.................................. =وبين قيمتها قبل البناء عليها وبعد هدم البناء من عليها فالفرق بين القيمتين هو أرش النقص، وأما لزوم أجرة المثل فلأنه فوت على المالك شيئاً له قيمة وهو الأجرة فلزمه ضمانه، وهنا فائدتان:
- الفائدة الأولى: إذا علمنا أنه ليس لصاحب الأرض غرض من هدم البناء أو قلع الغرس إلا المضارة بالغاصب كأن يريد صاحب الأرض أن يبنيها على صفة بناء الغاصب لها، أو زرعها نخلاً ويريد المالك أن يزرعها نخلاً لكن أمر الغاصب أن يقلع الغرس ويهدم البناء مضارة به، فهل يجبر الغاصب على ذلك؟
نقول قال شيخنا -رحمه الله- 1 ليس له أن يجبر الغاصب على إزالة البناء أو الغراس في هذه الحالة.
والدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» 2، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ» 3، وهذا فيه إضاعة للمال عليهما جميعاً. - الفائدة الثانية: لو طالب رب الأرض أن يبقى الغراس ويدفع القيمة، ففيه تفصيل: إن كان للغاصب غرض صحيح في قلعه فإنه لا يجبر على إبقائه كأن يقلع النخل وينقله في أرض يملكها، أما إن لم يكن له غرض صحيح في امتناعه، وإنما سيقلع هذا الغرس ويرميه في الشمس حتى يتلف فإنه لا يمكن من ذلك لوجوه: الأول: أن هذا من الفساد والله لا يحب المفسدين.
وَإِنْ زَرَعَهَا وَأَخَذَ الْغَاصِبُ الزَّرْعَ رَدَّهَا وَأُجْرَتَهَا (1)، وَإِنْ أَدْرَكَ الزَّرْعَ قَبْلَ حَصَادِهِ خُيِّرَ بَيْنَ تَرْكِهِ إِلَى الْحَصَادِ بِالأُجْرَةِ وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّرْعِ بِقِيْمَتِهِ (2)،
الثاني: أن هذا إضاعة للمال.
الثالث: أن في إبقائه وإعطاء الغاصب القيمة منفعة له ورغبته عن المنفعة يعتبر سفهاً.
(1)
قوله «وَإِنْ زَرَعَهَا وَأَخَذَ الْغَاصِبُ الزَّرْعَ رَدَّهَا وَأُجْرَتَهَا»:
هذا بلا خلاف بين الفقهاء (1) فإن غصب رجل أرضاً فزرعها وحصد الزرع وجب عليه أمران:
الأول: أن يرد الأرض إلى صاحبها.
الثاني: أن يرد أجرتها وهي أجرة المثل كما سبق في المسالة السابقة.
ولا يجوز له أن يطالب الغاصب بالحصاد لأنه نماء له.
(2)
قوله «وَإِنْ أَدْرَكَ الزَّرْعَ قَبْلَ حَصَادِهِ خُيِّرَ بَيْنَ تَرْكِهِ إِلَى الْحَصَادِ بِالأُجْرَةِ وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّرْعِ بِقِيْمَتِهِ»:
أي إن أدرك رب الأرض أرضه والزرع قائم وقدر على استرجاعها منه فإنه يكون بين أحد أمرين:
الأول: أن يترك الزرع حتى يحصده الغاصب على أن يدفع له الغاصب أجرة زراعة الأرض وأرش نقصها.
الثاني: أن يدفع إليه نفقته ويكون له الزرع، دليل ذلك ما جاء عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ زَرَعَ أَرْضًا بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا فَلَهُ نَفَقَتُهُ» 2، وعلى ذلك لا يجبر الغاصب على قلع الغرس بل يجبر المالك بين الأمرين السابقين ولا يملك إجبار الغاصب على القلع وذهب أكثر الفقهاء 3 إلى=1
وَإِنْ غَصَبَ جَارِيَةً، فَوَطِئَهَا وَأَوْلَدَهَا، لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَرَدُّهَا وَرَدُّ وَلَدِهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا وَأَرْشُ نَقْصِهَا وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا (1)،
=جواز إجبار المالك الغاصب على القلع لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ليس لعرق ظالم حق»، وهذا هو الأظهر عندي.
أما الحديث الذي احتج به الحنابلة فهو حديث ضعيف ضعفه الإمام البخاري وغيره من أهل العلم.
(1)
قوله «وَإِنْ غَصَبَ جَارِيَةً، فَوَطِئَهَا وَأَوْلَدَهَا، لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَرَدُّهَا وَرَدُّ وَلَدِهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا وَأَرْشُ نَقْصِهَا وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا»:
هذه أمور ستة على الغاصب إذا غصب جارية - الأمة المملوكة - فوطئها وأولدها:
أولاً: أنه يجب عليه الحد إن كان عالماً بالتحريم لأنها ليست زوجة ولا ملك يمين.
ثانياً: ردها إلى مالكها.
ثالثاً: رد ولدها إن أولدها لأنه من نمائها وأجزائها ولا يلحق نسبه بالواطئ، لأنه من زنى.
رابعاً: مهر المثل، وهل يلزم مهر للثيب؟ على قولين في المذهب 1 والمختار لزوم المهر.
خامساً: أرش نقصها لأنه متسبب في هذا النقص.
سادساً: أجرة مثلها لحبسه إياها عن مالكها، ولأنه حال بينه وبين الاستفادة من ملكه طول مكثها عنده.
وَإِنْ بَاعَهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِيْ وَهُوَ لا يَعْلَمُ (1) فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا وَقِيْمَةُ وَلَدِهَا إِنْ أَوْلَدَهَا، وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا (2)، وَيَرْجِعُ بِذلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ (3). (1)
قوله «وَإِنْ بَاعَهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِيْ وَهُوَ لا يَعْلَمُ»:
أي إن باع الغاصب الجارية واشتراها من لا يعلم حالها بأنها مغصوبة فوطئها.
(2)
قوله «فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا وَقِيْمَةُ وَلَدِهَا إِنْ أَوْلَدَهَا، وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا»:
أي فعلى المشتري الغير عالم بالغصب ما يلي:
أولاً: المهر لأنه وطئ جارية غيره بغير نكاح.
ثانياً: قيمة الولد لا الولد لأنه فوَّت رقه على سيده فوجب عليه قيمته أما الولد فيكون حراً لاعتقاده أنه يطأ مملوكته فيلحقه نسبه.
ثالثاً: أجرة المثل.
أما إن كان المشتري عالماً بالغصب فهل يصح البيع؟ على قولين:
الأول: أن البيع فاسد لأنه اشترى ما علم بغصبه دون إذن مالكه.
الثاني: صحة البيع ويقف البيع على إجازة المالك فإن إجازه وإلا فلا.
والحكم في وطء المشتري العالم، كالحكم في وطء الغاصب أي يجب عليه من الأحكام السابقة من إقامة الحد، والمهر ورد الأمة والولد ومهرها وأجرتها.
(3)
قوله «وَيَرْجِعُ بِذلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ»:
أي ويرجع المشتري غير العالم بالغصب على الغاصب بجميع ما ذكر من ضمان المهر وفداء الولد ومقدار الأجرة لأنه غرّه فلزم أن يغرم له كل ما دفعه لسيد الأمة.
بَابُ الشُّفْعَةِ (1)
الشرح:
(1) قوله -رحمه الله- «بَابُ الشُّفْعَةِ»: الشفعة لغة مأخوذة من الشفع وهو ضد الوتر وسميت بذلك لأن الشريك يضم نصيب شريكه إلى ملكه فصار كجعل الوتر شفعاً.
أما في الاصطلاح: فسيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى - في كلام المؤلف.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: في حكم الشفعة: الشفعة حق ثابت بالسنة والإجماع، ولصاحبها المطالبة به أو تركها.
أما دليل السنة فمن ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال «قَضَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» (1). - الفائدة الثانية: حكمة مشروعية الشفعة، لما كانت الشفعة منشأ الضرر في الغالب وكان الخلطاء كثيراً ما يبغي بعضهم على بعض كما قال تعالى ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا.. ﴾ 1، شرع الله تعالى رفع هذا الضرر بأمرين:
الأول: القسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه.
الثاني: بالشفعة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك، فإذا أراد أحد الشريكين بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من غيره ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من =2
باب الشفعة
فيما لم يقسم (2097).
وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيْكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيْهَا (1)،
= الثمن، وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول ومصالح العباد.
لما جاء عن جابر - رضي الله عنه - قال «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ لا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ» (1).
وثبت عن سمرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ» (2).
أما الإجماع: فقد نقل ابن قدامة (3) عن ابن المنذر الإجماع على ثبوتها فقال يعني - ابن المنذر -: «أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط».
- الفائدة الثالثة: التحايل لإسقاط الشفعة مناقض للمعنى الذي قصده الشارع فلا يجوز بحال، ومن صور التحايل أن يرفع الثمن ظاهراً وهو في الحقيقة أقل، ومن الضرر أيضاً أن يقول وهبته له وهو قد باعه وهذا على رأي من لم يثبتها في الهبة قال - صلى الله عليه وسلم - «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» (4).
- الفائدة الرابعة: كانت الشفعة معروفة في الجاهلية فجاء الإسلام فأقرها ونظم أحكامها بما يكفل مصلحة الجار والشريك.
(1)
قوله «وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيْكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيْهَا»:
هذا هو تعريف الشفعة في الاصطلاح.1234
..................................
=وقوله «اسْتِحْقَاقُ» الأولى أن يقال إسقاط لأن الشفعة ليست استحقاقاً، وإنما هي انتزاع أو انتقال أو تملك، بدليل أن هذا الشريك المستحق لحصة شريكه لو لم ينتزعها لم تثبت الشفعة فلو قال المؤلف الشفعة هي انتزاع الشريك حق شريكه أو تملك الشريك حصة شريكه ونحو ذلك لكان أجود.
وقوله «الإِنْسَانِ»، وقال بعض العلماء «استحقاق الشريك» وهو أدق، لأن الشريك يستوي أن يكون فرداً أو أكثر، فلو أن أربعة اشتركوا في أرض لكل واحد منهم ربعها، فباع أحد هؤلاء الأربعة نصيبه كان للثلاثة الباقين أن يشفعوا، وإذا شفعوا أخذوا الربع، وقسمت قيمة الربع بين الثلاثة، فكل يشفع بمقدار الثلث.
ولو كانوا ثلاثة وباع أحدهم فحينئذ للاثنين الباقين حق الشفعة لكل واحد منهما أن يشفع بنفس النصيب - نصف الثلث وهو السدس - الذي باعه بحيث يصير لأحدهم النصف ويكون للأخر نصف الباقي.
وقوله «انْتِزَاعَ» تفيد الأخذ بالقوة والقهر أي بغير الاختيار ولا الرضى.
وقوله «حِصَّةِ شَرِيْكِهِ» الحصة النصيب وجمعها حصص والمعنى أخذ نصيب الشريك المنتقل عنه إلى غيره.
وقوله «مِنْ يَدِ مُشْتَرِيْهَا» أي لا بد أن تكون حصة الشريك انتقلت من يد الشريك إلى غيره ببيع أو مما كان في معنى البيع.
ويكون الانتزاع بالثمن نفسه، فالشفعة تشفع بنفس الثمن وليس من حقه أن يزيد على هذا الثمن فلو قال مثلاً أنا اشتريت منه أي من شريكك بمائة ألف ولا أبيعه عليك إلا بمائة وخمسين ألفاً فليس من حقه ذلك بل ليس من حقه أن يزيد ولا ريالاً =
وَلا تَجِبُ إِلاَّ بِشُرُوْطٍ سَبْعَةٍ (1)، = واحداً بل بنفس الثمن الذي دفعه.
- فائدة: يقول بعض العلماء إن الشفعة خارجة عن الأصول يعني عن أصول البيع، لأن الأصول تقتضي أن البائع وصاحب الشقص والنصيب الذي أخذه وهو الأجنبي من حقه أن يبيع بالقليل والكثير، ولكن الشفعة خارجة عن أصول البيع فيلزم أن يبيع للشركاء وبقية الشركاء بنفس الثمن وهذا خاص بالشفعة وهنا استثنيت الشفعة عن الأصول.
ولهذا يعرف بعض الفقهاء الشفعة بأنها انتزاع حصة الشريك ممن انتقلت إليه لعوض مالي بمثل الثمن. - فائدة: في صورة الشفعة، صورة الشفعة هي أن يكون هناك شخصان فأكثر اشتركا في عقار كالأراضين من المزارع ونحوها، ثم باع أحد الشركاء نصيبه أو أحد الشريكين نصيبه من أجنبي، فمن حق الشريك أن يأخذ هذا النصيب الذي باعه شريكه من الأجنبي بنفس المبلغ الذي اشترى به سواء رضي الأجنبي أم لم يرضى.
(1)
قوله «وَلا تَجِبُ إِلاَّ بِشُرُوْطٍ سَبْعَةٍ»:
أي لا تثبت الشفعة إلا بشروط سبعة، فالوجوب هنا بمعنى الثبوت وليس بمعنى أنه يجب عليه أن يأخذ حصة شريكه أو يجب على الشركاء أن يأخذوا حصة من باع من الشركاء فليس هذا مراد المؤلف وإنما المراد أنها تثبيت، يعني يكون من حق الشريك أو الشركاء أن يأخذوا بالشفعة إذا توفرت هذه الشروط السبعة، وقال بعض الشافعية 1 إن ترتب على ترك الشفعة معصية كأن يكون المشتري مشهوراً بالفسق والفجور فينبغي أن يكون الأخذ بها مستحباً أو واجباً إن تعين طريقاً لدفع ما يريده =
أَحَدُهَا: الْبَيْعُ (1)، فَلا تَجِبُ فِيْ مَوْهُوْبٍ، وَلا مَوْقُوْفٍ (2)، = المشتري من الفجور.
(1)
قوله «أَحَدُهَا: الْبَيْعُ»:
أي يشترط لحصول الشفعة أن تكون حصة الشريك انتقلت إلى المشتري الأجنبي بالبيع.
فإن كان قد اتخذ المشتري الدار مثلاً مسجداً ثم حضر الشفيع فهل له أن يردها إليه؟
قولان فالجمهور (1) لا يمنعون الشفعة في ذلك فمن حق الشفيع أن ينقض المسجد ويأخذ الدار بالشفعة، وروى عن أبي حنيفة (2) أنه قال ليس له ذلك لأن المسجد يتحرر عن حقوق العباد فيكون بمنزلة إعتاق العبد، وقال الجمهور بل لما كان المشتري يريد الإضرار بالشفيع من حيث إبطال حقه فإذا لم يصح ذلك كان للشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة ويرفع المشتري بناءه المحدث.
- فائدة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا تنازل الشفيع عن حقه في طلب الشفعة قبل بيع العقار المشفوع فيه لم يسقط حقه في طلبها بعد البيع، لأن هذا التنازل إسقاط للحق، وإسقاط الحق قبل وجوبه ووجود سبب ووجوده محال.
(2)
قوله «فَلا تَجِبُ فِيْ مَوْهُوْبٍ، وَلا مَوْقُوْفٍ»:
أي لا تجب الشفعة فيما وهبه الشريك أو أوقفه، فلو أن الشريك وهب هذا النصيب إلى قريب أو إلى أجنبي فإنه لا تثبت الشفعة لبقية الشركاء، وكذلك ما أوقفه الشريك لا تجوز فيه الشفعة لأنه لا يمكن نقل الوقف.12
وَلا عِوَضِ خُلْعٍ (1)، وَلا صَدَاقٍ (2)، (1)
قوله «وَلا عِوَضِ خُلْعٍ»:
أي ولا تثبت الشفعة في عوض خلع فلو أن امرأة قالت لزوجها خالعني فخالعها فأدت إليه المهر، وكانت شريكة لإخوانها في عقار لها منه الثلث والثلثان للأخوين، فحينئذ دفعت هذا الثلث في عوض خلع، فلا يثبت فيه الشفعة لأن هذا انتقل بغير عوض فلم تجب فيه الشفعة كالميراث.
(2)
قوله «وَلا صَدَاقٍ»:
أي لا تثبت الشفعة في الصداق.
مثال ذلك: رجل له نصيب من أرض مع شريك آخر فأعطى هذا الرجل نصيبه للمرأة صداقاً لها والعكس إذا أعطته المرأة نصيبها من الأرض عوضاً عن الخلع فلا تجب الشفعة كما قال المؤلف.
وجميع هذه الأمور التي ذكرها المؤلف يعني «المرهون والموقوف وعوض الخلع والصداق»، وغير ذلك مما انتقل بغير عوض مالي فالمذهب 1 كما ذكرنا لا شفعة فيه.
وذهب المالكية 2، والشافعية 3، وهي رواية في المذهب 4 اختارها شيخنا -رحمه الله- 5 أن الشفعة تثبت في ذلك كله، فتثبت في الموهوب فيأخذها الشفيع بقيمتها في السوق، وتثبت في الصداق وله قيمة الأرض، وتثبت في الخلع بقيمته وهكذا وذلك لأن الشفعة إنما شرعت من أجل إزالة الضرر عن =
الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ عَقَارًا (1)،
=الشريك وهو موجود في هذه الصور، وأيضاً عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» (1)، فهو عام يشمل كل شيء يحصل فيه ضرر على الشريك.
والقاعدة في ذلك أن ما انتقل قهرياً بغير عوض فلا شفعة فيه كإرث مثلاً فلا شفعة، وإن كان اختيارياً كهبة وصدقة وعوض خلع ففيه الشفعة وهذا على الراجح عندي وهو كما ذكرنا اختيار شيخنا -رحمه الله-.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ عَقَارًا»:
وهذا هو الشرط الثاني لوجوب الشفعة فلا تجب في غير العقار، والعقار هنا هو الأرض.
وعلى ذلك لا تكون الشفعة في منقول كسيارة مثلاً، فلو باع أحد الشريكين في سيارة نصيبه لأجنبي فقال الشريك أريد الشفعة فقال له الأجنبي أو الشريك البائع لا شفعة لك لأن الشفعة لا تكون في المنقولات إنما هي في العقارات فقط وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصها بالعقارات دون المنقولات.
وثبت أيضاً عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بها فيما لا يقسم كما في حديث جابر رضي الله عنهما المتقدم 2، فدل على اختصاصها بالعقارات دون المنقولات، ولأن الشفعة أيضاً إنما شرعت لدفع الضرر، والضرر في العقار يكثر جداً فإنه يحتاج الشريك إلى إحداث المرافق، وتغيير الأبنية، وتضييق الواسع، وتخريب العامر، وسوء الجوار، وغير ذلك مما يختص بالعقار، بخلاف المنقول.
والفرق بين المنقول وغير المنقول أن الضرر في غير المنقول يتأبد بتأبده بخلاف=1
أَوْ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ (1)
=المنقول فهو ضرر عارض كالمكيل والموزون، وهذا ما ذهب إليه الحنفية (1)، والشافعية (2)، وهو الصحيح في مذهب المالكية (3)، وكذا الحنابلة (4).
وفي رواية أخرى في المذهب (5) أن الشفعة تثبت كذلك في المنقولات لعموم حديث جابر المتقدم «قَضَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ.. ».
فالشاهد منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت الشفعة في كل ما لم يقسم وهذا يتناول العقار والمنقول، لأن (ما) من صيغ العموم فتثبت الشفعة في المنقول كما هي ثابتة في العقار وأيضاً الضرر في الشركة التي في شيء لا يقسم أبلغ من الضرر في العقار الذي يقبل القسمة، فإذا كان الشارع يريد دفع الضرر الأدنى فالأعلى أولى بالدفع.
والراجح ثبوت الشفعة في كل شيء مشترك لعموم الأدلة ولأن العلة التي ثبتت بها الشفعة للشريك وهي دفع الضرر موجودة في العقار وغيره من المنقولات.
(1)
قوله «أَوْ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ»:
ذكرنا أن المراد بالعقار الأرض فالشفعة تكون فيها وكذلك ما يتصل بها فإذا شفع الشريك في أرض فيها غراس وبناء فإن الغراس والبناء يتبعها إذا كان موجوداً فيها.
مثال ذلك: إذا اشترك اثنان في أرض وقاما بزراعتها ولكل واحد منهما =12345
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُوْنَ شِقْصًا مُشَاعًا (1)، فَأَمَّا الْمَقْسُوْمُ الْمَحْدُوْدُ، فَلا شُفْعَةَ فِيْهِ (2)،
= نصف الأرض، وهذه الأرض زرعت نخلاً، فباع أحد الشريكين نصيبه بمائة ألف ريال على أجنبي نقول: تثبت الشفعة على الشريك الآخر في النصف الذي باعه سواء كانت الأرض أو ما يتبعها من الغراس والزرع لأنها تابعة للعقار وتكون المعاوضة عليهما، ولا نقول له يعني للمشتري الأجنبي احمل الزرع واخرج، لا بل تتبع الشفعة في قيمة الأرض والغرس والبناء الذي عليها.
فإن كان الغراس به ثمر أو زرع فهل يتبع أصله فيكون للشريك؟ نقول فيه تفصيل: فإن كانت الثمرة أو الشجر والزرع موجوداً حين البيع فإنها تتبع.
أما إن كان الغراس حين البيع ليس فيه ثمر ثم أثمرت عند المشتري الأجنبي فإنها تكون للمشتري، لأنها نماء ملكه، فإنه قبل أن يؤخذ بالشفعة للمشتري.
(1) قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَكُوْنَ شِقْصًا مُشَاعًا»: أي الشرط الثالث من الشروط التي تجب فيها الشفعة «أَنْ يَكُوْنَ شِقْصًا»، والشقص بكسر أوله هو القطعة من الأرض، والطائفة من الشيء.
وقوله «مُشَاعًا» المشاع هو الشيء المشترك غير المقسوم كأن يملك إنسان نصف دار، أو ربع بستان ونحو ذلك والمعنى أنه يشترط لثبوت الشفعة أن يكون النصيب «شِقْصًا مُشَاعًا»، أي أرضاً غير مقسمة ولذا قال المؤلف.
(2)
قوله «فَأَمَّا الْمَقْسُوْمُ الْمَحْدُوْدُ، فَلا شُفْعَةَ فِيْهِ»:
نقول العقار إذا كان فيه شركة ينقسم إلى قسمين: الأول: إما أن يقسم العقار ويحدد لكل شريك نصيبه فحينئذ هو عقار مقسوم.
..................................
مثاله: لو أن شريكين اشتركا في مزرعة مناصفة وكان لأحدهما النصف الشرقي، والآخر النصف الغربي وحددت الحدود وفصلت بينهما، أو فصل بينهما بطريق أو فصل بينهما بجدار أو فصل بينهما بمعالم تميز نصيب كل واحد عن الآخر فهذا نصيب مقسوم.
الثاني: أن يكون العقار كعقار واحد كما هو للشخص الواحد، ولكنهم يقسمون المنافع فينتفع كل منهما بما ينتفع به الآخر مناصفة، فهذا النوع من العقار تثبت فيه الشفعة بالسنة والإجماع كما في حديث جابر -رضي الله عنه-، وقد نقلنا الإجماع على ثبوتها في هذا النوع من العقار.
أما القسم الأول وهو المقسوم المحدد وهو الذي ذكره المؤلف هنا وقال بأنه لا شفعة فيه فقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من العقار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وهو قول جمهور الفقهاء من المالكية 1، والشافعية 2، والحنابلة 3 أنه إذا قسمت العقارات وحددت وصرفت الطرق فلا شفعة، وحينئذ لو بيع العقار على أجنبي فإنه يملكه وليس من حق الجار أن يشفع وهكذا لبقية الشركاء واحتجوا لذلك بحديث جابر المتقدم ووجه الدلالة من حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صدره بثبوت الشفعة في غير المقسوم ونفيها في المقسوم، وآخره نفي الشفعة عند وقوع الحدود وتصريف الطرق والحدود بين الجارين واقعة والطرق مصروفة فكانت الشفعة منفية في هذه الحالة، ومن التعليلات الأخرى عندهم إذا كان الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار =
.................................. = فهو أيضاً يقصد عن المشتري، ولا يدفع ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري فإن المشتري في حاجة إلى دار يسكنها هو وعياله، فإذا سلط الجار على انتزاع داره منه أضر به ضرراً بيناً، فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق لئلا يضر الناس بعضهم بعضاً، ويتعذر على من أراد شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده 1. القول الثاني: وهو قول الحنفية 2 أن الشفعة تثبت في ما قسم وما لم يقسم فتثبت الشفعة للجار مطلقاً، سواء كان له مع جاره شركة في زقاق - الطريق الضيق - أو حوش، أو بئر، أو نحو ذلك، واحتج أبو حنيفة لذلك بما ثبت عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ «يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ فَقَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا فَقَالَ الْمِسْوَرُ وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا فَقَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً قَالَ أَبُو رَافِعٍ لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ» 3. وأيضاً احتجوا بما ثبت عن الشريد بن سويد قال: قلت يا رسول الله: أرضي ليس لأحد فيها شركة ولا قسمة إلا الجوار، فقال: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» 4.
.................................. =واستدل أيضاً الحنفية بالمعقول فقالوا: إذا كان الحكم بالشفعة ثبت في الشركة لإفضائها إلى ضرر المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها، وهذا لأن المقصود دفع ضرر المتأذي بسوء المجاورة على الدوام باتصال أحد الملكين بالأخر على وجه لا يتأتى الفضل فيه، والناس يتفاوتون في المجاورة حتى يرغب في المجاورة بعض الناس لحسن خلقه ويرغب عن جوار البعض لسوء خلقه، فلما كان الجار القديم يتأذى بالجار الحادث على هذا الوجه ثبت له حق الملك بالشفعة دفعاً لهذا الضرر 1. القول الثالث: وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 2 اختارها شيخ الإسلام 3 وابن القيم 4 والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي 5 وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 6. التفصيل في ذلك: فإن كان الجار مشاركاً لجاره في حقوق الملك كمرافق من مدخل، أو فناء بحيث لا يتميز حق كل واحد فهو داخل فيما لم يقسم وتثبت فيه الشفعة للشركة لا للجوار، وقد دل على ذلك قصة أبي رافع المتقدمة فإن قوله «بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ» معناه: أنهما كانا في دار سعد ابن أبي وقاص والطريق واحد، أما إذا لم يكن شريكاً في حقوق الملك ولم يبعه إلا بمجرد الاشتراك في طريق أو درب غير نافذ مع تقسيم الملك ووقوع الحدود ولم يبق إلا حق=
لِقَوْلِ جَابِرٍ - رضي الله عنه -: قَضَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِيْ كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُوْدُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ (1)،
=الاستطراق لكل من كان على هذا الطريق، سواء كان جاراً أو غيره فإن مثل هذا من جملة المقسوم الذي نفيت فيه الشفعة.
قلت: والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بأن الشفعة للجار لا تثبت إذا كانت الحدود مقسومة والطرق معروفة حتى ولو كان هناك جدار مشترك لكن من الأدب وحق المسلم على أخيه المسلم والجار على الجار أن يبلغه إذا كان يريدها.
(1)
قوله «لِقَوْلِ جَابِرٍ - رضي الله عنه -: قَضَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِيْ كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُوْدُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ»
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُوْنَ مِمَّا يَنْقَسِمُ، فَأَمَّا مَا لا يَنْقَسِمُ، فَلا شُفْعَةَ فِيْهِ (1).
=العدل ولدفع الشر والضرر ولتحقيق هذا المعنى السامي الكريم نُظُم مستقيمة وأحكام عادلة.
3 - تكون الشفعة في العقار المشترك الذي لم تميز حدوده ولم تعرف طرقه لإزالة ضرر الشراكة التي تلحق الشريك الشفيع.
4 - استدل بالحديث على أن الشفعة لا تكون إلا في العقار الذي تمكن قسمته دون ما لا تمكن قسمته وذلك أخذاً من قوله «فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ»، لأن الذي لا يقبل القسمة لا يحتاج إلى نفيه وسيأتي الخلاف في هذه المسألة بعد هذا الحديث وبيان القول الراجح فيها.
5 - استدل من استدل بهذا الحديث أن الشفعة في كل شيء كما في رواية الطحاوي وقد سبق بيان هذه المسألة وبيان الراجح فيها.
6 - أنه إذا ميزت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة لزوال الضرر وبالقسمة وعدم الاختلاط فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
7 - حسن أدب المشاركة وهو أن الشريك إذا أراد أن يبيع نصيبه فيحسن أن يعرضه على شريكه فإن رغب شراؤه فهو أحق به من غيره لحق الشراكه والجوار والصحبة بين الشريكين ويزيل عن شريكه وأخيه عناء الشفعة (1).
(1)
قوله «الرَّابِعُ: أَنْ يَكُوْنَ مِمَّا يَنْقَسِمُ، فَأَمَّا مَا لا يَنْقَسِمُ، فَلا شُفْعَةَ فِيْهِ»:
هذا هو الشرط الرابع من الشروط التي تجب بها الشفعة وهو أن يكون مما يقسم أي أن تكون الشفعة في شيء يمكن قسمته كأرض، ودار واسعة، ونحو ذلك دليل ذلك حديث جابر المتقدم وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - «في كل ما لم يقسم»، =1
الْخَامِسُ: أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ (1)، = فهو بمفهومه إن كان قابلاً للقسمة فلا شفعة فيه كبئر، ودار صغير، ودكان صغير ونحو ذلك وذلك لأن إثبات الشفعة إنما كان لدفع الضرر الذي يلحق بالمقاسمة وهذا لا يوجد فيما لا يقسم، وما ذهب إليه المؤلف هنا هو المذهب (1). وفي رواية في المذهب (2) اختارها شيخ الإسلام، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (3) أن الشفعة تثبت فيما لا يقسم لعموم الدليل فإنه صريح في عموم الشفعة في كل عقار لم يقسم، سواء كانت أمكنت قسمته أم لا، ولأنه عقد مشترك فتثبت فيه الشفعة كالذي يمكن قسمته، فإن الشفعة شرعت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر، لأنه يتأبد ضرره.
(1)
قوله «الْخَامِسُ: أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ»:
أي الشرط الخامس من شروط ثبوت الشفعة أن يأخذ الشقص كله، والشقص سبق تعريفه وهو القطعة من الأرض أو النصيب من العين المشتركة.
والمعنى أن يأخذ الشفيع كل الشقص المبيع لا بعضه، لأن في أخذ بعضه إضراراً بالمشتري وذلك بتبغيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بمثله ولأن الشفعة تثبت على خلاف الأصل
كما سبق بيانه في أول الشرح وذلك لدفع الضرر عن الشريك خوفاً من سوء المشاركة ومؤونة القسمة، فإذا أخذ بعض الشقص لم يندفع الضرر المذكور.123
فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ بَعْضِهِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ 1، وَلَوْ كَانَ لَهُ شَفِيْعَانِ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ سِهَامِهَمَا 2
(1) قوله «فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ بَعْضِهِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ»: أي إن طلب الشفيع أخذ بعض نصيب البائع دون البعض فإن الشفعة تبطل لأنه إما أن يأخذه كله أو يتركه كله، لأن الشفعة لا تتبعض، ولأن الضرر لم يندفع كما سبق بيانه فلا تثبت معه.
(2) قوله «وَلَوْ كَانَ لَهُ شَفِيْعَانِ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ سِهَامِهَمَا»: أي إن تعدد الشركاء فشفع كل منهما في البيع، فإن الشفعة بينهما تكون على قدر سهامهم أي على قدر حقوقهم.
مثال ذلك: أرض بين ثلاثة أشخاص، أحدهم له نصفها والثاني له ثلثها والأخر له سدسها، فباع الأول وهو صاحب النصف نصيبه، فلشريكيه الشفعة بقدر سهامهما وعلى ذلك يكون نصيب الثاني سهمين والثالث سهم، فلو باع صاحب الثلث نصيبه تكون المسألة من ستة والثلث يقسم على أربعة لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب السدس واحد فلو باع صاحب السدس نصيبه تكون المسألة من خمسة، لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان، هذا هو مراد المؤلف (1)، وهو ما ذهب إليه المالكية (2) والشافعية 3.
وفي قول آخر في المسالة أن الشفعة بينهم تكون على قدر الرؤوس ولو =
وَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلآخَرِ إِلاَّ أَخْذُ الْكُلِّ، أَوِ التَّرْكِ (1). السَّادِسُ: إِمْكَانُ أَدَاءِ الثَّمَنِ، فَإِنْ عَجِزَ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ (2)، =اختلفت السهام، فإذا كان أحدهما له ثلاثة أرباع والأخر له الربع فالشفعة لهما بالتساوي لأن كل واحد لو انفرد لأخذها كلها فكذلك إذا اختلفوا تساووا، وهذا رواية في المذهب (1) وهو مذهب الحنفية (2).
(1)
قوله «وَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلآخَرِ إِلاَّ أَخْذُ الْكُلِّ، أَوِ التَّرْكِ»: أي إذا كان الشقص بين شفعاء، فترك بعضهم، فليس للباقين إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع.
وقد نقل ابن المنذر (3) الإجماع على ذلك وذلك لأن أخذ البعض إضرارٌ بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، ولا يزال الضرر بالضرر كما سبق بيانه.
(2)
قوله «السَّادِسُ: إِمْكَانُ أَدَاءِ الثَّمَنِ، فَإِنْ عَجِزَ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ»:
هذا هو الشرط السادس من الشروط التي تثبت بها الشفعة وهو إمكان أداء الثمن من الشفيع، فإن عجز عن دفع الثمن للمشتري أو قال أدفع لك البعض فإن الشفعة تبطل لتعذر حصول المشتري على الثمن، والشفعة إنما شرعت لدفع الضرر فلا تثبت معه.
مثال ذلك: باع رجلٌ شقصه في مشاركة لأجنبي بمائة ألف ريال فقال شريكه وهو الشفيع للمشتري أنا آخذه منك بتسعين ألفاً، فيقال له إما أن تأخذه بثمنه كله بدون مماكسة وبدون أن تحاول تنزيل شيء وإلا فلا شفعة لك فإن=123
وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ (1)،
= قال أنا ليس عندي إلا هذا المبلغ فقط وهو التسعون ألف نقول سقطت الشفعة لأننا لو قلنا بثبوت الشفعة على إعساره عن الثمن أو إعساره عن بعض الثمن لكان في ذلك ضرر على المشتري، والمشتري سيؤخذ منه قهراً، فنضره من جهتين:
الأول: أننا أخذناه منه قهراً.
الثاني: أننا عاملناه بالأشد من جهة الثمن.
(1)
قوله «وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ»: أي أن الشريك يأخذ الشقص المبيع بالثمن الذي استقر عليه العقد فإن كان هذا الثمن ذا مثل أعطاه مثله كالدراهم، والدنانير، والحنطة، والشعير ونحو ذلك مما يكال أو يوزن لأنه أقرب إلى مساواة ما دفعه، فإن كان ما بيعت به السلعة لا مثيل له كأن يبيعها بأرض أو بمنزل أو ثياب أو حيوان فهنا يتعذر المثل فهنا يأخذه بقيمته، فإن كان ثمن السلعة أرضاً مثلاً لها مواصفات كذا أو كان الثمن بيتاً له مواصفات معينة فهذا ليس له مثل فنقول ينظر كم قيمة هذه الأرض أو هذا البيت في السوق، فيدفع الشافع هذه القيمة للبائع، لعدم وجود ثمن له مثل يمكن دفعه للبائع فينتقل إلى القيمة.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى:
هل هناك فرق بين الثمن والقيمة؟
نقول نعم هناك فرق بينهما، فالثمن هو ما وقع عليه العقد، والقيمة ما يساوي بين الناس فمثلاً اشترى زيد بيتاً بعشرة ألاف، فالثمن عشرة ألاف، لكن هذا البيت يساوي بين الناس عشرين ألفاً فالقيمة عشرون.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيْ قَدْرِهِ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِيْ مَعَ يَمِيْنِهِ 1.
- الفائدة الثانية: قول المؤلف «فعليه قيمته» فيه إشعار بثبوت الشفعة وأن كون الثمن غير المثلي لا يمنع استحقاق الشفعة لأنه أحد نوعي الثمن فجاز أن تثبت به الشفعة كالمثلي.
(1) قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيْ قَدْرِهِ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِيْ مَعَ يَمِيْنِهِ»: أي وإن اختلف المشتري والشفيع في قدر ثمن الشقص وليس للشفيع بينة فالقول قول المشتري، لأن الملك له فلا ينزع من يده بقول المدعي، لأنه العاقد فهو أعرف بالثمن لكن لا بد من اليمين والقاعدة في ذلك:
أولاً: كل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (1).
ثانياً: أن لا تكون دعواه مخالفة للعرف، فإن كانت مخالفة للعرف سقطت، فلو ادعى المشتري أن قيمة الشقص عشرة ألاف وهو لا يساوي إلا ألفاً فالقول قول الشفيع مع اليمين، فإن كان الشقص يساوي خمسة ألاف وادعى المشتري أنه اشتراه بعشرة ألاف فلا يقبل قول المشتري ولا قول الشفيع، لأن المشتري زاد خمسة ألاف على المعتاد والشفيع نقص أربعة ألاف على المعتاد فلا يقبل.
- فائدة: إن قال البائع بعت عليك الشقص بألفين فقال المشتري بل بعته علي بألف وأقام البائع بينة على دعواه فالقول قول البائع، فيثبت على المشتري ألفان بمقتضى دعوى البائع الثابتة بالشهود.
وهل يلزم الشفيع ما ثبت على المشتري ونقول يجب على الشفيع أن يدفع=
السَّابِعُ: الْمُطَالَبَةُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ سَاعَةَ يَعْلَمُ، فَإِنْ أَخَّرَهَا، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ 1
=ألفين، أو نقول يلزم الشفيع ما أقرَّ به المشتري وهو الألف؟
نقول هنا صار لدينا حقَّان:
الأول: وهو حق البائع على المشتري، وثبت أنه ألفان.
الثاني: حق المشتري على الشفيع، وثبت بأنه ألف بإقرار المشتري وهنا تتبعض الأحكام لاختلاف أسبابها، فلا يلزم الشفيع أن يدفع أكثر من ألف للمشتري فإن ادعى أنه أخطأ وقال يعني المشتري إني قد نسيت أو قد أخطأت ففيه قولان، الأقرب عندي أنه إذا جاء المشتري ببينة على دعواه أنه باعه بأكثر فهنا وجب الأخذ به.
(1) قوله «السَّابِعُ: الْمُطَالَبَةُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ سَاعَةَ يَعْلَمُ، فَإِنْ أَخَّرَهَا، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ»: هذا هو الشرط السابع من شروط ثبوت الشفعة، وهو أن الشفعة على الفور وقت علم الشفيع بها، وهذه المسألة على قولين في المذهب: القول الأول: أن الشفعة تكون على الفور، وهو المذهب (1)، وهو مذهب الشافعية 2 أيضاً دليلهم في ذلك ما يلي:
1 - ما جاء عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ»، وفي لفظ آخر «الشُّفْعَةُ كَنشطةِ العِقَال، إِنْ قُيدت ثَبَتَتْ، وَإِنْ تُرِكَتْ فَالّلومُ عَلى مَنْ تَرَكَها» 3.
2 - أما دليل الأخر فهو دليل التعليل فلأن الشفعة شرعت لدفع الضرر عن=
إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ عَاجِزًا عَنْهَا؛ لِغَيْبَةٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، فَيَكُوْنُ عَلَى شُفْعَتِهِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا (1)
=الشريك فكانت على الفور.
القول الثاني في هذه المسألة: أن الشفعة على التراخي، وهذا رواية في المذهب (1) وهو مذهب مالك (2) أيضاً اختارها شيخنا -رحمه الله- (3) فلا تسقط الشفعة إلا بإسقاط صاحبها أو بما يدل على رضاه كأن يقول إن السعر الذي بيعت به لا يستطيع دفعه أو يصرح بتركه لها، أو يتركها مدة طويلة تدل على إعراضه عنها وعدم رغبته فيها، واحتج لذلك بأمرين:
1 - أن الشفعة حق من جملة الحقوق التي لا تسقط إلا بالرضا بإسقاطها أو بما يدل على الرضا من قول أو فعل.
2 - أن إلجاء الشفيع إلى الفورية وعدم إعطائه الفرصة للنظر غير مناسب لما شرعت له الشفعة، أما الاحتجاج بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - فهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة في هذا المقام.
وهذا هو الراجح عندي.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ عَاجِزًا عَنْهَا؛ لِغَيْبَةٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، فَيَكُوْنُ عَلَى شُفْعَتِهِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا»:
أي إن ترك طلب الشفعة لهذه المذكورات فهو على شفعته متى قدر عليها لأنه معذور وإن جلس سنوات فإن كان غائباً غيبة طويلة ولا يعرف له أثر ولا يعلم أهله عنه شيء فهنا تسقط وكذلك لو حبس لإجراء حكم الإعدام عليه قصاصاً ونحوه =123
إلاَّ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ الإِشْهَادُ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا، فَلَمْ يُشْهِدْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ (1)،
=فلا شفعة له، أما المرض فقد اختلف فيه على قولين:
الأول: أنه لا فرق بين المرض اليسير كالصداع اليسير أو ألم الأصبع، أو الألم القليل كالحمى وأشباهها.
الثاني: أن المرض إن كان يسيراً لا عبرة به بل يصير كالصحيح وإن كان مرضاً يمنع المطالبة كالغائب.
وهذا هو الراجح عندي، بل لو أخر لعذر كالنوم أو العمل أو السفر فلا بأس لكن يلزمه عند قيامه من نومه أو رجوعه من عمله أو سفره مباشرة أن يشفع لأنه متى زال العذر فإنه يطالب بها على الفور.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ الإِشْهَادُ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا، فَلَمْ يُشْهِدْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ»:
أي إذا علم الغائب والمحبوس والمريض بالبيع وأمكنهم الإشهاد بطلب الشفعة فلم يشهدوا عليها فإنها تبطل، فإن لم يقدر على الإشهاد أو كان من قدر على إشهاده لا تقبل شهادته كالصبي، والمرأة والفاسق لم تسقط شفعته لأنه معذور.
فالحاصل أنه إذا جاءه خبر البيع وهو غائب أو محبوس أو مريض فإنه يلزمه أن يشهد على شفعته متى استطاع ذلك فيشهد رجلين أو رجلاً وامرأتين على أنه أخذ بالشفعة، فإن لم يشهد على الأخذ بالشفعة سقطت شفعته، أما الصبي فتترك له الشفعة حتى يكبر، فالشفعة لم تسقط للصغير كالبائع، لأنها وجبت بالبيع، فله الأخذ بها إذا كبر أي بلغ ورشد، لأنه الوقت الذي يتمكن فيه من الأخذ، وهو مبني على أن الولي ترك الشفعة للصبي، وإلا فالأظهر أن الولي يأخذ الشفعة 1.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَبَايَعَ ذلِكَ ثَلاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ (1)، فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الأَوَّلِ رَجَعَ الثَّانِيْ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ، وَالثَّالِثُ عَلَى الثَّانِيْ (2)، (1)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَبَايَعَ ذلِكَ ثَلاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ»:
أي فإن لم يعلم الشريك ببيع شريكه لشقصه ثم قام من اشتراه ببيعه على آخر ثم باعه الآخر على غيره فله مطالبة من شاء من هؤلاء الثلاثة بالشفعة، فيشفع عليه، ويدفع إليه الثمن الذي دفعه لمن اشتراه منه، فلو قدَّر أنه شفع على البائع الثالث فقد أقر ببيع الأول والثاني، وإن شفع على الثاني فقد أبطل ببيع الثاني وأقر بالأول، وإن شفع على الأول فدفع له الثمن الذي اشترى به رجع على الثاني كما سيذكر ذلك المؤلف.
(2)
قوله «فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الأَوَّلِ رَجَعَ الثَّانِيْ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ، وَالثَّالِثُ عَلَى الثَّانِيْ»:
مثال ذلك: رجل باع شقصه لرجل بألف ريال ثم باعه المشتري الأول لآخر بألف وخمسمائة ريال، وباع الشخص الثاني على شخص ثالث بألفين فرجع المطالب بالشفعة على المشتري الأول فدفع له الثمن الذي اشتراه به وهو الألف فهنا يرجع الثاني على المشتري الأول بما أخذه منه وهو ألف وخمسمائة ثم يرجع الثالث على الثاني بما أخذه منه وهو الألفان، لأن الشفعة وجبت له قبل تصرف المشتري الأول والثاني، فإن شاء أمضى تصرف كل منهما وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني أو الثالث، لأن له الشفعة في كل هذه العقود فله الخيار في أن يشفع على أي منهم، وهذا قول عامة أهل العلم 1.
وَمَتَى أَخَذَهُ، وَفِيْهِ غَرْسٌ، أَوْ بِنَاءٌ لِلْمُشْتَرِيْ، أَعْطَاهُ الشَّفِيْعُ قِيْمَتَهُ (1)، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُشْتَرِيْ قَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فِيْهِ (2)، وَإِنْ كَانَ فِيْهِ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ بَادٍ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِيْ مُبَقًّى إِلَى الْحَصَادِ أَوِ الْجِذَاذِ (3)، (1)
قوله «وَمَتَى أَخَذَهُ، وَفِيْهِ غَرْسٌ، أَوْ بِنَاءٌ لِلْمُشْتَرِيْ، أَعْطَاهُ الشَّفِيْعُ قِيْمَتَهُ»: أي متى أخذ الشفيع الجزء المشفوع فيه «الشقص»، وفي هذا الجزء غرس أو بناء للمشتري فللشفيع أن يتملك الغرس أو البناء ويعطي قيمتها إلى المشتري دفعاً للضرر، ويكون ذلك بأن تُقَوَّم الأرض خالية من ذلك ثم تُقَوَّم الأرض وبها هذا الغرس والبناء، فما بينهما فهو قيمة الغراس والبناء.
(2)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُشْتَرِيْ قَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فِيْهِ»: أي وإن شاء المشتري قلع هذا الغرس أو البناء من غير ضرر يلحق بالأرض فله ذلك، فإن ترتب على ذلك ضرر فليس له قلعه لأن الضرر لا يزال بالضرر، فإن كان المشتري يريد أن يأخذ الغراس أو البناء مضارة لا لمصلحة كأن يقول أنا أريد أن أهدم هذا البناء وأنا أعرف ألان أنني لا أنتفع بالحديد أو اللبن نقول هذا سفه ولا يمكن أن نمكنك من هذا السفه فإن الله تعالى يقول ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ.. ﴾ (1) وعلى ذلك يمنع المشتري من الغراس أو البناء في حالتين:
الأولى: إذا كان على الأرض ضرر.... الثاني: إذا كان المشتري لا ينتفع بها.
(3)
قوله «وَإِنْ كَانَ فِيْهِ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ بَادٍ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِيْ مُبَقًّى إِلَى الْحَصَادِ أَوِ الْجِذَاذِ»:
أي إن باع الشريك شقصه ولم يعلم الشريك الآخر بأنه باعه إلا بعد أن زرع المشتري الأرض وظهرت الثمرة فهنا يكون الزرع والثمر للمشتري ما دام قد ظهر أما إذا كان حباً مدفوناً في الأرض فإنه يتبعها، =1
وَإِنِ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا فِيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيْعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ 1، =ووجه كونه للمشتري لأنه برز وبان وتعلقت به نفس المشتري فيبقى في الأرض حتى الحصاد أو الجذاذ.
- فائدة: هل النماء المتصل يكون للمشتري؟
مثاله: اشترى شخص نصيب زيد من النخل، والنخل ما زال غراساً صغيراً وبقي الشريك لم يعلم أن شريكه قد باع، ونما النخل وكبر فهل هذا النماء يكون للمشتري؟ نقول على قولين:
الأول: أنه ليس للمشتري فيه شيء لأنه نماء متصل فيتبع العين ولو كان قد تعب عليه وخسر في إصلاح الأرض وحرثها وجلب الماء إليها.
القول الثاني: أن النماء المتصل كالمنفصل يكون لمن انتقل إليه الملك ولا فرق وهذا هو العدل لأن الرجل قد تعب عليه، ونما بسبب عمله، وهذا هو الراجح وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1)، فإذا كان النماء المتصل لا يمكن فصله فإنه تقدر قيمته للمشتري بأن يقوَّم النخل مثلاً وهو فسيل صغير ويقوَّم وهو كبير قد نما فتقوَّم الأرض وفيها النخل على صفته حين البيع ثم تقوَّم وفيها النخل على صفته حين الأخذ بالشفعة والفرق بين القيمتين يكون للمشتري، لأنه قيمة النماء المتصل.
(1) قوله «وَإِنِ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا فِيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيْعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ»: أي إذا باع الشريك شقصه لغير الشريك وباع معه سيفاً أو ثوباً أو كتاباً أو أي شيء آخر بثمن واحد كأن يبيع شقصاً وثوباً بألف ريال فيكون للشفيع وهو الشريك في الشقص قيمة الشقص فقط، أما الداخل عليه =
..................................
= وهو الثوب أو السيف ونحو ذلك فلا تجب فيه الشفعة إذا بيع منفرداً، فكذا إذا بيع مع غيره، وهنا يقسم الثمن على قدر قيمتهما، فلو فرض أن المشتري اشتراهما بعشرة ألاف فيقسم الثمن بين قيمتهما فيقوم الشقص فينظر كم يساوي بدون ما لا شفعة فيه، فيقال مثلاً سبعة ألاف وتكون الثلاثة ألاف الباقية لقيمة ما لا شفعة فيه كسيف أو ثوب ونحو ذلك فيعطي الشفيع المشتري قيمة الشقص وهي السبعة ألاف ويبقى للمشتري ما لا شفعة فيه بقيمته وهي الثلاثة ألاف، وذلك لأن أخذ الكل فيه ضرر على المشتري فلربما اشترى هذا الشقص لرغبته فيما لا شفعة فيه وهو السيف أو الثوب أو الكتاب ونحو ذلك.
هذا آخر باب الشفعة، لكن هناك بعض الفوائد التي لم يذكرها المؤلف نريد أن نتعرض لها إتماماً للفائدة.
الفائدة الأولى: في أركان الشفعة
، للشفعة أربعة أركان: «الشافع - المشفوع فيه - المشفوع عليه - الأخذ بالشفعة».
الفائدة الثانية: في الشفعة للكافر
: اتفق الفقهاء على ثبوت الشفعة للمسلم على الذمي وللذمي على الذمي واختلفوا في ثبوتها للذمي على المسلم.
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية 1، والمالكية 2، والشافعية 3 إلى ثبوتها للذمي على المسلم، واستدلوا بعموم الأحاديث الواردة في الشفعة وبالإجماع لما روي عن شريح أنه قضى بالشفعة للذمي على المسلم وكتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأجازه وأقره وكان ذلك في محضر من الصحابة =
..................................
=ولم ينكر أحد منهم فكان ذلك إجماعاً، ولأن الذمي والمسلم يتفقان في السبب والقصد من ذلك وهو دفع الضرر عن الشريك، ولأنها خيار ثبت لدفع الضرر بالشراء فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب.
وذهب الحنابلة 1، وابن القيم 2 إلى عدم ثبوت الشفعة للذمي على المسلم، واستدلوا لذلك بما يلي:
1 - ما ثبت عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا شُفْعَةَ لِلنَّصْرَانِيِّ» 3.
2 - أن الشفعة إنما شرعت من أجل الرفق بالشفيع، والرفق لا يستحقه إلا من أقر بها وعمل بمقتضاها، والذمي لم يقر بها ولم يعمل بمقتضاها فلا يستحق الرفق المقصود بتشريع الشفعة فلا تثبت له على المسلم.
3 - أن في إثبات الشفعة للذمي على المسلم تسليطاً عليه بالقهر والغلبة وذلك ممتنع بالاتفاق وقد قال تعالى: ﴿.. وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ 4.
والراجح من القولين: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في ثبوت الشفعة للذمي على المسلم لعموم الأحاديث الصحيحة.
أما حديث أنس المتقدم فهو ضعيف أخرجه البيهقي واستنكره، ونقل عن ابن عدي إعلاله.
..................................
- الفائدة الثالثة: تسقط الشفعة بأمور عدة منها:
1 - ترك طلب الشفعة متى علم قدر وفق الشرط المحدد لذلك.
2 - إذا طلب الشفيع بعض العقار المبيع.
3 - الإبراء والتنازل عن الشفعة.
4 - التنازل عن الشفعة مقابل تعويض أو صلح.
-
الفائدة الرابعة: في كيفية الأخذ بالشفعة: يرى الحنفية (1) أنه لا يثبت الملك للشفيع إلا بتسليم المشتري بالتراضي أو بقضاء القاضي، ويرى المالكية (2) أن الشفيع يملك المشفوع فيه بحكم الحاكم له أو دفع الثمن للمشتري أو الإشهاد بالأخذ بالشفعة.
ويرى الشافعية (3) والحنابلة (4) أن الشفيع يملك المشفوع فيه بكل لفظ يدل على أخذه بالشفعة ولا يشترط غير ذلك وهذا هو الراجح.
الفائدة الخامسة: هل تورث الشفعة
؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: ما ذهب إليه المالكية 5، والشافعية 6 أن حق الشفعة يورث، فإذا مات الشفيع انتقل حق الشفعة إلى ورثته، لأن المقصود بالشفعة دفع الضرر عن المال وذلك موروث كالرد بالعيب.1234
..................................
=وذهب الحنفية 1 إلى أن الشفعة لا تورث وإن كان الميت قد طالب بها إلا أن يكون الحاكم قد حكم له بها ثم مات، لأن ملك المشفوع فيه الذي هو سبب الأخذ بالشفعة قد زال بموته.
وذهب الحنابلة 2 إلى أن موت الشفيع قبل الطلب بها يسقطها ولا تنتقل إلى الورثة، أما إذا طلب الشفعة ثم مات فينتقل حق الشفعة إلى ورثته، قلت والراجح عندي أن الشفعة تثبت للمورث حالة مطالبته بها قبل الموت أو حالة عدم علمه بها فينوب الوارث عنه.
- الفائدة السادسة: الشفاعة طلب العون للغير، وهي قسمان حسنة وسيئة: فالحسنة: أن يشفع لإزالة ضرر، أو لتحصيل حق أو رفع ظلم، فهذه محمودة وصاحبها مأجور، ودليلها ما رواه البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه - رضي الله عنه - قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا شَاءَ» 3. والسيئة: هي الشفاعة لإسقاط حق أو لإقرار ظلم أو إعطاء غير المستحق أو تقديمه على غيره فهذه مذمومة وصاحبها مأزور غير مأجور وهي في الغالب تسمى الواسطة قال تعالى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ 4.
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة (من كتاب الوقف إلى نهاية كتاب الفرائض) تأليف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 هاتف: 064226000 - فاكس: 064225666 - جوال: 0505123100 موقع منار الإسلام www.m-islam.net البريد الإلكتروني: a@m-islam.net m-islam 1@hotmail.com الجزء الخامس مدار الوطن للنشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة (من كتاب الوقف إلى نهاية كتاب الفرائض)
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1431 هـ - 2010 م مدار الوطن للنشر - الرياض هاتف: 4792042 (5 خطوط) فاكس: 4723941 - ص. ب: 245760 فرع السويدي: هاتف: 4267177 - فاكس: 4267377 منطقة الرياض: 0503269316 المنطقة الغربية: 0504143198 المنطقة الشرقية: 0503193268 المنطقة الشمالية والقصيم: 0504130728 المنطقة الجنوبية: 0504130727 التوزيع الخيري: 0506436804 - 2831453 التسويق والمعارض الخارجية: 0506495625 البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com