بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ
(1) وَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ (2)، فَمَنْ كَانَ حَلالاً (3)، أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ (4)، (1)
قوله (بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ):
هذا الباب من أهم الأبواب في كتاب الحج حيث سيذكر فيه المؤلف الكيفية التي ينبغي أن يؤدي عليها الحج، فلما ذكر المؤلف دخول مكة وما يتعلق به من طواف وسعي وهو عام ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالحج من إحرام، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ومبيت بمنى، وكذا طواف الوداع، وغير ذلك مما سيذكره المؤلف.
(2)
قوله (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ):
يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك لأن الناس كانوا يرتوون فيه الماء لما بعده لأن منى لا ماء فيها في الزمن الماضي وكذلك مزدلفة وعرفة.
وأما الآن فنحمد الله ونشكره المياه متوفرة في كل مشاعر الحج، وهذا من فضل الله جل وعلا، ثم بفضل ولاة أمر بلادنا الذين يبذلون للحج والحجاج ما يستطيعون مما فيه تيسير وتسهيل عليهم لأداء مناسكهم بكل يسر.
فائدة: أيام الحج لها مسمى عند الفقهاء
: فاليوم الثامن يسمى (يوم التروية)، واليوم التاسع (يوم عرفة)، والعاشر (يوم النحر)، والحادي عشر (يوم القر)، والثاني عشر (يوم النفر)، والثالث عشر (يوم النفر الثاني).
(3)
قوله (فَمَنْ كَانَ حَلالاً):
أي من كان من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم أو ممن كان مقيماً من أهل مكة فأراد الحج.
(4)
قوله (أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ):
أي يستحب لهم فعل ذلك يوم التروية ومن حيث =
وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ (1)،
=أحرم من الحرم جاز.
وقيل لا يجوز له أن يحرم من الحل، فمتى أحرم فعليه دم لأنه ترك واجباً.
والصحيح: أنه يحرم من مكانه أيًّا كان، وإذا كان بالحرم فلا ينبغي أن يخرج الإنسان من الحرم، بل يحرم منه، وإن أحرم من الحل جاز.
والأفضل أن يحرم من مكة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المواقيت حتى أهل مكة يهلون من مكة (1) فإن أحرم خارجاً منها جاز له ذلك لقول جابر رضي الله عنهما (فَأَهْلَلْنَا مِنْ الْأَبْطَحِ) (2)، وهذا إحدى الروايتين (3) في المذهب.
فائدة (1): يستحب أن يفعل عند إحرامه هذا ما فعله عند إحرامه من الميقات
فيغتسل ويتنظف وغير ذلك.
فائدة (2): قال بعض الفقهاء: إذا كان بمكة وتجرد من مخيطه ولبس ملابس الإحرام
فإنه يستحب له أن يطوف سبعاً ويصلي ركعتين ثم يحرم عقيبهما، ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه.
(1)
قوله (وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ):
لم يذكر المؤلف هنا المبيت بمنى ليلة التاسع والمبيت فيها سنة فيخرج الحاج إلى منى فيصلي بها الظهر ويبيت بها فيصلي الصلوات الخمس الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم عرفة قصراً دون جمع.
دليل ذلك ما جاء في حديث جابر رضي الله عنهما وفيه (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ =123
فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ (1)، =وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ.. ) (1). وقوله (وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ) أي بعد طلوع شمس يوم التاسع فإنه يسير إلى عرفة وينزل أولاً بنمرة وهي قرية قرب عرفة وليست من عرفة بلا شك لأنه إذا كان بطن عرنة ليس من عرفة فهي أبعد من بطن عرنة.
فائدة: هل النزول بنمرة للراحة أم هو نسك؟
الصواب: أن النزول بها سنة وليس للراحة، فينزل بها الحاج إن تيسر حتى إذا زالت الشمس انطلق إلى عرفة.
(1)
قوله (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ):
وذلك لفعله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وكذا أصحابه رضي الله عنهم فيجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم، والحكمة من الجمع هنا أمران:
الأول: لكي يطول وقت الدعاء.
الثاني: اجتماع الناس على الصلاة، فإنهم إن تفرقوا إلى المواقف صعب إتيانهم واجتماعهم مرة أخرى، ومراعاة هذه المصلحة العظيمة أولى، لكن تسبق الصلاة الخطبة، فمتى زالت الشمس خطب الإمام ثم صلى الظهر والعصر جمع تقديم.
والمراد بالإمام هنا الإمام الأعظم، أو نائبه، والسُنَّة أن تكون الخطبة قصيرة، قال سالم بن عبد الله بن عمر للحجاج (إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فأقصر الخطبة وعجل الوقوف)، قال ابن عمر رضي الله عنهما صدق.1
ثُمَّ يَصِيْرُ إِلَى الْمَوْقِفِ (1)، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، إِلاَّ بَطْنُ عُرَنَةَ (2)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِيْ مَوْقِفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (3)، أَوْ قَرِيْبًا مِنْهُ (4)، عِنْدَ الْجَبَلِ قَرِيْبًا مِنَ الصَّخَرَاتِ (5)،.
(1)
قوله (ثُمَّ يَصِيْرُ إِلَى الْمَوْقِفِ):
أي بعد انقضائه من الخطبة والجمع بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم يصير إلى الموقف وهو عرفة فيقف بها لفعله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في حجة الوداع.
(2)
قوله (وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، إِلاَّ بَطْنُ عُرَنَةَ):
عُرنة بضم العين وفتح الراء والنون، هو وادي بحذاء عرفات، وهذا الوادي لا يجزئ الوقوف فيه لقوله صلى الله عليه وسلم (عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ) (1).
فائدة: وهل بطن عرنة من عرفة؟
الجواب: نعم؛ لكن لا يجوز الوقوف فيه للحديث المتقدم، فلو وقف فيه ودفع منه فحجه غير صحيح لأن عرنة ليس من عرفة شرعاً، وإن كان منها مكاناً.
(3)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِيْ مَوْقِفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم):
أما مكان وقوفه صلى الله عليه وسلم فهو عند الصخرات وجبل الرحمة، دليل ذلك ما جاء عن جابر رضي الله عنهما أن النبي جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة.
(4)
قوله (أَوْ قَرِيْبًا مِنْهُ):
أي قريباً من موقفه صلى الله عليه وسلم.
(5)
قوله (عِنْدَ الْجَبَلِ قَرِيْبًا مِنَ الصَّخَرَاتِ):
الجبل هنا يقال له جبل الرحمة، أو جبل الدعاء، وقد كان يسمى في الجاهلية باسم (جبل إلال)، ويسمى =1
وَيَجْعَلُ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ (1)، وَيَكُوْنُ رَاكِبًا (2)، وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ (3)،
= أيضاً جبل عرفة، أو جبل الموقف، فيقف عند الجبل قريباً من الصخرات، وهي صخرات مفترشات أسفل جبل الرحمة لا تزال هذه الصخرات موجودة.
هذا هو مكان وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا شق عليه ذلك أو كان فيه إيذاء لنفسه أو لغيره فلا ينبغي، بل يجلس في أي مكان، ويستقبل القبلة، ولعله يدرك من الأجر أكثر مما يدركه أولئك الذين يشقون على أنفسهم ويضيعون هذا الوقت الفاضل بالمزاحمة وأذية الآخرين.
(1)
قوله (وَيَجْعَلُ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ):
هذا بخلاف ما يفعله العامة حيث يستقبلون الجبل ولا يستقبلون القبلة وهذا ناتج عن جهلهم، فينبغي على طالب العلم أن يوجه الناس ويعلمهم دينهم برفق وسهولة ويسر.
(2)
قوله (وَيَكُوْنُ رَاكِبًا):
أي ويستحب أن يكون راكباً لفعله صلى الله عليه وسلم.
والأظهر عندي أنه يفعل الأرفق به من الوقوف راكباً أو جالساً.
(3)
قوله (وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ): لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الترمذي وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) 1.
وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللهِ عز وجل (1)، إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ (2)، ثُمَّ يَدْفَعُ مَعَ الإِمَامِ إِلَى مُزْدَلِفَةٍ (3)، -
فائدة: هل الوقوف يبدأ من أول النهار أم من الزوال؟
قولان للعلماء: الجمهور على أنه من الزوال، ويرى الإمام أحمد أنه من أول النهار.
والراجح: قول الجمهور.
(1)
قوله (وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللهِ عز وجل):
للحديث المتقدم، فعلى الحاج الإكثار من الدعاء والاستغفار، واستغلال هذا اليوم العظيم، فإن لحق بالإنسان ملل ونحوه فلا حرج أن يستريح بنوم، أو بقراءة قرآن، أو بمذاكرة مع إخوانه، أو في أحاديث تتعلق بالرحمة والرجاء، والبعث، والنشور، وغير ذلك مما هو أنفع لقلبه.
فائدة: الأحسن أن يدعو كل شخص وحده
، لكن لو كان هناك من لا يحسن الدعاء وطلب من أخيه أن يدعو وهو يؤمن فلا حرج، وكذا لو دعا للنساء اللاتي لا يحسنَّ الدعاء فهو مأجور إن شاء الله.
(2)
قوله (إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ):
لحديث جابر المتقدم وفيه (.. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ.. )، فلا يجوز أن يدفع الحاج قبل غروب الشمس لفعله صلى الله عليه وسلم ولقوله صلى الله عليه وسلم (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ.. ) (1). (3)
قوله (ثُمَّ يَدْفَعُ مَعَ الإِمَامِ إِلَى مُزْدَلِفَةٍ):
هذا إذا كان هناك إمام وهو الوالي الذي إليه أمر الحج من قبل الإمام، فيستحب أن يقف حتى يدفع الإمام الذي يؤم الناس في عرفات.1
عَلَى طَرِيْقِ الْمَأْزِمَيْنِ (1) وَعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ وَالْوَقَارُ (2). وَيَكُوْنُ مُلَبِّيًا ذَاكِرًا للهِ عز وجل (3)، فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفَةَ صَلىَّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (4)
ومزدلفة سميت بذلك من الازدلاف، وهو التقرب بالحجاج إذا أفاضوا من عرفات، ازدلفوا إليها أي تقربوا ومضوا إليها.
وسميت أيضاً بجمعٍ لاجتماع الناس فيها في الجاهلية والإسلام، وهي أيضاً تسمى بالمشعر الحرام؛ سميت بذلك لإِخراج المشعر الحلال وهو عرفة.
(1)
قوله (عَلَى طَرِيْقِ الْمَأْزِمَيْنِ):
لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلكه، والمأزمان شِعْب بين جبلين يفضي آخره إلى بطن عرفة عند نهاية عرفة جهة مزدلفة، وبين وادي محسر الذي يفصل بين مزدلفة وبين منى، ويسمى الآن بطريق المشاة رقم (3)، وإن سلك طريقاً غيره جاز.
(2)
قوله (وَعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ وَالْوَقَارُ):
هذه هي صفة الدافع من مزدلفة أي ليدفع الحاج من عرفات إلى مزدلفة بالهدوء والرفق لقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حينما وجد زحاماً (أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ؛ السَّكِينَةَ) (1) وفي رواية: (أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ.. ) (2). (3)
قوله (وَيَكُوْنُ مُلَبِّيًا ذَاكِرًا للهِ عز وجل):
هذه أيضاً صفة أخرى من صفات الدفع إلى مزدلفة، وهي أن يكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل.
(4)
قوله (فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفَةَ صَلىَّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا): أي إذا وصل إلى مزدلفة صلى المغرب والعشاء جمعاً قبل أن يحطوا رحالهم، وهنا بعض الفوائد المتعلقة بهذه المسألة.12
.................................. -
فائدة (1): أن الجمع في المزدلفة جمع تقديم أو تأخير
حسب وصوله إليها.
فائدة (2): من صلى المغرب والعشاء في الطريق قبل الوصول إلى مزدلفة
: فذهب جمهور الفقهاء إلى إجزاء صلاته لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (.. وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا.. ) (1). وذهب ابن حزم (2) إلى عدم الإجزاء لقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة حينما كان يقول له الصلاة يا رسول الله فيقول (الصَّلاةُ أَمَامَكَ) (3). والصحيح: ما ذهب إله الجمهور.
فائدة (3): من خشي خروج وقت العشاء قبل أن يصل إلى مزدلفة
وجب عليه أن يصلي في الطريق، فينزل ويصلي إن أمكنه وإلا صلى في سيارته وأتى بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.
فائدة (4): من وصل إلى مزدلفة قبل دخول وقت العشاء
فهل يصلي المغرب في وقتها ثم ينتظر فيصلي العشاء إذا دخل وقتها؟ نقول الأفضل مراعاة الأرفق والأيسر من جمع التقديم أو جمع التأخير حسب وصوله إليها، ولا ينبغي أن يصلي كل صلاة في وقتها في هذا المكان.
فائدة (5): وهل يصلي الوتر هنا؟
قولان لأهل العلم؛ الأظهر عندي أنه يصلي الوتر لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع =123
ثُمَّ يَبِيْتُ بِهَا (1) = الوتر في حضر ولا سفر.
(1)
قوله (ثُمَّ يَبِيْتُ بِهَا):
أي فإذا صلى بمزدلفة العشاءين فإنه يبيت بها.
واختلف الفقهاء في حكم المبيت بمزدلفة على أربعة أقوال:
القول الأول: واجب، ومن تركه عليه دم، وهذا هو قول الشافعية 1، والحنابلة 2، وعليه أكثر أهل العلم.
القول الثاني: أن المبيت بمزدلفة سنة مؤكدة، ويجب بتركه دم، وهذا قول مالك 3.
القول الثالث: أن المبيت بمزدلفة واجب، ولا يترتب على تركه شيء، وهذا هو قول الحنفية 4.
القول الرابع: أنه ركن من أركان الحج، فلا يصح الحج إلا به، وهذا مروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وعلقمة بن قيس، والشعبي، والحسن البصري 5، وهو اختيار ابن خزيمة 6 رحمه الله، وهو قول لبعض الشافعية.
والصحيح من هذه الأقوال: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وهو كما قلنا قول أكثر أهل العلم، فالمبيت بمزدلفة واجب إلى طلوع الفجر، ويرخص لأهل الأعذار بالدفع قبل غيبوبة القمر، فمن ترك المبيت فعليه دم لتركه =
ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ (1) وَيَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ (2)، = واجباً من واجبات الحج.
- فائدة: اختلف الفقهاء في قدر الوقوف الواجب في مزدلفة؟
فالمالكية (1) قالوا بأن زمن الوقوف يكون بقدر حط الرحال.
وقال الشافعية (2)، والحنابلة (3) بأن زمن الوقوف الواجب بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة، أي فترة من الزمن ولو قصيرة.
وقال الحنفية (4) ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الشافعية، والحنابلة، وسيأتي إن شاء الله بيان الوقت الذي يجوز فيه الدفع من مزدلفة.
(1)
قوله (ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ):
أي في أول وقتها دليل ذلك قول جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما (وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) (5). لكن يجب عليه التأكد من جهة القبلة ودخول الوقت فمن المؤسف أننا نرى الكثير من الحجاج لا يراعون هذين الأمرين.
(2)
قوله (وَيَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ):
أي بعد أداء فريضة الفجر ينطلق الحاج إلى المشعر الحرام، وهو جبل مكانه الآن المسجد الموجود في مزدلفة،
دليل ما ذكره المؤلف
قوله تعالى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ 6، وسمي المشعر الحرام لأن المشعر الحلال عرفة، ومزدلفة من =12345
فَيَقِفُ عِنْدَهُ، وَيَدْعُوْ وَيَكُوْنُ مِنْ دُعَائِهِ: اللهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيْهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ، كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنَا، كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكِ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوْا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآيَتَيْنِ) (1)، إِلَى أَنْ يُسْفِرَ (2)، ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ (3)، =الحرم، وعرفة ليست من الحرم.
(1)
قوله (فَيَقِفُ عِنْدَهُ، وَيَدْعُوْ وَيَكُوْنُ مِنْ دُعَائِهِ: اللهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيْهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ، كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنَا، كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكِ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوْا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآيَتَيْنِ): الصحيح أنه ليس هناك دعاء محدد في مزدلفة، لكن هذا الموقف من المواقف التي يرجى فيها قبول الدعاء فيدعو الإنسان فيها بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
(2)
قوله (إِلَى أَنْ يُسْفِرَ):
أي يسفر إسفاراً واضحاً قال جابر رضي الله عنه (.. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا.. ) (1)، وكان أهل الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، ويقولون (أشرق ثبير كي ما نغير)، وثبير جبل مرتفع تطلع عليه الشمس قبل غيره.
وبهذا تبين لنا أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس ومن مزدلفة بعد طلوع الشمس فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقتين.
(3)
قوله (ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ):
لحديث جابر المتقدم وفيه: (.. فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.. ) 2.1
فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ (1)، حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى (2)، فَيَبْدَأُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (3) (1)
قوله (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ):
أي إذا بلغ وادي محسر، وهو وادي من طريق مزدلفة إلى منى أسرع في مسيره إن أمكن.
والحكمة في الإسراع في هذا الوادي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أسرع فيه، وقد قيل إن أصحاب الفيل حسروا فيه، أي أعيوا، وقيل في سبب إسراع النبي صلى الله عليه وسلم فيه لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخالفهم، وقيل غير ذلك.
ولكن يبقى أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرع فيه، فنسرع نحن كذلك فيه إن أمكن ذلك.
وقوله (رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ): أي ليكن الإسراع فيه مسافة قدرها رمية حجر، قدَّرها بعض أهل العلم بقدر (545) ذراعاً، ودليل الإسراع حديث جابر رضي الله عنهما وفيه (.. حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلاً.. ) (1).
فائدة: لم يذكر المؤلف هنا موضع التقاط الحصى
: فقيل يأخذ الحصى من مزدلفة، وقيل من منى، وقيل من وادي محسر.
والذي يظهر: أن الأمر فيه واسع ولله الحمد.
(2)
قوله (حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى):
سميت بذلك لكثرة ما يمنى أي يراق فيها من الدماء.
(3)
قوله (فَيَبْدَأُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ):
وهي آخر الجمرات من ناحية منى وأقربهن من جهة مكة، وسميت بجمرة العقبة لأنها كانت في عقبة - وهي المرقى الصعب من الجبال -، وقد أزيل ما حولها توسعة للمكان، وهي تسمى الآن باسم =1
فَيَرْمِيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ (1)
= الجمرة الكبرى.
فيبدأ الحاج بها بعد دفعه من مزدلفة لأنها تحية منى، دليل ذلك حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما وفيه (.. ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا.. ) (1).
(1)
قوله (فَيَرْمِيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ):
لحديث جابر رضي الله عنهما وفيه (.. حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ.. ) 2.
ولا يجزئ بأقل من السبع، ولا يشرع الزيادة على السبع.
ولا يجزئ الرمي بغير الحصى؛ فلو رماها بحديد، أو معدن، أو بخشب، أو أسمنت فلا يجزئ، لكن لو كان في كسر الأسمنت حصا لأجزأ الرمي بها.
- فائدة: وهل يجوز أن يرمي بالحصى المرمي به؟
نقول المذهب 3 يرون أنه لا يجوز أن يرمي بحصى قد رمي به.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن الحصاة المرمي بها تجزئه لأنه هو الأرفق بالناس، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين 4 وهو مذهب الشافعية 5. والأحوط عندي: أن لا يرمي بحصى رمي به، وهذا اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله 6.1
.................................. لكن لو فعل وعاد إلى بلده فهنا لا حرج عليه.
فائدة (1): إذا رمى بأقل من سبع هل يلزمه شيء؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فالشافعية (1)، والحنابلة (2) ذهبوا إلى أن من ترك ثلاث حصيات يجب فيه دم، وترك حصاتين عند الشافعية فيها دمان، وفي حصاة دم، وعند الحنابلة في الحصاة أو الحصاتين روايتان.
والظاهر أنه لا شيء عليه عندهم في الحصاة ولا الحصاتين.
قاله صاحب المغني (3).
وعند الحنفية (4) إن ترك الأكثر لزمه دم، وإن ترك الأقل فعليه صدقة لكل حصاة نصف صاع بر أو صاع من تمر أو شعير.
وعند المالكية (5) يلزمه دم في ترك حصاة أو ترك الجميع.
فائدة (2): لا يشرع رمي الشاخص
بل المشروع الرمي في الحوض.
فائدة (3): من شك في الحصى هل وقع في الحوض أو لا
فعليه التكميل حتى يتيقن.
- فائدة 4: قال الخرقي 6 رحمه الله ويستحب غسل الحصى.
قال صاحب المغني اختلف عن أحمد في ذلك؛ روي عنه أنه يستحب، =1235
كَحَصَى الْخَذْفِ (1) يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ (2)،
= وعنه لا يستحب، والصحيح عندي: أنه لا يستحب غسله، بل الرمي به من غير غسل لأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم.
قلت: وهو الصحيح؛ فلا يشرع غسل الحصى قبل رميه.
(1)
قوله (كَحَصَى الْخَذْفِ):
هذه هي صفة الحجر الذي يرمى به، فهو مثل حصى الخذف، وهي في الحجم تشبه بعر الغنم المتوسط، فوق الحمص ودون البندق.
دليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ هَاتِ الْقُطْ لِي فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) (1).
(2)
قوله (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ):
هذه هي صفة الرمي:
أولاً: يرفع يده حال الرمي حتى يرى بياض إبطه.
ثانياً: يكبر حال رميه بالحصى مع كل حصاه، ودليل التكبير حديث جابر وفيه (.. يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا.. ) (2).
لكن هل يستقبل القبلة عند رميه؟
نقول ذهب الجمهور 3 إلى أنه يستقبل القبلة عند رميه، واحتجوا لذلك بما رواه الترمذي وغيره عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال (.. لَمَّا أَتَى عَبْدُ =12
وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ (1)، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ (2) اللَّهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَجَعَلَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ مِنْ هَاهُنَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (1). والأرجح عندي: أنه يجعل الكعبة عن يساره لما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن يزيد أنه حج مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: (.. هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (2).
(1)
قوله (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ):
لأنه إذا بدأ الرمي شرع له ذكر آخر وهو التكبير دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن الفضل بن العباس رضي الله عنهما قال: (لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) (3)، وقيل بل يقطعها عند فراغه من جمرة العقبة.
والصحيح: القول الأول.
(2)
قوله (وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ):
أي يرمي جمرة العقبة من وسط الوادي الذي بجانبها، دليل ذلك حديث جابر المتقدم وفيه (.. اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ.. ) 4.123
وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ (1) وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا (2)، ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيَهُ (3)، ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ (4) -
فائدة: من رمي من فوق الجسر المبني فوق الجمرات
فلا حرج، ولو كان رميها من تحته أيسر, بل الأفضل أن يفعل الحاج الأيسر له فيؤدي هذه العبادة بطمأنينة وحضور نية.
(1)
قوله (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ):
قد سبق بيان ذلك وقلنا أن السنة أن يجعل الكعبة عن يساره، أما حديث استقبال الكعبة فهو ضعيف.
(2)
قوله (وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا):
أي إذا انتهى من رمي جمرة العقبة يوم العيد فإنه لا يقف عندها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك.
(3)
قوله (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيَهُ):
إن كان معه هديٌ واجبٌ كهدى التمتع والقران أو هدي تطوع، ودليل ذلك ما جاء في حديث جابر رضي الله عنهما (.. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ.. ) (1). (4)
قوله (ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ):
أي هو مخير بين الحلق والتقصير، والحلق أفضل بلا شك لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاٌ وللمقصرين مرة.
ولأن الله تعالى قدَّمه في الذكر فقال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (2).
فائدة (1): هل يحصل الحلق بالماكينة؟
قال شيخنا رحمه الله الحلق بالماكينة لا يعتبر حلقاٌ وإن كان أدنى درجة، فالحلق لابد أن يكون بالموس.
والذي يظهر لي: أنه إذا كان بالماكينة برقم - صفر - =12
ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ (1) = فهو حلق، ويأخذ أجر المحلقين.
فائدة (2): الحكمة من الحلق
أنه ذُل لله عز وجل لا للتنظيف، ولهذا لم نؤمر به في غير الإحرام.
فائدة (3): إذا حلق لنفسه بنفسه
: قال بعض أهل العلم بأنه فعل محظور.
والصحيح: أنه لم يفعل محظوراً بل حلق للنسك.
فائدة (4): هل يقصر بعض رأسه أم لابد من التعميم؟
الجواب: لابد أن يكون التقصير من جميع الرأس بحيث يظهر لمن رآه أنه مقصر، أما ما يفعله بعض الناس حيث يأخذ بعض الشعر من الرأس أخذاً بقول بعض الفقهاء فهذا قول غير صحيح، بل لابد من أن يشمل التقصير جميع الرأس.
وأما المرأة فالمشروع في حقها أن تقصر من شعرها قدر أنملة الأصبع، وهي مفصل الأصبع، ومقدار ذلك اثنان سنتيمتر تقريباٌ.
(1)
قوله (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ):
أي بعد حلقه يكون قد حل له كل شيء إلا النساء دليل ذلك ما رواه أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ) 1، أي بعد الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير حلَّ له كل شيء إلا النساء.
وقد سبق أن قلنا أن التحلل الأول اختلف أهل العلم فيما يحصل به: فقيل =
ثُمَّ يُفِيْضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ لِلزِّيَارَةِ (1)، وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِيْ بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ (2)، ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُوْمِ (3).. = يحصل بالرمي فقط، وقيل يحصل باثنين من ثلاثة بالرمي، أو الحلق، أو الطواف، وهذا هو الصواب.
فائدة: الأحوط أن لا يعقد الحاج عقد نكاح ولا يخطب بعد التحلل الأول
.
وذهب شيخ الإسلام إلى جواز عقد النكاح بعد التحلل الأول، لكن الأولى عندي أن لا يفعله حتى يتحلل التحلل الثاني.
قوله (إِلاَّ النِّسَاءِ) فلا يحل له وطؤها، أو مباشرتها ولمسها بشهوة ونحوه.
(1)
قوله (ثُمَّ يُفِيْضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ لِلزِّيَارَةِ):
وهو طواف الحج؛ أي ثم يفيض الحاج من مفرد وقارن ومتمتع إلى مكة، فيطوف طواف الزيارة يوم العيد كما في حديث جابر، لكن إن كان في هذا اليوم مشقة وزحام فلا حرج عليه أن يؤخره إلى وقت آخر.
(2)
قوله (وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِيْ بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ):
أي هذا الطواف يعني طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج إذا طاف تم حجه، وسيأتي مزيد من بيان لأحكامه إن شاء الله تعالى.
(3)
قوله (ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُوْمِ):
أي إذا انتهى الحاج من طواف الإفاضة فالواجب عليه أن يسعى بين الصفا والمروة، لكن ليس هذا السعي لكل أحد، بل يلزم المتمتع أو من لم يسع في طواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً.
ونقول في هذه ال
مسألة: هل يلزم المتمتع سعيان
أم يكتفي بالسعي الأول يعني سعي العمرة؟ =
..................................
=اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور 1 الفقهاء، وهو قول الشيخين 2 إلى أن المتمتع يلزمه سعيان سعي لعمرته وسعي لحجه، واستدلوا لذلك بما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما سئل عن متعة الحج قال (أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اجْعَلُوا إِهْلالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ وَقَالَ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ) 3، فهذا الحديث صريح في إن المتمتع يسعى سعيين.
واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت في حديثها عن حجة الوداع (فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) 4.
وجه الدلالة في قولها (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ)، فيكون بهذا قد طافوا طوافين، أحدهما للعمرة والآخر للحج.
..................................
القول الثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام 1، وابن القيم 2 رحمهما الله، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد 3 أنه ليس على المتمتع إلا سعيٌ واحد، فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول (يعني العمرة) أجزأه ذلك كما يجزئ المفرد والقارن.
واحتج لذلك شيخ الإسلام بأن الصحابة رضي الله عنهم الذين تمتعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف.
واحتج لذلك أيضاً بحديث جابر رضي الله عنهما في صحيح مسلم (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا)، زَادَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ (طَوَافَهُ الأَوَّلَ) 4.
قلت: وبعد عرض القولين وأدلة كل فريق الذي يترجح عندي ما ذهب إليه الجمهور.
فيجب على المتمتع سعيان؛ سعي لعمرته، وسعي لحجه لما دل عليه حديث ابن عباس، وحديث عائشة رضي الله عنهما، وهما ظاهران في الدلالة على أن المتمتع يلزمه سعيان، أما حديث جابر رضي الله عنهما فيجاب عنه بأن ما ذكره إنما هو في حق القارن لا المتمتع.
أما القارن فلا يلزمه إلا طواف واحد وسعي واحد، فلم ينقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين، وهذا هو قول جمهور =
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أحبَّ (1)
= الفقهاء (1)، وهو المشهور عن الإمام أحمد (2)، وفي رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة (3)، وهو قول الشعبي، وجابر بن يزيد، وعبد الرحمن بن الأسود، وبه قال الثوري أن القارن يلزمه طوافان، وسعيان.
والصحيح: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ فلا يلزم القارن وكذا المفرد إلا طواف واحد وسعي واحد، وذلك لحديث جابر المتقدم، وفيه قوله (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا) (4).
قال النووي رحمه الله في تعليقه على الحديث: (وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة للشافعي (5)، أو موافقيه في أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة وسعي واحد).
قلت: فمتى طاف المتمتع وسعى، وكذا من لم يسع عند طوافه للقدوم فإنه يحلُّ بذلك التحلل الأكبر، فقد حلَّ له كل شيء حتى النساء، وهذا بالإجماع.
(1)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أحبَّ):
ماء زمزم معروف؛ قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم (.. إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ.. ) 6، وفي رواية: (.. وَشِفَاءُ سُقْم) 7.12345
وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ (1)
=والشرب منها مستحب وله ثلاث طرق:
الأول: أن يشرب منها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لكونه شرب منها، فهذا سُنَّة، فقد روى البخاري ومسلم من حديث جابر المتقدم وفيه قوله (.. فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ.. )، وفيه قوله (.. فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ.. ) (1).
الثاني: أن يشرب منه بنية حصول أمر يحبه كأن يشرب منه بغية الشفاء، أو حصول العلم، أو المال، أو نحوه، فهذا قد ورد فيه حديث وهو ما رواه ابن ماجه، وأحمد من حديث جابر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) (2)، وأيضاً للحديث المتقدم (.. وَشِفَاءُ سُقْم) (3).
وهذان الحديثان اختلف في صحتهما، فقد ضعفهما بعض أهل العلم، وبعضهم صحح حديث (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)، وذلك بمجموع طرقه، وبعضهم ضعف حديث (وَشِفَاءُ سُقْم)، وجعلها موقوفة على مجاهد كما ذكر ذلك في التلخيص.
الثالث: أن يجمع الإنسان بين النيتين عند شربه من زمزم نية الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وكذا حصول مراده عند شرب ماء زمزم.
(1)
قوله (وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ):
أي يزيد من الشرب منه حتى تمتلئ أضلاعه، وقد جاء في ذلك أثر بأن المنافقين لا يتضلعون من زمزم.123
ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِيْ، وَامْلأْهُ مِنْ حِكْمَتِكَ وَخَشْيَتِكَ (1) (1)
قوله (ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِيْ، وَامْلأْهُ مِنْ حِكْمَتِكَ وَخَشْيَتِكَ): قلت الحديث الوارد في ذلك ضعفه كثير من أهل العلم.
بَابُ ما يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحِلِّ
(1) ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنَى وَلا يَبِيْتُ لَيَالِيَهَا إِلاَّ بِهَا (2) (1)
قوله (بَابُ ما يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحِلِّ):
أي بعد تحلله التحلل الثاني فإنه يرجع إلى منى.
(2)
قوله (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنَى وَلا يَبِيْتُ لَيَالِيَهَا إِلاَّ بِهَا):
وهذا واجب من واجبات الحج عند جمهور الفقهاء 1 يلزم لمن تركه بغير عذر دم.
وذهب الحنفية 2 إلى أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق سُنَّة وليس بواجب.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور لقول النبي صلى الله عليه وسلم (خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ لَعَلِّى لا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِى هَذَا) 3، ولأنه صلى الله عليه وسلم بات بمنى.
وروى البخاري ومسلم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (أَنَّ الْعَبَّاسَ رضي الله عنه اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ) 4، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ مِنًى مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ فَرَخَّصَ لَهُ) 5 فكونه صلى الله عليه وسلم يرخص لعمه العباس يدل على أن المبيت عزيمة لا بد منها.
لكن اختلف الفقهاء في القدر الواجب للمبيت الذي يجب على من تركه دم؟
فقال المالكية 6 إن ترك المبيت بها جُلّ ليله فدم، وكذا ليلة كاملة أو أكثر =
فَيَرْمِيْ بِهَا الْجَمَرَاتِ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ أَيَّامِهَا (1)،
= حتى وإن كان يترك لضرورة ولم يسقطوا الدم بترك المبيت إلا للرعاة وأهل السقاية.
وأوجب الشافعية (1)، والحنابلة (2) في ترك المبيت كله دماً واحداً، وفي ترك ليلة مُداً من الطعام، وفي ترك ليلتين مُدَين إلا إذا ترك المبيت لعذر فلا شيء عليه كأهل السقاية.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الشافعية، والحنابلة، وهو قول شيخنا رحمه الله (3).
(1)
قوله (فَيَرْمِيْ بِهَا الْجَمَرَاتِ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ أَيَّامِهَا):
أي إذا زالت شمس أول أيام التشريق وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة فإن الحاج يبدأ برمي الجمرات، ويكون الرمي بعد زوال الشمس، وهو وقت أذان الظهر.
وقول المؤلف (بَعْدَ الزَّوَالِ)، هذا هو الصحيح، وعليه جمهور الفقهاء لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه رضي الله عنهم من بعده، وهو قول جماهير العلماء خلفاً وسلفاً، فلا يجوز الرمي قبل الزوال، ودليل ذلك:
1 - ما رواه الإمام أحمد ومسلم عن جابر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند رمي جمرة العقبة (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ.. ) 4.
2 - ما رواه أبو داود أيضاً عن جابر رضي الله عنهما قال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ) 5.123
.................................. (وما رواه أحمد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (رَمَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْجِمَارَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ) 1. 3 - ما رواه أحمد وغيره أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت (أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) 2 4 - ما رواه البخاري وأبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) 3. 5 - ما رواه البيهقي عن عمر رضي الله عنه قال (لا تَرْمِى الْجَمْرَةَ حَتَّى يَمِيلَ النَّهَارُ) 4. فهذه الأدلة وغيرها تدل دلالة واضحة على أن الرمي أيام التشريق لا يكون إلا بعد الزوال، وهذا ما أفتى به الشيخان 5، وهو قول اللجنة الدائمة 6. 6 - ومن الأدلة أيضاً التعليل، وهو أنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجه آخر لأن الرمي قبل الزوال أيسر، ولأن الرمي بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس أن يأتوا من مخيمهم إلى الجمرات، =
كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ (1)،
ومع شدة الحر يكون الغمّ مع الضيق والزحام، فلا يمكن أن يختار النبي صلى الله عليه وسلم الأشد ويدع الأخف.
قلت: وما ذهب إليه بعض العلماء من جواز الرمي قبل الزوال نظراً لشدة الزحام وما يحصل بسببه من المشقة غير متجه لأن وقت الرمي ممتدٌ، ويمكن تلافي الزحام إذا انتظم الناس في الرمي، ولو أن الحاج المتعجل يوم الثاني عشر بقي قليلاً إلى ما بعد العصر لزال الزحام، ثم بعد هذه التوسعة التي قامت بها حكومتنا - وفقها الله لكل خير وحماها من كل شر - حيث تعددت الجسور وتوسع مكان الرمي، وتشعبت الطرق المؤدية إليه، وبناءً على ذلك فلا ينبغي لأحد أن يفتي بالرمي قبل الزوال، فقد زال الزحام وما يسببه من المشقة بفضل الله تعالى ثم بفضل جهود هذه البلاد المباركة على يد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله ووفقه لكل خير.
(1)
قوله (كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ):
قد سبق بيان ذلك يرمي كل جمرة بسبع حصيات فيكون مجموع الحصى في اليوم الحادي عشر إحدى وعشرين، ويكون جملة ما يرميه الحاج من بداية يوم العيد إلى آخر أيام التشريق سبعين حصاة، وقد سبق ذكر حكم ما إذا رمى بأقل من سبع حصيات.
وقد روى النسائي عن سعد رضي الله عنه (رَجَعْنَا فِي الْحَجَّةِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَعْضُنَا يَقُولُ رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَبَعْضُنَا يَقُولُ رَمَيْتُ بِسِتٍّ فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) 1.
قلت: لكن لا يجوز أن يتعمد الرمي بأقل من سبع حصيات.
فَيَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الأُوْلَى (1)، فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيْهَا بِسَبْعٍ كَمَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (2)، ثُمَّ يَتَقَدَّمَ قَلِيْلاً، فَيَقِفُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى (3)، ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى، فَيَرْمِيْهَا كَذلِكَ (4). ثُمَّ يَرْمِيْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (5)، وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا (6)، (1)
قوله (فَيَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الأُوْلَى):
وهي أبعد الجمرات من مكة وأقربها من منى، وهي التي تلي مسجد الخيف، وتسمى الآن بالجمرة الصغرى.
(2)
قوله (فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيْهَا بِسَبْعٍ كَمَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ):
وقيل يجعل مكة عن يمينه ومنى عن يساره، ويستقبل الجمرة، ثم يتقدم ذات اليمين، وتكون الجمرة جهة كتفه الأيسر، ولا دليل هنا على استقبال القبلة حال الرمي، ولذا الأظهر عندي أنه يفعل الأيسر له لما فيه من التيسير على المسلم في هذا الموقف الذي يحصل فيه زحام ومشقة شديدة.
(3)
قوله (ثُمَّ يَتَقَدَّمَ قَلِيْلاً، فَيَقِفُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى):
أي يبتعد قليلاً عن موضع الزحام لئلا يناله الحصى، ويدعو طويلاً.
وسنذكر دليل ذلك إن شاء الله.
(4)
قوله (ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى، فَيَرْمِيْهَا كَذلِكَ):
أي يرميها بسبع حصيات متتابعات ثم يدعو كما فعل في الأولى.
(5)
قوله (ثُمَّ يَرْمِيْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ):
وهي التي رماها يوم العيد.
(6)
قوله (وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا):
أي لا يقف عند جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى بل إذا رماها انصرف.
وقد علل الفقهاء عدم الدعاء هنا بأمرين:
الأول: إما لأن المكان ضيق، فلو وقف لحصل منه تضييق على الناس وتعب على نفسه.
الثاني: وقيل لا يدعو هنا لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في موقف العبادة =
ثُمَّ يَرْمِيْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيْ كَذلِكَ (1)، ولا يكون بعدها، ودليل ما ذكره المؤلف حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلا ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ) (1).
(1)
قوله (ثُمَّ يَرْمِيْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيْ كَذلِكَ):
أي ثم يرمي في اليوم الثاني عشر وهو الثاني من أيام التشريق كما رمى في اليوم الذي قبله.
فائدة (1): هل الترتيب في الرمي بين الجمرات شرط؟
نقول: قال بعض الفقهاء يشترط الترتيب في الرمي، وقال بعضهم لا يشترط الترتيب، فمتى جاء به على غير وجه فيه ترتيب جاز ذلك.
قلت: والصواب أنه إن كان معذوراً سقط الترتيب، وإن تعمد لم يسقط.
فائدة (2): من أخر الرمي كله إلى اليوم الثالث
: أجزأه ذلك لكن يرتب الرمي بنيته، فيبدأ برمي أول يوم بالأولى ثم الثانية ثم الثالثة، ثم يعود فيرمي لليوم الثاني فيبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، وهكذا لليوم الثالث، ولا يجزيء أن يرمي الأولى عن ثلاثة أيام ثم الوسطى عن ثلاثة أيام ثم العقبة عن ثلاثة أيام لأن ذلك يفضي إلى تداخل العبادات، لكن مع القول بأنه أخر الرمي كله إلى اليوم الثالث أجزأه ذلك عنه.
قال بعض أهل العلم: غير أنه لا يجوز أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر يوم =1
فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِيْ يَوْمَيْنِ خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوْبِ (1)، فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، لَزِمَهُ الْمَبِيْتُ بِهَا، وَالرَّمْيُ مِنْ غَدٍ (2)،
=إلا في حال واحدة وهي أن يكون منزله بعيداً ويصعب عليه أن يتردد كل يوم لاسيما في أيام الحر وشدة الزحام فهنا لا بأس، أما كون الإنسان ليس له عذر أو لقربه من الجمرات فهنا يجب عليه أن يرمي كل يوم في يومه ولا يجوز له أن يؤخر الرمي إلى آخر أيام التشريق.
والذي يظهر لي أن الأمر واسع في ذلك.
وهل يعتبر له أداء أو قضاء؟
الراجح: أنه أداء، لأن أيام التشريق كلها أيام رمي.
(1)
قوله (فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِيْ يَوْمَيْنِ خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوْبِ):
أي إن أحب أن يتعجل في الخروج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد رمي جماره فلابد له أن يخرج منها قبل غروب الشمس، وهذا هو قول جمهور الفقهاء (1).
وقال الحنفية (2) له أن ينفر ما لم يطلع الفجر.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور، وذلك ليصدق عليه أنه تعجل في يومين، إذ لو أخَّر الخروج إلى ما بعد الغروب لم يكن تعجل في يومين لأن اليومين قد فاتا وانقضيا.
(2)
قوله (فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، لَزِمَهُ الْمَبِيْتُ بِهَا، وَالرَّمْيُ مِنْ غَدٍ):
دليل ذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما (من غربت عليه الشمس وهو بمنى =12
فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، فَقَدِ انقَضَى حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ (1)، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيْمِ، فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ (2)، ثُمَّ يَأْتِيْ مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ (3)،
=من أوسط أيام التشريق فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد) (1)، وروي معناه عن عمر رضي الله عنه.
قلت: هذا إذا لم يكن نوى التعجل، فإن نوى التعجل وتهيأ لذلك وأدركه الغروب فلا يلزمه في أصح قولي العلماء، وهو مذهب الشافعية (2).
فائدة: من تعجل في يومين وخرج من منى قبل غروب الشمس
وكان قد رمى قبل ذلك ثم رجع إلى منى في الليل لحاجة له فلا يلزمه المبيت بها، وإن بات بها فلا يلزمه الرمي في هذا اليوم لأنه قد قطع نية العبادة، فلا يضره رجوعه إليها.
(1)
قوله (فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، فَقَدِ انقَضَى حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ):
وذلك لانقضاء أعمال الحج في حقه.
(2)
قوله (وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيْمِ، فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ):
أي إذا انتهى من رمي الجمرات فإنه يخرج إلى التنعيم فيحرم منه وذلك ليأتي بعمرة، كما فعلت عائشة رضي الله عنها.
وهل هذا مستحب أم لا؟ على قولين: فمن استحبه احتج بحديث عائشة رضي الله عنها، ومن قال بعدم الاستحباب احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولم يأمر أحداً من أصحابه أن يفعله، وإنما أذن لعائشة تطييباً لخاطرها.
(3)
قوله (ثُمَّ يَأْتِيْ مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ):
أي يأتي بأعمال العمرة على الوجه الذي ذكرناه سابقاً.12
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعَرٌ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوْسَى عَلَى رَأْسِهِ (1)، وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ (2)، وَلَيْسَ فِيْ عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةً عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ (3)، لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (4)، (1)
قوله (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعَرٌ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوْسَى عَلَى رَأْسِهِ):
هذا على سبيل الاستحباب، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوبه.
والصحيح: أنه يستحب لأن الحلق أو التقصير محله الشعر فسقط بعدمه، كما يسقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده.
وقال بعضهم: لا يسن لأنه إذا سقط ما وجب الحلق لأجله سقط الحلق.
(2)
قوله (وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ):
أي المفرد متى انتهى من عمرته بعد حلقه لشعره فقد انتهى من حجه وعمرته.
(3) قوله (وَلَيْسَ فِيْ عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةً عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ): إلا ما سيذكره المؤلف وهو وجوب الهدي في حق القارن دون المفرد، لكن المؤلف أراد أن يبين أن الأعمال الظاهرة لا تختلف أما العمل الباطن فيختلف فيكون بنية إما قارناً أو مفرداً.
(4)
قوله (لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 1 ذهب جمهور الفقهاء 2 إلى وجوب الدم على القارن قياساً على المتمتع، ولذا قالوا بوجوب الهدي عليه ووجه القياس عندهم =
وَإِذَا أَرَادَ القُفُوْلَ (1)،
= أن هذا الحاج جمع بين نسكين وهما الحج والعمرة في سفرة واحدة كما هو الحال مع المتمتع.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن القارن ليس عليه دم، واحتجوا لذلك بظاهر النص القرآني بقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (1)، فقوله تعالى ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ ولم يقل (مع العمرة) يشعر بأنه هناك فرقاً والفرق بينهما أنه لو قال فمن تمتع بالعمرة مع الحج لقلنا إن القارن يدخل في ذلك، لأن القارن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفراً مستقلاً، لكن لما قال ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ علمنا أن هناك انفصالاً بين العمرة والحج.
ثم إن من شروط القياس أيضاً أنه لا بد أن يشترك الأصل والفرع في العلة الموجبة، والعلة هنا مختلفة فالعلة في وجوب الدم على المتمتع أن الله يسر له تمتعاً تاماً بين العمرة والحج، والقارن ليس كذلك لأنه سيبقى محرماً من حين أن يحرم إلى يوم العيد، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس، وذهب شيخنا رحمه الله إلى أن الأحوط في حق القارن، والأكمل لنسكه أن يهدي.
قلت: والذي يظهر عندي هو وجوب الهدي على القارن لجمعه بين نسكين في سفرة واحدة وبوجوبه أفتت اللجنة الدائمة، وعلى ذلك يجب على من حج قارناً أو متمتعاً هدي يذبح في مكة، فإن لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كما ذكره المؤلف هنا.
(1)
قوله (وَإِذَا أَرَادَ القُفُوْلَ):
أي الرجوع إلى بلده.1
لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيْعِ أُمُوْرِهِ، حَتَّى يَكُوْنَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ (1)، (1)
قوله (لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيْعِ أُمُوْرِهِ، حَتَّى يَكُوْنَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ): دليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ) (1)، وفي رواية لمسلم (كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ) (2).
واختلف الفقهاء في حكم طواف الوداع بالنسبة للحاج
:
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية 3، والحنابلة 4، وهو الأظهر عند الشافعية 5 إلى أنه واجب لحديث ابن عباس المتقدم.
وذهب المالكية 6 إلى أنه مستحب وليس بواجب، واحتجوا لذلك بأنه جائز للحائض تركه دون فداء، ولو وجب لم يجز للحائض تركه.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور لحديث ابن عباس المتقدم، وكونه لم يجب على الحائض هو من باب التخفيف على المرأة الحائض لحديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه قوله (إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) 7، لكن إن =12
فَإِنِ اشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِتِجَارَةٍ أَعَادَهُ (1)، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا طَافَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَلْتَزِمُ الْبَيْتَ (2)، =طهرت المرأة الحائض قبل مفارقة البنيان رجعت واغتسلت وودعت لأنها في حكم الإقامة، وإن فارقت البنيان فلا يجب عليها الرجوع، أما العمرة فلا يجب لها طواف وداع على الصحيح من أقوال أهل العلم، ويرى شيخنا وجوبه.
(1)
قوله (فَإِنِ اشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِتِجَارَةٍ أَعَادَهُ):
أي إن اشتغل بعد أداءه لطواف الوداع بشراء ونحوه، أو تأخر كثيراً، أو أدى بعض أعمال الحج بعد طوافه للوداع، كأن يطوف بالبيت للوداع ثم يعود لرمي الجمار فيلزمه الإعادة لأنه لم يصدق عليه أنه جعل آخر عهده بالبيت الطواف، لكن إن تأخر لعذر كرفقه غابت عنه، أو لضياع بعض أغراضه، أو طاف للوداع ليلاً ثم لم يتمكن من الخروج إلا نهاراً ونحو ذلك فلا يلزمه إعادة الطواف.
(2)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا طَافَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَلْتَزِمُ الْبَيْتَ):
الملتزم: موقف ما بين الركن الذي هو الحجر الأسود والباب، هذا هو الملتزم.
وقد اختلف الفقهاء في حكم الوقوف في الملتزم
:
فأكثر أهل العلم على استحبابه، واحتجوا لذلك بأن بعض الصحابة كابن عباس وابن عمر وابن الزبير كانوا يفعلونه، وهو أيضاً ثابتٌ عن طاووس ومجاهد وعروة بن الزبير وغيرهم.
وذهب بعضهم أنه لا يلتزم من البيت شيئاً لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره عن الصحابة، كالخلفاء الراشدين، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من أكابر الصحابة.
وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ هَذا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِيْ عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِيْ مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِيْ فِيْ بِلادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِيْ بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِيْ عَلَى أَدَاءِ نُسُكِيْ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّيْ، فَازْدَدْ عَنِّيْ رِضًا، وَإِلاَّ فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِيْ، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِيْ إِنْ أَذِنْتَ لِيْ، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ، وَلا بِبَيْتِكَ وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلا عَنْ بَيْتِكَ.
اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِيْ بَدَنِيْ، وَالصِّحَةَ فِيْ جِسْمِيْ، وَالعِصْمَةَ فِيْ دِيْنِيْ، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِيْ، وَارْزُقْنِيْ طَاعَتَكَ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِيْ، وَاجْمَعْ لِيْ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ) (1)،
= والأظهر عندي - والله أعلم -: أنه لا بأس به ما لم يكن فيه أذية وضيق، وهذا ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله (1). وصفة الالتزام هو أن يضع صدره، ووجهه، وذراعيه، وكفيه يبسطهما على مكان الالتزام.
(1)
قوله (وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ هَذا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِيْ عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِيْ مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِيْ فِيْ بِلادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِيْ بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِيْ عَلَى أَدَاءِ نُسُكِيْ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّيْ، فَازْدَدْ عَنِّيْ رِضًا، وَإِلاَّ فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِيْ، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِيْ إِنْ أَذِنْتَ لِيْ، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ، وَلا بِبَيْتِكَ وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلا عَنْ بَيْتِكَ. اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِيْ بَدَنِيْ، وَالصِّحَةَ فِيْ جِسْمِيْ، وَالعِصْمَةَ فِيْ دِيْنِيْ، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِيْ، وَارْزُقْنِيْ طَاعَتَكَ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِيْ، وَاجْمَعْ لِيْ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ): لم يثبت ما ذكره المؤلف هنا بحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم، فلا يشرع تقصده على =1
وَيَدْعُوْ بِمَا أَحَبَّ (1)، ثُمَّ يُصَلِّيْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (2)، فَمَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِنْ كَانَ قَرِيْبًا (3)، وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا بَعُثَ بِدَمٍ (4)، = أنه مشروع، لكن إن دعا به على أنه دعاء فقط فلا بأس، وللإنسان أن يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
(1)
قوله (وَيَدْعُوْ بِمَا أَحَبَّ):
هذا هو الأقرب في اتباع السنة، وهذا الدعاء المذكور لم يثبت لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
(2)
قوله (ثُمَّ يُصَلِّيْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم):
أي ثم يختم دعائه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فلم يثبت تخصيص الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المكان.
لكن لعل المؤلف أراد بذلك أن يختم الداعي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا مستحب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (عَجِلَ هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ) (1).
(3)
قوله (فَمَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِنْ كَانَ قَرِيْبًا):
لأن طواف الوداع كما ذكرنا واجب فيلزمه الإتيان به ما لم يتضرر بنفسه، فإذا لم يحصل له ضرر لزمه الرجوع أداء للواجب.
(4)
قوله (وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا بَعُثَ بِدَمٍ):
كفارة عن تركه للوداع، فيذبح هذا الدم بمكة
ويوزع على فقراء الحرم.
دليل ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال (مَنْ نَسِىَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا) 21
إلاَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، فَلا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا (1)، وَيُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوُقُوْفُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَالدُّعَاءُ بِهَذَا (2). (1)
قوله (إِلاَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، فَلا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا):
أي يسقط عنها طواف الوداع كما ذكرنا ذلك سابقاً لحديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه قوله (إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) (1). (2)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوُقُوْفُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَالدُّعَاءُ بِهَذَا): هذا لا دليل عليه، ولذا فالصواب أن الحائض والنفساء لا تقفان عند الباب تدعوان إذ لا دليل على ذلك، بل لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم صفية رضي الله عنها حين نفست بذلك ولا غيرها ممن حج معه في حجة الوداع.1
بَابُ أَرْكانِ الْحَجِّ وَالعُمْرَةِ
(1) أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ (2) (1)
قوله (بَابُ أَرْكانِ الْحَجِّ وَالعُمْرَةِ):
سبق أن ذكرنا معنى الركن، والشرط، والواجب، والفرق بينها في كتاب الطهارة (1)، وقلنا بأن الركن هو جانب للشيء الأقوى، والمراد بالأركان هنا هو ما لا يتم الحج إلا بها، فمتى تركها عمداً أو سهواً لم يتم حجه.
(2)
قوله (أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ):
هذا هو الركن الأول، وبدأ به لأنه أعظم الأركان وأقواها، حيث يختص هذا الركن بأنه من فاته فقد فاته الحج، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على ركنيته.
فدليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ 2.
قال العلامة ابن سعدي رحمه الله 3 في تفسيره لهذه الآية فيها دليل على أمور: (أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج).
أما دلالة السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم (الْحَجُّ عَرَفَةُ) 4 رواه أبو داود وغيره.
أما الإجماع فقد أجمعت الأمة سلفاً وخلفاً على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج فمن تركه فاته الحج، قال ابن رشد 5 (وأجمعوا على أنه =1