وقيل أيضاً في تعريفها: الذكاة هي إنهار الدم من بهيمة تحل، إما في العنق إن كان مقدوراً عليها، أو في أي محل من بدنه إن كان غير مقدور عليها.

وبهذا التعريف يمكننا أن نقول بأن الذكاة منها ما يكون اختيارياً ومنها ما يكون اضطرارياً، ف

الذكاة الاختيارية

: هي الذبح فيما يذبح وهو ما عدا الإبل من الحيوانات المقدور عليها، والنحر فيما ينحر وهو الإبل خاصة.
أما

الذكاة الاضطرارية

: فهي الجرح في أي موضع كان من البدن عند العجز عن الحيوان، أي كأنها صيد فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام، وتسمى هذه الحالة العقر.

فائدة: الحكمة من مشروعية التذكية

: هي تطييب الحيوان المُذَكَّى، وذلك أن الميتة إنما حُرِّمَت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، فهي مُضِرَّة بالبدن، أكلها مُضر بالصحة، والذكاة تُزيل الدم والفضلات، ولهذا نجد بعض الناس من غير المسلمين ينادون بالتذكية رغم أنهم لا يدينون بدين الإسلام، لكنهم يعرفون أن أكل الميتة مُضر بالصحة ضررًا بليغًا؛ لأن الميتة يحتقن فيها الدم والفضلات =

يُبَاحُ كَلُّ مَا فِيْ البَحْرِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيْ البَحْرِ: «الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (1)  = والسموم التي تضر بالبدن، والتذكية تزيل هذه الفضلات وهذه السموم، والله تعالى لا يشرع شيئًا إلا لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة، فهو أحكم الحاكمين.
يسن عند الذبح ما يلي: 1 - كون الذبح بإنهار.
2 - اضجاع الذبيحة على شقها الأيسر برفق.
3 - نحر الإبل قائمة معقولة اليد اليسرى، وذبح البقر والغنم مضجعة على جنبها الأيسر.
4 - قطع الأوداج والإسراع بالذبح.
5 - الرفق بالبهيمة.

(1)

قوله «يُبَاحُ كَلُّ مَا فِيْ البَحْرِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيْ البَحْر «الحِلُّ مَيْتَتُهُ»

إِلاَّ مَا يَعِيْشُ فِيْ البَرِّ، فَلا يُبَاحُ حَتَّى يُذَكَّى، إِلاَّ السَّرَطَانَ وَنَحْوَهُ (1)،  =وكذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» (1).

(1)

قوله «إِلاَّ مَا يَعِيْشُ فِيْ البَرِّ، فَلا يُبَاحُ حَتَّى يُذَكَّى، إِلاَّ السَّرَطَانَ وَنَحْوَهُ»:

أي إلا ما يعيش في البر، من حيوانات البحر فلا يَحِل حتى يُذَكَّى وهي ما تسمى بالبرمائيات الحيوانية، مثل كلب الماء، والسلحفاة، والسمندل ونحو ذلك، فهذه لا بد من تذكيتها، ولهذا قال الإمام أحمد: «كلب الماء نذبحه، ولا أرى بأسًا بالسلحفاة إذا ذُبِحَ» 2، وفي رواية أخرى 3 في المذهب أنه يحل بغير ذكاة وذهب إليه قوم من أهل العلم لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في البحر «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» 4، ولأنه من حيوان الماء فأبيح بغير ذكاة كالسمك والسرطان وقوله: «إِلاَّ السَّرَطَانَ وَنَحْوَهُ»، هذا مستثنى من الحيوانات البرمائية لأن السرطان لا دم فيه، قال أحمد «السرطان لا بأس به، قيل له يذبح؟ قال لا» 5، وذلك لأن مقصود الذبح إنما هو إخراج الدم وتطييب اللحم بإزالته عنه، فأما ما لا دم له فلا حاجة إلى ذبحه.
=1

وَلا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ البَرِّيِّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، إِلاَّ الجَرَادَ وَشِبْهَهُ (1)، وَالذَّكَاةُ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ: نَحْرٍ، وَذَبْحٍ، وَعَقْرٍ (2)،  =ومقتضاه أن ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء فلا يحل إلا بذبحه، وهذا هو الصحيح في المذهب كما سبق قريباً.

(1)

قوله «وَلا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ البَرِّيِّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، إِلاَّ الجَرَادَ وَشِبْهَهُ»:

أي لا يحل من الحيوانات البرية إلا ما يذكى، فالأصل في الحيوانات البرية أنه لا بد من تذكيتها.
لكن أُستثنى من ذلك الجراد، فإن الجراد حيوان بري، فيحل بدون ذكاة، مع أنه لا يعيش إلا في البر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» (1)، ولأن الجراد ليس فيه دم حتى يحتاج إلى إنهاره، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ» (2)، وقال بعض العلماء في الجراد: لا بد أن يموت بسبب من الإنسان، ولو مات بدون سبب من الإنسان فإنه لا يحل، لكنه قول ضعيف.
(2)

قوله «وَالذَّكَاةُ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ: نَحْرٍ، وَذَبْحٍ، وَعَقْرٍ»:

النحر في اللغة: من نحر ينحر نحراً: أصاب نحره، ونحر البعير ينحره نحراً: طعنه في منحره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر، ومنه قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ=12

وَيُسْتَحَبُّ نَحْرُ الإِبِلِ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا (1)،  =وَانْحَرْ} (1). أما في الاصطلاح: فهو قطع عروق الإبل الكائنة في أسفل عنقها عند صدورها.
أما الذبح؛ فهو في اللغة: بمعنى الشق.
وفي الاصطلاح: هو قطع الحلقوم والمريء والودجين وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء.
أما العقر؛ بفتح العين وسكون القاف، فهو لغة: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم، ثم اتسع فيه العرب حتى استعملوه في القتل والإهلاك.
وفي الاصطلاح: هو جرح الحيوان، بأي فعل مزهق للروح.
في أي مكان في جسمه.
ويستعمل في تذكية الحيوان المأكول إذا لم يتمكن صاحبه من القدرة عليه.

(1)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ نَحْرُ الإِبِلِ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا»:

لا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الإبل، وذبح ما سواها، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 2، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 3 قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو إسرائيل بالذبح، وثبت «أن رسول الله=1

جارٍ التحميل