وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةصفحات 177-216

(1)  الشرح:

(1)

قوله «كِتَابُ الصَّلاةِ»

الصلاة في اللغة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ 1 أي ادع لهم.
أما في الاصطلاح: فهي «عبادة ذات أقوال وأفعال مخصصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم»، وقولنا: عبادة ذات أقوال وأفعال؛ لأن الصلاة تشتمل على أقوال وأفعال منها الأركان والواجبات والسنن، ومفتتحة بالتكبير أي تكبيرة الإحرام وهي ركن، ومختتمة بالتسليم أي قول السلام عليكم، وما بين التكبير والتسليم حركات وأقوال، منها الركن، ومنها الواجب، ومنها المسنون.
والصلاة: هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي مشروعة في جميع الملل السابقة، والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ 3 والآيات التي جاءت في الأمر بها كثيرة، ذكر أهل العلم أنها أكثر من ثمانين موضوعًا في كتاب الله تعالى.

رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُوْلُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ (1) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (2)، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ (3)،  =أما نصوص السنة: فهي أيضًا كثيرة، منها: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- قال - صلى الله عليه وسلم -: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ... ذَكَرَ مِنْهَا الصَّلاةُ» (1)، وحديث معاذ ابن جبل - رضي الله عنه - وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - له: «إِنَّكَ سَتَأْتِيْ قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوْا أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوْا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.. » (2). والأحاديث التي جاءت في فرضيتها كثيرة.
أما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على فرضيتها.

(1)

قوله - صلى الله عليه وسلم - «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ»

أي فرضهن وأوجبهن على العباد، وفي هذا الحديث دليل على أن الوتر ليس بواجب، وهو قول الجمهور، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
(2)

قوله - صلى الله عليه وسلم - «فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»

فصلاة الفجر ركعتان، وصلاة الظهر والعصر أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، فهذه هي الصلوات المفروضة في الليل والنهار.
(3)

قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ»

هذا أجر من حافظ على الصلوات الخمس، فله عهد عند الله أن يدخله الجنة، =12

وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (1). فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (2)،  = والمحافظة عليها تكون بأن تؤدى في وقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع مالها من واجبات وسنن، وبالمحافظة عليها تسهل سائر العبادات بل تعينه على ترك المنكرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (1).

(4)

قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ»

هذا جزاء من لم يحافظ على الصلوات الخمس ولا يؤديها على الوجه المطلوب شرعًا فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولا يصلح هذا الحديث للاستدلال به على أن ترك الصلاة ليس بكفر كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
(5)

قوله «فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»

قد بينّا ذكر أدلة الصلاة سابقًا، أما قوله «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» المسلم هو الذي جاء بالشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت، هذا هو المسلم الكامل.
لكن المراد به في قول المؤلف من أتى بالشهادتين، أما الكافر فلا تجب عليه أي لا تلزمه حال كفره بل ولا يلزمه القضاء بعد دخول الإسلام، وإن أداها وهو كافر لم تصح ولم تقبل منه.
لكن هل يحاسب عليها في الآخرة؟ نعم، يحاسب على تركها لقوله تعالى: =1

عَاقِلٍ (1)،  = ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (1).

(1)

قوله «عَاقِلٍ»

العقل مناط التكليف

، فغير العاقل لا تلزمه الصلاة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (2). ف

المجنون لا تصح منه الصلاة لعدم القصد

، ومن لا قصد له لا نية له، ومن لا نية له لا عمل له؛ لقوله «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (3)، لكن نذكر هنا

تنبيهات

:

أولاً: إذا جاء الصبي الذي لا تلزمه الصلاة إلى المسجد هل يمنع؟

لا نمنعه بل يمنع عبثه ولعبه وأذيته للناس، ولذا يجب على وليه أن يجعله بجواره ليحفظه ويحافظ عليه، ولا يجعله يمر بين يدي المصلين ولا يشوش عليهم بكلام ونحوه ثانيًا: إذا دخل الصبي في الصف فإنه لا يقطع الصف كما يظن البعض بل يكتمل الصف به.

ثالثًا: إذا سبق الصبي بمكان في المسجد

فهو أحق به ولا يجوز لأحد أن يقيمه ويجلس في مكانه أو يأخذ مكانه في الصف إلا والده أو شيخه أو أستاذه لأنه بمنزلة والده، لكن غيره لا يجوز.

رابعًا: المجنون إذا قدم المسجد

لا يجوز إخراجه منه إلا إذا كان فيه نوع أذية123

بَالِغٍ (1)،  = للمسلمين أو للمسجد ويكون ذلك بإشغال المصلين في صلاتهم أو بتلويث المسجد، ولا يجوز إخراجه من الصف إلا لما ذكرناه.
خامسًا: من زال عقله بإغماء ففاته صلاة يوم أو يومين إلى ثلاثة أيام لزمه القضاء، فإن طال عن ثلاثة أيام سقط عنه القضاء، وهذا هو ما رجحه سماحة شيخنا ابن باز (1) -رحمه الله-، ويرى شيخنا ابن عثيمين (2) أنه لا يلزمه القضاء، وسيأتي بيان ذلك في باب صلاة أهل الأعذار إن شاء الله.
سادسًا: من زال عقله بمحرم كسكر أو استعمل دواء يزيل العقل بلا حاجة فيجب عليه قضاء الصلاة التي فاتته؛ لأنه غير معذور.»

(1)

قوله «بَالِغٍ»

البلوغ شرط في وجوب الصلاة ويحصل البلوغ بأمور ذكرناها سابقًا، فالذكر يحصل بلوغه بإنزال المني، وإنبات شعر العانة، وبلوغه خمس عشرة سنة.
أما الأنثى فيحصل بلوغها بإحدى هذه الثلاث، ويضاف إليها أمر رابع وهو الحيض، فمتى نزل عليها دم الحيض فقد بلغت، ولا يشترط في البلوغ حصول هذه الأربعة بل واحد منها يكفي في حصول البلوغ.
فالبلوغ -كما ذكرنا- شرط لوجوب الصلاة، لكن مع شرطيته في الوجوب فالمستحب أمر الصغير بها إذا بلغ سبع سنوات، ويجب على وليه إجباره عليها إذا بلغ عشرًا لكي يعتادها، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوْا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِيْنَ وَاضْرِبُوْهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِيْنَ» 3.12

إِلاَّ الْحَائِضَ، وَالنُّفَسَاءَ (1).  (1)

قوله «إِلاَّ الْحَائِضَ، وَالنُّفَسَاءَ»

أي لا تجب عليهما الصلاة، ولا تصح منهما بل يحرم عليهما فعلها، ولا يلزمهما قضاؤها كما ذكرنا ذلك سابقًا، أما المستحاضة فتجب عليها الصلاة ويجب عليها قضاء ما تركته كما سبق بيان ذلك، لكن هنا

تنبيهات

لا بد من بيانها: أولاً: إذا أدركت الحائض أول وقت الصلاة وهي طاهرة ثم طرأ عليها الحيض، فهل تقضي هذه الصلاة إذا طهرت؟ مثال ذلك امرأة دخل عليها وقت صلاة الظهر وهي طاهرة فانشغلت عن الصلاة وبعد ساعة من دخول وقتها أتاها الحيض، فهل تقضي هذه الصلاة أعني الظهر إذا طهرت من الحيض؟ الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فالمذهب عند الحنابلة 1 إنها إذا طهرت يجب عليها أن تقضيها؛ لأن الصلاة تجب بدخول أول الوقت على مكلف ما لم يقم به مانع من الوجوب.
والذي يظهر أنها إذا أخّرت الصلاة إلى آخر وقتها ثم نزل بها الحيض، فإنها تقضيها بعد الطهر؛ لكونها قد فرطت بتأخيرها.
أما إذا لم تكن قد فرطت وجاءها الدم بعد دخول الوقت بنصف ساعة مثلاً فلا يجب عليها القضاء.
والراجح استحباب قضائها كما ذكرناه سابقًا في النفساء.
ثانيًا: إذا طهرت المرأة في وقت العصر، هل يلزمها قضاء الظهر مع العصر؛ لكونهما مما يجمعان، وكذلك إذا طهرت وقت العشاء؟

فَمَنْ جَحَدَ وُجُوْبَهَا لِجَهْلِهِ، عُرِّفَ ذلِكَ (2)، وَإِنْ جَحَدَهَا عِنَادًا، كَفَرَ (3).  الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة، والذي اختاره سماحة شيخنا ابن باز (1) -رحمه الله- أنها تقضيها لأن وقتهما واحد في حق المعذور، وهذا هو الراجح وهو أبرأ للذمة.
ثالثًا: إذا طهرت المرأة قبل خروج الوقت بقليل، هل تلزمها هذه الصلاة؟ الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة، والصواب أنها إذا طهرت قبل خروج الوقت بوقت يمكنها من خلالها أن تغتسل وتدرك ركعة من الصلاة فيلزمها ذلك.

(1)

قوله «فَمَنْ جَحَدَ وُجُوْبَهَا لِجَهْلِهِ، عُرِّفَ ذلِكَ»

أي لم يكفر ابتداءً كمن نشأ في بادية بعيدة عن العلم أو أسلم وهو في بلاد الكفر أو غير ذلك ممن يهمل وجوبها فإننا نعرفه ذلك أي بأن الصلاة من أركان الإسلام وأنها واجبة، فإن جحد الوجوب بعد تعريفه فإنه يكفر.
(2)

قوله «وَإِنْ جَحَدَهَا عِنَادًا، كَفَرَ»

وهذا بإجماع أهل العلم؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وكذا من أنكر وجوب الصيام ووجوب الزكاة ووجوب الحج، لكن إن تركها تكاسلاً وتهاونًا بها مع إقراره بوجوبها وفرضيتها، هل يكفر؟ نقول قد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الجمهور إلى أنه لا يكفر إن أقر بوجوبها وفرضيتها، واحتجوا لقولهم بالأدلة التي وردت في الشهادتين كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ» 2، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ =1

..................................  =إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» 1. واحتجوا أيضًا بقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 2، ولهم أدلة أخرى احتجوا بها.
وذهب الإمام أحمد 3 إلى تكفير تارك الصلاة كسلاً إذا تركها دائمًا، وهذا هو القول الصحيح الراجح التي تقتضيه نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف رضوان الله عليهم، وهذا هو الذي رجحه سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 4 -رحمه الله-، وكذا شيخنا محمد العثيمين 5 -رحمه الله-، وعليه الفتوى في بلادنا 6. أما نصوص الكتاب التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ 7 فاشترط سبحانه وتعالى لثبوت الأخوة إقامة الصلاة، وكذا قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ 8. أما نصوص السنة فمنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاةُ فَمَنْ =

وَلا يَحِلُّ تَأْخِيْرُهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوْبِهَا إِلاَّ لِنَاوٍ جَمْعَهَا (1)،  = تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» (2). أما سلف الأمة من الصحابة رضوان الله عليهم فقد انعقد الإجماع عندهم على ذلك، قال شقيق بن عبد الله -رحمه الله- وهو من التابعين: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ» (3)، ولذا قال إسحاق بن راهويه -رحمه الله-: «مازال الناس من عهد الصحابة يقولون أن تارك الصلاة كافر»، وهذا هو الصحيح الذي نرجحه، لكن لا بد أن ننبه على أمر وهو أن التكفير هنا يكون لمن تركها كلية أي لا يصلي أبدًا، أما من ترك فرضًا أو فرضين فإنه لا يكفر لكونه لا يصدق عليه ترك لصلاة.

(1)

قوله «وَلا يَحِلُّ تَأْخِيْرُهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوْبِهَا إِلاَّ لِنَاوٍ جَمْعَهَا»

لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ 4 فلا يحل تأخير الصلاة عن وقتها، لكن يستثنى من ذلك ما ذكره المؤلف وهو من نوى الجمع فيؤخر صلاة الظهر إلى العصر وكذا المغرب إلى العشاء، لكن لابد من ذكر قيد هنا =123

أَوْ مُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا (1)، فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا، اسْتُتِيْبَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ (2).  =وهو ممن يحل له الجمع كالمسافر والخائف والمريض وغيرهم ممن يحل له الجمع، أما من لم ينو الجمع أو كان ممن لا يحل له الجمع فلا يجوز له تأخيرها عن وقتها إطلاقًا، بل يصلي حسب حاله ما دام عقله معه ويستطيع أداءها في وقتها.

(1)

قوله «أَوْ مُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا»

هذا هو القيد الثاني لمن يحق له الجمع، فقوله «أَوْ مُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا» ومن شروطها الطهارة وسترة العورة وغير ذلك مما سيأتي، لكن هل يصح ما ذكره المؤلف؟ الجواب: لا، بل الصواب خلاف كلام المؤلف، فلا يؤخرها للاشتغال بشرطها، بل يصلي حسب حاله قبل خروج الوقت، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (1) وشيخنا محمد العثيمين (2) -رحمه الله-، بل حكى شيخ الإسلام الإجماع على أنه لا يؤخر الصلاة حتى يخرج الوقت وأن الوقت مقدم على شروطها، ولأن أي شرط من شروطها أو أي ركن من أركانها يسقط مع عدم القدرة عليه.
(1)

قوله «فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا، اسْتُتِيْبَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ»

تقدم بيان هذه المسألة، وقلنا بأن القول الصحيح التي تدل عليه أدلة الكتاب والسنة أن من ترك الصلاة تهاونًا بها وتكاسلاً أنه يكفر بذلك، لكن هل يكفر بتركها كلية أم بترك فرض من فرائضها وإن صلى أحيانًا وترك أحيانًا هل يحكم بكفره؟ ذكرنا سابقًا أن أهل العلم اختلفوا في ذلك، فسماحة شيخنا ابن باز -رحمه الله- يرى أنه يكفر بترك فرض واحد فقط من غير عذر، وهذا أشد آراء شيخنا فيما =12

..................................  =فيما أعلم، وهي رواية في مذهب الإمام أحمد 1. ويرى شيخنا محمد العثيمين -رحمه الله- أنه لا يكفر إلا إذا لم يصل أي فرض من الفرائض، فإن كان يصلي بعض الفرائض ويترك بعضها فلا يكفر، وهذا هو الراجح.
وقول المؤلف «اسْتُتِيْبَ ثَلاثًا» أي يقال له: تب إلى الله وصلِّ وإلا قتلناك، يكرر هذا عليه ثلاث مرات، لكن في قوله «ثَلاثًا» هل المراد ثلاثة أوقات أم ثلاثة أيام؟ الصواب: أنه ثلاثة أوقات، لكن من الذي يقتله؟ لا شك أنه ولي الأمر أو نائبه.
وهل قتله هنا ردة أم حدًّا؟ الجمهور على أن قتله حدًّا؛ لأنهم لا يرون كفر تارك الصلاة، والذي يظهر أن قتله هنا يكون ردة؛ لأنه لا يعقل أن أحدًا يرى السيف على رأسه ثم يؤمر بأداء الصلاة ولا يؤديها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 2، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 3.

بَابُ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ

(1) وَهُمَا مَشْرُوْعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُوْنَ غَيْرِهَا (2)،  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ»

الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (1). وفي الشرع: التعبد لله تعالى بالإعلام بدخول وقت الصلاة بذكر مخصوص.
أما الإقامة في اللغة: من أقام الشيء أي جعله مستقيمًا، وفي الشرع التعبد لله تعالى بالقيام للصلاة بذكر مخصوص.
والفرق بينهما ظاهر وهو أن الأذان إعلام بالصلاة بالتهيؤ لها، أما الإقامة فهي إعلام للصلاة بالدخول فيها والإحرام بها.

(2)

قوله «وَهُمَا مَشْرُوْعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُوْنَ غَيْرِهَا»

أي الأذان والإقامة يشرعان للصلوات الخمس في الحضر والسفر للجماعة والفرد، ولم يبين المؤلف حكم مشروعيتهما، وقد اختلف الفقهاء في حكمهما: والصحيح أنهما فرض كفاية على كل جماعة اثنين فصاعدًا.
وهل هما واجبان في السفر والحضر؟ قولان للفقهاء: فالمذهب 2 أنهما خاصان بالحضر دون السفر، وفي رواية في المذهب 3 أنهما عامان في السفر والحضر، وهذه الرواية هي التي اختارها ابن سعدي 4 -رحمه الله- أنهما عامان في الحضر والسفر، واحتج لذلك بحديث مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - =1

..................................  =: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِيْنَ لَيْلَةً وَكَانَ رَحِيْمًا رَفِيقًا فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِيْنَا قَالَ ارْجِعُوْا فَكُوْنُوْا فِيْهِمْ وَعَلِّمُوْهُمْ وَصَلُّوْا فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» 1. والراجح أن الأذان واجب في الحضر متأكد في السفر، وأما الإقامة واجبة في الحضر والسفر، لكن إذا نسي الأذان والإقامة فإنهما يسقطان.

  • تنبيه: إذا كان المصلي في مكان وحده كأن يكون في برية أو في موضع لم يؤذن فيه فالمشروع له الأذان استحبابًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال لعبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري: «إِنِّيْ أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِيْ غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلا إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2. وقوله «لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُوْنَ غَيْرِهَا» أي لا يشرع الأذان إلا للصلوات الخمس المفروضة وصلاة الجمعة وما عداها فلا يشرع لها كالعيدين والخسوف والاستسقاء والجنازة وغير ذلك، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت عنه أنه أمر بالأذان لغير الصلوات الخمس والجمعة، لكن يشرع في صلاة الكسوف أن ينادى لها الصلاة جامعة.

لِلرِّجَالِ دُوْنَ النِّسَاءِ (1)  =وهل يشرع للصلوات الفائتة؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فالمالكية (1) يرون كراهية الأذان للصلوات الفائتة، والجمهور على جواز الأذان للفوائت وهو الصواب.
لكن إن كان عليه أكثر من فائتة فهل يؤذن لكل صلاة؟ نقول: اختلف الفقهاء في ذلك، والصواب أنه يؤذن للأولى ويقيم لكل صلاة، وهذا هو المذهب (2) وهو المعتمد عند الشافعية (3).

(1)

قوله «لِلرِّجَالِ دُوْنَ النِّسَاءِ»

أي إنما يجب الأذان على الرجال دون النساء، فلا يجب عليهن أذان ولا إقامة، لكن هل يسن لهن الأذان؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمذهب عند الحنابلة 4 أنه يكره لهن الأذان مطلقًا؛ لأنهن لسن من أهل الإعلام فلا يشرع لهن ذلك، وفي رواية أخرى في المذهب 5 أنهما يباحان، وفي رواية أخرى 6 أنهما يستحبان.
والصحيح من الأقوال أنه يباح لهن الأذان والإقامة لكن بشرط أن يخفضن أصواتهن بذلك بقدر أن يسمعن أنفسهن، أما إذا رفعن أصواتهن بحيث يسمعهن الرجال فيحرم؛ لأن المرأة يفتتن بسماع صوتها كما يفتتن بالنظر إلى محاسنها.123

وَالأَذَانُ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، لا تَرْجِيْعَ فِيْهِ (1)،  (1)

قوله «وَالأَذَانُ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، لا تَرْجِيْعَ فِيْهِ»

وهي: الله أكبر أربع، وشهادة أن لا إله إلا الله اثنتان، وشهادة أن محمدًا رسول الله اثنتان، وحي على الصلاة اثنتان، حي على الفلاح اثنتان، والله أكبر اثنتان، ولا إله إلا الله واحدة، وهذه خمس عشرة كلمة، وهذا هو المشهور في المذهب 1. وذهب المالكية 2 إلى أن الأذان سبع عشرة جملة بالتكبير في أوله مرتين مع الترجيع، وذهب الشافعية 3 إلى أن الأذان تسع عشرة جملة وذلك بإضافة التكبير في أوله مع الترجيع، وكل هذه الأقوال جاءت بها نصوص السنة.
وقوله «لا تَرْجِيْعَ فِيْهِ» الترجيع هو أن يخفض المؤذن صوته بالشهادتين مع سماع الحاضرين ثم يعود فيرفع صوته بهما.
وقد اختلف الفقهاء في الترجيع: فالمذهب 4 أنه لا ترجيع في الأذان، والمنصوص عن الإمام أحمد 5 أن كلاهما سنة وتركه أحب إليه لعدم وروده في حديث عبدالله بن زيد - رضي الله عنه -، وكذا حديث بلال - رضي الله عنه -. وعند المالكية 6 والشافعية 7 أنه سنة.
والذي يظهر لي أنه مباح ولا يكره الإتيان به كما في حديث أبي محذورة.

وَالإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً (1). وَيَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ الْمُؤَذِّنُ أَمِيْنًا (2)، صَيِّتًا (3)،  (1)

قوله «وَالإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً»

كما في حديث أبي عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - وفيه قوله «إِذَا أَقَمْتَ الصَّلاةَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» 1. فهذه إحدى عشرة جملة في الإقامة.
2 قوله «وَيَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ الْمُؤَذِّنُ أَمِيْنًا» وهي سنة في ظاهر المذهب (2)، وقال بعض أهل العلم أنه واجب، وهو رأي شيخنا 3 -رحمه الله-.
وقوله «أَمِيْنًا» أي على الوقت وعلى عورات الناس حيث كان في الماضي يصعد على المنارة وقد يطلع على عورات الناس أثناء صعوده المنارة.
(3) قوله «صَيِّتًا» أي قويًّا، وذلك ليبلغ أذانه حيزًا أكبر وأوسع، ومن معاني كونه صيتًّا أيضًا أن يكون حسن الصوت وحسن الأداء، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن زيد «فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» 4 أي أعلى وأرفع وأحسن منك صوتًا.

عَالِمًا بِالأَوْقَاتِ (1)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا (2)، وَمُتَطَهِّرًا (3)،  (1)

قوله «عَالِمًا بِالأَوْقَاتِ»

هذا ليس بشرط بل الأفضل أن يكون عالماً بالوقت بنفسه، فهذا ابن أم مكتوم كان رجلاً أعمى وكان الصحابة يخبرونه بالوقت فيقولون له: «أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» (1) فلا يؤذن إلا إذا قيل له ذلك، لكن الأفضل كما ذكرنا أن يكون عالماً بالوقت؛ لأنه قد لا يكون هناك من يخبره بالوقت، ولأن غير العالم بالوقت قد يؤذن قبل الوقت وبالتالي يصلي الناس قبل الوقت وخصوصًا هنا النساء وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» (2) أي على الوقت.
(2)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا»

لأن هذا هو فعل مؤذني النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه أبلغ لصوت المؤذن، قال ابن المنذر: «أجمعوا على أن من السنة أن يؤذن قائمًا» (3). (3)

قوله «وَمُتَطَهِّرًا»

أي يستحب أن يكون المؤذن متطهرًا حال أذانه، وعللوا لذلك لأنهما ذكر ويستحب للذكر الطهارة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّيْ كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ» (4). وقوله «مُتَطَهِّرًا» أي من الحدثين: الأصغر والأكبر، لكن

هل يجوز لمن حدثه أكبر ان يؤذن؟

نقول: نعم، يجوز مع الكراهة، لكن لا يكون في المسجد، =1234

عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ (1)، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (2)، فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ، الْتَفَتَ يَمِيْنًا وَشِمَالاً (3)  =أما داخل المسجد فلا يسوغ له أن يلبث في المسجد، فإن اضطر لدخوله فيتوضأ ويدخل.

(1)

قوله «عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ»

أي ينبغي أن يكون الأذان من مكان عال؛ لأنه أبعد للصوت، وهذا كان قبل وجود مكبرات الصوت، أما الآن فلا حاجة لهذا.
(2)

قوله «مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ»

أي يسن استقبال المؤذن القبلة حال أذانه؛ لأن الأذان عبادة والأولى أن يستقبل فيها القبلة، والقاعدة في ذلك أن كل عبادة الأولى أن يستقبل فيها القبلة ما لم يرو خلافه.
(3)

قوله «فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ، الْتَفَتَ يَمِيْنًا وَشِمَالاً»

الحيعلة هي أن يقول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح وهذا سنة، وصفة ذلك أنه إذا بلغ «حي على الصلاة» التفت برأسه دون قدمه يمينًا وإذا بلغ «حي على الفلاح» التفت برأسه دون قدمه شمالاً، ودليل ذلك ما جاء عن عون ابن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال: «وَأَذَّنَ بِلالٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا يَقُوْلُ يَمِيْنًا وَشِمَالاً يَقُوْلُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ» 1. لكن مع وجود مكبرات الصوت الآن هل يبقى الحكم؟ اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المسألة، فقال بعضهم: الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا والعلة بالالتفات هو انتشار الصوت وهي منتفية مع وجود المكبرات.

وَلا يُزِيْلُ قَدَمَيْهِ (1)، وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِيْ أُذُنَيْهِ (2)، وَيَتَرَسَّلَ فِي الأَذَانِ (3)، وَيَحْدُرُ الإِقَامَةَ (4).  =وقال بعضهم: بل المؤذن يستحب له الالتفات حال أذانه عبر مكبرات الصوت حفاظًا على السنة، لكن يكون التفاته قليلاً لئلا يبتعد عن اللاقط وهذا هو الصواب.

(1)

قوله «وَلا يُزِيْلُ قَدَمَيْهِ»

أي لا يزيلها عند التفاته في الحيعلتين؛ لأنه لو أزال قدميه أصبح غير مستقبل القبلة.
(2)

قوله «وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِيْ أُذُنَيْهِ»

أي يستحب للمؤذن أن يجعل إصبعيه في أذنيه لحديث أبي جحيفة السابق وفيه «رَأَيْتُ بِلالاً يُؤَذِّنُ وَيَدُوْرُ وَيُتْبِعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا وَإِصْبَعَاهُ فِيْ أُذُنَيْهِ» (1)، والحكمة في جعل الأصبعين في الأذنين للمؤذن: أولاً: لأنه أقوى للصوت.
ثانيًا: ليراه من كان بعيدًا أو من لا يسمع فيعرف أنه يؤذن.

(3)

قوله «وَيَتَرَسَّلَ فِي الأَذَانِ»

الترسل هو عدم العجلة بل يؤذن أذانًا متآنيًا مترتلاً وهذا بخلاف بعض المؤذنين اليوم تراه إذا جاء متأخرًا عن الأذان لا تدري هل هو يؤذن أم يقيم؟.
(4)

قوله «وَيَحْدُرُ الإِقَامَةَ»

الحدر هو الإسراع، وليس الإسراع هنا أن يأتي بالإقامة خلال نفس واحد أي بإسراع مخل بالعبادة وإنما إسراع فيه وصل كلمات الإقامة بعضها ببعض بحيث أن تكون جمل الإقامة واضحة.1

وَيَقُوْلُ فِيْ أَذَانِ الصُّبْحِ: «الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ»، مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ (1)، وَلا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِلاَّ لَهَا (2)؛  (1)

قوله «وَيَقُوْلُ فِيْ أَذَانِ الصُّبْحِ: «الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ»

هذا ما يسمى بالتثويب، وهذا أيضًا من السنة في أذان الصبح بعد قول المؤذن: حي على الفلاح كما جاء في حديث أنس - رضي الله عنه -، لكن في أي الأذانين يقول ذلك، هل هو في الأذان الأول أم الثاني؟ فيه خلاف بين أهل العلم: فالقول الأول أن التثويب يكون في الأذان الأول الذي يكون قبل طلوع الفجر، وهذا رأي الصنعاني (1) في سبل السلام، واختاره أيضًا الألباني (2). القول الثاني: أنه يكون في الأذان الثاني للفجر، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (3)، وهو اختيار شيخنا (4) -رحمه الله-، وبه أفتت اللجنة الدائمة (5) وهو الصحيح.

(1)

قوله «وَلا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِلاَّ لَهَا»

أي إلا لصلاة الفجر فإنه يؤذن الأذان الأول قبل دخول وقتها، لكن هل الأذان الأول الذي قبل وقت صلاة الفجر هو لصلاة الفجر؟ الصواب أنه ليس لصلاة الفجر ولكنه لإيقاظ النائمين من أجل أن يتأهبوا للصلاة، ولأجل أن يقوم من لم يكن أوتر في أول الليل فيوتر، ولإيقاظ =12345

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ» (1). وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ، أَنْ يَقُوْلَ كَمَا يَقُوْلُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُوْلُوْا مِثْلَ مَا يَقُوْلُ» (2).  =النائمين الذين يريدون الصيام.

(1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ»

هذا دليل مشروعية الأذان الأول لصلاة الفجر، لكن كما ذكرنا أنه لم يشرع لصلاة الفجر وإنما للمذكور آنفًا، لكن كم بين الأذانين؟ جاء في صحيح مسلم «وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا» (1)، وهذا دليل على أن المدة بين الأذانين لم تكن طويلة بل كانت مدة وجيزة بمقدار ما يتسحر الصائم.

(2)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ، أَنْ يَقُوْلَ كَمَا يَقُوْلُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُوْلُوْا مِثْلَ مَا يَقُوْلُ»

هذا هو قول جمهور أهل العلم، وقال بعض أهل العلم بل يجب ذلك، وهو قول ابن حزم في المحلى 2. والصواب أنه مستحب وليس بواجب، وهو قول الجمهور، واختيار شيخنا 3 -رحمه الله-، فيستحب أن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
أما حال التثويب أي قول المؤذن «الصلاة خير من النوم» فبعض الفقهاء قال: =1

..................................  = يقول «صدقت وبررت» 1، لكن الصواب أنه يقول مثل ما يقول المؤذن «الصلاة خير من النوم» لضعف حديث «صدقت وبررت»، لكن استثنى أهل العلم إجابة السامع في حالتين: الأولى: حال قضاء الحاجة فإنه لا يشرع إجابة المؤذن.
الثانية: إذا كان في الصلاة؛ لكونه مشغولاً بإتيان أذكار فتسقط عنه المتابعة، وهذا خلاف ما ذهب إليه شيخ الإسلام 2 حيث يرى أنه المصلى ينابع الأذان لعموم الأمر بالمتابعة.

  • تنبيه: هناك خمس سنن عند كل أذان ينبغي أن يحافظ عليها وهي: (أ) يقول مثل ما يقول المؤذن.
    (ب) الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الفراغ من الأذان.
    (ج) أن يدعو بالدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيْلَةَ وَالْفَضِيْلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُوْدًا الَّذِيْ وَعَدْتَهُ» 3. (د) الدعاء بعد الأذان أي بين الأذان والإقامة؛ لأنه موضع إجابة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدُّعَاءُ لا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ» 4. (هـ) أن يقول بعد الشهادتين: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

بَابُ شَرَائِطِ الصَّلاةِ

(1)  الشرح: (1) قوله «بَابُ شَرَائِطِ الصَّلاةِ» الشرط في اللغة العلامة، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (1) أي علاماتها.
أما في اصطلاح الأصوليين فهو: «ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود»، فالوضوء مثلاً للصلاة يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة؛ لأنه شرط لصحتها، ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة.

الفرق بين الشروط والأركان

: أن الشروط أمور تجب للصلاة قبل الشروع فيها، ولا بد من استمرارها، ولا تصح الصلاة حتى يأتي بها المصلي، فهي أمور خارجة عن ماهية الصلاة، أما الأركان فهي أجزاء من ماهية الصلاة مثل الركوع والسجود مثلاً، فهي تفعل أثناء الصلاة ويجب الإتيان بها، إن تركها عمدًا أو سهوًا مع القدرة بطلت الصلاة.

أما

الفرق بين الواجبات والأركان

: فالواجب إن تركه سهوًا لا يلزمه الإتيان به لكن يلزمه أن يجبره بسجود السهو، أما الركن - كما ذكرنا- فلا يسقط مع العمد ولا السهو بل لابد من الإتيان به إلا عند العجز عنه.

قوله «بَابُ شَرَائِطِ الصَّلاةِ»

أي الأمور التي يجب الإتيان بها قبل الدخول في الصلاة.1

وَهِيَ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ؛ لِقَوْلِ رَسُوِلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا (1).  (1)

قوله «وَهِيَ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ؛ لِقَوْلِ رَسُوِلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا» هذا هو الشرط الأول من شروط الصلاة، فيشترط لها الطهارة أي طهارة البدن والثوب والمكان كما مرَّ بنا في كتاب الطهارة، وهذا الشرط مجمع عليه.

فطهارة البدن المراد بها الطهارة من الحدثين: الأكبر والأصغر كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ 1، هذه هي الطهارة الصغرى.
أما الكبرى فقال فيها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 2، وكذلك الحديث النبوي الذي استدل به المؤلف «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» 3. أما طهارة الثوب فدليلها قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ 4، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنه -، أن امرأة سألت عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «حُتِّيْهِ ثُمَّ اقْرُصِيْهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ رُشِّيْهِ وَصَلِّيْ فِيْهِ» 5.

الثَّانِيْ: الْوَقْتُ (1)، وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيْرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ (2)،  =أما طهارة المكان فهي في قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (1).

(1)

قوله «الثَّانِيْ: الْوَقْتُ»

هذا هو الشرط الثاني، دليله قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (2)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (3). كذا حديث إمامة جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» (4). فلا يجوز تقديم أي فرض من الفرائض الخمس قبل وقتها، فمتى أداها قبل وقتها لم تصح، ولا يجوز له تأخيرها عن وقتها كما ذكرنا ذلك إلا لعذر.

(2)

قوله «وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيْرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ»

هذا هو أول وقت الظهر وآخره، فأوله من زوال الشمس ومعنى الزوال أن تميل الشمس إلى جهة الغروب بعد انتصاف النهار، ويعرف الزوال بأن تغرز خشبة مستوية في الأرض والشمس مازالت في الشرق، فمادام ظل الخشبة ينتقص فالشمس قبل الزوال، فإذا لم يكن للخشبة ظل أو تم نقص الظل =1234

وَوَقْتُ الْعَصْرِ - وَهِيَ الْوُسْطَى - (1) مِنْ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ (2)  =بأن كان الظل أقل ما يكون فالشمس في وسط النهار، وهذا هو الوقت الذي تمنع فيه الصلاة، فإذا انتقل الظل من المغرب إلى المشرق وبدأ في الزيادة فقد دخل وقت الظهر، وهذا هو أول وقت صلاة الظهر.
أما آخر وقت صلاة الظهر فذهب جمهور الفقهاء إلى أن آخر وقته حين يصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، وذهب أبو حنيفة (1) إلى أن آخر وقت الظهر حين يبلغ ظل الشيء مثليه سوى فيء الزوال، والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.

(1)

قوله «وَوَقْتُ الْعَصْرِ وَهِيَ الْوُسْطَى»

وهي أفضل الصلوات الخمس لتخصيص الله تعالى بذكرها في الأمر بالمحافظة عليها في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (2). (2)

قوله «مِنْ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ»

هذا هو وقت العصر، فيبدأ من آخر وقت الظهر وهو -كما سبق- حينما يصير ظل كل شيء مثله، فإذا أصبح كذلك فقد انتهى وقت الظهر ودخل وقت العصر، وعند أبي حنيفة 3 من حين الزيادة على المثلين.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن هناك فاصلاً بين وقت الظهر ووقت العصر لكنه يسير، وحدده بعضهم بقدر أربع ركعات.
لكن الصواب أنه لا اشتراك بين وقت العصر والظهر ولا فاصل بينهما، وهو المذهب 4 واختيار شيخنا 5 -رحمه الله-، فإذا خرج وقت الظهر دخل وقت العصر.12

إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ (1)، ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ (2)، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُوْرَةِ إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ (3). وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ: مِنَ الْغُرُوْبِ إِلَى أَنْ يَغِيْبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ (4).  (1)

قوله «إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ»

هذا هو الوقت الاختياري، دليله حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» (1) أي مالم تكن صفراء، وفي رواية أخرى في المذهب (2) أن وقت الاختيار حتى يصير ظل كل شيء مثليه بعد فيء الزوال.
والراجح القول الأول، وهو ما رجحه شيخنا (3) -رحمه الله-.
(2) قوله «ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ» وهو - كما ذكرنا- من أن يصير ظل كل شيء مثليه إلى اصفرار الشمس هذا هو وقت الاختيار.
(3) قوله «وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُوْرَةِ إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ» وقت الضرورة يبدأ من اصفرار الشمس إلى غروبها، فهذا هو وقت أهل الأعذار الذين لا يمكنهم الصلاة قبل تغير الشمس، مثل الحائض تطهر، والمجنون والمغمى عليه يفيقان، والنائم ينتبه، والصبي يبلغ، والكافر يسلم بعد اصفرار الشمس، فهم يصلونها أداء في هذا الوقت ولا إثم عليهم.
أما تأخيرها بغير عذر إلى وقت الضرورة فهي وإن كانت أداءً لكن حصول الإثم في حق من أخرها باق حتى يستغفر الله.

(4)

قوله «وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ: مِنَ الْغُرُوْبِ إِلَى أَنْ يَغِيْبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ»

هذا هو أول وقت المغرب ونهايته، فأوله من الغروب أي غياب طرف الشمس، وآخر =123

وَوَقْتُ الْعِشَاءِ: مِنْ ذلِكَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ (1)،  =وقتها إلى غياب الشفق الأحمر.
فالشفق شفقان: أحمر وأبيض، فبغياب الأحمر يدخل وقت العشاء وينتهي وقت المغرب.
دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» (1). والقول المشهور عند المالكية (2) أنه لا امتداد لوقت المغرب بل يقدر بعدد ثلاث ركعات بعد تحصيل شروطها من مكاره وحدث وخبث وشر وعور.
وعند الشافعية (3) في الجديد عندهم كما يقوله المالكية غير أن الامتداد يكون بقدر خمس ركعات، ثلاث ركعات للمغرب وركعتا سنة بعدها.
والصحيح هو القول الأول.

(1)

قوله «وَوَقْتُ الْعِشَاءِ: مِنْ ذلِكَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ»

أي من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل، وفي رواية أخرى في المذهب 4 إلى ثلث الليل، وفي رواية أخرى 5 يمتد إلى طلوع الفجر.
والراجح من هذه الروايات أن وقت العشاء إلى نصف الليل، دليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وفيه: «وَوَقْتُ صَلاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ» 6، وأيضًا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه «وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ =123

وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُوْرَةِ إِلَى طُلُوْعِ الْفَجْرِ الثَّانِيْ (1).  = يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ» (1)، هذا هو وقت الاختيار، فلا يجوز لمن لا عذر له أن يؤخر العشاء إلى ما بعد نصف الليل، أما أهل الأعذار الذين تقدم ذكرهم في صلاة العصر فهؤلاء يصلونها إلى طلوع الفجر الثاني.

(1)

قوله «وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُوْرَةِ إِلَى طُلُوْعِ الْفَجْرِ الثَّانِيْ»

وقد سبق ذكر ذلك وقلنا إن للعشاء وقتين: وقت اختيار، وهو الوقت الذي لا يجوز تأخير العشاء عنه لغير أهل الأعذار، وهو من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل على الصحيح.
والوقت الثاني وقت الإضطرار، ويبدأ من منتصف الليل إلى طلوع الفجر الثاني، فهذا يصلي فيه أهل الأعذار، كمريض شفي من مرضه، أو حائض أو نفساء طهرتا، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز 2 -رحمه الله-.
ويرى شيخنا 3 -رحمه الله- أنه ليس للعشاء إلا وقت واحد وهو إلى نصف الليل وليس لها وقت ضرورة، فلو طهرت الحائض بعد منتصف الليل فلا يلزمها العشاء ولا المغرب لأنها طهرت بعد الوقت، لكن ما ذكرناه هو الراجح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية 4: «ولم ينقل عن صحابي خلافه بل وافقهم التابعون على أن العشاء تجب بالطهر قبل الفجر... ». وقال أيضًا -رحمه الله- 5: =1

وَوَقْتُ الْفَجْرِ: مِنْ ذلِكَ إِلَى طُلُوْعِ الشَّمْسِ (1).  = «وينبني عليه أيضًا أن المرأة الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر ركعة لزمها العصر وإذا طهرت قبل الفجر بقدر ركعة لزمها العشاء».

(1)

قوله «وَوَقْتُ الْفَجْرِ: مِنْ ذلِكَ إِلَى طُلُوْعِ الشَّمْسِ»

أي ويبدأ وقت الفجر من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، وهذا بإجماع أهل العلم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ» (1) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» (2). واختلف الفقهاء

هل الأفضل للفجر تعجيلها أم الإسفار بها؟

فالجمهور على أن الأفضل تعجيلها؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوْطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِيْنَ الصَّلاةَ لا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ» 3. وخالف الأحناف 4 فقالوا: بأن الإسفار أفضل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَسْفِرُوْا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ» 5. والذي يظهر أن الأولى للإمام أن يدخل في الصلاة بالتغليس وينصرف في =12

وَمَنْ كَبَّرَ لِلصَّلاةِ قَبْلَ خُرُوْجِ وَقْتِهَا، فَقَدْ أَدْرَكَهَا (1)،  =الإسفار، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز (1) -رحمه الله-، لكن استثنى أهل العلم صلاة الفجر للحاج يوم مزدلفة، فإن الأفضل التبكير بها من حين طلوع الفجر.

(1)

قوله «وَمَنْ كَبَّرَ لِلصَّلاةِ قَبْلَ خُرُوْجِ وَقْتِهَا، فَقَدْ أَدْرَكَهَا»

هذا هو المشهور في المذهب 2، وعللوا لذلك بأن إدراك الجزء كإدراك الكل فالصلاة لا تتبعض، وفي رواية أخرى في المذهب 3 أن الصلاة لا تدرك إلا بإدراك الركعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» 4، وهذه الرواية هي اختيار شيخ الإسلام 5 وشيخنا 6 -رحمه الله-، وهذا هو الراجح أي أن الصلاة لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة.
وينبني على القولين أمور منها: أولاً: أن المرأة الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر تكبيرة الإحرام فإن صلاة العصر تلزمها 7، وعلى القول الصحيح أنها تلزمها إذا كان هناك وقت يتسع لغسلها وتأدية ركعة كاملة من الصلاة.
ثانيًا: إن المرأة إذا حاضت قبل غروب الشمس ولو بقدر تكبيرة الإحرام فإنها تلزمها الصلاة إذا طهرت؛ لأنها أدركت مقدار تكبيرة الإحرام في الوقت 8، =1

وَالصَّلاةُ فِيْ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ (1) إِلاَّ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، وَفِيْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي الظُّهْرِ (2).  =وعلى القول الصحيح أنها لا تلزمها.

(1)

قوله «وَالصَّلاةُ فِيْ أَوَّلِ الوَقْتِ أَفْضَلُ»

وذلك لعموم الأدلة التي جاءت في المبادرة بفعل الخير كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (1)، وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (2)، وقوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (3)، ولأن في تأديتها في أول وقتها إبراء لذمة العبد؛ لأن الذمة مشغولة بها حتى تؤدى، لكن إن أخَّرها عن أول وقتها ثم عرض له أمر فمات هل يحاسب على تركه لها؟ نقول: المسألة محل خلاف بين أهل العلم، والذي يظهر أنه إن أخّرها عن وقتها حتى خرج الوقت بلا عذر ثم مات أنه يحاسب على ذلك، أما إن ترك أول الوقت وهو الفاضل ولم يخرج وقتها ثم مات فالصواب أنه لا يحاسب على تركه لأنه فعل ما يجوز له فعله، إلا إذا كان تأخيره للصلاة عن غير عذر ويترتب عليه ترك الجماعة فهنا لاشك أنه يحاسب على تركه الواجب وهو الصلاة في جماعة، لا لأنه أخّر الصلاة عن أول وقتها.

(2)

قوله «إِلاَّ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، وَفِيْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي الظُّهْرِ»

أي الصلاة في أول الوقت أفضل إلا صلاة العشاء وعند شدة الحر في الظهر فالمستحب تأخيرها، فالعشاء الأفضل تأخيرها إلى آخر وقتها الاختياري وهو نصف الليل، وذلك لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «كَانَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَحِبُّ أَنْ يَؤَخِّرَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ=123

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: سِتْرُ الْعَوْرَةِ (1)  =اللَّيْلِ أَوْ شَطْرِ اللَّيْلِ» (1).

أما الظهر فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوْا عَنْ الصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (2)، ومعنى الإبراد تأخير صلاة الظهر إلى أن يبرد الوقت، لكن

هل الإبراد عام أم هو خاص لمن يصلي جماعة؟

الجواب: المذهب (3) يرى أن الإبراد عام حتى ولو صلى وحده يجوز له الإبراد، وقال بعض أهل العلم (4): أن الإبراد لا يكون إلا لمن يصلي جماعة.
والصواب: المذهب أنه يسن الإبراد ولو صلى وحده، وكذلك النساء يسن لهن الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر، لكن مع وجود المكيفات في المساجد والبيوت نرى أن الأفضل هو الصلاة في أول الوقت؛ لأن الإبراد حاصل وليس هناك مشقة حاصلة بالصلاة في هذا الوقت.

(1)

قوله «الشَّرْطُ الثَّالِثُ: سِتْرُ الْعَوْرَةِ»

هذا هو الشرط الثالث من شروط الصلاة وهو ستر العورة، والعورة هو ما يسوء المرء إخراجه والنظر إليه لأنها من العور وهو العيب، وقد أجمع أهل العلم على أن من صلى عريانًا مع قدرته على اللباس فصلاته باطلة.1234

بِمَا لا يَصِفُ الْبَشَرَةَ (1). وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالأَمَةِ، مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (2)،  قلت: وقد جرى الفقهاء على اتخاذ هذا التعبير أعني «ستر العورة» وجعلوه من شروط صحة الصلاة، لكن لو عبروا عنه بقولهم «اتخاذ الزينة للصلاة» لكان أولى لأمور: الأول: لأن القرآن عبَّر به في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (1)، فأمر الله باتخاذ الزينة عند كل صلاة.
الثاني: أن قولهم ستر العورة لم يجئ في نصوص القرآن والسنة التعبير به فيما يتعلق بالصلاة.
الثالث: أن قولهم ستر العورة يحصل فيه إشكال وهو أنه اشتبه على بعض الناس عورة الصلاة وعورة النظر واختلط عليهم الأمر ولم يفرقوا بين هذا وهذا.

(1)

قوله «بِمَا لا يَصِفُ الْبَشَرَةِ»

أي يجب أن يكون ما تستر به العورة لا يصف البشرة، وهذا شرط لصحة الصلاة به، ووصف الشيء ذكر صفاته، فإن وصفها فلا يجزئ لأن الستر لا يحصل بدون ذلك.
(2)

قوله «وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالأَمَةِ، مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ»

أما الرجل فالمراد به من بلغ سن العشر فما فوقها، سواء كان حرًّا أو عبدًا، فعورته من السرة إلى الركبة، وكذا الأمة.
والعورة على أقسام ثلاثة: مخففة، ومغلظة، ومتوسطة.

أولاً: العورة المخففة

وهي عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنوات وهي=1

..................................  =الفرجان فقط أي إذا ستر قبله ودبره فقد أجزأه الستر.

ثانيًا: العورة المغلظة

وهي عورة المرأة الحرة البالغة فكلها عورة إلا وجهها فإنه ليس بعورة في باب الصلاة وإن كان عورة في باب النظر، فلو صلت في بيتها لزمها أن تستر جميع بدنها حتى وإن لم يرها أحد.

ثالثًا: العورة المتوسطة

وحدها ما بين السرة والركبة ويدخل فيها الذكر من عشر سنين فصاعدًا، والحرة دون البلوغ والأمة ولو بالغة.
وقوله «مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ» هل السرة والركبة تدخلان في العورة فيجب سترها؟ على ثلاثة أقوال: المشهور من المذهب 1 أن السرة والركبة لا تدخلان فلا يجب سترهما، وهو اختيار شيخنا 2 -رحمه الله-.
والراجح أنهما داخلتان في العورة، وهي إحدى الروايتين في المذهب 3. لكن هل يلزم المرأة أن تستر قدميها وكفيها في الصلاة؟ نقول: أما القدمان فالواجب على المرأة الحرة أن تسترهما في صلاتها، ويرى شيخ الإسلام 4 أنه لا يلزم سترهما.
وأما الكفان ففيها روايتان في المذهب 5: الأولى: أنهما ليسا من العورة التي يجب سترها في الصلاة، والثانية: أنهما عورة.
والأحوط أن لا ينكشف منها شيء من ذلك، وهذا هو الأظهر.

وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا (1).  (1)

قوله «وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا»

أي في الصلاة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ» 1، لكن هذا مقيد بشرط عدم وجود الرجال الأجانب عندها.
أما عند وجودهم فالواجب عليها ستر جميع بدنها، وليعلم أن كثيرًا من الناس لا يفرق بين العورة في الصلاة والعورة في باب النظر فيجعلهما شيئًا واحدًا وهذا غلط، فوجه المرأة ليس بعورة في الصلاة بل يكره للمرأة ستره إذا كانت تصلي وليس عندها رجال أجانب، أما في باب النظر فهو عورة؛ لأنه لا يجوز النظر إليه.
ثم إنني أحب أن أنبه على أمر يدندن حوله بعض الناس وهو جواز كشف المرأة لوجهها، وجواز خروجها من بيتها واختلاطها بالرجال الأجانب كاشفة لوجهها، وهذه دعوة باطلة مخالفة لنصوص الشريعة التي جاءت بأمر المرأة بأن تستر بدنها مع حضرة الرجال الأجانب، وأنه لا يجوز لها أن تخرج من بيتها إلا وهي ساترة لجميع بدنها.
ثم إنني أقول لهؤلاء القوم الذين يدعون إلى تهتك المرأة وكشف وجهها ومخالطة الرجال في العمل وغيره أنكم تتجاهلون ما يترتب على ذلك من الشر والفساد وتحويل بلاد المسلمين إلى أن تكون بلاد سفور، وتتجاهلون أيضًا النتائج السيئة التي حصلت للشعوب التي لم تأخذ بوجوب ستر وجه المرأة كيف كشف النساء الوجه والرقبة والنحر والرأس؟ وكيف كانت المرأة=

..................................  =تخرج كاشفة وجهها مملوءًا بالتزين بالمكياج وغيره من المساحيق الموجبة للفتنة؟.
ومن هنا نقول لهؤلاء الذين ينادون بتحرير المرأة ويريدون بذلك خروجها على الصفة المذكورة آنفًا، نقول لهم: أن ما تدعون إليه هو ليس في الحقيقة تحرير بل هو تضليل، متى كان خروج المرأة متبرجة كاشفة لرأسها وشعرها وساقيها وذراعيها متى كان هذا تحريرًا؟ نعم هذا تحرر من الدين والخلق وما أوجبه الله على المرأة.
ثم ليعلم هؤلاء أيضًا أن أضر فتنة على الرجال هن النساء ولذا يراد خراب مجتمعنا ويجاهد ليل نهار لإفساد هذا المجتمع، نسأل الله أن يحفظنا ويحفظ مجتمعنا من كيد الكافرين.

تنبيه: في حكم صلاة المرأة مع عدم الحجاب

: نقول: إن كان عدم الحجاب أو التستر لأمور اختيارية، مثل: اتباع التقاليد والعادات فهو لا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون عدم الحجاب مقصورًا على الوجه والكفين فالصلاة صحيحة لكن مع الإثم إذا كان ذلك بحضرة الرجال الأجانب.
الثانية: إذا كان الكشف وعدم التستر للساق والذراع أو شعر الرأس ونحو ذلك فلا يجوز لها أن تصلي على تلك الحال، وإن صلت فالصلاة باطلة وعليها الإثم ويجب عليها الإعادة.

وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ (1). وَمَنْ صَلَّى فِيْ ثَوْبٍ مَغْصُوْبٍ، أَوْ دَارٍ مَغْصُوْبَةٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ (2).  (1)

قوله «وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ»

المقصود بأم الولد هي الأمة المملوكة التي جامعها سيدها فحملت منه فولدت وهي رقيقة حتى يموت سيدها، فإذا مات سيدها فإنها تعتق.
وقوله «وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ» أي صار بعضها حرًّا وبعضها رقيقًا، قال المؤلف «كَالأَمَةِ» أي عورتها من السرة إلى الركبة؛ لأنها لا تزال في حكم المملوك.
وقد اختلفت الروايات في المذهب (1) في هذه المسألة، فقد ذكر عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه قال في أم الولد تصلي كالحرة؛ لأنه انعقد لها سبب الحرية فلا يجوز لها أن تكشف إلا وجهها وكفيها في الصلاة.
والرواية الثانية (2) وهي المذهب كما ذكرنا أنها كالأمة عورتها في الصلاة من السرة إلى الركبة.
والمعتق بعضها أيضًا هي على الخلاف المذكور آنفًا في أم الولد.
والراجح أن أم الولد والمعتق بعضها كالأمة؛ لأن شرط الحرية الكاملة لم يتحقق، فلا بد من إتمام الشرط، وهذا هو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله-.

(2)

قوله «وَمَنْ صَلَّى فِيْ ثَوْبٍ مَغْصُوْبٍ، أَوْ دَارٍ مَغْصُوْبَةٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ»

قال أهل العلم لأنها قربة وهي منهي عنها على هذا الوجه، ثم إنه استعمل في شرط العبادة ما يحرم استعماله، وهذه هي إحدى الروايتين في المذهب 4 =123

وَلُبْسُ الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ، مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ دُوْنَ الرِّجَالِ، إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ: «هذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُوْرِ أُمَّتِيْ، حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ» (1).  =وهي أحد قولي الشافعي (1)، وهي اختيار ابن قدامة في المغني (2). والرواية الثانية في المذهب (3) أنها تصح مع الإثم، وهذا هو الصحيح، وهو قول أبي حنيفة (4)، ومالك (5)، والقول الثاني للشافعي (6)، وهواختيار شيخ الإسلام (7) وشيخنا (8) -رحمه الله-، وذلك لأن النهي لا يعود إلى الصلاة فلم يمنع صحتها.

(1)

قوله «وَلُبْسُ الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ مُبَاحٌ»

للنساء لكن لا يصل إلى حد الإسراف، فإن صار إلى حد الإسراف حرم (2)

قوله «لِلنِّسَاءِ دُوْنَ الرِّجَالِ، إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ»

الحاجة كالحكة والقمل والمرض «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ: «هذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُوْرِ أُمَّتِيْ، حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ»، وهذا بإجماع أهل العلم، ولا بأس بلبس النساء للذهب المحلق خلافًا لمن قال بمنع ذلك.
أما الساعة التي يلبسها الرجال وبها شيء من الذهب فإن كان الذهب قليلاً تابعًا فلا بأس بذلك عند بعض أهل العلم، وعندي الأولى بكل حال =12345678

وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ فِيْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، أَجْزَأَهُ ذلِكَ (1)،  =الابتعاد عن ذلك.

و

المقصود بالحرير هنا

هو الحرير الطبيعي دون الصناعي، فالطبيعي هو الذي يخرج من دودة القز وهوغال وناعم، ومن هنا حرم على الرجال؛ لأنه يشبه من بعض الوجوه الذهب لكونه مما يتحلى به، أما الحرير المخلوط بغيره فإن كان مما تساوى فيه الحرير بغيره فمحل خلاف، والصواب أن الأولى تركه، أما إذا كان أكثره غير حرير، فالصواب أنه حلال، وهذا هو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
(1)

قوله «وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ فِيْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، أَجْزَأَهُ ذلِكَ»

لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» 2، فدل ذلك على وجوب تغطية العاتق، وهذا هو المذهب 3 واختاره سماحة شيخنا ابن باز 4 -رحمه الله-.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن تغطية العاتق في الصلاة سنة ليس بواجب لحديث جابر - رضي الله عنه - لما صلى في ثوب قد اشتمل به قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِيْ رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ يَعْنِيْ ضَاقَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» 5، وهذا هو الصواب وهو الذي اختاره ابن سعدي 6 =1

جارٍ التحميل