وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 351-390

وَالحَامِلُ الَّتِيْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا (1)، وَالآيِسَةُ وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ (2)،  =لها تبقى بتطويلها أو الارتياب فيها.

(1)

قوله «وَالحَامِلُ الَّتِيْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا»:

أي وكذلك الحامل التي تبين حملها لا سنة ولا بدعة لطلاقها, لأنه إذا طلقت فقد طلقت لعدتها, لأن عدتها تكون بوضع حملها حتى ولو كانت تحيض لأن بعض النساء كما سبق في كتاب الحيض يحضن مع وجود الحمل عند بعض أهل العلم لا سيما إذا وافق حيضها مع الحمل عادتها وكان الدم النازل فيه مواصفات مطابقة لمواصفات دم الحيض من حيث اللون والرائحة وغير ذلك.
فهذه عدتها أيضاً تكون بوضع حملها، فإذا طلقت وهي حامل فلا نقول طلاق سنة ولا نقول طلاق بدعة لأنها طلقت للعدة, إذ أن عدتها تكون من حين طلاقها أي تبتدئ بها.
فالحاصل أنه متى قال للحامل أنت طالق للسنة أو أنت طالق للبدعة فتطلق في الحال كمن قال أنت طالق ولم يزد.

(2)

قوله «وَالآيِسَةُ وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ»:

وهي التي انقطع عنها دم الحيض ولا ترجوا رجوعه, وهل هناك حد لسن الإياس؟ نقول: تقدم في باب الحيض أنه لا حد لسن الإياس على القول الصحيح، فمتى وجد الأذى يعني الحيض فهو حيض.
فهذه ليس لطلاقها سنة ولا بدعة فتطلق في الحال كسابقتها.

وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ، فَلا سُنَّةَ لَهَا وَلا بِدْعَةَ (1)،

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: المرأة التي أزيل عنها الرحم فهذه لا سنة لطلاقها ولا بدعة، فمتى طلقها جاز حتى ولو كان قد جامعها, لأنها لا حيض لها حتى تعتد به.
  • الفائدة الثانية: المرأة التي أمتنع حيضها لرضاع فإن لها سنة وبدعة, لأنها غير آيسة، فمتى فطمت ولدها وعاودها الحيض فهي غير آيسة فطلاقها له سنة وله بدعة, وكذلك المرأة التي ارتفع عنها الحيض لمرض أصابها لطلاقها سنة وبدعة.

(1)

قوله «وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ، فَلا سُنَّةَ لَهَا وَلا بِدْعَةَ»:

هذا هو النوع الرابع والأخير ممن ليس لطلاقهن سنة ولا بدعة، وهي التي لم تحض، وهي الصغيرة التي لم يأتها الحيض، فلا يوصف طلاقها بسنة ولا بدعة, فيجوز طلاقها في جميع الأوقات لأن عدتها لا تطول لأي سبب، ولأنه لا ريبة لها ولا ولد يندم على فراقه.
فهؤلاء الأربع المذكورات آنفاً طلاقهن لا يوصف بكونه طلاقاً سنياً ولا طلاقاً بدعياً، فمتى قال لها: «أنت طالق» طلقت.
لكن لو قيل بأن طلاقهن سني من جهة وبدعي من جهة أخرى لكان هذا أضبط, فإنه يوصف بكونه طلاق سنة, لأنه طلاق جائز ليس بطلاق بدعة بالإجماع، هذا من جهة كونه طلاقاً سنياً.
أما من جهة كونه طلاقاً بدعياً فهو من جهة العدد, فلو طلق هؤلاء الأربع ثلاث طلقات متعاقبات كقوله لواحدة منهن أنت طالق, أنت طالق,=

..................................  = أنت طالق فهنا طلق للبدعة من جهة العدد لأنه سد على نفسه باب المراجعة.
فالصواب بلا شك أن البدعة العددية في طلاق هؤلاء الأربع ثابتة 1.

بابُ صَرِيْحِ الطَّلاقِ وَكِنَايَتِهِ

(1)  (1)

قوله «بابُ صَرِيْحِ الطَّلاقِ وَكِنَايَتِهِ»:

نقول ألفاظ الطلاق قسمان صريحة وهي الألفاظ الموضوعة له التي لا تتحمل غيره وهي لفظ الطلاق وما تصرف منه من فعل ماضي, مثل: «طلقتك»، واسم فاعل مثل: «أنت طالق», واسم المفعول مثل: «أنت مطلقة» دون المضارع، والأمر مثل: «أنت تطلقين أو اطلقي», واسم الفاعل من الرباعي: «أنت مطلِّقة»، فهذه الألفاظ الثلاثة لا يقع بها الطلاق لأنها لا تدل على إيقاعه.
الثاني: ألفاظ كناية, وهي الألفاظ التي تحتمل الطلاق وغيره كأن يقول لها: أنت خلية، وبرية، وبائن، وأنت حرة، أو اخرجي، أو ألحقي بأهلك، أو الباب يسع جملاً، أو الدار لها سبعة أبواب وهكذا.

و

الفرق بين الألفاظ الصريحة وألفاظ الكناية

أن الألفاظ الصريحة يقع بها الطلاق ولو لم ينوه، سواء كان جاداً أو هازلاً أو مازحاً لما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ» 1 أما ألفاظ الكناية فلا يقع بها الطلاق إلا إذا نواه نية مقارنة للفظة لأن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وتحتمل غيره من المعاني، فلا تتعين للطلاق إلا=

صَرِيْحُهُ: لَفْظُ الطَّلاقِ (1)، أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ طَلَّقْتُكَ (2)،  =بنية، فإذا لم ينوي الطلاق فلا يقع، وسيأتي في ثنايا شرحنا ما ذكرناه أنفاً.

- فائدة: قال الفقهاء: يمكن تقسيم ألفاظ الكناية في الطلاق إلى قسمين:

الأول: ظاهرة جلية: وهي الألفاظ الموضوعة للبينونة لأن معنى الطلاق فيها أظهر «كأنت برية»، أو «أنت خلية»، و «بائن»، ونحو ذلك.
الثاني: خفية: وهي الألفاظ الموضوعة للطلقة الواحدة وألفاظها كثيرة نحو «ألحقي بأهلك»، «ولا حاجة لي فيك»، «واستبرئي»، «ولست لي بامرأة»، «واعتدي»، «واخرجي»، «وأنت حرة»، وغير ذلك.

(1)

قوله «صَرِيْحُهُ: لَفْظُ الطَّلاقِ»:

أي ألفاظ الطلاق الصريحة الذي لا يفهم منها غيره أي مالا تحتمل غير لفظ الطلاق ثلاثة ألفاظ، وهي كما قال المؤلف.
(2)

قوله «أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ طَلَّقْتُكَ»:

فهذه هي الألفاظ الثلاثة التي تتصرف من لفظ الطلاق، وهي: 1 - ما كان على اسم فاعل كقوله: «أنت طالق».
2 - ما كان على اسم المفعول كقوله: «أنت مطلَّقة».
3 - ما كان على فعل ماضي كقوله: «طلقتك»، وما سوى هذه الثلاثة لا يقع بها الطلاق لأنها لا تدل على وقوعه.

وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ (1)، وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يَحْتَمْلُ الطَّلاقَ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ»:

أي وإن لم ينو الطلاق مثل لو قال لزوجته: «أنت طالق»، وما نوى شيئاً، ولا نوى الطلاق، وهو يعرف معنى ما يقوله فإنها تطلق، وذلك لأنه فراق معلق على لفظ فحصل به، هذا هو المشهور من المذهب.
وفي رواية أخرى عن الأمام أحمد أنه لا يقع إلا بنية، أو قرينة غضب، أو سؤالها، ونحوه.
والقول الأول هو الصواب، وعليه جمهور الفقهاء.

(2)

قوله «وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يَحْتَمْلُ الطَّلاقَ»:

أي وما عدا لفظ الطلاق فإنه يكون كناية لا يقع بها الطلاق إلا أن ينويه, لكن يقع بلفظ «السراح والفراق» لكونهما جاءا في القرآن بمعنى الطلاق في قوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (1)، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (2)، وقوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (3). فهذه الآيات صريحة في الطلاق لأنها وردت في القرآن بهذا المعنى أي بمعنى الطلاق.

و

هل يعد التلفظ بها طلاقاً دون اعتبار النية؟

نقول هذه المسألة على قولين 4:123

..................................  الأول: أن هذين اللفظين «السراح والفراق» لفظان صريحان في الطلاق فيقع بهما الطلاق دون اعتبار النية، فهما صريحان في الطلاق، فلو قال الرجل لزوجته «فارقيني»، أو «سرحتك»، فإن هذا طلاق ولا ينظر في ذلك إلى النية، وهذا ما صرح به بعض الحنابلة في كتبهم كما في «دليل الطالب» مثلاً، وهو قول المالكية 1. القول الثاني: في المسألة وهو المذهب، واختارها شيخ الإسلام 2، وهو مذهب أبي حنيفة 3، وقول للشافعي 4 أن هذين اللفظين لا بد من اعتبار النية فيهما كغيرهما فلا يكونان صريحين فيه, كسائر الكنايات، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «أما قولهم إن هذه الألفاظ صريحة في خطاب الشارع فليس بصحيح كذلك، بل لفظ السراح والفراق في القرآن مستعمل في غير الطلاق» 5. قلت: وهذا هو الصواب، أي أن لفظتي السراح والفراق لا يكونان طلاقاً إلا أن ينويهما صاحبهما، فهما من ألفاظ الكناية وليسا من صريح الطلاق.

فَكِنَايَةٌ لا يَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ (1)، فَلَوْ قِيْلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لا، يَنْوِيْ الكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ (2)،  (1)

قوله «فَكِنَايَةٌ لا يَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ»:

أي ما عدا لفظ الطلاق وما يتصرف منه من الألفاظ التي سبق ذكرها فغيرها كناية لا يحصل بها الطلاق إلا أن ينويه، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
و

هل جميع الكنايات تفتقر إلى نية لحصول الطلاق بها؟

نقول في ذلك قولان في المذهب (1): الأول: يتعين للطلاق بالكنايات النية لإرادته له، فإن لم ينو لم ينصرف اللفظ إلى الطلاق فلا يقع به لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (2). القول الثاني: أن الكناية الظاهرة يقع بها الطلاق من غير نية، واختار هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز، وقال القاضي إنه ظاهر كلام الإمام أحمد، ونسبه ابن قدامه للإمام مالك (3) لأنها مستعملة في الطلاق فصارت كالصريح.
قلت: والصواب أن جميع الكنايات سواء كانت ظاهرة أو خفية لا يحصل بها الطلاق إلا أن ينويها، وسيأتي في كلام المؤلف بيان ذلك.

(2)

قوله «فَلَوْ قِيْلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لا، يَنْوِيْ الكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ»:

أي فلو سئل ألك امرأة؟ فقال لا.
فهذا فيه تفصيل: =123

..................................  =إن أراد الطلاق وقع, وإن أراد الكذب فلا يقع, لأن هذا خبر كاذب لا يقع به الطلاق, فإن لم يرد لا الطلاق ولا الكذب أي لم يرد شيئاً فأيضاً لا تطلق لأنها كناية تفتقر إلى نية.
فإن قيل: لماذا يقع به الطلاق مع النية؟ الجواب: لأنه كما سبق كناية، وهي محتملة للطلاق، فما دام أن اللفظ يحتمله ونواه فإنه يقع، فإن كان اللفظ لا يحتمل الطلاق ونوى به طلاقاً كأن يقول: «يا قصيرة, يا طويلة»، وقال نويت بكلامي هذا الطلاق فإنها لا تطلق لأن هذه الصيغ لا تحتمل الطلاق، فلا تطلق وإن نوى به طلاقاً.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: إذا كتب صريح طلاق امرأته

بما يبين وقع وإن لم ينوه، لأنها صريحة فيه، مثل لو كتب: «امرأتي فلانة طالق»، فإنها تطلق، وقولنا «مما يبين احترازاً مما لو كتبه بما لا يبين»، مثل أن يكتب بأصبعه على جدار، أو على الماء، أو على الهواء فلانة - يعنى زوجته - طالق.
فظاهر كلام الإمام أحمد أنه لا يقع، وفي قول آخر في المذهب أنه يقع، لأنه كتب حروف الطلاق أشبه كتابته بما يبين.
قال الفقهاء: فإن قال ما أردت إلا غم أهلي، أو تجويد خطي، أو إنما أردت أن أتعلم الكتابة وما أردت إلا ذلك فإنه يقبل منه ولا تطلق,=

..................................  =وظاهر كلام الإمام أحمد أنها تطلق لأن ذلك لا ينافي الوقوع فيغم أهله بوقوع الطلاق بها، والأول هو الأظهر، لكن ذلك مشروط بموافقة المرأة، فإن رضيت المرأة به، وإلا فالحاكم يلزمه بالطلاق.
فإن كانت القرينة تُكذِّب قوله فإنه لا اعتبار بقوله، فإن طلبت المرأة منه أن يطلقها فكتب لها «أنت طالق» ثم أدعى ما أردت إلا غمّ أهلي فإنه لا يقبل لأن القرينة تُكذب دعواه.

الفائدة الثانية: إذا طلبت منه زوجته أن يطلقها، فكتب لها ما لم يكن ظاهره الطلاق

كأن يكتب إذا اشتاقت امرأتي إليَّ فلتتفضل وأعطاها الورقة، فظنت أن هذا هو الطلاق, فلما مضت العدة قالت لأهلها إن زوجها طلقها، وظنوا أن ما كتبه في الورقة طلاقاً فلما فتحوها وجدوا هذا اللفظ فإنها لا تطلق مع وجود قرينة الطلاق لأن اللفظ لا يحتمل أن يكون طلاقاً فلم تطلق.

  • الفائدة الثالثة: إذا قالت له زوجته طلقني فقال لها بعد يومين, فإذا مضى اليومان أو الثلاثة ولم يطلق، فما يكون شيئاً, لأن الوعد ليس إيقاعاً, وهذا يحصل من الناس كثيراً حيث يقول الرجل لزوجته اذهبي لأهلك وأنا أكتب ورقتك، أو سوف تلحقك ورقتك، ثم بعد ذلك لا يكتب الطلاق.
    فإذا لم ينو الطلاق قي قوله اذهبي لأهلك فإنه يعتبر وعداً، إن كتبه فيما بعد وقع وإلا فلا.

وَإِنْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا، طَلُقَتْ وَإِنْ نَوَى الكَذِبَ (1)،  -

الفائدة الرابعة: إذا جاء إلى كاتب وقال له أكتب لي طلاق زوجتي فلانة, فهل تطلق بهذا القول أم لا حتى يكتب؟

نقول إن كان يريد منه أن يكتب منه طلاقاً سابقاً وقع منه, فهنا وقع الطلاق بالكلام السابق, ويكون الأمر هنا للتوثيق فقط, أما إذا قال أكتب طلاق زوجتي, كوكيل له أن يطلقها الآن, فإنها لا تطلق حتى يكتبه, لأنه وكله في إيقاع الطلاق بالكتابة، ولم تحصل.
فنقول ما دام لم يكتب فلا يكون شيئاً، ولهذا لو قال له اكتب طلاق زوجتي فللكاتب أن يقول هل هي طاهر طهراً لم تمسها فيه؟ هل هي حائض؟ هل هي حامل؟ حتى يتبين الوقت الذي يحل فيه الطلاق ثم يكتب على حسبه، وله أيضاً أن يشير عليه، فيقول، انتظر فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (1) (2).

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا، طَلُقَتْ وَإِنْ نَوَى الكَذِبَ»:

أي إن قيل ألك امرأة؟ فقال طلقتها، أو طلقت ينوي بذلك الكذب فإنها تطلق وإن لم ينو، لأن نعم صريح في الجواب، والجواب الصريح للفظ الصريح صريح، بخلاف ما لو قال له ألك امرأة؟ فقال لا يريد الكذب كما سبق فإنها لا تطلق إن لم ينو به الطلاق، لأنه كناية تفتقر إلى نية، ولم توجد.12

..................................  -

فائدة: في طلاق الهازل

: الطلاق يقع من الجاد والهازل؛ فهم في الحكم سواء، والفرق بينهما أن الجاد قصد اللفظ والحكم، والهازل قصد اللفظ ولم يقصد الحكم، وقد اتفق الفقهاء على صحة طلاق الهازل - المازح - وهو من قصد اللفظ، ولم يرد ما يدل عليه حقيقة أو مجازاً وذلك لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ» 1، ولأن الطلاق ذو خطر كبير باعتبار أن محله المرأة، وهي إنسان، والإنسان أكرم مخلوقات الله تعالى، فلا ينبغي أن يجري في أمره الهازل، ولأن الهازل قاصد للفظ الذي ربط به الشارع وقوع الطلاق فيقع الطلاق بوجوده مطلقاً.
وقال بعض الفقهاء: إن طلاق الهازل لا يقع لأنه لم يرده إنما أراد اللفظ فقط.
والصواب: أنه يقع وهو قول عامة الفقهاء سواء كان جاداً أو هازلاً وذلك للحديث المتقدم ولما ذكره أهل العلم من الاستدلالات المتقدمة، ولأن القول بوقوعه فيه فائدة تربوية وهي كبح جماح المتلاعنين، فإذا علم الإنسان الذي يلعب بالطلاق وشبهه أنه مؤاخذ به فما يقدم عليه أبداً، والقول بأنه غير مؤاخذ به لا شك أنه يفتح باباً للناس أن يتخذوا آيات الله هزواً، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- 2. =

وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ بَتْلَةٌ (1)،  =قال الإمام الخطابي (1) «اتفق عامة أهل العلم على أن صريح الطلاق إذا جرى على لسان الإنسان البالغ العاقل، فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول كنت لاعباً أو هازلاً، أو لم أنو طلاقاً فإذا أتى بالطلاق بصريح لفظه مازحاً فإن طلاقه يقع».

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ بَتْلَةٌ»:

شرع المؤلف هنا في بيان القسم الأول من الكنايات وهي الكناية الظاهر، فبين بعض ألفاظها وبين حكمها، فبدأ «بالخَلِيَّة»، والخَلِيَّة من النساء: هي الخالية من الزوج، فإذا قال لها «أَنْتِ خَلِيَّةٌ» فيحتمل معنى الطلاق، وتحتمل معنى آخر، فإذا نوى الطلاق، فإن الطلاق يقع.
أو قال لها «أَوْ بَرِيَّةٌ»، البرية: معناها البراءة من النكاح، وهذا يقتضي الخلو من النكاح، فيفيد معنى الطلاق ويقع منه إذا نواه.
أو قال لها أنت «بَائِنٌ»، والبائن من البين: وهو الفراق أي منفصل أو مفارق لك.
أو قال لها أنت «بَتَّةٌ»، والبتة: من البتر، وهو القطع كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ 2، أي الأقطع، فيقال البتة أي مقطوعة من النكاح.
وكذلك إذا قال لها أنت «بَتْلَةٌ» البتلة من البتل، وهو قطع الوصل، =1

يَنْوِيْ طَلاقَهَا طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا (1)،  = ويقال منقطعة لذلك سميت مريم بالبتول لانقطاعها عن النكاح.
فهذه الصيغ كناية ظاهرة عن صريح الطلاق، وهذه الألفاظ ليست على سبيل الحصر وإنما هي على سبيل التمثيل.

(1)

قوله «يَنْوِيْ طَلاقَهَا طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا»:

بين المؤلف هنا الشرط والحكم في الكناية الظاهرة، فيشترط في وقوع الطلاق بالكناية على المذهب أن ينوي الطلاق بنية مقارنة اللفظ، فإن كانت النية تسبق اللفظ بزمن بعيد فلا يحصل بذلك الطلاق بل لابد أن تكون مقارنة له، أو قبله بزمن يسير، وإن كانت كذلك بعده فإنه لا يحصل بها الطلاق فيتعين للطلاق بالكناية إرادته له، فإن لم ينو لم ينصرف إلى الطلاق أي فلا يقع به شيء، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
وقوله «طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا»: أي يقع الطلاق باللفظ الظاهر بالكناية ثلاث طلقات، أي تبين منه المرأة, هذا إذا ما نوى، فإن نوى أقل من ذلك أي طلقة أو طلقتين فإن له ما نوى, وعلى ذلك إن نوى بقوله: «أنت خلية»، أو «أنت برية»، أو «أنت بائن»، وما أشبه ذلك وينوي واحدة فإنها لا تقع إلا واحدة، وإن نوى اثنتين تقع اثنتان.
والقول الآخر في المذهب 1: أنه يقع ثلاثاً وإن نوى واحدة.
والقول الثالث: أنها تقع واحدة إلا أن ينوى ثلاثاً، فإذا قال: «أنت خلية»، أو «أنت برية»، أو «أنت بائن»، ونحو ذلك من الألفاظ =

وَمَا عَدَا هَذِهِ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ ثَلاثاً (1)،  = السابقة فإنها تقع واحدة ما لم ينوي أكثر من ذلك.
واختار شيخنا -رحمه الله- (1) أن الطلاق لا يقع بالكناية ظاهرة كانت أم خفية إلا واحدة، وإن نوى أكثر من ذلك أي حتى لو نوى ثلاثاً لأن الطلاق لا يتكرر إلا بتكرره فعلاً، ولا يتكرر فعلاً إلا على زوجة غير مطلقة.

(1)

قوله «وَمَا عَدَا هَذِهِ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ ثَلاثاً»:

أي وما عدا ألفاظ الكنايات الظاهرة فإنها لا تكون إلا واحدة إلا أن ينوي ثلاثاً، وهذا فيه إشارة إلى الكنايات الخفية، والكنايات الخفية نحو اخرجي، واذهبي، وتجرعي، واعتدي، واستبرئي، واعتزلي، ولست لي بامرأة، والحقي بأهلك، وما أشبه ذلك، فهذه الألفاظ كناية خفية على المذهب.
فمتى قالها الزوج لزوجته إن نوى بها طلاقاً فلا تقع إلا طلقة واحدة، ما لم ينو أكثر, وهذا عكس الكناية الظاهرة فهي ثلاثاً إلا أن ينوي الأقل من الثلاث.
وذهب شيخنا -رحمه الله- كما سبق أن جميع الكنايات لا تقع إلا واحدة سواء نواها أو لم ينوها، فكما أن الطلاق ثلاثاً لا يقع إلا واحدة، فكذلك هنا الكنايات لا تقع إلا واحدة.1

وَإِنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً (1)، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ أَوِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً»:

أي لو خير زوجته فقال لها اختاري فخيرها أن تبقى معه زوجة، وبين أن يطلقها فاختارت الطلاق أي اختارت نفسها فإنه يقع طلقة واحدة.
ومع القول بوقوعه طلقة واحدة إلا إننا نقول بأنه لا ينبغي للرجل أن يقول للمرأة اختاري لنفسك، لأن المرأة كما هو معلوم ناقصة عقل ودين فقد تتعجل وتختار فراق الزوج وتحصل الفرقة ثم سرعان ما تندم المرأة ويندم الرجل.
ولذا جعل الله العصمة في هذه الأمور بيد الرجل وذلك لحسن تصرفه في الأمور خلاف المرأة.
فالحاصل: إن خيّر المرأة في الفراق أو البقاء فإن اختارت الفراق فلا يكون إلا طلقة واحدة.
وهل هي واحدة، رجعية أم هي بائنة؟ قلت: سيأتي الخلاف في ذلك مع بيان الراجح.

(2)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ أَوِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ»:

أي إن خيرها فاختارت البقاء معه لم يحصل بذلك طلاق ولا شيء لكن لا بد أن يكون ذلك في المجلس إلا أن يجعله لها فيما بعد كما سيذكر ذلك المؤلف.

قَالَتْ عَائِشَةٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: قَدْ خَيَّرَنا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، أَفَكَانَ طَلاقاً (1)،  (1)

قوله «قَالَتْ عَائِشَةٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: قَدْ خَيَّرَنا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، أَفَكَانَ طَلاقاً»

وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إِلاَّ فِي الْمَجْلِسِ (1)،  = رجعية، وإن اختارت زوجها فلا شيء... »، ثم ذكر أقوال أصحاب المذاهب في هذه المسألة.
والصواب عندي: أنها إن اختارت نفسها فهي طلقة واحدة رجعية على الصحيح، وهو اختيار شيخنا (1). فقد جاء عن علقمة قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- وَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَتْ: لَوْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِكَ مِنْ أَمْرِي بِيَدِي لَعَلِمْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ فَقُلْتُ: إِنَّ الَّذِي بِيَدِي مِنْ أَمْرِكِ بِيَدِكِ قَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ طَلَّقْتُكَ ثَلاثًا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُرَاهَا وَاحِدَةً وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا وَسَأَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ فَأَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ فَلَقِيَهُ فَسَأَلَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ عُمَرُ -رضي الله عنه- فَعَلَ اللَّهُ بِالرِّجَالِ يَعْمِدُونَ إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ بِأَيْدِيهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ بِأَيْدِي النِّسَاءِ بِفِيهَا التُّرَابُ بِفِيهَا التُّرَابُ فَمَا قُلْتَ قَالَ قُلْتُ: أُرَاهَا وَاحِدَةً وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا قَالَ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ وَلَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لَرَأَيْتُ أَنَّكَ لَمْ تُصِبْ» (2).

(1)

قوله «وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إِلاَّ فِي الْمَجْلِسِ»:

أي إذا خيرها زوجها بين فراقه والبقاء معه، فإنها تختار في المجلس، فإما أن تختار نفسها فتطلق طلقة واحدة، أو تختار البقاء مع زوجها، أو أن تسكت فلا تختار فلا يقع شيئاً.12

إِلاَّ أَنْ يَجْعَلُهُ لَهَا فِيْمَا بَعْدَهُ (1)، وَإِنْ قالَ لَهَا: أَمْرُكَ بِيَدِكِ، أَوْ طَلِّقِيْ نَفْسَكِ، فَهُوَ فِيْ يَدِهَا (2)،  =لكن لابد كما ذكرنا أن يكون ذلك في المجلس إلا أن يجعله فيما بعد كما سيأتي في كلام المؤلف.
ووجه كونه في المجلس لأنه يشبه الإيجاب والقبول، فكما أن الإيجاب والقبول في صيغ العقود لابد أن يكون على الفور فكذلك هنا.
وفي رواية أخرى في المذهب (1) أنه على التراخي لحديث عائشة رضي الله عنها لما خيّرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لها: «وَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» (2).

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَجْعَلُهُ لَهَا فِيْمَا بَعْدَهُ»:

كأن يقول لها اختاري لنفسك متى شئت فلا تختص بالمجلس وذلك لحديث عائشة المتقدم فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- خيّرها وأمرها أن تتروى وتستشير أبويها.
فالحاصل أن الاختيار الأصل فيه أنه لا يكون إلا في المجلس ما لم يزدها الزوج فيقول لها متى شئت اليوم أو بعد يومين، وهكذا.

(2)

قوله «وَإِنْ قالَ لَهَا: أَمْرُكَ بِيَدِكِ، أَوْ طَلِّقِيْ نَفْسَكِ، فَهُوَ فِيْ يَدِهَا»:

أي إذا قال الرجل لزوجته أمرك بيدك، أو طلقي نفسك فهو في يدها، فكأنه وَكَّلها في تطليق نفسها، وهذا يجوز كتوكيل الأجنبي، وهذا بلا نزاع.12

حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ (1)،  (1)

قوله «حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ»:

أي حتى يفسخ الزوج الوكالة بالقول أو بالفعل فيقول مثلاً تراجعت عن الوكالة، أو يقول تراجعت عن قولي أمري بيدك أو طلقي نفسك، أو بالفعل بأن يطأ هذه الزوجة فإنه بالوطء تنفسخ الوكالة، وفي رواية أخرى في المذهب (1) أن الوطء لا يبطل خيارها لأنه قد يطأ مع عدم تراجعه عن تخييرها، وهذا هو الأقرب عندي.

ذكر بعض الفوائد الهامة على ما سبق

:

الفائدة الأولى: فيمن طلق بقلبه ولم ينطق ذلك بلسانه

: من أضمر في نفسه أن يطلق زوجته فإنه لا يقع الطلاق لقوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ» 2، قال قتادة إذا طلق في نفسه فليس بشيء» 3 وهذا الرجل حدث نفسه بالطلاق فلا يقع، ولأن الطلاق فسخ، والفسخ لابد أن يكون باللفظ كالعقد.

  • الفائدة الثانية: من حرك به لسانه دون أن يتلفظ به لم يقع الطلاق على القول الصحيح بخلاف ما لو تلفظ به فإنه يقع منه.
  • الفائدة الثالثة: من كان مصاباً بالوسواس وجرى لسانه بدون قصد كأن يقول زوجتي طالق فما يقع الطلاق، ولو أنه قصده فقال أريد أن أتخلص من هذا الوسواس فقال زوجتي طالق قاصداً له فإنها أيضاً لا تطلق، =1

..................................  =لأنه مغلق عليه، وقد ورد: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» (1).

الفائدة الرابعة: لا يقع الطلاق من الزوج أو من وكيله إلا بتلفظ به

، فلو نواه بقلبه لم يقع حتى يتلفظ ويحرك به لسانه كما سبق في الفائدة الأولى، لكن يقع في حالتين دون تلفظه: الأولى: إذا كتب صريح الطلاق كتابة تقرأ ونواه وقع، وإن لم ينوه فهذا محل خلاف هل يقع أم لا؟ وأكثر أهل العلم على وقوعه، وهو الراجح.
الثانية: يقع الطلاق من دون تلفظ بإشارة الأخرس المفهومة أنه طلق.1

بابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْطِ

(1)  (1)

قوله «بابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْط»:

أي ترتيب الطلاق على شيء يحصل في المستقبل «بإن وإحدى أخوتها»، أو على شيء حصل.
مثال ما سيحصل: يقول لها إن كلمت زيداً فأنت طالق,أما ما يكون على شيء ماضي مثل أن يقول لها إن كنت قد كلمت زيداً فأنت طالق.
إذاً فالتعليق يكون على شيء قد مضى أو على شيء في المستقبل.

فائدة: تعليق الطلاق بالشروط ينقسم إلى ثلاثة أقسام

: القسم الأول: أن يكون شرطاً محضاً فيقع به الطلاق على كل حال, كأن يقول لها إن غربت الشمس فأنت طالق، فإذا غربت الشمس طلقت لأنه علقه على شيء محض.
القسم الثاني: أن يكون يميناً محضاً فلا يقع به الطلاق, وفيه كفارة يمين مثل أن يقول إن كلمت زيداً فامرأتي طالق, وهو يقصد الامتناع عن تكليم زيد، فهذا يمين محض، لأنه لا علاقة بين كلامه زيداً وتطليقه امرأته.
القسم الثالث: أن يكون محتملاً الشرط المحض واليمين المحض، كأن يقول لزوجته: إن خرجت من البيت فأنت طالق، فهذا يحتمل أمرين: الأول: الطلاق بمعنى أنه إذا خالفت أمره فخرجت فإن نفسه تطيب منها حينئذ يكون قد أراد طلاقها فهنا يكون طلاقاً.
الثاني: أن يكون مراده من ذلك تهديد المرأة ويريد أن يمنعها من الخروج مع رغبته فيها، فإذا خرجت في هذه الحال فإنها لا تطلق لأن هذا يراد =

يَصِحُّ تَعْلِيْقُ الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ (1)،  = به اليمين، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (1)، وجعل الله عز وجل التحريم يميناً، لأن المحُرِّم يريد المنع أو الامتناع من الشيء، فدل هذا على أن ما قصد به الامتناع وإن لم يكن بصيغة القسم فإن حكمه حكم اليمين (2).

(1)

قوله «يَصِحُّ تَعْلِيْقُ الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ»:

أي يصح أن يعلق طلاقه على حصول أمر يختاره، وكذا عتقه كأن يقول: «إن خرجت من البيت فأنت طالق»، أو يقول: «إذا جاء شهر كذا فأنت طالق», أو يقول: «إن لم أفعل كذا فعبدي حر»، أو «إن فعلت كذا فعبدي حر»، ونحو ذلك من التعليقات، فإنه يصح فيه الطلاق والعتق عند حصول ما علق عليه كما سبق.
و

هل يقع الطلاق أو العتق إذا تحقق ما علق عليه, سواء كان جارياً مجرى اليمين أم لا؟

نقول: جمهور الفقهاء من الحنفية 3، والمالكية 4، والشافعية 5، والحنابلة 6 على أنهم لا يفرقون بين ما كان جارياً مجرى اليمين أو لا، =12

..................................  =فالكل عندهم سواء، أي سواء كان قصده من التعليق الطلاق أو التهديد أو البر أو عدمه عند إرادته التعليق.
القول الثاني: التفريق بين ما جرى مجرى اليمين وما لم يجر مجرى اليمين، فما كان مجراه مجرى يمين فإنه لا يقع، وما لم يجر مجراه فإنه يقع، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 1، وابن القيم 2، والشيخين 3 رحمهم الله، وهو الصواب.
وخلاصة الأمر هنا أن من علّق طلاقه على شيء لا يخلو من حالين: الأولى: أن يقصد عند تعليقه الطلاق لا غير كأن يقول لها إن خرجت من البيت فأنت طالق, أو إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق, أو إن جاء أقاربك إلى البيت فأنت طالق ونحو ذلك من الألفاظ ويقصد بذلك طلاقها فإنها تطلق.
الثانية: أن لا يقصد طلاقها، أو أن يقصد تخويفها وحثها على المنع وكان يكره وقوع الطلاق أو العتق عند حدوث ما علق عليه فإنه يكون يميناً, لأن تعليق الطلاق أو العتق على شرط كما في الأمثلة السابقة هو في حقيقته نوع من أنواع الأيمان, فيدخل في عموم قوله «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» 4، فمتى=

بِشُرُوْطٍ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، وَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ (1)،  = حصل ما حلف عليه فإنه يكون يميناً وعليه كفارة يمين ولا يجب عليه سوى ذلك.

(1)

قوله «بِشُرُوْطٍ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، وَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ»:

أي وشرط صحة تعليق الطلاق أن يكون بعد نكاح أي لا يكون إلا بعد قيام الزوجية بين الحالف والمحلوف عليها عند التعليق.
فإن لم تكن زوجته عند التعليق فلا يصح كأن يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق ولم تكن زوجته، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في أول كتاب الطلاق.
وكذلك «الملك»: أي ويشترط في تعليق العتق الملك، أي يكون بعد ملك الرقيق، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في باب العتق.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: إذا علق طلاق امرأته على شرط, فهل له أن ينقضه قبل وقوع الشرط أو لا؟

مثاله: أن يقول لزوجته: «إن ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق», يريد الطلاق لا اليمين, ثم بدا له أن يتنازل عن هذا, فهل له أن يتنازل أولا؟ الجواب: الجمهور يقولون: لا يمكن أن يتنازل, لأنه أخرج الطلاق من فيه على هذا الشرط, فلزم كما لو كان الطلاق منجزاً.
=وشيخ الإسلام يقول: إن هذا حق له فإذا أسقطه فلا حرج لأن =

فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً، فَهِيَ طَالِقٌ (1)،  =الإنسان لا يبدو له أن ذهاب امرأته إلى أهلها يفسدها عليه, فيقول لها: «إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق»، ثم يتراجع ويسقط هذا (1).

الفائدة الثانية: إن علق الطلاق على سبب تبين عدمه

كأن يقول لها: «إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق» ظناً أن أهلها قد ركبوا دشاً وأنهم عاكفون عليه, فخشي على امرأته فقال لها ذلك، فهل تطلق إذا ذهبت؟ الجواب: لا تطلق لأنه قال ذلك بناءً على سبب تبين عدمه فلا حرج أن تذهب (2).

(1)

قوله «فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً، فَهِيَ طَالِقٌ»:

سبق الإشارة إلى ذلك فلا يصح تعليق الطلاق هنا, لأن غير الزوج لا يملك ابتداء الطلاق, فلا يملك تعليقه، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ 3، فجعل الطلاق بعد النكاح.
وسبق أيضاً حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَلا طَلاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ» 4.12

أَوْ إِنْ مَلَكْتُهَا، فَهِيَ حُرَّة (1)، لَمْ تَطْلُقْ، وَلَمْ تَعْتِقْ (2)، وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ سِتٌّ: إِنْ، وَإِذَا، وَأَيُّ، وَمَنْ، مَتَى، وَكُلَّمَا (3)،  (1)

قوله «أَوْ إِنْ مَلَكْتُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ»:

أي وإن قال: «متى ملكت هذه الأمة فهي حرة»، ثم ملكها فإنها لا تعتق للأدلة السابقة كما سبق الإشارة إلى ذلك في باب العتق.
(2)

قوله «لَمْ تَطْلُقْ، وَلَمْ تَعْتِقْ»:

أي لم تطلق من علق طلاقه بزواجها، ولم تعتق من علق عتقه بملكها.
(3) قوله «وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ سِتٌّ: إِنْ، وَإِذَا، وَأَيُّ، وَمَنْ، مَتَى، وَكُلَّمَا»: أي الأدوات التي توصل إلى الشرط وتستعمل فيه ستة,

وهل هذه الأدوات على سبيل الحصر؟

نقول: لا، وإنما أراد المؤلف هنا الأدوات التي تستعمل في الغالب, وإلا فإن هناك أدوات أخرى لم يذكرها المؤلف قوله «إِنْ» بكسر الهمزة وسكون النون, وهي أم الأدوات لكثرة استعمالها في هذا الباب.
مثال للأداة «إن»: كأن يقول لها «إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق».
وقوله «وَإِذَا»: هذه هي الأداة الثانية بأن يقول لها: «إذا خرجت من البيت فأنت طالق».
وقوله «وَأَيُّ»: بتشديد الياء من صيغ العموم كأن يقول: «أي امرأة تقوم منكن فهي طالق».
=

وَلَيْسَ فِيْهَا مَا يَقْتَضِيْ التِّكْرَارَ إِلاَّ كُلَّمَا (1)، وَكُلُّهَا إِذَا كَانَتْ مُثْبَتَةً، ثَبَتَ حُكْمُهَا (2)، عِنْدَ وُجُوْدِ شَرْطِهَا (3)،  =وقوله «وَمَنْ» بفتح الميم وسكون النون احترازاً من «مِنْ»، فإن «مِنْ» حرف جر بخلاف «مَنْ»، فهي شرطية، مثل أن يقول: «من قامت منكن فهي طالق».
وقوله «ومَتَى»: مثل أن يقول: «متى قمت فأنت طالق»، أو «أنت طالق متى قمت».
وقوله «وَكُلَّمَا»: وهي تدخل على الفعل فتقول: «كلما قمت فأنت طالق».
فهذه الأدوات الست هي التي غالباً ما تستخدم في ألفاظ الطلاق.

(1)

قوله «وَلَيْسَ فِيْهَا مَا يَقْتَضِيْ التِّكْرَارَ إِلاَّ كُلَّمَا»:

أي ليس في هذه الأدوات الست المذكورة ما يفيد التكرار إلا كلما, ومعنى التكرار هو حصول الفعل مرة بعد مرة فهذه من خصائصها, فإذا قال لزوجته: «كلما قمت فأنت طالق» فقامت فإنها تطلق, ثم قامت ثانية تطلق, ثم قامت ثالثة تطلق بخلاف باقي أدوات الشرط الأخرى.
(2)

قوله «وَكُلُّهَا إِذَا كَانَتْ مُثْبَتَةً، ثَبَتَ حُكْمُهَا»:

أي جميع الأدوات المذكورة إذا كانت مثبتة أي لم يأت بعدها نفي فإنها يثبت حكمها كما سيأتي في الأمثلة التي سيذكرها المؤلف.
(3)

قوله «عِنْدَ وُجُوْدِ شَرْطِهَا»:

أي عند تحقق ما علق عليه الشرط ثم ذكر الأمثلة التي توضح ما قاله.

فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَامَتْ، طَلُقَتْ، وَانْحَلَّ شَرْطُهُ (1)، وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ كُلَّمَا قَامَتْ (2) وَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً، كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، كَانَتْ عَلى التَّرَاخِيْ (3)،  (1)

قوله «فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَامَتْ، طَلُقَتْ، وَانْحَلَّ شَرْطُهُ»:

أي إذا قال لها: «إن قمت فأنت طالق»، فقامت فإنها تطلق وينحل هذا الشرط, وهكذا مثل لو قال: «إن خرجت فأنت طالق» ثم خرجت فإنها تطلق.
لكن يجب أن يلاحظ هل المراد إن قمت الآن، أو إن قمت في أي وقت، وهذا على حسب نيته، فإن كان مراده المنع من القيام الآن فهي إذا قامت فيما بعد لم تطلق، وإن كان يريد إن قمت في أي وقت، ففي أي وقت تقوم فيه تطلق، كذلك إذا وجدت قرينة تدل على أن المراد من القيام أو الخروج الآن أو في هذه الحال فإنه يعمل بها، وسيأتي مزيد إيضاح في كلام المؤلف إن شاء الله.

(2)

قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ كُلَّمَا قَامَتْ»:

يعنى إذا قامت في المرة الأولى طُلقت الطلقة الأولى, وإن قامت الثانية والثالثة فإنها تطلق الثانية والثالثة, وذلك لأن أداة «كلما» كما سبق تفيد التكرار لغة.
(3)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً، كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، كَانَتْ عَلى التَّرَاخِيْ»:

أي وإن كانت أداة الشرط نافية, أي جاء بعدها نفي فإنها=

..................................  =تكون على التراخي إذا لم ينو وقتاً بعينه، مثل ما ذكره المؤلف هنا كأن يقول: «إن لم أطلقك فأنت طالق»، فإنها لا تكون على التراخي إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على الفورية، والقاعدة هنا أن «إِنْ» لا تتأثر بدخول «لم» عليها بخلاف غيرها من الأدوات الأخرى، فإنها إذا دخلت عليها فإنها تفيد الفورية.

و

الخلاصة في الأدوات التي ذكرها المؤلف

ما يلي: 1 - أن جميعها لا يفيد التكرار عدا «كلما».
2 - أن هذه الأدوات أحياناً تفيد الفورية، وأحياناً تفيد التراخي، والمرجع في ذلك إلى شيئين النية والقرينة, فإن كانت له نية للفورية فهي للفور, وإن كانت هناك قرينة تدل على الفورية فهي للفورية، فإذا لم يكن هناك نية للفورية بل نوى التراخي فإنها تكون للتراخي.
وكذلك إذا كانت هناك قرينة تدل على التراخي فهي للتراخي, فإذا لم يكن لا نية ولا قرينة فتكون جميع هذه الأدوات على التراخي إلا مع «لم» فإنها تكون للفور ما عدا «إن» فإنها لا تؤثر فيها, فإن الأصل فيها أنها على التراخي إلا إذا كانت هناك قرينة أو نية تدل على الفورية فإنها تحمل على الفور كما سبق ذكره فقوله في المثال «إن لم أطلقك فأنت طالق»، فإنها على التراخي كما سبق إلا إذا كانت هناك نية الفورية أو قرينة تدل على الفورية.

فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلاَّ فِيْ آخِرِ أَوْقَاتِ الإِمْكَانِ (1)، وَسَائِرُ الأَدَوَاتِ عَلى الفَوْرِ (2)، فَإِذَا قَالَ: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ فِيْ الحَالِ (3)،  (1)

قوله «فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلاَّ فِيْ آخِرِ أَوْقَاتِ الإِمْكَانِ»:

أي إن قال لها: «إن لم أطلقك فأنت طالق»، ولم ينو يوماً بعينه، ولم تكن هناك قرينة تدل على الفورية فلا يقع الطلاق إلا في آخر حياة أحدهما, فإذا مات الأول منهما وقع الطلاق، وهذا بلا خلاف سائر الأدوات.
(2)

قوله «وَسَائِرُ الأَدَوَاتِ عَلى الفَوْرِ»:

أي وسائر الأدوات وهي الخمس «إذا - أي - متى - مَنْ - كلما» جميع هذه الأدوات على الفور إذا اقترنت بـ «لم».
نحو: «متى لم تدخلي الدار فأنت طالق», أو قال: «إذا لم تدخلي فأنت طالق», أو «أي وقت لم تدخلي فأنت طالق», فإذا مضى عقيب الكلام زمن لم تدخل فيه وجدت الصفة وهي عدم الدخول فيقع الطلاق.
فإن لم توجد «لم» فهي على التراخي, كقوله: «إذا خرجت فأنت طالق» «أو متى خرجت فأنت طالق».
فمتى وجد الخروج في أي زمن مستقبل طلقت, لأن ذلك يقتضي أي زمان خرجت فهي طالق.

(3)

قوله «فَإِذَا قَالَ: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ فِيْ الحَالِ»:

سبق شرح ما ذكره المؤلف هنا, وخلاصته كما سبق أن «لم» =

وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أَطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلاقُهَا فِيْهِ ثَلاثاً وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ ثَلاثاً إِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا (1)،  = عند دخولها على أدوات الشرط الستة عدا «إن» فإنها تنقلها من حال التراخي إلى حال الفورية، فإذا قال لها «متى لم أطلقك فأنت طالق» ولم يطلقها طلقت في الحال لأن متى إذا اقترنت بـ «لم» التي تدل على النفي فإنها تدل على الفورية.

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أَطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلاقُهَا فِيْهِ ثَلاثاً وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ ثَلاثاً إِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا»:

سبق أن ذكرنا أن «كلما» تفيد التكرار.
ومعنى كلامه هنا -رحمه الله- إن قال: «كلما لم أطلقك فأنت طالق»، ومضى من الزمن ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثاً لأن كلما تفيد التكرار، يعني كلما مضى زمن يمكن أن يقول فيه: «أنت طالق» طلقت، ثم الزمن الثاني: «أنت طالق» طلقت, ثم الزمن الثالث: «أنت طالق» طلقت.
وقوله -رحمه الله- «إن كانت مدخولاً بها»: فيه احتراز من غير المدخول بها، فإنها تبين بطلقة واحدة ولم يلزمها ما بعدها, ولا يستحق مطلقها رجعتها إلا بعقد جديد, لأن غير المدخول بها لا عدة عليها.
أما إذا كانت الزوجة مدخولاً بها فإنها تبين منه في هذه الحالة بينونة كبرى، أي تحرم عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، طَلُقَتْ بِالأَوَّلِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِيْ؛ لاِنْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِهِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ (1)، وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الحَيْضِ (2)، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، لَمْ تَطْلُقْ بِهِ (3)، وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ (4)،  (1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، طَلُقَتْ بِالأَوَّلِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِيْ؛ لاِنْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِهِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ»:

أما وجه كونها طلقت بالأول فلأنه علق الطلاق بولادته فصادف اللفظ ما علق عليه، فهنا تطلق بولادتها له, ووجه كون الثاني تبين به وتنقضي عدتها به لأن الحامل تخرج من العدة بوضع الحمل، «ولم تطلق به» لأنها بعد ولادته أصبحت بائناً لا يقع عليها الطلاق.
(2)

قوله «وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الحَيْضِ»:

لأن الصفة وجدت، وكذلك حكمنا أنه حيض في المنع من الصلاة والصيام، فان بان أن الدم ليس بحيض لم تطلق، لأنّا تبيّنّا أن الصفة لم توجد, وكما سبق مع أن هذا الطلاق حرام وبدعة، لكن المذهب يرون أن الطلاق البدعي يقع، وسبق أن الصحيح أنه لا يقع.
(3)

قوله «فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، لَمْ تَطْلُقْ بِهِ»:

قلت: سواء تبين أنه حيض أو لم يتبين فإنها لا تطلق به.
(4)

قوله «وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ»:

وذلك لأنه يقبل قولها في نفسها لقوله تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي=

وَإِنْ قَالَ: قَدْ حِضْتِ، فَكَذَّبَتْهُ، طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ (1)، وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ دُوْنَ ضَرَّتِهَا (2)،  =أَرْحَامِهِنَّ} (1)، فلولا أن قولهن مقبول ما حرم الله عليهن كتمانه.
والصواب: أن دعواها للحيض لا يجعلها تطلق على القول الصحيح, فإن ادعت المرأة أنها حائض فلا يحل للزوج أن يطلقها بل إن فعل ذلك أثم، وعلى القول الصحيح إن طلّقها لا يقع الطلاق.

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: قَدْ حِضْتِ، فَكَذَّبَتْهُ، طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ»:

لأنه أقر بما يوجب طلاقها, فأشبه ما لو قال «قد طلقتها».
(2)

قوله «وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ دُوْنَ ضَرَّتِهَا»:

وذلك لأنها أقرت على نفسها دون ضرتها, فيكون قولها مقبولاً في حق نفسها دون ضرتها، فلا تطلَّق إذا كانت هناك بينة تدل على قولها, وما ذكره المؤلف هنا هو ما مشى عليه في المذهب.
والصواب: أن ما ذكره في هذه المسألة وما قبلها لا وجود له على الصحيح لأن المرأة إذا كانت حائضاً فطلاقها محرم ولا يصح على القول الراجح.
ثم ما ذكره المؤلف هنا من هذه المسائل هي نادرة الوقوع لكن هذا هو شأن الفقهاء يذكرون مسائل لأجل أن يكون طالب العلم متصوراً لها.
والله أعلم.1

بابُ ما يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاقِ وَغَيْرُهُ

(1) الْمَرْأَةُ إِذا لَمْ يُدْخَلْ بِهَا تُبِيْنُهَا الطَّلْقَةُ (2)، وَتُحَرِّمُهَا الثَّلاثُ مِنَ الحُرِّ (3)،  (1)

قوله «بابُ ما يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاقِ وَغَيْرُهُ»:

أي باب في حكم ما يختلف به عدد الطلاق، و «ما» هنا للعاقل, لأن المراد ممن يختلف به العدد بالحرية والرق، وقد سبق بيان بعض الأحكام المتعلقة بهذا الباب في أول كتاب الطلاق.
(2)

قوله «الْمَرْأَةُ إِذا لَمْ يُدْخَلْ بِهَا تُبِيْنُهَا الطَّلْقَةُ»:

أي إذا كانت المرأة غير مدخول بها بانت بطلقة واحدة, والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (1)، فمتى قال لها «أنت طالق» فلا يستحق مطلقها رجعتها, وإنما تحل له بعقد جديد, لأن غير المدخول بها لا عدة عليها, فتصادفها الطلقة الثانية بائناً فلا يقع الطلاق بها, لأنها غير زوجة.
(3)

قوله «وَتُحَرِّمُهَا الثَّلاثُ مِنَ الحُرِّ»:

أي إذا كانت الزوجة غير مدخول بها فقال لها: «أنت طالق ثلاثاً» أوقعت الثلاث, فتحرم عليه, ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره, لكن هذه الثلاث لا تكون إلا من الحر بخلاف العبد كما سيأتي, فالذي يملك الثلاث هو الحر، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف في ذلك.1

وَالاِثْنَتَانِ مِنَ العَبْدِ (1)، إِذَا وَقَعَتْ مَجْمُوْعَةً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً (2)،  (1)

قوله «وَالاِثْنَتَانِ مِنَ العَبْدِ»:

سبق أن ذكرنا اتفاق أهل العلم على أن للعبد تطليقتين، واحتجوا لذلك بحديث عائشة المتقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «طَلاقُ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ»، والحديث إسناده ضعيف كما سبق.
وأيضاً قالوا: بأن العبد على النصف من الحر في أكثر الأحكام، فعدة الأمة على النصف من عدة الحرة, وجلد الزاني في الإماء والعبيد نصف جلد الأحرار, وكذلك في الطلاق، فالحر يملك ثلاث تطليقات ونصفها تطليقة ونصف, ولما كان الطلاق لا يتبعض فإنه يجبر هذا النصف, فيكون للعبد تطليقتان.
وقد سبق الإشارة إلى أقوال أهل العلم فيما يكون للعبد من عدد الطلاق عند قول المؤلف: «ويملك الحر ثلاث تطليقات والعبد اثنتين»، فذكرنا هذه المسألة وما جاء في الخلاف فيها مع بيان الراجح.

(2)

قوله «إِذَا وَقَعَتْ مَجْمُوْعَةً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً»:

أي إذا قال لغير المدخول بها «أنت طالق بالثلاث», أو «طالق ثلاثاً» فإنه يقع ثلاثاً، هذا هو المذهب، وعليه جماهير أهل العلم، أي أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع ثلاثاً.
وسبق أن ذكرنا هذه المسألة مستوفاة مع بيان الخلاف فيها، وقلنا بأن الراجح أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة كأن يقول «أنت طالق بالثلاث» أو «أنت طالق, طالق, طالق»، أو قال «أنت طالق أنت طالق، أنت طالق» متعاقبات أن هذا كله لا يكون إلا طلقة واحدة على القول، الصحيح من أقوال أهل العلم 1.

أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ (1)، وَإِنْ أَوْقَعَهُ مُرَتَّباً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَشْبَاهَ هَذَا، لَمْ يَقَعْ بِهَا إِلاَّ وَاحِدَةً (2)،  (1)

قوله «أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ»:

أي إذا قال ذلك لغير المدخول بها فإنه يقع بها ثلاثاً كما يقع في المدخول بها وذلك لأن الواو تفيد الاشتراك والعطف ولا تفيد الترتيب فتقع ثلاثاً, لكن إذا أتى بصيغة تقتضي الترتيب فالطلقة الثانية والثالثة لا تقع, لأنها تبين بالأولى كما سيأتي في كلام المؤلف.
والحاصل أنه إذا اقترن لفظ الطلاق بحرف «الواو» فإنه لا يفيد إلا الاشتراك أي العطف فيحصل به العدد الذي تلفظ به، فإن قال للمدخول بها أو غير المدخول بها «أنت طالق وطالق وطالق» حسبت عليه ثلاثاً كما سبق.
ووجه كونه يقع على غير المدخول بها ثلاثاً لأنها في عصمته فتقع عليه كما أوقعها على المدخول بها.

(2)

قوله «وَإِنْ أَوْقَعَهُ مُرَتَّباً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَشْبَاهَ هَذَا، لَمْ يَقَعْ بِهَا إِلاَّ وَاحِدَةً»:

أي وإن أوقع الطلاق مرتباً كما في الأمثلة التي ذكرها فإن غير المدخول بها تبين بالواحدة.
=

وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا وَقَعَ بِهَا، جَمِيْعُ مَا أَوْقَعَهُ (1)،  =أما الثانية والثالثة فلم تصادف محلاً حتى تقع لأنها تبين بالطلقة الأولى فلا يلحقها ما بعدها, وبعبارة أخرى نقول لأنه بطلقته الأولى أصبحت هذه المرأة غير المدخول بها ليست في عصمته, فلم يقع عليها طلاقه, كبقية النساء الأجنبيات.
والخلاصة أن الرجل إذا جاء بحرف يفيد الترتيب فلا يقع إلا طلقة واحدة، أما إذا جاء بحرف يفيد العطف فإنه يحصل به العدد الذي تلفظ به كما سبق بيانه, فإن لم يأت لا بحرف عطف ولا بحرف يفيد الترتيب كقوله «أنت طالق طالق طالق»، فهذه على خلاف، فقيل: تكون طلقة واحدة, وقيل: بل يرجع فيه إلى نيته، وقيل: بل تكون ثلاثاً.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا وَقَعَ بِهَا، جَمِيْعُ مَا أَوْقَعَهُ»:

أي إن قال للمدخول بها جميع ما ذكره كقوله «أنت طالق ثلاثاً»، أو «أنت طالق وطالق وطالق», أو أوقعه مرتباً فإن ذلك كله يوقعه ثلاثاً، وقد فصلنا الكلام على هذه المسألة كلها.

  • فائدة: يغلط الكثير في بعض المسائل في الطلاق فلا يفرقون بين ما يفيد تكرار الخبر وما يفيد تكرار الجملة ويجعلونهم شيئاً واحداً مثال ذلك.
    قوله: «أنت طالق, أنت طالق, أنت طالق» فهذا تكرار جملة، وقوله: «أنت طالق طالق طالق»، فهذا فيه تكرار للخبر, فيظن البعض أن تكرار الخبر كتكرار الجملة وليس كذلك، فإذا قال: «أنت طالق طالق طالق»، فإنه يقع على المذهب واحدة, ما لم ينو أكثر, فإن نوى أكثر فالأعمال=

وَمَنْ شَكَّ فِي الطَّلاقِ أَوْ عَدَدِهِ، أَوِ الرَّضَاعِ أَوْ عَدَدِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ (1)،  = بالنيات، فالمهم يجب أن نفهم أن التكرار له وجهان: الأول: تكرار جمله، فيقع الطلاق بعدد التكرار.
الثاني: أن يكون التكرار للخبر فقط، فيقع واحدة ما لم ينو أكثر، وهذا هو ما قرروه في المذهب, وقد سبق أن الراجح أن الطلاق البدعي لا يقع إلا واحدة، فإن قال لها «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»، فهو طلاق بدعي الصواب أنه لا يقع إلا واحدة كما سبق الإشارة إلى ذلك.

(1)

قوله «وَمَنْ شَكَّ فِي الطَّلاقِ أَوْ عَدَدِهِ، أَوِ الرَّضَاعِ أَوْ عَدَدِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ»:

أي من شك هل طلق زوجته أم لا؟ أو شك في عدد الطلاق هل طلق زوجته واحدة أو أكثر؟ فإنه يبنى على اليقين, والشك في الطلاق له صور: الأول: الشك في وجوده منه: يعنى لا يدري هل صدر منه الطلاق أم لا, فإن زوجته لا تطلق بمجرد ذلك, لأن النكاح متيقن فلا يزول بالشك.
ثانياً: الشك في حصول الشرط الذي علق عليه: كأن يقول لزوجته «إن دخلت الدار فأنت طالق», ثم يشك هل دخلت الدار أم لا؟ فإنها لا تطلق بمجرد الشك لأن الأصل بقاء الزوجية.
ثالثاً: أن يشك في عدده مع يقينه بوجود الطلاق منه: فلا يلزمه إلا واحدة, لأنها متيقنة, وما زاد فمشكوك فيه, واليقين لا يزول بالشك فإن شك في اثنتين أو ثلاث جعلت اثنتان وهو الأقل.
=

وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، أُخْرِجَتْ بِالقُرْعَةِ (1)،  =وما ذكره المؤلف هنا في هذه القاعدة داخل في القاعدة العامة، وهي نافعة في كل الأحكام.
ودليل هذه القاعدة حديث عباد بن تميم عن عمه أنه شكا «شُكِيَ» إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: «لا يَنْفَتِلْ أَوْ لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (1)، وقوله -صلى الله عليه وسلم- «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ» (2). وكذلك إن شك في عدد الرضاع، فإن شك هل رضع أو لم يرضع فالأصل أنه لم يرضع، هذا هو المتيقن.
وإن شك هل هي أربع رضعات أو خمس؟ بنى على اليقين وهو الأقل فتكون أربعاً.
والقاعدة الكلية في جميع ما ذكرنا «أن اليقين لا يزول بالشك».

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، أُخْرِجَتْ بِالقُرْعَةِ»:

أي وجب إخراج من لم يعينه منهن بالقرعة، فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالقة بتلك اللفظة التي تلفظ بها, وفي رواية في=12

جارٍ التحميل